recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة قيمة الوقت في حياة الإنسان الشيخ ابراهيم مراسي بركات

قيمة الوقت في حياة الإنسان


إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلِّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا.

أما بعد:

 إخوةَ الإيمانِ: حديثُ اليومِ عن الجوهرةِ الثَّمِيْنَةِ في نظرِ العارفين، والطاقةِ المُهَدَرَةِ عندَ البَّطَالِيْنَ، عن واحدٍ من جوانبِ النِّعْمَةِ المَغْبُونِ فيها كثيرٌ من النَاسِ، عن الوقتِ بل عن الحياةِ؛ فالوقتُ هو الحَياةُ.

والمسلمُ يستشعرُ قيمةَ الزمنِ، وأهميةَ الوقتِ من آي القرآنِ الحكيمِ، فاللهُ قد أقسمَ في كتابِهِ أكثرَ مِنْ مَرَّةٍ بِالوَقْتِ، وله أنْ يَقسِمَ بَمَا شاءَ لكنَّهُ لا يَقسمُ إلا بعَظيمٍ يَستَحِقُ القَسَمَ.

قال تعالى: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ) [الفجر:1-5].

ومعَ مَا قيل في تأويلِ الفجرِ، والليالي العشر، والشفع والوتر والليل، فالذي يُلفتُ النَّظَرَ، أنَّ هذا القسمَ لِعَظَمتِهِ، وأهميةِ المُقسَمِ بِهِ إنَّما هو لأصحابِ العُقُولِ الذِيْنَ، يَعْقِلونُ مَا يَسْمَعُونَ، ويستفيدون مما يعلمون (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ) [الفجر:5].

وإنَّما سُمِّيَ العقلُ حجراً؛ لأنَّه يَمْنَعُ صاحبَهُ من تَعاطِيْ مَالا يَليقُ بِهِ من الأفعالِ والأقوالِ، وهذا القسمُ هو بأوقاتِ العبادةِ، وبنفسِ العِبادةِ؛ من حجٍ، وصلاةٍ، وغيرِها، كما يقولُ المفسرون.

وقال تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) [الليل:1- 4].

وهل الليلُ والنهارُ إلا مَراكبُ يَختلفُ الناسُ في سبلِ الانتفاعِ بهما؛ فمغبوطٌ يستثمرُها في طاعةِ اللهِ، ويزرعُ فيهما ما يَبلغُهُ إلى اللهِ، ويسعدُ يوم لقاءِه، ومَغبونٌ مُضيعٌ لساعاتِ الليلِ والنهارِ، مُفرِطٌ على نفسِه، يَحملُ الأوزارَ التي تثقلُ كاهلَه يوم العرضِ على اللهِ، وصَدَقَ اللهُ: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) [الليل:4].

ويُقسمُ اللهُ مرةً ثالثةً بالدهرِ فيقولُ: (وَالْعَصْرِ * ِإِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصرٍ].

والعصرُ هو الزمانُ الذي يَقعُ فيه حَركاتُ بني آدمَ مِنَ خيرٍ وشرٍ، واللهُ تعالى يُقسِمُ أنَّ بَنِيْ الإنسانِ كُلَّهُم في خِسَارَةٍ، وهَلاكٍ إلا مِنْ اسْتَثْمَرَ وقتَهُ، واستنفدَ عمرَه في عملِ الصَّالِحَاتِ.

كما أقسم تعالى بالضحى والليل.

إخوةَ الإسلامِ: يهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم بسنتيه القولية، والفعلية إلى استثمارِ الوقتِ بِمَا يَنْفَعُ، ويَحذرُ من إضاعةِ الأوقاتِ سُدى فيقول: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فيهما كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ: الصحة والفراغ".

وتأملْ قولَهُ: "كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ"! والمعنى أنَّ الذي يُوفِقُ لاستثمارِ هاتين النِّعْمَتَينِ بما يَنفعُ قَلِيلٌ.

