وَهُمْ
يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا
الذين شهدوا الزوروقلبوا الحقيقة ظنوا أنهم يحسنون صنعاً
الذين ارتكبوا الخطيئة ثم رموابهاالأبرياءظنواأنهم يحسنون صنعاً
الذين نافقوا وعملوا رياء ظنواأنهم يحسنون صنعاً
أما بعد:
فحديثنا إليكم اليوم عن أولئك الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
فمن هؤلاء وماهي صفاتهم وماهي نهايتهم ؟
أخي المسلم :" أظنك قرأت سورة الكهف في هذه الجمعة المباركة، جعلها الله مباركة علينا وعليكم، وعلى المستضعفين في كل مكان،
قرأت سورة الكهف تبتغي ما ورد في فضلها، وأن "من قرأها في جمعة أضاء له نور ما بين الجمعتين"كما ورد عن رسول الله صلي الله عليه وسلم :"- من قرأ سورةَ ( الكهفِ ) في يومِ الجمعةِ أضاء له من النورِ ما بين الجمُعَتَين"(البيهقي صحيح الترغيب). والآثار في فضيلة قراءتها كثيرة تدل على أن لذلك أصلاً يعمل به.
وأنت تقرأ اليوم سورة الكهف ألم يستوقفك قوله تعالى:"قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا"(الكهف: 103).، إذن هناك قوم من عباد الله هم أخسرون في أعمالهم، وليسوا خاسرين فقط.
فخسارتهم نافست خسارة غيرهم، وأتعس بمنافسة في الخسران، والبعد عن منهج الرحمن.
وتستطرد الأية عن هؤلاء قال الله عنهم :"الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا"(الكهف: 104).
عباد الله :" ما أشد خسارة هؤلاء !!
لهم سعي، مجتهدون فيه، يصبرون عليه، ويصابرون من أجله، ويرابطون لتحقيقه والإتيان به حتى لا ينقص شيء منه، ولكنهم "ضَلَّ سَعْيُهُمْ"، فسعيهم في ضلال لم يتنبهوا له، أو قد تنبهوا، ولكن أخذتهم العزة بالإثم في الثبات عليه، وتعاهدوا رفاقهم أن يتفرقوا عنه!! فعموا وصموا.
ثم يكتمل الضلال في ظلامه حينما يبلغون هذه الدرجة، ويدورون في هذه الدائرة المغلقة، ويتيهون في صحراء السراب من كل نواحيها،"حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا"(النور: 39). ، فماهم بخارجين منها، وإن جدّوا في سيرهم، وحثوا مطاياهم.
هذه الدرجة السافلة في الانحدار حينما "يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا"(الكهف: 104)!
فمتى بربك يقلع من يظن صنعه حسناً وعمله موفقاً؟! وهو إنما يُستدرج ويملى له.
أشد الناس فتنة في هذا هم الكفار :"أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا"(الكهف: 105).
ولمن أخذ شعبة من هذه الصفة، وإن لم تبلغ به درجة الكفر نصيب من تحذير الله ووعيده!
"أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ"(فاطر: 8).
الذين قتلوا وسفكوا دماء الأبرياء ظنوا أنهم يحسنون صنعاً
أيها الإخوة:
ألم نري ونسمع من قتلوا وأكثروا وفتنوا الناس وأرادوا أن يقنعوا الناس بضلالهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً نعم قيل لهم :" عندما تقتل هولاء الفسقة الفجرة بعدما حكموا عليهم سوف تصعد روحك إلي السماء في مقعد صدق عند مليك مقتدر" وعندما يريد أن يفهم أو يستفسر يقال له لاتناقش ولاتجادل ياأخ علي ..
عباد الله :" ألا إن من الحق الذي أرانا الله إياه، وتضافرت النصوص فيه أن المسلم معصوم الدم لا يجوز الاستهانة بدمه تحت أي ظرف، ومثله من أعطى عهد الله وذمته من أهل الكتاب أو غيره.
هذا ما قرأناه في كتاب ربنا وتواترت في سنة نبينا، فماذا بعد الحق إلا الضلال
أنت يامن ضل سعيك في الحياة الدنيا وحسبت أنكم تحسنون صنعا ألم تقرأوا قول المولي عز وجل "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا"(النساء: 93).
