الوقت وأهميته.
الوقت وأهميته.
البطالة والفراغ.
الغش في الامتحانات.
العنصر الأول: الوقت وأهميته.
سألت نفسى: أَمَا كنا سادة العالم
يومًا ما، بل مئات من السنين؟
أين راحت حضارتنا؟
وأين غَارَ تراثنا العلمي الهائل في
شتَّى فنون العلم؟
وأين أثرُه فينا الآن؟
أين بغداد حاضرة العالم؟
أين الأندلس جنَّة الله في أرضه؟
وأين جامعة قرطبة العريقة؟
أين القدس التي فتحها الفاروق عمر ،
واستردَّها صلاح الدين الأيوبي؟
أين الممالك التي فتحها الأجداد حتى
رويت الأرض بدمائهم الطاهرة الذكية؟
أين كنوز كسرى وقيصر وإمبراطوريتهما
بعد أن سكبت تحت قدمي الفاروق؟
لماذا نهض أجدادنا وتخلفنا؟
لماذا انتصروا وهزمنا؟
لماذا عُزُّوا وذللنا؟
لن أكثر الحديث عن ماضينا التَّليد
الذي يحق لنا أن نفخر به، لكن مسؤوليتنا عظيمة في العمل على استرداد كل هذا، أو
على الأقل بعضه.
# وأرى أن من أهم أسباب انتصار آبائنا
وأجدادنا من صحابة نبينا والتابعين لهم بإحسان، ونهضتهم وتقدمهم وعزهم ومجدهم هو :
إدراكهم لقيمة الوقت.
أيها الأحبة الكرام: إن كل مفقود عسى
أن تسرتجعه إلا الوقت ، فهو إن ضاع لم يتعلق بعودته أمل، ولذلك كان الوقت أنفس ما
يملكه إنسان
.
وصدق الشاعر حين قال:
فَيَا مَنْ ضَيَّعَ الأَوْقَاتَ
جَهْلاً
بِحُرْمَتِهَا أَفِقْ واحْذَرْ
بَوَارَكْ
فَسَوْفَ تُفَارِقُ اللَّذَاتِ قَهْرًا
وَيُخْلِي الْمَوْتُ قَهْرًا مِنْكَ
دَارَكْ
تَدَارَكْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ
الْخَطَايَا
بِتَوْبَةِ مُخْلِصٍ وَاجْعَلْ
مَدَارَكْ
عَلَى طَلَبِ السَّلاَمَةِ مِنْ
جَحِيمٍ
فَخَيْرُ ذَوِي الْجَرَائِمِ مَنْ
تَدَارَكْ.
وهذا ما يستشعره الإنسان يوم القيامة
حينما يقف بين يدي ربه للحساب: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا
إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾[ يونس: ٤٥]
(يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن
لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا . نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ
أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) طه:١٠٣- ١٠٤.
﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ
يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾[ سورة النازعات: ٤٦]
حقا الوقت هو الحياة، والعاقل هو الذى
يعرف قدر وقته وشرف زمانه؛ فلا يُضيع ساعة واحدة من عمره إلا في خير للدنيا أو
للآخرة؛ حتى لا يتحسر على هذه الساعة في ساعة لا تنفع فيها الحسرة ولا يجدي فيها
الندم.
الوقت نعمة من أعظم نعم الله على
الإنسان، يقول ربنا: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً
لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:٦٢].
ويلفت ربنا أنظارنا إلى قدر الوقت
وقيمة الوقت حين أقسم بالوقت في آيات كثيرة من قرآنه، قال جل وعلا: (وَاللَّيْلِ
إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى)[الليل:١-٢].
وقال: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ
عَشْرٍ)[الفجر:١-٢].
وقال: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ
لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر:١-٣].
إن على المسلم في حياته أن يدرك قيمة
وقته وألا ينشغل إلا بعمل نافع للدنيا، أو بعمل نافع للآخرة.
ها هو نبينا يعلمنا أن الإنسان سيُسأل
عن ساعات عمره، وعن أيام عمره، وعن شهور عمره، وعن سنوات عمره، سيُسأل الإنسان عن
عمره كله بين يدي الله. يقول صلى الله عليه وسلم: لا تزولُ قدَمَا عبدٍ يومَ
القيامةِ حتَّى يُسأَلَ عن أربَعٍ: عن عُمُرِه فيما أفناه ، وعن جَسَدِه فيما
أبلاه ، وعن عِلْمِه ما عَمِلَ فيه، وعن مالِه مِن أين كَسَبَه وفيما أنفَقَه.
أخرجه الترمذي.
فلن تتحرك من أرض المحشر ومن موقف
الحساب بين يدي الله حتى تُسأل عن أربع، كيف قَضَيْت الأيام؟ وكيف قَضَيْت
الساعات؟ وكيف قضيت العمر؟ والسنوات الطوال؟
هل أفنيتها في طاعة الكبير المتعال،
وفي نفع لدنياك وأخراك، أم ضيعت عمرك وسنواتك كلها في معصية الله، وفيما لا يعود
عليك بخير للدنيا أو للآخرة؟
يزداد الأمر خطراً إذا علمنا أن من أهم
خصائص الوقت: أنه يمر مر السحاب، ويجري جري الرياح، فدنياك مهما طالت فهي قصيرة،
ومهما عظمت فهي حقيرة؛ لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما
طال لابد من دخول القبر، فالأيام تمر ونحن في غفلة، الأيام تمر والأشهر تجري
وراءها، وتسحب معها السنين، وتجر خلفها الأعمار، وتطوى حياة جيلٍ بعد جيل.
وبين يدي الملك الجليل سيعلم الذين خسروا أنفسهم وضيعوا أوقاتهم وأعمارهم أنهم ما لبثوا في هذه الدنيا إلا ساعة. إلا يوماً أو بعض يوم (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ* وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ"
( المؤمنون:١١٢-١١٥).
العنصر الثاني: البطالة والفراغ.
إن البطالة والفراغ تتولد فيهما جراثيم
المنغصات ، وإذا كان العمل رسالة الأحياء، فإن العاطلين موتي.
#نسوة يوسف على سبيل المثال لماذا صنعوا
ما صنعو حين اجتمعوا على الأرائك، وأتوا بالسكاكين حبا وغراما وهياما فى يوسف؟
أليس كل ذلك لأنهن كن عاطلات عن العمل ،قتلهن الفراغ والجلوس يمنة ويسرة .
وإذا كان الله تعالى خلق الناس لحياة
عالية عنده ، فإن أخسر الناس هم الذين لا يبذلون حياتهم في طاعة الله عز وجل.
وما نشاهده اليوم من أعمال البلطجة
والسرقة فإنما مرد ذلك لشىء واحد هو : الفراغ ، ولهذا قال سيدنا محمد صلى الله
عليه وسلم : نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ
والفَراغُ. البخارى.
والذي يقرأ كتاب: "دع القلق وابدأ
الحياة" لكاتبه: "ديل كارنيجي": يجده يقول فيه : إن القلق لا يمكن
أن يأتي إلى الإنسان في أثناء العمل، لكنه يأتي في الساعات التي تلي العمل.
والسبب في هذا : أن علم النفس أثبت أن
الإنسان مهما أوتي من قدرة خارقة ومن ذكاء لا يمكن أن يجمع بين أمرين في وقت واحد
، أي لا يمكنه أن يجمع بين العمل والتنغيص ساعة العمل .
ولذلك كان الحسن البصري يقول: أدركت
أقواماً كانوا أحرص علي أوقاتهم منكم علي دنانيركم ودراهمكم.
وقد قال بعض العلماء : عجبت لمن يومه
يأكل شهره، وشهره يأكل سنته ، وسنته تأكل عمره، وهو مع ذلك غافل لا يدري .
أكبر كتاب كُتـِب حتى اليوم كتاب:
(الفنون) لابن عقيل ٨٠٠ مجلد ، كان ابن عقيل يردد دائما : أنا الآن ابن الثمانين،
ووالله أجد همة وعزما كما لو كنت وأنا ابن العشرين.
قالوا له : كيف تأكل يا إمام؟ قال:أضع
الماء على الكعك حتى يصير عجينا، فآكله سريعا حتى لا أضيع وقتى.
أسامة بن زيد يقلده الرسول صلى الله
عليه وسلم إمارة الجيش وسنُّهُ ستة عشر عاما ، ويقول عنه صلى الله عليه وسلم: وإنه
لخليق للإمارة.
الحارث المحاسبى كان يقول: لو كان
الوقت يشترى بالمال، لأنفقت كل أموالى أشترى بها وقتا لخدمة الإسلام والمسلمين ،
فقالوا له : ممن تشترى يا إمام؟ قال من الفارغين. أى الذين جلسوا هنا وهناك لا عمل
لهم، ولا فائدة منهم.
لذلك أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم
إلى أن الوقت مِن نِعَمِ الله التي يجب المحافظة عليها، قال صلى الله عليه وسلم:
نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالفَراغ.
أقول: فلنستثمر أوقاتنا في كل نافع
مفيد، فالعمر الحقيقي للإنسان لا يقاس بالساعات والسنوات ، وإنما يقاس بالطاعات.
إياك إياك والفارغين قاتلي الأوقات،
ابحث عن دواء يمنع عدواهم ، فإنه لا قيمة للوقت عندهم ولا قيمة للفارغين في الحياة
وبين الناس
.
قف مع نفسك وقفة تدبر وتذكر قول الله
تعالى: ﱡ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﱠ﴾ [النجم:٣٩]
واستفد من الوقت الضائع كوقت انتظار
وسائل المواصلات أو عند الطبيب قبل فوات الأوان.
رضي الله عن ابن مسعود حين قال: ما
ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي.
وقال الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز
رضي الله عنه: إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما، يا ابن آدم إنما أنت
أيام.
