recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة قيمة الوقت في حياة الإنسان الشيخ/محمد عادل شرباش خطيب بوزارة الأوقاف المصرية

  قيمة الوقت في حياة الإنسان 

الحمد لله ربِّ العالمين، خالق الزمن ومقدّر الأعمار، ومُصرف الليالي والأيام، جعل الليل والنهار خِلْفة لمن أراد أن يذكّر أو أراد شكرًا، أحمده سبحانه على نعمة الوقت، وأشكره على نعمة العمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين.

أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من أعظم نعم الله على الإنسان نعمة الوقت، فالوقت هو العمر، والعمر هو رأس مال الإنسان الحقيقي، من أحسن استثماره فاز في دنياه وآخرته، ومن ضيّعه خسر خسرانًا لا يُعوَّض.

قال الإمام الحسن البصري رحمه الله:

«يا ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك».

الدنيا ثلاثة أيام وحقارتها

الدنيا على حقيقتها ثلاثة أيام:يوم مضى لا يعود، فلا نستطيع تغييره.يوم نحن فيه الآن، فاغتنمه قبل أن يفوتك.يوم لا تدري إن كنت ستدركه أم لا.

قال النبي ﷺ:"اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».

وقد حقّر الله الدنيا في ميزانه، فقال ﷺ:

«لو كانت الدنيا تعدِل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء».

وقال ﷺ:

«كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».

ولذلك مهما طالت الدنيا أو عظمت، فهي قصيرة وزائلة، ولا يُسأل عنها إلا في ميزان الأعمال.

أهمية الوقت في ميزان الإسلام

الوقت من أعظم نعم الله، والإسلام جعل العمر رأس مال الإنسان، وجعل لكل دقيقة قيمة.

قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: 62].

وقال تعالى:

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون:115].

وقال تعالى:

"وَالْعَصْرِ  إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ"(العصر:1-2).

أيها الأحبة، كل لحظة تمضي على العبد إما لزيادة حسناته أو نقص أعماله، وكل عمل صالح هو رصيد في الآخرة.

أقسام الله تعالى بالوقت

أقسم الله تعالى بالوقت في مواضع عديدة، وهذا دلالة على عظم شأنه:

سورة العصر:

﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾

سورة الضحى:

﴿وَالضُّحَى ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾

سورة الفجر:

﴿وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾

سورة الليل:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ۝ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾

كل هذه الأقسام تذكّرنا بأن العمر مسؤولية، وكل ساعة تمضي ستكون محل سؤال يوم القيامة.

خطورة إضاعة الوقت

قال تعالى:

﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:99-100].

وقال النبي ﷺ:

«نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (البخاري).

كم من إنسانٍ ضاع عمره في لهو، ونظر محرّم، وكلام لا ينفع، حتى إذا حضر الموت لم يجد سوى الحساب.

اغتنم خمسًا قبل خمس:

1-شبابك قبل هرمك: أكثر المراحل قوةً ونشاطًا، استثمرها في الطاعة والعمل الصالح.

2-صحتك قبل سقمك: الجسد أمانة، فاستخدمه في الخير قبل أن يُفتقد.

3-غناك قبل فقرك: المال وسيلة، فأنفقه فيما يرضي الله قبل الحاجة.

4-فراغك قبل شغلك: استغل وقت الفراغ في التعلم والذكر والعمل النافع.

5-حياتك قبل موتك: كل لحظة حياة أمانة، احرص على ملئها بطاعة الله.

وقال ﷺ:

«اغتنم هذه الحياة قبل موتك، وافعل الخير قبل فوات الأوان» (رواه البيهقي).

المراحل العمرية للإنسان:

-الطفولة: غرس القيم، تعلم الفضائل.

-الشباب: مرحلة التحدي والمسؤولية، قال ﷺ:

«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه» (الترمذي).

-الكهولة: مرحلة العمل والعطاء واستثمار الخبرة.

-الشيخوخة: مرحلة الحصاد، يجني الإنسان ما زرعه في صغره وكهولته.

مواقف الصحابة في تعظيم الوقت"

-ابن مسعود رضي الله عنه قال:

«ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي».

-عمر بن عبد العزيز: كان يحرص على كل ساعة، ويقول: إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما.

-عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: كان إذا أمسَى لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، مستغلاً كل لحظة في طاعة الله.

-أبو الدرداء رضي الله عنه: كان إذا فرغ من عبادة أو عمل يقول: لعل هذه اللحظة كانت سببًا في دخول الجنة أو النجاة من النار.

هذه المواقف تبيّن حرص السلف على الوقت والوعي بالمسؤولية الفردية تجاه كل لحظة من العمر.

قصة مؤثرة تبكي القلوب"

يُروى أن رجلًا من الصالحين، لما حضرته الوفاة، بكى بكاءً شديدًا، فقيل له:

هل تخاف الموت؟

قال: لا، ولكن أبكي على ساعةٍ مرت من عمري لم أذكر الله فيها.

الله أكبر… لم يبكِ على مال، ولا منصب، بل بكى على وقت ضاع بلا طاعة.

كيف نحافظ على الوقت"

1-المحافظة على الصلاة في أوقاتها

2-قراءة القرآن والذكر باستمرار

3-محاسبة النفس يوميًا

4-ترك الفضول في الكلام والنظر

5-اختيار الصحبة الصالحة

قال تعالى:

﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ۝ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:7-8].

الخاتمة

عباد الله،

أعمارنا قصيرة، وأنفاسنا معدودة، والسعيد من ملأ وقته بطاعة الله، والخاسر من أضاع عمره حتى فاجأه الموت.

فلنغتنم أعمارنا وأوقاتنا في طاعة الله، ولنسعَ لكل لحظة عمل صالح، فكل دقيقة هي استثمار حقيقي للآخرة.

الدعاء

اللهم بارك لنا في أوقاتنا، اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم اجعل أعمارنا حجةً لنا لا علينا، اللهم ارزقنا حسن الخاتمة، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent