قيمةُ الوقتِ فى حياة الإنسان
الوَقْتُ هُوَ الحَيَاةُ .
تذكيرُ أولي النُهى والأبصار
بخطورة مرور السنين والأعمار.
آفات تضيع الوقت.
ظاهرة الغش في الامتحانات.
الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ
إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ
أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ سيِّدَنَا
مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:
أولا : الوَقْتُ هُوَ الحَيَاةُ :
أيها الإخوة المسلمون:
الوَقْتُ هُوَ الحَيَاةُ، ولِعِظَمِ
الوَقْتِ أَقْسَمَ اللهُ بِهِ فِي القُرْآنِ مِرَارًا وَتِكْرَارًا، فَقَالَ
رَبُّنَا:
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ
إِذَا تَجَلَّىٰ﴾ (اللَّيْل: 1-2)
وَقَالَ رَبُّنَا:
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ وَقَالَ رَبُّنَا: (والعصر) وقال (والضحى)
فَالعَاقِلُ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ
قَدْرَ وَقْتِهِ، وَشَرَفَ زَمَانِهِ، فَلَا يُضَيِّعُ سَاعَةً وَاحِدَةً مِنْ
عُمْرِهِ إِلَّا فِي خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. فَالوَقْتُ مِنْ أَعْظَمِ
نِعَمِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾
(الفُرْقَان: 62)
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا – قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
“نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ”
(رَوَاهُ الْبُخَارِي)
لِذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ
هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ
قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ” (رَوَاهُ الْحَاكِم)
فَالوَقْتُ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ
الَّتِي أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَى الإِنسَانِ، وَالَّتِي سَيُسْأَلُ عَنْهَا
بَيْنَ يَدَيِ الكَبِيرِ المُتَعَالِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ
الأَسْلَمِيِّ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ المُخْتَارُ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى
يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا
أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ
عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ؟” (رَوَاهُ التِّرْمِذِي)
قال الفضيل بنُ عياضٍ لرجل:
"كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة. قال: فأنت
مُنذ ستين سنة تسير إلى ربك؟ يوشِكُ أن تبلُغ.
فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فقال الفضيل: أتعرف تفسيره؟
تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون؟ فمن
علِم أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف، ومن علِم أنه موقوف، فليعلم
أنه مسئول، فليُعِدَّ للسؤال جوابا.
فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة.
قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي، يغفرْ
لكَ ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي، أُخِذتَ بما مضى وما بقي، والأعمالُ بالخواتيم".
أيها الإخوة الكرام
فكلما مر نفس من أنفاسك نقص من عمرك
ذلك النفس وكهذا.
فإنه والله ما من ساعة تمر بل ما من
نفس من أنفاسك يمر عليك إلا وينقص من عمرك مثله وكهذا لايزال عمرك يتناقص حتى
يدركك أجلك المحتوم .
يقول الله تعالى :
{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا
جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34) } [سورة
الأعراف:34]
قال الإمام القرطبي رحمه الله :
قوله تعالى : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ
أَجَلٌ } أي وقت مؤقت. { فَإِذَا جَاءَ
أَجَلُهُمْ } أي الوقت المعلوم عند الله عز وجل. وقرأ ابن سيرين {جاء آجالهم}
بالجمع {لا يَسْتَأْخِرُونَ} عنه ساعة ولا أقل من ساعة إلا أن الساعة خصت بالذكر
لأنها أقل أسماء الأوقات ، وهي ظرف زمان.ا.هـ
و قال جل وعلا { قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ
يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (30) } [سورة
سبأ:30]
قال ابن كثير رحمه الله تعالى :
أي: لكم ميعاد مؤجل معدود محرر، لا
يزداد ولا ينتقص، فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم، كما قال تعالى: { إِنَّ أَجَلَ
اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4) }نوح
وقال { وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا
لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) }.ا. هـ
وقال البغوي رحمه الله :
قال الضحاك: يوم الموت لا تتأخرون عنه
ولا تتقدمون بأن يزاد في أجلكم أو ينقص منه..اهـ
إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى
نقص من الأجل.
أسأل الله أن يختم لنا ولكم بالحسنى
إنه كريم عظيم.
ومن خطورة ذلك أن ملائكة الله تعالى
لاتزال تكتب وتقيد عليك كل صغيرة وكبيرة فلا يزال عمرك في نقص ولا تزال نفسك في
غفلة وعصيان والله المستعان.
