recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة صفات العقول المحمدية المستنيرة الشيخ عبدالناصربليح

صفات العقول المحمدية المستنيرة



 الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين وبعد عباد الله 
نعيش معكم اليوم مع صفات العقول المحمدية والذين تربوا علي هدي النبي محمد صلي الله عليه وسلم ..

ولأن أدب العبد عنوان عقله، وأن الله مريد به الخير. فهو


يصبرُ ويتصبَّر على ما يُصيبه:


قال بعض السلف: العاقلُ يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومن لم يصبر صَبْرَ الكِرام سلا سُلُوَّ البهائم.

الذي ينبغي للإنسان العاقل ألَّا يستخفَّنَّه أولئك القوم الذين لا يؤمنون بما وعد الله به الصابرين، ولا يُهِمه كلام الناس حتى يحقِّق اللهُ له ما وعَدَه.

لا ينبغي للإنسان أن يُكثِر الشكاية؛ بل يصبر ويحتسب، ولا يكون كالمرأة، كلما جاءه شيء جاء يشكو، هذا غلط، فالإنسان العاقل الحازم يتصبَّر.


يحاسب نفسه:

والعاقل يحاسب نفسه قال الإمام ابنُ حِبَّان رحمه الله: وأفضلُ ذوي العقول منزلةً أدومُهم لنفسه محاسبةً، وأقلَّهم عنها فترةً.

والعاقل لا يخفى عليه عيبُ نفسه؛ لأن مَن خفي عليه عيبُ نفسه، خفيت عليه محاسنُ غيره، وإن من أشدِّ العقوبة للمرء أن يخفى عليه عيبُه؛ لأنه ليس بمُقْلِعٍ عن عيبه مَن لم يعرفه، وليس بنائلٍ محاسن الناس مَن لم يعرِفْها.

قال العلامة عبدالرحمن المعلمي رحمه الله: العاقل مَن حاسَبَ نفسه،...فكان لنفسه صديقًا، لا يسعى إلَّا في نفعها، ولا يُهِمُّه غيرُ رفعِها، يطرح هواه إلى ما أمر به الله، فمن كان ذلك فاز بالنعيم المقيم، وأمِنَ شرَّ الجحيم.
فَطِنٌ يتغافل:


والعاقل كيس فطن كما أخبر الرسول صلي الله عليه وسلم :" المؤمن كيس فطن" وقال الإمام الشافعي رحمه الله: الكيِّس العاقل، هو الفَطِن المتغافل.قال الخطيب البغدادي رحمه الله: قيل لأعرابي: مَن الأريب العاقل؟ قال: الفَطِن المتغافل.

يوازِن بين الأمور، ويُؤثِر الآخرة على الدنيا، والباقي على الفاني:

قال العلامة السعدي رحمه الله:" العاقلُ يوازِن بين الأشياء، ويُؤثِر أَوْلاها بالإيثار، وأحقَّها بالتقديم.

• قال الله عز وجل:" قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا "(طه: 72).
في هذا الكلام من السحرة، دليل على أنه ينبغي للعاقل أن يُوازِن بين لذَّات الدنيا ولذَّات الآخرة، وبين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

• قال الله: " وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ"(القصص: 60)؛
أي: أفلا تكون لكم عقول، بها تزنون أي الأمرين أولى بالإيثار، وأي الدارين أحق للعمل لها، فدل ذلك على أنه بحسب عقل العبد، يؤثر الأخرى على الدنيا، وأنه ما آثر أحدٌ الدنيا إلا لنقصٍ في عقله.

أهل العقول الزكية الذكية،...يؤثرون الأعلى على الأدنى، فيؤثرون العلم على الجهل، وطاعة الله على مخالفته، وأن لهم عقولًا ترشدهم للنظر في العواقب، بخلاف مَنْ لا لُبَّ له ولا عقل، فإنه يتخذ إلهه هواه.

