الوقت .. عدَّاد الموت
أما بعد .......
أيها الأحبة الكرام:
دعوني أبدأ
بسؤال… بسؤال صادم:
هو إحنا عايشين… ولا بس بنعدّي الوقت؟
هو العمر ده رأس مال… ولا مجرد أرقام في البطاقة؟
ليه بنكبر فجأة ونكتشف إن السنين بتجري ؟!
قال سبحانه تعالى:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ
أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾
كلا، والله… فالعمر ليس عبثًا، والوقت ليس فراغًا، والدقائق ليست
رخيصة.
أيها الأحبة الكرام:
الوقت هو حياتك ، ليس جزءًا منها، بل هو حياتك كلها.
ما مضى منه قد مات، وما بقي غير مضمون،
وأما اللحظة التي تعيشها الآن… فهي الكنز الحقيقي.
قال الحسن البصري رحمه الله: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب
يوم ذهب بعضك.
وإذا ذهب بعضك، فكيف يُسترد؟
وإذا نقص عمرك، فبأي شيء يُعوَّض؟
القرآن يصرخ فينا منبهاً على قيمة الوقت!
أول ما تسمع القرآن، تلاقي ربنا يقسم:
والعصروالضحى والليل والفجر
ولماذا القسم؟
لأن المقسَم عليه خطير:
﴿إِنَّ
الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
خسارة شاملة ... فى الدين ... وفى الدنيا... وفى العمر
..
إن القرآن كله ينادي على هذه الحقيقة ، فما إن تُتلى آياته، حتى تسمع أقسامًا بالزمن........
والخاسر حقًا ليس من فشل في تجارة،
ولا من ضاع منه منصب،
بل الخاسر من ضيَّع وقته وهو لا يشعر.
وقد حسم النبي ﷺ هذه القضية بكلماتٍ جامعة، فقال:
«نِعْمَتَانِ مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»
والمغبون هو الخاسر، الخاسر الذي يظن أنه رابح،
يعيش في راحة، وفراغ، وطمأنينة زائفة،
بينما عمره يُسرق لحظةً بعد لحظة.
أيها الأحبة الكرام:
تأملوا هذا المشهد، واسمعوه بقلوبكم قبل آذانكم:
شابٌّ في مقتبل العمر ، صحته كاملة ، وقته واسع ، أيامه تمضي بين
لهوٍ وسهرٍ وانشغالٍ بما لا ينفع .....ثم فجأة…
مرض،
وسرير،
وأجهزة،
وأنابيب.
وقتها لا يطلب مالًا ، ولا منصبًا ، ولا عودةً للدنيا، وإنما يقول:
يا رب… دقيقةً واحدة، أصلي فيها ركعتين.
آآآه ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾
لكن الجواب جاء حاسمًا: ...... ﴿كَلَّا﴾
وأنت اليوم قائم ، تملك ، وتقدر ، وتسوف......
أيها الأحبة الكرام : اعلموا أن الوقت هو أول ما يُسأل عنه العبد
يوم القيامة كما قال النبي الله ﷺ: «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن
أربع....عن عمره فيما أفناه»
ليس السؤال: أين كنت؟
بل: فيما أفنيت عمرك؟
ومشكلتنا الحقيقية ليست في قلة الوقت، بل في سوء استعماله: تسويف ،
وطول أمل ، واستهلاك ، وإهدار للأعمار.
نقول: غدًا، بعد رمضان، إذا كبرنا، إذا تفرغنا…
وننسى أن الموت لا يستأذن أحدًا.
أيها الأحبة الكرام:
ديننا دين وقت وانضباط:
فالصلاة بوقت ، قال سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ
الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾
والصيام بوقت {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}
والذكر بوقت {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}
والطاعة بوقت، بل حتى التوبة بالرغم من أن وقتها مفتوح لكن لها وقت
تغلق فيه .
وقد كان النبي ﷺ يحاسب وقته بدقة،
تقول عائشة رضي الله عنها: كان إذا عمل عملًا أثبته
أي داوم عليه، ولم يكن عشوائيًّا ولا متقلّبًا.
واعلموا أيها الأحبة الكرام أن البركة ليست في
طول العمر وإنما في حسن استغلاله.
فكم من إنسان عاش ثلاثين سنة، وترك أثرًا يهزّ التاريخ،
وكم من آخر عاش تسعين سنة ، ومضى كأنه لم يكن.
والفرق بينهما:
أن الأول عرف قيمة الوقت ،
والثاني عاش يضيّعها.
تأملوا المقابر…
أجسادٌ تحت التراب ، لو فُتح لها باب دقيقةٍ واحدة، لبذلوا فيها
أعمارهم كلها.
وأنت… معك اليوم، والساعة، والفرصة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.......
الخطبة الثانية
أما بعد ......
أيها الأحبة الكرام:
فلنكن صرحاء مع أنفسنا:
نحن أمة تشتكي قلة البركة، وقلة الإنجاز، وضيق الوقت.
ومع ذلك، نجد وقتاً نضيعه ، ولهواً لا ينتهي، وانشغالًا بما لا ينفع.....
فكيف إذاً نحفظ أعمارنا؟
أولًا: بتعظيم قيمة الدقيقة.
ثانيًا: بتنظيم اليوم وترتيب الأولويات.
ثالثًا: بتقديم الآخرة على الدنيا.
رابعًا: بمحاسبة النفس.
خامسًا: بقطع ما لا ينفع.
قال رسول الله ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»
واحذروا التسويف، فكلمة "سوف" أضاعت أممًا، وفتحت أبواب
الندم.
قال تعالى:﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾
يعني الإنسان طول حياته بين شغل وراحة، بين هم وفراغ.
بس الفراغ مش للكسل… الفراغ مش للعبث… الفراغ فرصة ذهبية.
"فانصب" – اتجه إلى طاعة، إلى عبادة، إلى عمل نافع، إلى علم، إلى
خدمة نفسك أو أهلك أو مجتمعك.
عندما تنتهي من عملك اليومي ، أو دراستك اليومية ، أو أي مهمة… لا
تظن أنك انتهيت ، لأن الفراغ وقت مفتوح للخير، سواء كان خير دنيوي أو خير أخروي.
أيها المؤمنون، الفرصة ما زالت قائمة، وربما
كانت هذه الخطبة آخر إنذار، وأول بداية.
اللهم بارك لنا في أوقاتنا
ولا تجعل أعمارنا حجةً علينا
واجعلنا من الذين إذا ذُكِّروا تذكّروا
واجعل خير أعمارنا آخرها
وخير أعمالنا خواتيمها
ولا تقبضنا إلا وأنت راضٍ عنا.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد،
وأقم الصلاة.