قال ابنُ الجوزي: قد يكونُ الإنسانُ صحيحاً، ولا يكونُ مُتفرغاً لشُغلِهِ بالمعاشِ، وقد يكونُ مستغنياً، ولا يكونُ صَحِيحاً، فإذا اجتمعَا فَغَلِبَ عليه الكُسَلُ عَنْ الطَّاعَةِ فهو المغبون، وتمامُ ذلك أنَّ الدُنيا مَزْرَعَةُ الآخرةِ، وفيها التَّجارةُ التي يَظهَرُ ربحُها في الآخرة، فمن استعمل فراغَه وصحتَهُ في طاعةِ اللهِ فهو المغبوطُ، و من استعملها في معصيةِ اللهِ فهو المغبونُ، لأنَّ الفراغَ يَعقبُه الشُغلُ، والصحةَ يعقبُها السقمُ، ولو لم يكن إلا الهرمُ كما قيل.

يسرُّ الفتى طولُ السلامة و البقا *** فكيف ترى طولَ السلامةِ يفعل

يرد الفتى لمجد اعتدال وصحـة *** ينـوء إذا أمَّ القيـامَ و يحمـل

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ) [ صحيح البخاري| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، يقول ابن الجوزي رحمه الله معقبًا على هذا الحديث: (قد يكون الإنسان صحيحًا ولا يكون متفرغًا لشُغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيًا ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا فغلَب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبونُ، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التِّجارة التي يظهر ربحها في الآخرة؛ فمَن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومَن استعملهما في معصية الله فهو المغبون؛ لأن الفراغ يعقُبُه الشُّغل، والصحة يعقبها السقم) [فتح الباري لابن حجر العسقلاني: جـ 11 صـ 234]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزولُ قدمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يسألَ عن عمُرِه فيمَ أفناه، وعن علمِه فيمَ فعَل، وعن مالِه من أين اكتسَبه وفيمَ أنفقَه، وعن جسمِه فيمَ أبلاه) [المصدر: مجموع فتاوى ابن باز| خلاصة حكم المحدث: صحيح]. روى عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لرجلٍ وهو يَعِظُه: اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ: شبابَك قبل هِرَمِك، وصِحَّتَك قبل سِقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك) [المصدر: الترغيب والترهيب| خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَعْذَرَ اللَّهُ إلى امْرِئٍ أخَّرَ أجَلَهُ، حتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً) [المصدر: صحيح البخاري| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، وفي شرح هذا الحديث يقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله: (الإعذار: إزالةُ العُذر، والمعنى أنه لم يبقَ له اعتذارٌ؛ كأن يقول: لو مدَّ لي في الأجل، لفعلتُ ما أُمرت به، يقال: أعذَر إليه، إذا بلَّغه أقصى الغاية في العُذر، ومكَّنه منه، وإذا لم يكن له عُذر في ترك الطاعة مع تمكُّنه منها بالعمر الذي حصل له، فلا ينبغي له حينئذٍ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية، والمعنى أن الله لم يترك للعبد سببًا في الاعتذار يتمسَّك به، والحاصلُ أنه لا يعاقب إلا بعد حجة) [فتح الباري لابن حجر العسقلاني: جـ 11 صـ 244]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعمارُ أمَّتي ما بينَ السِّتِّينَ إلى السَّبعينَ وأقلُّهم مَن يجوزُ ذلك، قال ابنُ عرفةَ: وأنا مِن الأقلِّ) [المصدر: تخريج صحيح ابن حبان| خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن]. روى أبو بكرة نفيع بن الحارث: (أنَّ رجلًا قال يا رسولَ اللهِ أيُّ الناسِ خيرٌ؟ قال من طالَ عمُرهُ وحسُن عملُه. قال: فأيُّ الناسِ شر؟ قال: من طال عمُرهُ وساء عملُه) [المصدر: سنن الترمذي

فإذا كانت تلك طائفةً من سنته القولية، فيكفي أن ينظرَ اللبيبُ فيما عَمِلَ وخلف في مدة لا تتجاوزُ ثلاثة وعشرين عاماً، لقد أخرج اللهُ به الناسَ من الظلمات إلى النور، علم العلم وفاق غيره في العمل، وزرع الخيرَ واقتلع جذورَ الشرِ، جاهد في الله في كل ميدانٍ، وخلَّفَ أجيالاً تحمل مشاعلَ النور والهُدى من بعده.

أيها المسلمون: يكفيكم أنْ تَطلعوا على نماذجَ من سيرِ أصحابه؛ لتروا كيف كانوا يعملون، وكيف كانوا لأوقاتِهم مُستثمرين، وفي ذلك إجابةٌ لمنْ لازالوا حائرين في استثمارِ الأوقاتِ، متطلعين إلى نماذجَ راشدةٍ في ملءِ الفراغِ، وبماذا تُقضى الأوقاتُ؟.