وقوله سبحانه:" مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ"(المائدة/32)
ألم تقرأ قَولَهُ صلى الله عليه وسلم: "لَن يَزَالَ المُؤمِنُ في فُسحَةٍ مِن دِينِهِ مَا لم يُصِبٍ دَمًا حَرَامًا" (البُخَارِيُّ).
وقول النبي صلي الله عليه وسلم :"مَن قَتَلَ عُصفُورًا عَبَثًا عَجَّ إلى اللهِ يَومَ القِيامَةِ يَقولُ يا رَبِّ إنَّ فُلانًا قَتَلَنِي عَبَثًا ولَمْ يَقتُلْنِي مَنْفَعةً"(النسائي وأحمد).
وغيرها كثير وكثير...فكيف يخرج من أعمل خنجره في ظهر أمته، واستهان بدماء أبنائها من رجال الأمن أو غيرهم كيف يخرج من هذه النصوص وبأي حجة يقابل بها ربه؟!
أيغنيه أن يقول: قرأت في الإنترنت، وشاهدت تصريح فلان، وحرّك مكامن غيرتي على وقائع الأمة ذاك الخطيب الذي يرغي ويزبد، ولا تزال هذه المتابعات تصب الزيت في نار قلبه حتى بلغ صاحبُنا أن اغتبط بقتل الأبرياء وهش لرؤيته دماء سالت بأيدي من طوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فسيصبح من النادمين
وحيث انتهى الانحدار هذا المنتهى، فإلى كل من يرجو لقاء الله هذا الحديث الصحيح ثم فكر وقدر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَن قَتَلَ مُؤمِنًا فَاغتَبَطَ بِقَتلِهِ لم يَقبَلِ اللهُ مِنهُ صَرفًا وَلا عَدلاً" ( أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ).
الذين شهدوا الزوروقلبوا الحقيقة ظنوا أنهم يحسنون صنعاً
عباد الله :
ألم نري من يزني ويرتكب الموبقات وظن أن عمله هذا حسنا وهو لايدي أنه ضل سعيه في الحياة الدنيا ربما تقاضي مبلغاً من المال لن ينفعه وربما أراد أن يتودد لظالم أكل ميراث غيره أو زوجة ناشز لعب بها شيطان الأنس ليفسدها أو يخببها علي زوجها أو شهد لرجل مستهتر ليضيع حق زوجته في النفقة ..
ألم نري من ذهب لمجلس عرفي والمحكمة وشهد زوراً وغير الحقيقة وزين له الشيطان عمله سواء شيطان الجن أو الإنس وغير وجه الحقيقة وهو لايدري أنه قد أسأ إلي نفسه وأسأ إلي مجتمعه وأسأ الي القاضي بأن ضلله عن الحقيقة ..
ألم تقرأ ياشاهد الزور قول الله تعالي في سورة الفرقان،:"وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا"( الفرقان، الآية 72).
وفي سورة الحج:"فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ"(الحج، الآية 30).
وفي سورة المجادلة، الآية 2: {وَإِنَّهُمْ
لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ
غَفُورٌ}.
سورة الفرقان:"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا"(المجادلة، الآية 2).
يامن زين لك سوء عملك وحسبت أنك تحسن صنعاً ألم تعلم أن شهادة الزور من أكبر الكبائر ومن أعظم
الذنوب يقول النبي ﷺ :" ألا أنبئكم بأكبر
الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان
متكئًا فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا:
ليته سكت"(صحيح البخاري ومسلم).
يعني: ما زال يكرر التحذير من شهادة الزور، حتى قال الصحابة: ليته سكت، يعني: إبقاءً عليه لئلا يشق على نفسه عليه الصلاة والسلام..
الذين ارتكبوا الخطيئة ثم رموابهاالأبرياءظنواأنهم يحسنون صنعاً
عباد الله :" ألم نري من زين له سوء عمله فرأه حسنا وظن أن يحسن صنعاً وارتكب خطيئة وإثماً ثم رمي به بريئاً وتلك جريمة عظيمة يرتكبها أي شخص، وهي ارتكاب ذنب (خطيئة أو إثم) ثم افتراء وتلفيق هذا الذنب لشخص بريء، مما يجعله قد جمع بين جريمته الأصلية وجريمة الكذب والافتراء والظلم، ويُحذّر النص من ذلك بشدة لأن مرتكبها يحمل "بهتانًا وإثماً مبيناً".
ألم تقرأ يامن تؤذي الناس وترمي الأبرياء بالباطل قول الله تعالي :"وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا "(النساء/112).