قال العلامة عبدالرحمن المعلمي رحمه الله: ليس العاقل مَن سعى في تكثير ماله، وتهنيء عيشه، وتحسين ثيابه، وترغيد أكله وشرابه، وتحلية شبابه، كلَّا والله، وإنما العاقل مَن آثر الباقي على الفاني، والدائم على المنقطع، والفاضل على المفضول، والخير على الشرِّ، ودار المقرِّ على دار الممرِّ، ومكان الإقامة على طرق السفر، وأيُّ عاقِل يسعى في عمارة ما لا يقيم فيه ويترك ما يقيم فيه؟! وأيُّ مميز يُزخرفُ طريقًا هو مارٌّ فيها وراحل عنها، ويترك إقامته خرابًا؟! وإنما ذلك من الجنون، وأعقل الناس الزاهدون.


يغبط مَن أنفق ماله في سبيل الخيرات ونيل علوِّ الدرجات:

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: العاقل يغبط من أنفق ماله في سبيل الخيرات ونيل علوِّ الدرجات، والجاهل يغبط مَن أنفق ماله في الشهوات وتوصَّل به إلى اللذَّات المُحرَّمات، قال الله تعالى حاكيًا عن قارون: "فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا"(القصص: 79، 80).
إلى قوله: " تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"(القصص: 83).


يجالس العلماء والصالحين والعقلاء:

قال الشافعي رحمه الله: أربعة تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام، والسواك، ومجالسة الصالحين، ومجالسة العلماء.
 
يعذر الناس:

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أعقلُ الناس أعذَرُهم لهم.

يُداري الناس:

قال الحسن: كانوا يقولون: المداراةُ نِصْفُ العقل، وأنا أقول: هي العقلُ كُلُّه.

قال الإمام ابن حِبَّان رحمه الله: الواجبُ على العاقل أن يُداري الناس مُداراة الرجل السابح في الماء الجاري، ومن ذهب إلى عشرة الناس من حيث هو، كدَّر على نفسه عيشه، ولم تصْفُ له مودَّتُه؛ لأن وداد الناس لا يُستجلَب إلا بمساعدتهم على ما هم عليه؛ إلَّا أن يكون مأثمًا، فإذا كانت حالة معصية فلا سمْعَ ولا طاعة.

ومن التمس رِضا جميع الناس التمس ما لا يُدرَك؛ ولكن يقصد العاقل رِضا مَنْ لا يجد من معاشرته بُدًّا، وإن دفعه الوقت إلى استحسان أشياء من العادات كان يستقبحها، واستقباح أشياء كان يستحسنها- ما لم يكن مأثمًا - فإن ذلك من المداراة، وما أكثر مَن دارى فلم يسْلَم! فكيف توجد السلامة لمن لا يُداري؟!

يتصرَّف بحكمة:

ينبغي للإنسان أن يكون عاقلًا، ما يخطو خطوة إلا وقد عرف أين يضع قدمه، ولا يتكلَّم إلا وينظر ما النتيجة من الكلام؟ ولا يفعل إلا وينظر ما النتيجة من الفعل؟

العاقل لا يتصرَّف إلا بما يراه مفيدًا وحكمةً.

يتأنَّى ولا يستعجل: كون الإنسان يتأنَّى ولا يرُدُّ الشيء إلَّا بعد أن يتبيَّن فيه الخطأ، لا شكَّ أن هذا من العقل ومن الشَّرْع.
يقبل النصيحة ويستفيد منها:

قال عبدالغني: لما رددت على أبي عبدالله الحاكم الأوهام التي في مدخل الصحيح، بعث إليَّ يشكرني، ويدعو لي، فعلمتُ أنه رجل عاقل.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: النصيحة لقاح العقل، فكلما قويت النصيحةُ قوي العقل واستنار.

يحفظ لسانه، ويزن كلامه:


قال الإمام الشافعي رحمه الله: أربعة تزيد في العقل:.... ترك الفضول من الكلام.

قال الإمام ابن قتيبة رحمه الله: ينبغي للعاقل أن يكون....حافظًا للسانه.

قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله: كلام الإنسان عنوان عقله، يدله عليه.