وإذا كانت العبادةُ الحقةُ لله ربِّ العالمين هدفَ الوجودِ في هذه الحياة امتثالاً لقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56].

 خصائص الوقت:

- أن الوقت قصير؛ لأنه ثلاثة أيام (أمس واليوم والغد)، وأنتَ لا تملك إلا يومك: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا) (لقمان:34).

- أن الوقت ينقضي سريعًا: وأكثر ما يظهر فيه قصر الوقت: أوقات الغفلات، ومثاله: سل الذين يمكثون الساعات مع النت وصفحات التواصل والفضائيات عن ذلك يجيبونك! (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) (المؤمنون:113)، ولذلك قالوا: "الوقت كالسيف، إذا لم تقطعه قطعك".

- أن الوقت لا يعود: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون:100).

- أن الوقت أغلى مِن الذهب: (تأمل قيمة اللحظات التي دخل بها قاتل المائة نفس إلى أرض التوبة). وقال الحسن -رحمه الله-: "أدركتُ أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دنانيركم ودراهمكم".

- صورة مؤسفة: قد يتألم بعض الناس لفقد وضياع جنيهات معدودة، ولا يتألم لضياع ساعاتٍ عديدة، وإذا أراد إنفاق شيئًا مِن ماله، تحقق موضع الاستحقاق، في الوقت الذي ينفق مِن وقته وعمره الساعات والأيام دون مبالاة!

- قسمة الوقت في حياة المسلم:

ينقسم الوقت في حياة المسلم إلى أصل وفرعين:

- فأما الأصل فهو العبادة التي مِن أجلها خلق: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56).

- وأما الفرع الأول: فهو السعي في أسباب رزقه ما لم يكن عنده أسبابه، فيخرج هذا الفرع مِن القسمة (الأغنياء وأرباب المعاشات ونحوهم)، قال الله -تعالى-: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك:15).

- وأما الفرع الثاني: فهو الشهوات المباحة "الزوجات والأولاد ونحوه - الترويح المباح": قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حق الزوجات والأولاد: (يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَة) (رواه مسلم)، وأقر يعقوب -عليه السلام- أولاده على طلب اللعب لما قالوا: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) (يوسف:12).

- لا يجوز للفروع أن تغلب الأصل وإلا هلك الإنسان: قال الله -تعالى-: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:77)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) (رواه البخاري).---- -------------------------------------عباد الله إنَّ على كل مسلم أن يدرك: أن الوقت سريع الانقضاء، فهو يمر مر السحاب، ويجري جري الريح، سواء أكان زمن مسرة وفرح، أم كان زمن اكتئاب وتَرَح، ومهما طال عمر الإنسان في هذه الحياة الدنيا، ومهما عُمر فيها من سنوات وعقود، فهو قصير، ما دام الموت نهاية كل حي.

عند الموت تنكمش الأعوام وإن طالت، عند الموت تتقلص العقود وإن امتدت، تنكمش العقود والأعوام كلها التي عاشها الإنسان، حتى لَكأنها لحظات مرت كالبرق الخاطف.

لقد عاش نبي الله نوح -عليه السلام- أكثر من ألف عام، فلما جاءه ملك الموت ليقبض روحه سأله: يا أطول الأنبياء عمرا، كيف وجدت الدنيا؟ فقال نوحٌ -عليه الصلاة والسلام-: وجدتُّها كدارٍ لها بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخَر.

فبالله عليكم: ما المسافة الفارقة ببين الباب الأول والباب الآخر؟

وصدَق الله -عز وجل- إذ يقول: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا)[النازعات: 46].

إنَّ مما يزيدُ من إدراك هذه الحقيقة عن الوقت -أيها الإخوة المسلمون-: أن تدرك وأن يدرك كل واحد منا أن الوقت على سرعة انقضائه ومروره، كلما مضى منه لا يعود أبداً ولا يعوض، ما مضى منه من أيام الشباب، من أيام الصحة، من أيام الفراغ، ما مضى منه لا يعود أبداً، ولا يعوَّض.

إنَّ كلَّ يوم يمضي، وكلَّ ساعةٍ تنقضي، وكل لحظة تمر، ليس بإمكان أي مخلوق على وجه الأرض - كائناً مَن كان - أن يستعيدها، ومن ثَمَّ فلا يمكن تعويضها البتة.