قال الله تعالى { أَمْ يَحْسَبُونَ
أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ
يَكْتُبُونَ (80) } [سورة الزخرف:80]
وقال جل وعلا { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ
لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) } [
سورة الانفطار:10-12]
وقال سبحانه وتعالى { وَلِلَّهِ مُلْكُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ
الْمُبْطِلُونَ (27) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى
كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا
يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ (29) } [ سورة الجاثية:27-29]
قال ابن كثير رحمه الله تعالى : أي:
إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم.ا.هـ
وقال جل وعلا { وَوُضِعَ الْكِتَابُ
فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا
مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا
أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)
} [سورة الكهف:49]
فكيف بالله عليكم يفرح عبد بمرور عمره
وانقضاء عامه وملائكة الله تعالى تقيد وتسجل عليه كل فعل وقول قال الله تعالى {
مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) } [سورة ق:18]
ومن خطورة ذلك لعمر الله تعالى أنه لا
يكاد يمر عليك يوم إلا وتعظم فيه مشاغلك وصوارفك عن العمل للدار الآخرة وتكثر عليك
الآمال والأماني الباطلة
كما قال صلى الله عليه وسلم عن أبي
هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزال قلب الكبير شابا في اثنين
: في حب الدنيا وطول الأمل " . متفق عليه
قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في
طرح التثريب: والمراد استمراره على ذلك ودوامه عليه وأن حبه لهاتين الخصلتين لم
ينقطع عنه بشيخوخته. ا.هـ
وعند أحمد وحسنه الألباني رحمه الله
تعالى عنه أيضا رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الشيخ
يضعف جسمه؛ وقلبه شاب على حب اثنتين؛ طول الحياة وحب المال"
فتأمل إلى هذه الطامة والخطورة والله ،
التي تحول بين العبد وبين التزود لمعاده ولقاء ربه جل وعلا .
كلما انقضى عام وولى زاد أمل العبد
وتعلقه بدنياه فَيُسَوِّف في العمل ويؤجله وينقضي العمر ويفجؤه الموت على حين غرة
والعياذ بالله.
ومن خطورة ذلك وفجيعته.
أن العبد لا يزال ينتقل من ضعف إلى ضعف
لا إلى قوة فيضعف علمه ويضعف عمله وتضعف قوته وتضعف همته ويضعف نشاطه والله
المستعان.
قال الله تعالى { اللَّهُ الَّذِي
خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ
مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ
الْقَدِيرُ (54) } [سورة الروم:54]
ثانياً : تذكيرُ أولي النُهى والأبصار
بخطورة مرور السنين والأعمار.
يقول الله تعالى :
{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)
} [سورة الفرقان:62]
قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى :
أي: يذهب أحدهما فيخلفه الآخر، هكذا
أبدا لا يجتمعان ولا يرتفعان،
{ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ
أَرَادَ شُكُورًا } [سورة الفرقان:62]
أي: لمن أراد أن يتذكر بهما ويعتبر
ويستدل بهما على كثير من المطالب الإلهية ويشكر الله على ذلك،
ولمن أراد أن يذكر الله ويشكره وله ورد
من الليل أو النهار، فمن فاته ورده من أحدهما أدركه في الآخر، وأيضا فإن القلوب
تتقلب وتنتقل في ساعات الليل والنهار فيحدث لها النشاط والكسل والذكر والغفلة
والقبض والبسط والإقبال والإعراض،
فجعل الله الليل والنهار يتوالى على
العباد ويتكرران ليحدث لهم الذكر والنشاط والشكر لله في وقت آخر، ولأن أوراد
العبادات تتكرر بتكرر الليل والنهار، فكما تكررت الأوقات أحدث للعبد همة غير همته
التي كسلت في الوقت المتقدم فزاد في تذكرها وشكرها،
فوظائف الطاعات بمنزلة سقي الإيمان
الذي يمده فلولا ذلك لذوى غرس الإيمان ويبس. فلله أتم حمد وأكمله على ذلك.ا.هـ
فبين الله سبحانه وتعالى الحكمة من
تغير وتقلب اليل والنهار ألا وهو {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ
شُكُورًا } [سورة الفرقان:62]
فما خلق الله الليل والنهار هملا وعبثا
كلا والله، قال سبحانه وتعالى{ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) } [سورة المؤمنون:115]
وقال جل وعلا { وَمَا خَلَقْنَا
السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ
نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) } [
سورة الأنبياء:16-17]
وقوله { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا
بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) } [ سورة الدخان:38-39]
فالله خلق ذلك للعظة والعبرة والتذكر
والشكر لله سبحانه وتعالى وكم في ذلك والله من العبر العظيمة والحكم الكريمة لمن
وفقه الله تعالى إلى ذلك.