يعرف خير الخيرين، وشر الشرين:

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ليس العاقلُ الذي يعرفُ الخيرَ من الشرِّ؛ ولكنه الذي يعرف خيرَ الشرَّينِ.

قال الشافعي: ليس العاقل الذي يدفع بين الخير والشر فيختار الخير؛ ولكن العاقل الذي يدفع بين الشرَّينِ فيختار أيْسَرَهما.

• قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر؛ وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين، وشرَّ الشرينِ

يستخدم القياس:

العاقل يقيس الغائب على الشاهد، والمستقبل على الحاضر، ويتبيَّن له الأمر.

لا يختار محبة ما يضرُّه ويُشقيه:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: الحي العاقل لا يختار محبة ما يضرُّه ويُشقيه؛ وإنما يصدر ذلك عن جهلٍ وظُلْمٍ، فإن النفس قد تهوى ما يضرُّها ولا ينفعها- وذلك من ظلم الإنسان لنفسه - إما أن تكون جاهلةً بحالِ محبوبها بأن تهوى الشيء وتحبَّه غير عالمة بما في محبَّتِه من المضرَّة، وهذا حال مَن اتَّبَع هواه بغير علمٍ، وإما عالمة بما في محبَّتِه من المضرَّة؛ لكن تُؤثِر هواها على عِلْمِها، وقد تتركب محبَّتُها من أمرين: اعتقاد فاسد، وهوى مذموم، وهذا حال مَن اتَّبَع الظَّنَّ وما تهوى الأنفُسُ.

لا يستمع إلى النمَّام ويحذَر منه:

العاقل إذا نقل إليه أحدٌ شيئًا عن شخص، فإنه يستحضر آية من القرآن وتكفيه، وهي قوله عز وجل:" وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ "(القلم: 10، 11).

يتوقَّى الوقوع في الزلل والخطأ:

قال الإمام ابن قتيبة: قال زياد: ليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع؛ ولكنه الذي يحتال للأمر ألَّا يقع فيه.

قال الإمام ابنُ حِبَّان رحمه الله: والعاقل يحسم الداء قبل أن يُبْتلى به، ويدفع الأمر قبل أن يقَعَ فيه.
يُكثِرُ مِن ذكر الله عز وجل:

ه: الإنسان العاقل الحازم المؤمن لا يزال يذكُر الله سبحانه وتعالى؛ لأن في كل شيء من مخلوقاته آيةً تدُلُّ على وحدانيَّتِه سبحانه وتعالى، وعلى حِكْمَتِه.

يتدارك نفسه بالتوبة إذا وقع منه الزللُ والخطأ:

قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: لو أن العاقل أصبح وأمسى وله ذنوبٌ بعدد الرمل كان وشيكًا بالنجاة والتخلُّص منها، ولو أن الجاهل أصبح وأمسى وله من الحسنات وأعمال البرِّ عددُ الرمل، لكان وشيكًا ألَّا يسلم له منها مثقالُ ذرَّةٍ، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن العاقل إذا زلَّ تدارك ذلك بالتوبة والعقل الذي رُزِقَه، والجاهل بمنزِلة الذي يبني ويهدِم، فيأتيه من جهله ما يُفسِد صالحَ عملِه.

قليل الكلام:

قال الإمام ابن قتيبة رحمه الله: العاقل يُقِلُّ الكلام، ويُبالغ في العمل، ويعترف بزلَّة عقله.

يهدي الهدايا، ويختار المناسب منها:

قال يحيى بن خالد: أشياء تدُلُّ على عقول أربابها:.... الهدية على قدر عقل مُهْدِيها.

قال الإمام ابنُ حِبَّان رحمه الله: العاقل يستعمل مع أهل زمانه لزوم بعث الهدايا بما قدر عليه؛ لاستجلاب محبَّتِهم إيَّاه، ويفارقه تركه مخافة بغضهم، وإني لأستحب للعاقل المداومة على إطعام الطعام، والمواظبة على قِرى الضيف.