من يرتكب ذنباً (خطيئة: خطأ غير عمدي، إثم: ذنب عمدي) ثم ينسبه إلى شخص بريء لم يرتكبه."فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا": فقد حمل كذباً وافتراءً عظيماً (بهتان) وذنبًا واضحاً (إثم مبين) وللأسف وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً في أذية خلق الله
والله يرد عليهم بقوله:" وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا
اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا"(الأحزاب/58).
ويقول النبيُّ ﷺ: كل المسلم على المسلم
حرام: دمه، وماله، وعِرْضُه، ويقول ﷺ: إنَّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضَكم؛ عليكم
حرام كحُرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ولما تكلَّم الصديقُ مع
الضُّعفاء من المهاجرين ببعض الشيء قال له النبيُّ ﷺ: لئن كنتَ أغضبتَهم لقد
أغضبتَ ربَّك.
ولأن أذيّة المؤمنين سببٌ من أسباب سخط الله تعالى وغضبِه، فقد صعد عليه الصلاة والسلام المنبرَ فنادى بصوتٍ رفيع فقال: "يا معشرَ من أسلم بلسانِه ولم يُفْضِ الإيمانُ إلى قلبه، لا تؤذوا المسلِمين، ولا تعيّروهم، ولا تتَّبعوا عوراتِهم، فإنّه من تتبّع عورةَ أخيه المسلم تتبّع الله عورتَه، ومن تتبّع الله عورتَه يفضحه ولو في جوفِ رحله". (الترمذي). ونظر ابن عمر يوما إلى البيت أو إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك..
الأذية ظلم:
إن إيقاع الأذى بالمسلمين نوع من
الظلم، والظلم كله حرام.
وليتذكّر من أوقع على المسلمين ظلما أنّ معهم سلاحًا بتّارًا، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "واتّق دعوةَ المظلوم، فإنّه ليس بينها وبين الله حجاب"(مسلم).
فيا مَن تجرأت على أذية المسلمين بغير حق تُب وأقلع، كُفَّ عن أذية المسلمين قبل أن يُقضَى بينك وبينهم يومَ لا ينفع مال ولا بنون،
فعن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون ما المفلس؟"، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: "إنّ المفلسَ من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وقيام وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مالَ هذا وسفك دمَ هذا أو ضربَ هذا، فيُعطى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه، فإن فنِيت حسناته قبل أن يَقضيَ ما عليه أخِذ من خطاياهم فطُرحت عليه فطُرح في النّار"(مسلم).
احذَروا من أذيّة إخوانِكم بأيّ نوعٍ من أنواع الأذى أو صورةٍ من صوَر الإضرَار، فذلكم وقوعٌ في شرّ عظيم، فرسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: "من آذى المسلمين في طرقِهم وجبت عليه لعنتُهم".،(صحيح الترغيب).
ولما قيل له: يا رسول الله، إنّ فلانة تصلّي الليلَ وتصوم النّهار وتؤذي جيرانَها بلسانها، قال: "لا خيرَ فيها، هي في النّار"(البخاري).
والتائب من الذنب كمن لاذنب له
الخطبة الثانية:
الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله أما بعد فياعباد الله
:"قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا"(الكهف: 103، 104)،
ضلَّ سعيُهم لأنهم عملوا لغيرِ اللهِ، وماكان لله دام واتصل وماكان لغير الله انقطع وانفصل وما كان لغيرِ اللهِ فلا ينفعُ، ويُقالُ: الذين ضلَّ سعيُهم هم الذين قرنوا أعمالَهم بالرياءِ، ووصفوا أحوالَهم بالإعجابِ، وأبطلوا إحسانَهم بالملاحظاتِ أو بالمنِّ،
الذين نافقوا وعملوا رياء ظنواأنهم يحسنون صنعاً
يا عبادَ اللهِ، إنَّ من أخطرِ ما يبتلي اللهُ به القلوبَ أن يختلَّ ميزانُها، فتطمئنَّ إلى ما ليس بحقٍّ، وتأنسَ بما لا يُرضي اللهَ، فيرى العبدُ نفسَهُ مُحسنًا، وهو في الحقيقةِ محتاجٌ إلى مراجعةٍ وبصيرة. ومن هنا جاء التحذيرُ القرآنيُّ العميقُ الذي لا يُوجَّهُ إلى الكسالى ولا إلى المعرضين، بل إلى قومٍ عملوا وبذلوا وسَعَوا، ثم ضلَّ سعيُهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا؛ آيةٌ تكشفُ محنةَ البصيرةِ قبل أن تفضحَ خللَ السلوك، وتدعو المؤمنَ إلى أن يقفَ مع نفسِه وقفةَ صدقٍ، يسألُ فيها عن ميزانِه قبل أن يسألَ عن عملِه، وعن طريقِه قبل أن يُكثِرَ من خُطاه.