ورحم الله الحسن البصري إذ يصور هذا المعنى الدقيق، فيقول: "ما مِن يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم، أنا خَلْقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني؛ فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة".

إذا علم المسلم هذه الحقيقة عن الوقت أدرك أن الوقت أغلى ما يملك في هذه الدنيا، وأنفس ما عني الإنسان بحفظه، ومَن جهِل قيمة الوقت، من جهل قيمة الساعات، من جهل قيمة الدقائق واللحظات، فسيأتي عليه حينٌ يعرف فيه قدر الوقت ونفاسته، ولكن بعد فوات الأوان!.

 وفي الذكر الحكيم عرض لمشاهد الندامة والحسرة التي تمتلئ بها قلوب أقوام لم يعرفوا للوقت قيمته، لم يعرفوا للزمان أهميته، فكم يندم المفرط في استثمار ساعات يومه ودقائق نهاره؟! كم يندم المفرط في استثمار ساعات وقته حينما تحين ساعة الاحتضار، حينما يستدبر الإنسان الدنيا، حينما يستقبل الآخرة؟! فيتمنى لو منح مهلة من الزمن، وأعطي فرصة من العمر، وأُخّر إلى أجل قريب؛ ليصلح ما أفسد، ويتدارك ما فات؟!.

وفي هذا يقول المولى -عز وجل- محذرا عباده من هذه الساعة من تضييع فرص الحياة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[المنافقون: 9    ------

كيفية اغتنام الوقت

توجد العديد من الآليات التي من خلالها يتمكن المسلم من اغتنام الوقت، وفيما يأتي بعضها: ذكر الله: يُعد الإكثار من ذكر الله تعالى من أعظم السُبل لاغتنام الوقت، كما أنها من أيسر العبادات وأكثرها أجرًا، إذ يقول تعالى في امتداح الذاكرين: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]، كما يروي عبد الله بن بسر: (أَتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أعْرابيَّانِ، فقال أحَدُهما: مَن خَيرُ الرِّجالِ يا محمَّدُ؟ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن طالَ عُمُرُه، وحَسُنَ عَملُه، وقال الآخَرُ: إنَّ شَرائعَ الإسلامِ قد كَثُرَتْ علينا، فبابٌ نَتمسَّكُ به جامعٌ؟ قال: لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْبًا من ذِكرِ اللهِ) [المصدر: تخريج المسند| خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح]. الأعمال الجارية: من أفضل الآليات لاغتنام الوقت أن يبادر المسلم بالأعمال الجارية إلى ما بعد الموت، يقول عليه الصلاة والسلام: (سبعٌ يَجري للعبدِ أجرُهُنَّ، وهوَ في قَبرِه بعدَ موتِه: مَن علَّمَ علمًا، أو أجرَى نهرًا، أو حفَر بِئرًا، أوغرَسَ نخلًا، أو بنَى مسجِدًا، أو ورَّثَ مُصحفًا، أو ترَكَ ولدًا يستغفِرُ لهُ بعد موتِه)  ------ المداومة على أعمال الخير: إن المداومة على أعمال الخير من الأمور التي يمكن للمسلم أن يغتنم بها وقته، إذ إنها من أجلّ القربات التي ينال بها المسلم محبة خالقه سبحانه وتعالى، (رُوِيَ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا باللَّيْلِ فيُصَلِّي عليه، ويَبْسُطُهُ بالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عليه، فَجَعَلَ النَّاسُ يَثُوبُونَ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيُصَلُّونَ بصَلَاتِهِ حتَّى كَثُرُوا، فأقْبَلَ فَقالَ: يا أيُّها النَّاسُ، خُذُوا مِنَ الأعْمَالِ ما تُطِيقُونَ، فإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتَّى تَمَلُّوا، وإنَّ أحَبَّ الأعْمَالِ إلى اللَّهِ ما دَامَ وإنْ قَلَّ) [المصدر: صحيح البخاري| خلاصة حكم المحدث: صحيح]. تجنّب التسويف العمل: إن من أكثر ما يهلك الوقت أن يُسوّف المرء لنفسه، فيقول سوف أفعل كذا وكذا، إذ إن هذا الأمر من أكثر الآفات التي تُهلك الوقت دون إنجازٍ يذكر، لذا فالواجب على المسلم أن ينأى بنفسه عن التسويف، يقول ابن الجوزي في ذلك: (التسويف هو آفة تدمر الوقت وتقتل العمر، وللأسف فقد أصبحت كلمة "سوف" شعارًا لكثير من المسلمين وطابعًا لهم)، لذا يجب على المسلم أن يبادر بالخير وأن يتعجّل به. المسارعة في الخيرات: إن السبّاقين إلى الخيرات من أكثر المسلمين اغتنامًا للوقت، وقد قال الله تعالى في الثناء على التسابق في عمل الخير: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 148]، وقد حثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على التسابق إلى عمل الخير، ومن الأحاديث التي تشير إلى ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (مَن أصْبَحَ مِنْكُمُ اليومَ صائِمًا؟ قالَ أبو بَكْرٍ: أنا، قالَ: فمَن تَبِعَ مِنْكُمُ اليومَ جِنازَةً؟ قالَ أبو بَكْرٍ: أنا، قالَ: فمَن أطْعَمَ مِنكُمُ اليومَ مِسْكِينًا قالَ أبو بَكْرٍ: أنا، قالَ: فمَن عادَ مِنْكُمُ اليومَ مَرِيضًا قالَ أبو بَكْرٍ: أنا، فقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: ما اجْتَمَعْنَ في امْرِئٍ إلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ) .----- التحذير من سب الوقت إن سبّ الوقت من آفات اللسان التي تكاد تكون منتشرةً وبكثرة في المجتمعات الإسلامية، ولعل الغالبية يجهلون مدى حرمتها، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: يُؤْذِينِي ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدَّهْرُ، بيَدِي الأمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهار) ----وقد ورد عن الشافعي رحمه الله إن الناس قبل الإسلام كانوا يسندون البلاء، والنكبات إلى الدهر فيسبونه، ويقول ابن القيم رحمه الله (سابُّ الدهر دائرٌ بين أمرينِ لا بد له من أحدهما؛ إما سبُّه لله، وإما الشرك به؛ فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعَل ذلك، وهو يسُبُّ مَن فعله، فقد سبَّ الله) ، لذا يجب على المسلم أن يحذر من هذا الأمر شديد الحذر،