لا يأمر غيره بالخير ولا يفعله، ولا ينهاه عن الشر ولا يتركه:

قال العلامة عبدالله بن ناصر السعدي رحمه الله: مَن أمَرَ غيرَه بالخير ولم يفعله، أو نهاه عن الشرِّ فلم يتركه؛ دلَّ على عدم عقله وجهله، خصوصًا إذا كان عالمًا بذلك.
لا يغترُّ بكلام العوامِ ومَدْحِهم:

قال الإمام الخطابي البُسْتي رحمه الله: الواجب على العاقل ألَّا يغترَّ بكلام العوامِ وثنائهم، وألَّا يثق بعهودهم وإخائهم، فإنهم يُقبِلون مع الطَّمَع، ويُدبِرون مع الغِنى، ويطيرون مع كُلِّ ناعِقٍ.

يطلب العلم ويُداوم على طلبه، ويكون قصده العمل به:

قال الإمام ابنُ حِبَّان رحمه الله: الواجب على العاقل إذا فرغ من إصلاح سريرته أن يثني بطلب العلم والمداومة عليه؛ إذ لا وصول للمرء إلى صفاء شيء من أسباب الدنيا إلا بصفاء العلم فيه.

والعاقل لا يشتغل في طلب العلم إلا وقصده العمل به؛ لأن مَنْ سعى فيه لغير ما وصفنا ازداد فخرًا وتجبُّرًا، وللعمل تركًا وتضييعًا، فيكون فساده في المتأسِّين به فيه أكثر من فساده في نفسه، ويكون مثله كما قال الله تعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ [النحل: 25]، والواجبُ على العاقل مجانبةُ ما يدنِّس عِلْمَه من أسباب هذه الدنيا، مع القصد في لزوم العمل بما قدر عليه.

ويجب على العاقل ألَّا يطلب من العلم إلا أفضله، وفضل العلم في غير خيرٍ مهلكةٌ، كما أن كثرة الأدب في غير رضوان الله موبقةٌ، والعاقل لا يسعى في فنونه إلا بما أجدى عليه نفعًا في الدارين معًا، وإذا رُزِق منه الحظ لا يبخل بالإفادة؛ لأن أول بركة العلم الإفادة.

يستكثر من الفضائل وأعمال البرِّ:

قال الإمام ابن حزم: ينبغي أن يرغب العاقل في الاستكثار من الفضائل، وأعمال البرِّ التي يستحق من هي فيه الذكر الجميل، والثناء الحسن، والمدح وحميد الصفة، فهي التي تُقرِّبه من بارئه تعالى، وتجعله مذكورًا عنده عز وجل بالذكر الذي ينفعه.

يملك نفسه عند الغضب:

قال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله: العاقل مَن ملك نفسَه عند الغضب.

يعرف الخير فيطلبه، ويعرف الشرَّ فيتركه:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا يُسمَّى عاقلًا إلَّا مَن عرَف الخير فطلبه، والشرَّ فتركه.

يتجنَّب القهقهة:
الضحك ثلاثة أنواع: ابتدائي، ووسط، وانتهائي، الابتدائي التبسُّم، والوسط الضحك، والمنتهي القَهْقَهة، والقَهْقَهة لا تليق بالإنسان العاقل الرزين، والتبسُّم هو أكثر ضحك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والضحك يكون من الأنبياء أحيانًا.

لا يستهزئ بغيره:

قال العلامة السعدي رحمه الله: العاقل يرى أن من أكبر العيوب المزرية بالدين والعقل استهزاءه بمَنْ هو آدميٌّ مثله، وإن كان قد فضل عليه، فتفضيله عليه يقتضي منه الشكر لربِّه، والرحمة لعباده.

يتفكَّر:

قال لقمان لابنه: يا بني، لكل عملٍ دليلٌ، ودليلُ العقل التفكُّر

يتواضَع:

قال لقمان لابنه: يا بني، لكُلِّ شيءٍ مطيةٌ، ومطيةُ العقل التواضُع.

