حكم ذكرالله
والصلاةعلى النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الخطبة أو تلاوة القرآن الكريم؟
ظهر الإنكار من بعض الناس على فعل وحال
شيخنا معالي الوزير الدكتور أسامة الأزهري حفظه الله في أنه لا يدع السُبحة من يده
لا في خطبة ولا في تلاوة قرآن ولا في مجلس علم.
#وبيان جواز هذا الفعل من وجهين:
#الوجه الأول: فقهي:
أن كثيرًا من الفقهاء قد اختلفوا في
حكم الإنصات في الخطبة هل يحرم أم لا؟ ففيه وجهان مشهوران، فالجمهور على حرمة
الكلام لظاهر بعض الأدلة من السنة الشريفة.
#ومذهب الإمام الشافعي ورواية عن الإمام
أحمد ذكرها ابن قدامة في "المغني" (2/ 237) أن الكلام (عمومًا) لا يحرم
في الخطبة.
#قال صاحب البيان في مذهب الشافعي (2/
600): "قال الشيخ أبو نصر في "المعتمد": وليس للشافعي نص في
الإشارة إلى من يتكلم في حال الخطبة، والذي يجيء على مذهبه: أنه لا بأس به".
أي بالإشارة إلى من يتكلم أما الإنصات في الجمعة للخطيب فالمذهب على أنه يستحب
وليس بواجب قال العمراني: وهو الصحيح.
ولذلك يستحب عند السادة الشافعية أنك
لو دخلت والإمام يخطب يوم الجمعة أن تصلي ركعتين والإمام يخطب مع أنها سنة فقدّمت
على استماع الخطبة، ومنها أن الرجل انشغل بأمر الساعة فقام فسأل متى الساعة؟ فلم
ينكر عليه صلى الله عليه وسلم ولم ينهه عن ذلك بل قال: وماذا أعددت لها؟ إلى غير
ذلك من أدلة سادتنا الشافعية.
#وقد عزا ابن الأثير في "شرح مسند
الشافعي" (2/ 108) هذا الحكم إلى جماعة من السلف فقال: "وإليه ذهب عروة
بن الزبير والشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، والثوري".
#فنص السادة الشافعية على أن الكلام في
الخطبة عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
#أَحَدُهَا: مَا يَلْزَمُهُ فِي
غَيْرِهِ، كَإِنْذَارِ ضَرِيرٍ قَدْ كَادَ أَنْ يَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ أَوِ
الْإِنْذَارِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ حَرِيقٍ. (فهذا كلام واجب في الخطبة لإنقاذ نفس).
#والثاني: مَا يَعْنِيهِ فِي نَفْسِهِ:
كَالرَّجُلِ الَّذِي قَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ
السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَنَا (فهذا لحال أو سؤال وهو عندهم مباح).
#والثالث: مَا لَا يَلْزَمُهُ فِي
غَيْرِهِ وَلَا يَعْنِيهِ فِي نَفْسِهِ كالكلام الذي ليس منه فائدة وانشغال عن
الذكر والخطبة فهذا هو المقصود بالنهي عند الشافعي". راجع: الحاوي الكبير (2/
445).
قال العلامة البيجوري في حاشيته على
ابن القاسم (٢/١٨٨): ولا يحرم الكلام في حال الخطبة ... وقد يُسن كتشميت عاطس ورفع
الصوت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءة الخطيب (إن الله وملائكته
يصلون على النبي) وكذا عند ذكر اسمه ولو من غير الخطيب وإن صرح القاضي أبو الطيب
بكراهته والمعتمد ما اقتضاه كلام الروضة من إباحته.
#ومن ذلك يتبين بوضوح أن الكلام المنهي
عنه في الخطبة هو الكلام بما ليس فيه فائدة، أو فيه نوع من اللهو واللعب، فهذا هو
المنهي عنه وفق مذهب السادة الشافعية أما الانشغال بالذكر فكأنه حالة من الاستغراق
في مطلوب الجمعة أصلًا، إذ هو الغرض المطلوب في عدم التعلق بغير الله تعالى، ومع
ذلك فليس حكمًا عامًّا، إذ الأصل سماع الخطبة والإنصات إليها أما من غلبه حاله
بالذكر فلمْ يخرج قط عن مقياس الشريعة ولا آدابها.
