recent
أخبار عاجلة

حكم وفضل اتباع الجنائز عند نزول المطر . محمد أبوالنصر

حكم وفضل اتباع الجنائز عند نزول المطر  

 


 ️ الحمد لله الذي كتب الموت على الخلائق جميعا، وجعل البلاء والمشقة رفعة للمؤمن إذا صبر واحتسب، والصلاة والسلام على من علّم الدنيا الوفاء للأموات

والرحمة بالأحياء، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:

- فإنَّ تشييع الجنائز من  أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى مولاه، فإذا أحاطت بهذا العمل الصالح شدائد من مطر منهمر، أو وحل منزلق، صار التكليف مشوباً بالمشقة، واستحال الصبر إلى مغنم، ونستعرض أحكام هذه الحالة وفضلها.

  أولاً: فضل الصلاة على الميت واتباعه في الشريعة الإسلامية.

- إنَّ الإسلام لم ينظر إلى تشييع الجنازة كمجرد طقس اجتماعي، بل جعلها حقاً من حقوق المسلم على أخيه، وميدانًا لسباق الأجور.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ» متفق عليه. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يأمر من تبعها بمرافقتها حتى توضع في القبر؛ أداءً لحق المتوفَّى؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ» متفق عليه.

* وقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيَّة والمالكيَّة -في المشهور- والشافعيَّة والحنابلة إلى أنَّ الصلاة على الميت فرض كفاية؛ ينظر: "المختار" لابن مودود الموصلي الحنفي (1/ 92)، و"التوضيح" للشيخ خليل المالكي (2/ 146)، و"المجموع شرح المهذب" للإمام النووي الشافعي (5 / 212)، و"الكافي" للإمام ابن قدامة الحنبلي (1/ 362).

* ومعنى أنَّها فرض كفاية: أي: أنَّ الشارع طلب فعلها طلبًا جازمًا من مجموع المكلفين، لكن إذا فعلها البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا تركها الجميع أثموا جميعًا، إذ المقصود منها تحصيل مصلحتها من غير نظر إلى فاعلها. ينظر: "الإبهاج في شرح المنهاج" لتقي الدين السبكي (1/ 100).

  عظمة الأجر المترتب على التشييع.

- إن الأجر المرصد لمن صلى وتبع الجنازة أجر هائل، لا يفرط فيه إلا محروم.

 *  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ». قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ»

 <خرجه البخاري برقم 1325، ومسلم برقم 945)>

  الموت تذكرة والتشييع وفاء .

التشييع يرقق القلب القاسي، ويذكر العبد بمآله، وهو من أعظم أدلة الإيمان.

 *  يقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [سورة آل عمران: 185].

  ثانياً: حكم الصلاة والتشييع في حال المطر والوحل الشديد .

- الشريعة الإسلامية شريعة سماحة ويُسر، وقد وضعت القواعد التي تنظم العبادة عند وجود الأعذار الطبيعية.

  مشروعية التخلف عن الجنازة عند العذر القاهر

إذا صار المطر غزيراً بحيث يخشى المرء على نفسه الهلاك، أو المرض الشديد، أو تضرر ثيابه وضياع ماله، فإن الحكم الفقهي يتسع للمسلم.

 فالمشقة تجلب التيسير، والفقهاء قرروا أن المطر والوحل من الأعذار المبيحة لترك صلاة الجماعة، فكذلك في اتباع الجنازة.

  قال تعالى : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة: 286].

  الصلاة على الميت في المسجد أو تحت السقف

عند وجود المطر والوحل،.

- يُستحب أن تكون الصلاة داخل المسجد صيانة للمصلين وللميت .

   عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «وَاللَّهِ مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ إِلَّا فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ»

 خرجه مسلم برقم 973]وأبو داود (3190)، والترمذي (1033) باختلاف يسير.>

  ثالثاً: مضاعفة الأجر والثواب عند وجود المشقة (المطر والوحل)

- المؤمن الذي يقتحم الوحل، ويصبر على بلل المطر إكراماً لأخيه الميت، لا يستوي أجره مع من شيع في جو صحو وطريق ممهد.

  الأجر على قدر النصب (التعب)

كلما زادت المشقة في العبادة من غير تكلف، عظم الثواب عند الله عز وجل.

   قال النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِعَائِشَةَ فِي عُمْرَتِهَا:  «وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ»

او «إِنَّ لَكِ مِنَ الأَجْرِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ وَنَفَقَتِكِ»

<خرجه البخاري برقم 1787، ومسلم برقم 1211)>

 فالمشيع الذي تزل قدمه في الوحل، وتبتل ثيابه بماء المطر، يكتب الله له بكل خطوة أجر الصابرين والمحتسبين.

لأن الأجر والثواب الحاصل من العبادات والقربات يزداد في حال المشقة أكثر منه في حال التيسير، مما يحمل المسلم  حريصًا على فعلها.

  ينظر: "شرح ابن بطال على صحيح البخارى" (4/ 445)، و"شرح النووي على صحيح مسلم" (8/ 152-153).>

  تحقيق معنى الأخوة في الشدائد .

- إن الخروج في الجنازة حال الوحل هو أبلغ رسالة وفاء، فالصديق الحقيقي هو من يتبعك حين ينفض الناس عنك لصعوبة الطريق.

  قال تعالى : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الحجرات: 10].

  رابعاً: الضوابط الفقهية للدفن في الأراضي الموحلة

إذا كان القبر ممتلئاً بالماء أو كان الوحل يمنع من استقرار الجثة، فما العمل؟

  جواز التأخير اليسير

يجوز تأخير الدفن لساعات حتى ينقطع المطر أو تجف الأرض قليلاً إذا لم يخشَ على الميت التغير.

  وضع ما يمنع وصول الطين للميت

يُشرع وضع حجارة تمنع ملامسة الوحل المباشرة للميت، وهذا من باب الكرامة.

  عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «لُحِدَ لَهُ لَحْدٌ، وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْبًا» < بلوغ المرام ، رقم : 160)> واللبن هنا للحماية والستر.

  خامساً: الرسائل من مشهد "جنازة تحت المطر"

هذا المشهد يحمل في طياته عبرًا لمن كان له قلب:

  الافتقار إلى الله: المطر يذكرنا بقدرة الخالق، والموت يذكرنا بضعف المخلوق.

  الصبر والاحتساب: المسلم يبتغي وجه الله؛ فلا يرده عن الخير ريح عاصف ولا مطر قاصف.

 * قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران: 200].

  الخاتمة :

إن الصلاة على الميت واتباعه في وحل الشتاء ومطره، هي برهان صادق على مروءة المسلم، وعنوان لصدق إخائه. فمن خرج محتسباً، لم يزده الوحل إلا طهارة من الذنوب، ولم يزده المطر إلا غيثاً من الأجور، فاستبشروا خيراً بكل جهد تبذلونه في سبيل إكرام موتاكم.

 

google-playkhamsatmostaqltradent