 قصة شاب عصى الله ثم تاب

يروى أنه كان في بني اسرائيل شاب عبد الله عشرين سنة ثم عصى الله عشرين سنة ثم رأى في المرآه فرأى الشيب في لحيته فساءه ذلك ؛ فقال : يا الله عبدتك عشرين سنة ثم عصيتك عشرين سنة أفإن رجعت إليك أتقبلني ؟ فناداه المنادي أرحم الراحمين : أحببتنا فأحببناك ، تركتنا فتركناك .. عصيتنا فأهملناك .. وإن رجعت إلينا قبلناك

قصه كان  عثمان الباقلاوي دائم الذكر لله تعالى، فقال: إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج! لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر. وأوصى بعض السلف أصحابه فقال: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا، لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم تحدثتم.واعلم أن الزمان أشرف من أن يضيع منه لحظة، فإن في ((الصحيح)) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له بها نخلة في الجنة)) (1). فكم يضيع الآدمي من ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل؟! وهذه الأيام مثل المزرعة، فهل يجوز لعاقل أن يتوقف عن البذر أو يتوانى؟[بيان ما يعين على اغتنام الوقت]والذي يعين على اغتنام الزمان: الانفراد والعزلة مهما أمكن، والاختصار على السلام أو حاجة مهمة لمن يلقي، وقلة الأكل، فإن كثرته سبب النوم الطويل وضياع الليل. ومن نظر في سير السلف، وآمن بالجزاء، بان له ما ذكرته.-------------------------------------------------------------------- قصه بعض الصحابة كان إذا فاته ورده يبكي.. وقد دخلوا على أحدهم ذات مرة فوجوده يبكي بشدة، فسألوه: أتشتكي وجعاً؟ قال: أشد.. أشد، قالوا: وما ذاك؟ قال: نمتُ بالأمس ولم أقرأ وردي، وما ذلك إلا بذنب أذنبته!! إنّ كثيراً من الناس يقضون أوقاتاً طويلة في قراءة الجرائد.. وقد ينزلون بالليل لكي يحصلوا على صحيفة الغد بتلهف واهتمام! فلماذا لا يحظى كتاب الله ولو بمثل هذا الاهتمام؟! أتزهد في ثواب القرآن؟! وبعض الناس يُضيّع وقته في التفكير والنظر إلى لا شيء وإذا سُئِل يقول: لا أجد شيئاً أعمله!! وهل نسي المسكين كتاب الله؟. روي أنّ عبدالله بن عمر أتى النبي (ص) فقال: يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ فقال: "في ثلاثين" (أي تقرأ كل يوم جزءاً)، فقال ابن عمر: في ثلاثين! إني أطيق أكثر من ذلك! (وانظر إلى هذا النهم وهذا الحب وهذه اللهفة على قراءة القرآن) فقال: "ففي عشرين" قال: إني أجد قوة (أنا أقوى من هذا) قال: "ففي عشر"، فقال: فإني أطيق أكثر من ذلك فقال: "ففي خمس"، قال: يا رسول الله: إني أطيق أكثر من ذلك! قال (ص): "في ثلاث ولا أقل من هذا".. وقال (ص): "من قرأه – أي القرآن – في أقل من ثلاث لم