فإن في تغير الليل والنهار تذكير للعبد
بتغير حالته وتبدل أموره فلا يغتر بما هو فيه من قوة وفتوه وغنى وسلطان وغير ذلك
فهو وإن كان في قوة ونشاط وسطوع فلا بد له من الأفول والضعف والانحسار فلا ليل
يدوم ولا نهار ولا قوة ولا ضعف ولا غنى ولا فقر.
وأيضا أن العبد مهما كان في اسوداد
أيامه وظلمة أحواله
فلابد له من نهار بعده بإذن الله تعالى
يسطع نوره ويظهر شعاعه ، فلا ييأس ولا يجزع .
وأيضا في تغير وتبدل الليل والنهار
تنبيه للعبد على خطورة ذلك ،وعظيم داهيته ومصيبته على العبد وكم والله في ذلك من
الأخطار والأمور العظيمة لمن تذكر واعتبر وتفكر وتأمل كم في تغير الليالي والأيام
من الأخطار.
فمن تلكم الأخطار العظيمة التي تحل
بالعبد مع مرور الأعمار.
أنها زيادة في الإعذار من الله تعالى
للعبد
يقول الله تعالى { أَوَلَمْ
نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ
فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) } [سورة فاطر:37]
قال الإمام ابن أبي حاتم رحمه الله
تعالى : عَنِ الْحَسَنِ رحمه الله قَالَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً"
و قَالَ قَتَادَةَ رحمه الله:اعْلَمُوا
أَنَّ طُولَ الْعُمُرِ حجة، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نُعَيَّرَ بِطُولِ
الْعُمُرِ، قَالَ: نَزَلَتْ وَإِنَّ فِيهِمْ لابْنُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً وَفِي
قَوْلِهِ: " وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ "
، قَالَ: احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالْعُمُرِ وَالرُّسُلِ".ا.هـ
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى :
أي: أو ما عشتم في الدنيا أعمارا لو
كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم
وعن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم
أربعين سنة، فليأخذ حذره من الله عز وجل... وعن ابن عباس يقول: العمر الذي أعذر
الله إلى ابن آدم: { أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ
وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ } [سورة فاطر:37]
أربعون سنة.ا.هـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
تعالى :
أي قامت الحجة عليكم بالنذير الذي
جاءكم، وبتعميركم عمرًا يتسع للتذكر .ا.هـ
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم " أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين
سنة " . رواه البخاري
قال المُناوي رحمه الله تعالى في
التيسير : ( أعذر الله إلى امرئ ) أي سلب عذر ذلك الإنسان فلم يبق له عذرا يعتذر
به حيث ( أخر أجله ) أي أطاله ( حتى بلغ ستين سنة ) لأنها قريبة من المعترك وهو سن
الإنابة والرجوع وترقب المنية.ا.هـ
فاحذر على نفسك أيها العبد من إنذار
الله عليك وإعذاره لك وقد وَلَّت عليك أعوام تلوأعوام ، وانقضت سنين تلو سنين.
ومن خطورة ذلك أنه نقص من عمرك أيها
العبد وإيذان بقرب رحيلك ورجوعك إلى ربك سبحانه وكفى بذلك والله خطرا وداهية دهياء.
قال الله تعالى :
{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ
مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) }
[ سورة الأنعام:61-62]
فعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه
قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين
يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك
فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد" متفق
عليه
فلا يزال عمرك يتناقص منذ أن خرجت إلى
الدنيا ، قال أبو الدَّرداءِ رضي الله عنه: ابن آدم طأ الأرض بقدمك فانها عن قليل
تكون قبرك ابن آدم إنما أنت أيام فكلما ذهب يوم ذهب بعضك ابن آدم انك لم تزل في
هدم عمرك من يوم ولدتك امك .
الخطبة الثانية :
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا وبعد
ثالثاً : آفات تضيع الوقت.
عباد الله ..
أريد أن ألفت النظر إلي شئ هام للغاية
يسحب منك الوقت وله آفات كثيرة
والحديث عن آفات الجوال الدينية
والأخلاقية والاجتماعية والأمنية ، حديثٌ طويل ، وحسبنا بعض الإشارات التي يفهمها
اللبيب .