من صفات العاقل من أقوال الإمام ابن حِبَّان رحمه الله:

العاقل لا يُبالي ما فاته من حطام الدنيا مع ما رزق من الحظِّ في العقل.

العاقل لا يطول أملُه؛ لأن مَن قوي أملُه ضعف عملُه، ومَن أتاه أجلُه لم ينفعه أمَلُه.

من عقل العاقل دفن عقله ما استطاع؛ لأن البذر وإن خفي في الأرض أيامًا، فإنه لا بُدَّ ظاهر في أوانه، وكذلك لا يخفى عقله وإن أخفى ذلك جهده


العاقل لا يَدَّعي ما يُحسِن من العِلْم؛ لأن فضائل الرجال ليست ما ادَّعوها؛ ولكن ما نسبَها الناسُ إليهم.
لا يجب للعاقل أن يغتمَّ؛ لأن الغَمَّ لا ينفع، وكثرتُه تُزْري بالعقل، ولا أن يحزن؛ لأن الحزن لا يرد المرْزِئة [المصيبة]، ودوامه ينقص العقل.

العاقل لا يُخيف أحدًا أبدًا ما استطاع، ولا يُقيم على خوفٍ وهو يجد منه مَذْهبًا.

العاقل لا يبتدئ الكلام إلَّا أنْ يُسأل، ولا يُكثِر التماري إلا عند القبول، ولا يُسرِع الجواب إلا عند التثبُّت.

العاقل لا يتَّكِل على المال، وإن كان في تمام الحال؛ لأن المال يحلُّ ويرتحل، والعقل يقيم ولا يبرح.

العاقل لا يُقاتل من غير عُدَّة،
ولا يخاصم من غير حُجَّة، ولا يُصارع بدون قوة.

لا يجب للعاقل أن يتوسَّل في قضاء حاجته بالعدوِّ، ولا بالأحمق، ولا بالفاسق، ولا بالكذَّاب، ولا بمَنْ له عند المسؤول طعمه.

العاقل يبتدئ بالصنائع قبل أن يُسأل؛ لأن الابتداء بالصنيعة أحسنُ من المكافأة عليها.

من صفات العاقل من أقوال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:

العاقل مَنْ يحفظ جانب الله عز وجل وإن غضب الخَلَق.

العاقل مَن حفظ دينه ومروءته بتَرْك الحرام، وحفظ قوَّتَه في الحلال.

مِن علامات كمال العقل علوُّ الهِمَّة، والراضي بالدون دنيء.

الواجب على العاقل أخذ العُدَّة لرحيله، فإنه لا يعلم متى يفجؤه أمْرُ ربِّه.

ينبغي للعاقل أن يترصَّد وقوع الجزاء...وإن طالت المدة...فميزانُ العَدْل لا يُحابي.

الواجب على العاقل أن يحذر مغبَّة المعاصي، فإن نارَها تحت الرماد.

لو ميَّز العاقل بين قضاء وَطَرِهِ لحظةً وانقضاء باقي عمره في حسرة لما قرب منه.
العاقل...يستر ما في قلبه من البغض والود، ويُداري مَن يُكِنُّون له الغيظ والحقد.

العاقل مَن إذا فعل خطيئةً بادرَها بالتوبة، فكم مغرور بإمهال العصاة لم يمهل.
العاقل لا يدخل في شيء حتى يُهيِّئ الخروج منه.
ينبغي للعاقل أن يتنبه...في دفع كل ما يحذره من شَرٍّ.
العاقل مَن كانت عينُه مراقبةً للعواقِبِ، محترزة مما يجوز وقوعه، عاملة بالاحتياط.
المؤمن العاقل لا يلتفت إلى حاسده؛ إذ ذلك يحسده على الدنيا، وهذا هِمَّتُه الآخرة.

لا ينبغي للعاقل أن يُظهِر سِرًّا حتى يعلم أنه إذا ظهر لا يتأذَّى بظهوره.
العاقل يُدبِّر بعقله عيشته في الدنيا...والتدبير حفظ المال، والتوسُّط في الإنفاق.