#قال الإمام الشافعي في
"الأم" (1/ 234): "وَإِذَا كَانَ لَا يَسْمَعُ مِنْ الْخُطْبَةِ
شَيْئًا فَلَا أَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي نَفْسِهِ وَيَذْكُرَ اللَّهَ تَبَارَكَ
اسْمُهُ وَلَا يُكَلِّمَ الْآدَمِيِّينَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا
إبْرَاهِيمُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ
يَذْكُرَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ بِتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ وَتَسْبِيحٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا
إبْرَاهِيمُ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إلَّا أَنَّ مَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ
أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَأَلَ إبْرَاهِيمَ أَيَقْرَأُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ وَهُوَ لَا يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ؟ فَقَالَ عَسَى أَنْ لَا يَضُرَّهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ فَعَلَ
هَذَا مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ الْإِمَامِ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَلَوْ
أَنْصَتَ لِلِاسْتِمَاعِ كَانَ حَسَنًا". انتهى.
#الوجه الثاني: أن هذا غلبة حال:
#ولستَ أيها المنكر مدعوًّا إلى
الاقتداء به في ذلك؛ لأن حالك ليس كحاله، ولغلبة الحال مدخل في الحكم، فكل من عرف
مولانا معالي الوزير يعرف أنه دائم الذكر في مجالسه الخاصة والعامة، ولا يترك
الذكر إلا إذا تكلم، وأنه يسمعك وأنت تتكلم حال ذكره، ويعي كل ما تقول ويناقشك
ويستدرك ويصوب، حتى إني أوقن أنه يمكن أن يذكر لك أخطاءك في الخطبة مع دوام ذكره،
وهذا حال عجيب، فغلبة الحال هنا عبارة عن حالة الاستغراق في الذكر وكأنه إن ترك
السبحة يستشعر بوحشة.
#ولهذا صور كثيرة في الشريعة منها: أن
أحد الصحابة كان يحرص على قراءة {قل هو الله أحد} في كل ركعة، ولا يقرأ سواها،
فشكى الناس منه ذلك إلى سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، فسأله المصطفى صلى الله
عليه وسلم عن سبب حرصه على ذلك فأخبره أنه يحبها لأنها صفة الرحمن، فقال له النبي
صلى الله عليه وسلم: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ». [علقه البخاري
ووصله غيره].
#فلك أن ترى أن الرسول الكريم قد سلَّم
له حاله، ولم ينكر عليه بأنه خالف السنة، ومع ذلك كره سائر السلف الاقتداء به في
ذلك، #قال العلامة زرّوق المالكي: "فهو صاحب حال فيها، يُسلَّمُ له، ولا
يُقتدى به، ولو كان للاقتداء به محل لكان السلف أولى به، ولم يرد عن أحد منهم
التزامه". [عدة المريد الصادق (صـ 105)]
#ولما حث الشرع على صحبة الصالحين وهجر
الفاسقين قال العلامة الغزي في "حسن التنبه" (1/ 61): "يتعين على
ذلك العدل الصالح ألا يصحب ذلك الفاسق إلا إذا تحقق بغلبة حاله".
#فلا لوم على من غلب عليه حاله في ذكر
أو عمل، قال الحافظ الذهبي في "تاريخ الإسلام" (49/ 124): "وغلبة
الحال حاكمة على العلم من بعض الصالحين".
#وأحسن من قال:
فدَعِ المحبَّ من الملامةِ إنَّها ...
بئسَ الدَّواءُ لمُوْجَعِ مِقْلاقِ
لا تُطفِئنَّ جَوًى بلَوْمٍ إنَّه ...
كالرِّيح تُغري النَّارَ بالإحراقِ.
#هذا والله تعالى أعلى وأعلم، وأجلّ
وأكرم، وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.