فمن آفاته الدينية والأخلاقية، ما
يَحدث بسببه من المعاكسات بين الشباب والفتيات ، واستخدامِ تقنية البلوتوث لتناقل
الكلام والأرقام ، ومواعيد الحب والغرام بين الجنسين .
والقضية عند البنات أشد ،
فقد جاء في أحد البحوث: أن المعاكسات
الهاتفية تنتشر عند الإناث بدرجة تفوق الذكور.
اخرج إلى شوارعنا ، لترى فتيات في عمر
الزهور ، يتنقلن من شارع إلى آخر ، قد تزيّن بالملبوسات الفاتنة ، والعطورات
الجذابة ، والجوالات والبلوتوث الذي صار يُغني عن الأوراق ! ثم بعد ذلك يُقال :كيف
قبض على فلانة مع فلان في استراحة !! كيف ظهرت صورة فلانة مع فلان في الجوّالات أو
الإنترنت !! .
والمقام هنا يضيق عن ذكر المآسي
والجرائم التي وقعت بسبب المعاكسات .. وقد أجريت عدة بحوث في السجون ودور الملاحظة
وسجن النساء ، ووقفت على قضايا كثيرة ، كانت بدايتها مكالمةٌ بالجوالِ عفوية ،
وقصةُ حبٍ وهمية ، ونهايتها جريمةٌ أخلاقية ، تدمع لها العين ، ويندى لها الجبين .
فيا عباد الله :
جدوا واجتهدوا وسابقوا واعملوا ، فإن
الليالي والأيام تعمل في أعماركم بالنقصان فاعملوا فيهما بما يقربكم إلى الرحمن
سبحانه وتعالى ،قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إنكم في ممر الليل والنهار في
آجال منقوصة وأعمال محفوظة والموت يأتي بغتة فمن يزرع خيرا يوشك أن يحصد رغبة ومن
يزرع شرا يوشك أن يحصد ندامة ولكل زارع مثل ما زرع.
وقال رضي الله عنه: ما ندمت على شيء
ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من
لا نبى بعده
أيها الإخوة الكرام
فقد حرم الله تعالى الغش بصوره
وأنواعه، وبكل أشكاله وألوانه، فالمؤمن لا
يكون غشاشا،
، فالغش حرام، منهي عنه في الإسلام، معدود من
كبائر الآثام، وما ذلك إلا لعموم ضرره، وشمول خطره، واستفحال أمره، وكثرة شره،
يدفع المجتمع كله ثمنه، ويجني الصغير
والكبير نتيجته وثمره، فهو عائق من عوائق النهضة، وأحد أسباب تخلف الأمة، وأيم
الله ما تخلف المسلمون إلا لما انتشر فيهم الغش والخيانة، والغدر والخديعة، إلى
جانب أمراض فتاكة غيرِها،
الذي يغُش الناس ويخدعهم ويمكُرُهم،
طرده النبي صلى الله عليه وسلم من صفوف أمته، وأخرجه من دائرة أتباع ملته،
روى الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه،
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ
حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»
إخوة الإيمان:
الغِش لا يقتصر على ميدان، ولا يخص
مجالا دون آخر، فالغش يمكن أن يمارس في جميع الحرف والمهن، وفي كل المناصب
والوظائف، بل وحتى في التعليم والمدارس، والزعامة والإمامة، إلا أن المجال الذي
برز فيه بشكل فظيع ومثير، مجال التعليم في ايامنا هذه
فالغش ايها الأحبة، آفة اجتماعية خطيرة، يأباه الدين والعقل السليم
والطباع السوية والنفوس الشريفة،وهذا الغش في الامتحانات أخطر أنواع الغش
لان
، الغش في الدواء له أثر على صحة المريض،
لكن الغش في الامتحانات فهو غش في بناء
الأجيال
له أثر على مستقبل الأمة جمعاء.
العش في المتحانات سبب لهلاك الامم
الغش في الامتحانات هو سبب لتخلف
والانحطاط
الغش في الامتحانات هو سبب للفوضى الذي
يسببها الجهل
الغش في الإمتحانات هو عائق لتقدم
والعلو،
الغش في الإمتحانات سبب للجهل وضياع
الحقوق
والقيم والاخلاق،
فيا عباد الله إن الأمر خطير والله جد
خطير أعمار تتناقص وأعمال صالحة تقل وسيئات تتكاثر والله المستعان .
أسأل الله أن يحسن خاتمتنا وألا يفجعنا
بأعمارنا وأن يتوفنا وهو راض عنا إنه جواد كريم.
والحمد لله رب العالمين ...... وأقم
الصلاة...