يُستدَل على عقل العاقل بسكوته، وسكونه، وخفض بصره، وحركاته في أماكنها اللائقة بها، ومراقبته للعواقب، فلا تستفزه شهوةٌ عاجلةٌ عُقْباها ضرر، وتراه ينظر في الفضاء، فيتخيَّر الأعلى والأحمد عاقبة من مطعم، ومشرب، وملبس، وقول، وفعل، ويترك ما يخاف ضرره، ويستعد لما يجوز وقوعه.

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: العاقل المصيب من عمل ثلاثًا: مَن ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى ربَّه قبل أن يلقاه.

قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: العاقل الحازم الموفق يقول لنفسه: "قدِّري أنك قد مِتِّ، ولا بد أن تموت، فأي الحالتين تختارين: الاغترار بزخرف هذه الدار، والتمتُّع بها كتمتُّع الأنعام السارحة أم العمل لدار أكلها دائم وظِلُّها ظليل، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ العيون؟"، فبهذا يُعرَف توفيق العبد من خذلانه، وربحه من خسرانه.

يعرف حق المحسن ويجتهد في مكافأته:

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: غير خافٍ على عاقلٍ لزوم حق المُنْعِم، ولا مُنْعِم بعد الحق سبحانه على العبد كالوالدين، فقد حملت الأمُّ بحمله أثقالًا كثيرة، ولقيت وقت وَضْعِه مزعجات مثيرة، وبالغَتْ في تربيته وسهرت في مداراته، وأعرضت عن جميع شهواتها لمراداته، وقدَّمته على نفسِها في كل حال، وقد ضمَّ الوالد إلى تسبُّبه في إيجاده، ومحبَّته بعد وجوده، وشفقته في تربيته الكسب له والإنفاق عليه، والعاقل يعرف حَقَّ المحسن ويجتهد في مكافأته.

ينظر إلى العواقب، فيجتنب اللذَّات التي عاقبتها الآلام والحسرات:

• قال سلمة بن دينار رحمه الله: النظر في العواقب تلقيح العقول.

• قال العلامة ابن القيم رحمه الله: العاقل الكيِّس دائمًا ينظر إلى الغايات من وراء سُتور مبادئها، فيرى ما وراء تلك الستور من الغايات المحمودة والمذمومة، فيرى المناهي كطعام لذيذ قد خُلِط فيه سُمٌّ قاتلٌ، فكلما دعَتْه لذَّتُه إلى تناوله نهاه ما فيه من السُّمِّ، ويرى الأوامر كدواء كريه المذاق مُفْضٍ إلى العافية والشفاء، وكلما نهاه كراهةُ مذاقه عن تناوُله أمرهُ نفعُه بالتناوُل.

لما كانت خاصة العقل النظر إلى العواقب والغايات، كان أعقلُ الناس أترَكَهم لما ترجَّحَتْ مفسدتُه في العاقبة، وإن كانت فيه لذَّةٌ ما ومنفعةٌ يسيرةٌ بالنسبة إلى مضرَّتِه.

خاصة العقل تحملُ الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبه من الألم العظيم والشرِّ الطويل.

أعقل الناس مَن آثر لذَّتَه وراحته الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة، وأسفه الخلق من باع نعيم الأبد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص فيها ولا نقص بوجه ما، بلذَّة منغصة مشوبة بالآلام والمخاوف، وهي سريعةُ الزوال وشيكة الانقضاء.

قال الإمام ابن مفلح المقدسي رحمه الله: قال أبو الفرج: إنما فضل العقل على الحسِّ بالنظر في العواقب، فإن الحس لا يرى إلا الحاضر، والعقل يلاحظ الآخرة، ويعمل على ما يتصوَّر أن يقع، فلا ينبغي للعاقل أن يغفل عن تلمُّح العواقب.

قال العلامة السعدي رحمه الله: خاصية العقل النظر للعواقب، وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع، يُفوِّت نعيمًا عظيمًا باقيًا، فأنَّى له العقل والرأي؟!