ولهذا حذر الرسول صلي الله عليه وسلم من هذا العمل الذي يدخله الرياء والكذب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ أوَّلَ الناسِ يُقْضَى يومَ القيامةِ عليه رجلٌ اسْتُشْهِدَ، فأُتِيَ بهِ ، فعَرَّفَهُ نِعَمَهُ ، فعَرَفَها ، قال : فما عمِلْتَ فيها ؟ قال : قاتَلْتُ فِيكَ حتى اسْتُشْهِدْتُ، قال : كذبْتَ، ولكنَّكَ قاتَلْتَ لِيُقالَ جِريءٌ ، فقدْ قِيلَ ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النارِ ، ورجلٌ تعلَّمَ العِلْمَ وعلَّمَهُ ، وقَرَأَ القُرآنَ ، فأُتِيَ بهِ فعَرَّفَهُ نِعمَهُ ، فعَرَفَها ، قال : فما عمِلْتَ فيها ؟ قال : تعلَّمْتُ العِلْمَ وعلَّمْتُهُ، وقَرَأْتُ فِيكَ القُرآنَ ، قال : كذبْتَ، ولكنَّكَ تعلَّمْتَ العِلْمَ لِيُقالَ عالِمٌ ، وقرأْتَ القُرآنَ لِيُقالَ : هو قارِئٌ فقدْ قِيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ حتى أُلْقِيَ في النارِ ، ورجُلٌ وسَّعَ اللهُ عليْهِ ، وأعْطاهُ من أصنافِ المالِ كُلِّهِ، فأُتِيَ بهِ فعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فعَرَفَها ، قال : فمَا عمِلْتَ فيها ؟ قال : ما تركْتُ من سبيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنفَقَ فيها إلَّا أنفقْتُ فيها لكَ ، قال : كذبْتَ، ولكنَّكَ فعلْتَ لِيُقالَ : هوَ جَوَادٌ ، فقدْ قِيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ ، ثمَّ أُلْقِيَ في النارِ"(مسلم).
، فكانت العاقبة خسرانًا رغم عِظَم الصورة الظاهرة، لأن الميزان اختلّ من الأصل. وهذه القصة النبوية من أوضح ما يفسّر قوله تعالى: "وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا"، إذ ظنّ صاحب العمل أنه بلغ الغاية، فإذا به يُحرم الأجر من الأساس.
ومن هؤلاء الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً الذين يستصغرون ذنوبهم و أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال : إياكم ومحقراتِ الذنوبِ فإنهُنَّ يجتمعنَ على الرجلِ حتى يُهلكنَهُ " ( الطبراني والبيهقي ).
حذَّر النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أُمَّتَه مِن الذُّنوبِ كلِّها صَغيرِها وكَبيرِها؛ لأنَّه إذا كانتِ الكبائرُ ظاهِرَةً، وأثَرُها واضِحًا، فإنَّ صَغائِرَ الذُّنوبِ قد تَكثُرُ في فِعلِ الإنْسانِ دُونَ أن يَشعُرَ، فتُصبِحُ مُهلِكةً له عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه أنه قال: إنَّ المؤمنَ يرى ذنوبَهُ كأنه في أصلِ جبلٍ يخافُ أن يقعَ عليه، وإنَّ الفاجرَ يرى ذنوبَهُ كذبابٍ وقعَ على أنفِه فقال به هكذا فطار"(الترمذي)،اللهم لا تجعل حظنا من أعمالنا ثناء
الناسِ علينا,
ولا تجعلنا ممن يُقال لهم قد عملتم
فاذهبوا إلى من عملتم لهم
اللهم اجعلنا ممَّن يبتغي بأعماله وجهك
الكريم لا تجعل في أعمالنا رياءً ولا سُمعة ..
اللهم تقبَّل منَّا إنكَ أنت السميع العليم