#فلنستثمر أوقاتنا في طاعة الله بعيدا
عن الغفلة والتسويف.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن
يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾[ المنافقون: ٩]
العنصر الثالث: الغش في الامتحانات.
أقول: إياك والغش ومساعدة ولدك بأى
وسيلة كى يحصل على المراكز الأولى من طريق لا يرضاه الله تعالى ورسوله ، فالغش من
كبائر الذنوب ، وعظائم المعاصى.
كفى الغشاش تهديدا تبرؤ الرسول صلى
الله عليه وسلم منه حين قال: مَن غَشَّ فليسَ مِنِّي. أخرجه: مسلم.
وفي رواية: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ
مِنَّا. البخاري.
كان الطلابُ على مشارف الامتحانات،
فكتب مدير المدرسة إلى أولياء أمورهم رسالة يقول فيها:أعلمُ أنكم قلقون على
أطفالكم، وتريدون أن يُحصّلوا درجات عالية، هذا حقكم، ولكن تذكروا جيدًا أنّ من
بين الذين سيتقدمون للامتحان: هناك الفنان الذي لا حاجة له أن يفهم الرياضيات،
وهناك المقاول الذي لا يهمه التاريخ والأدب،وهناك المؤلف الذي لا تهمه علامة
الكيمياء،وهناك الرياضي الذي سيحتاج اللياقة البدنية أكثر من الفيزياء، فإذا حصل
ابنكم على درجات عالية فهذا ممتاز، وإذا لم يحصل فأخبروه أنكم ستحبونه رغم كل شيء،
ولا تسلبوا منه ثقته بنفسه، ولا تحكموا عليه بالفشل، فامتحان واحد أو درجات منخفضة
ليست مبررًا لقتل المواهب والأحلام، ورجاءً لا تفكروا أن الأطباء والمهندسين هم
أسعد الناس في هذا العالم.
هذا الرّجل تُرفع له القبعة، وهذه
المقولة لخليق أن تُكتب بماء الذهب على صحافٍ من فضة.
من حق الآباء أن يفخروا بتفوق أولادهم،
فالصياد يختال بصيده، والمزارع يبتهج بمحصوله، والأديب يزدهي بنصه، والرسام يغتبط
بلوحته، هذا وهي أشياء، فكيف بمن يُنتج إنسانًا.
أقول إن واجب الآباء أن يحثوا أبناءهم
على الاجتهاد والدرس والتفوق، ولكن ليس من حق الآباء أن يزنوا أولادهم بما يحصّلون
من درجات، ولا أن يختاروا لهم طريق حياتهم فيقتلوا مواهبهم اعتقادًا منهم أن
التعليم الأكاديمي هو الطريق الوحيد للنبوغ، ولتحقيق حياة مرفهة.
إن إحدى مشاكل الأهل المستعصية كما
يقول الدكتور أدهم شرقاوي أنهم يعتقدون أن الشهادات الأكاديمية وسيلة رهيبة لتحقيق
الثراء، رغم أن هذا شيء يكذّبه الواقع، فلاعب كرة قدم يجني مقدار ما يجنيه مئات
الأطباء.
شاكيرا المغنية الكولومبية تجني لوحدها
ما لا يجنيه أساتذة جامعة كامبردج مجتمعون.
إن الأشخاص الذين غيروا مجرى التاريخ
أغلبهم لا يملكون شهادات جامعية.
أبقراط وابن سينا: لم يتخرجا من كلية
الطب، ولو كانا بيننا اليوم لما سُمح لهم بمزاولة المهنة.
المتنبي: لا يحمل شهادة في الأدب
العربي، ولو شارك في شاعر المليون فسيتم استبعاده لقلة التصويت.
سيبويه: لا يحمل شهادة في النحو.
خالد بن الوليد: لم يتخرج من الكلية
الحربية الأمريكية ، ولكنه أفقه بالحرب من جنرالات البنتاغون.
عمر بن الخطاب: هازم الإمبراطوريات،
وواضع الدواوين، ساس أمة كاملة بالعدل والحنكة لا يحمل شهادة في القانون الدولي.
حتى بيل غيتس يقول: رسبتُ في بعض مواد
الجامعة بينما نجح صديقي في تخطيها جميعًا، وهو اليوم مهندس في مايكروسوفت وأنا
مالك الشركة.
#خلاصة القول: لماذا يصر الآباء على أن
يكون الأولاد جميعا:أطباء، وكأن مهمة كل إنسان أن يداوي نفسه، ولماذا على الجميع
أن يكونوا مهندسين وكأن شقّ الطرق ورفع البنايات وبناء الجسور فرض عين.
إن وأد المواهب من وأد الأرواح.
إننا في أمس الحاجة إلى البقال والنجار
والحداد والسمكري وعامل النظافة والطاهي والخياط والاسكافي وبائع الزهور،فكفوا عن
تقديس الدرجات فإنها مجرد أرقام.