يفقهه". ولهذا أيها الأحباب، لا ينبغي أن تكون مدة ختام المسلم للقرآن في أقل من ثلاث ولا في أكثر من شهر؛ طبقاً للحديث السابق ذكره. ونحن لا نطالب بأن نكون كالصحابة.. الأمر يحتاج إلى تدرج، ومن لا يقرأ القرآن وليس له ورد فليبدأ ولو بربع ثمّ بحزب ثمّ بجزء.. وإن استطاع أن يقرأ بعد ذلك جزءين أو ثلاثة في اليوم فبها ونعمت، وله ثواب الأجر  قال تعالى (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا) (الكهف/ 30). منشور ‏مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية‏

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية

🔴 الغش في الامتحانات سلوكٌ مُحرَّم، يُهدِر الحقوق، ويهدمُ مبدأ تكافؤ الفُرص، ويُؤثّر بالسّلب على مصالح الفرد والأمة.

حثّ الإسلامُ على طلب العلم، ورغّب في تحصيله بجدّ واجتهاد، وبيَّن أن لطالبِ العلم آدابًا لا بد وأن يتحلَّى بها كالإخلاص لله، وتقواه عز وجل، ومراقبته في السر والعلن، والتَّحلي بمكارم الأخلاق، والبعد عن كل ما يُغضِب اللهَ سبحانه ويُنافي الفضائلَ والمحامد.

الغش في الامتحانات سلوك مُحرَّم يُهدر الحقوق، ويمنحها لغير أَكْفَاء، ويُسوي بين المُجدِّ المُتقِن والكسلان المُهمل، ويهدم مبدأ تكافؤ الفُرص؛ الأمر الذي يُضعف من هِمَّة المُجدِّين عن مواصلة طلب العلم، ويُوسِّد الأمور إلى غير أهلها؛ ومِن ثمَّ يُضعف الأمم وينال من عزمها وتقدُّمها؛ فحق العالم هو التقديم والرِّفعة؛ قال سبحانه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، وقال أيضًا: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}. [الزمر: 9]

جعل الإسلامُ المُعاونةَ على الإثم إثمًا، وشراكةً لصاحب الجريمة في جرمه، وقضى ألا تكون الإعانة إلَّا على معروف؛ قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }. [المائدة: 2]

نفى سيدُنا رسولُ الله ﷺ عن الغشَّاش كمال الإيمان، وتبرأ من صفة الغش التي لا ينبغي أن يتصف بها مُسلمٌ مُنتسب لسنته ودينه؛ فقال ﷺ: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» [أخرجه مسلم]، وهذا الحديث عام يشمل كل أنواع الغش في الامتحانات وغيره

حفظ  الله مصر وشعبها وقائدها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي حفظه الله ورعاه».    اللهم احفظ مصر واجعلها في امانك واحسانك

اللهم اجعل لنا من كل هم فرجا

ومن كل ضيق مخرجا

ومن كل بلاء عافيه

اللهم انت ملاذنا وانت عياذنا

وعليك اتكالنا اللهم احفظ مصر من كل سوء ومكروه وفتنه

يا كريم يا كريم يا رحيم

اللهم احفظ امننا ووحدتنا واستقرارنا

اللهم اجعل مصر آمنه مطمئنه ساكنة مستقره

محفوظة مصونه

google-playkhamsatmostaqltradent