يعتني دائمًا بإصلاح سريرته وحراسة قلبه من الآفات:

قال الإمام ابنُ حِبَّان رحمه الله: الواجب على العاقل الاهتمام بإصلاح سريرته، والقيام بحراسة قلبه عند إقباله وإدباره، وألَّا ينسى تعاهُدَ قلبِه بترك ورود السبب الذي يُورِث القساوة له عليه.

قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:

العاقل المؤمن هو الذي يكون دائمًا في نظر إلى قلبه ومرضه وصحَّته وسلامته وعطَبِه، فمرض القلب أخطر من مرض البدن بكثير، والعاقل يعتني بهذا عناية أشد.

الذي ينبغي للعاقل أن يهتم بتنعيم قلبه، ونعيم قلب الإنسان بالفطرة، وهي التزام دين الله عز وجل.

يتصف بمكارم الأخلاق ويتجنب سفاسفها:

قال الإمام ابن حِبَّان رحمه الله:

محبة المرء المكارم من الأخلاق وكراهته سفاسفها هو نفس العقل.

الواجب على العاقل إذا لم يُعرَف بالسماحة ألَّا يُعرَف بالبخل، كما لا يجب إذا لم يُعرَف بالشجاعة أن يُعرَف بالجبن، ولا إذا لم يُعرَف بالشهامة أن يُعرَف بالمهانة، ولا إذا لم يُعرَف بالأمانة أن يُعرَف بالخيانة.

قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:

• قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 154] فإذا كان عليمًا بذات الصدور، تعيَّن على العاقل البصير أن يحرص ويجتهد في حفظ باطنه، من الأخلاق الرديئة، واتِّصافه بالأخلاق الجميلة.

 
ومن فضائل العقل كما ذكر العلامة ابن القيم أنه: آلةُ كلِّ علم وميزانُه الذي يُعرَفُ به صحيحُه من سقيمه، وراجحُه من مرجوحه، والمرآةُ التي يُعرَف بها الحَسَن والقبيح.

وهناك أشياء تزيد في العقل وتُنمِّيه، قال أبو حازم رحمه الله: العقل التجارب.

علمُ العليمِ وعقلُ العاقلِ اختصمَا
مَن ذَا الذي منهمَا قد أحرزَ الشرفَا
فالعلمُ قالَ: أنا أدركتُ غايتَهُ
والعقلُ قالَ أنا الرحمنُ بِي عُرفَا
فأفصحَ العلمُ إفصاحاً وقالَ لهُ:
بأيِّنَا اللهُ في قرآنِهِ اتصفَا؟
فبانَ للعقلِ أنَّ العلمَ سيدَهُ
فقبَّلَ العقلُ رأسَ العلمِ وانصرفَا
وقال الإمام ابن قتيبة رحمه الله: كل شيء محتاج إلى العقل، والعقل محتاج إلى التجارب.

وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: العقل ينمو بالتعلُّم والتحصيل والدُّرْبة والمِران.

وثمرة العقل: طاعة الله، وحسن معاملة الخلق، قال الإمام ابن عقيل رحمه الله: ثمرةُ العقل طاعةُ الله فيما أمرك ونهاك، وعدلك في معاملة الناس في التأدُّب لهم والإنصاف، فعقلٌ لا يثمر طاعة الحق، ولا إنصاف الخَلْق، كعينٍ لا تُبْصِر، وأُذُنٍ لا تَسْمَع.
وختامًا: العقل جوهر الإنسان وأكرم أخلاقه، قال إياس بن معاوية: من عدم فضيلة العقل فقد فُجِع بأكرم أخلاقه، وقال الحارث المحاسبي: لكل شيء جوهر، وجوهر الإنسان العقل

وعقول الناس تختلف بحسب الزمن الذي يعيشون فيه، قال مطرف بن عبدالله بن الشخير رحمه الله: عقول الناس على قَدْر زمانِهم.

وكلما تقدَّم الزمن قلَّت عقول الناس، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يأتي على الناس زمان يعرج فيه بعقول الناس حتى لا تجد فيه أحدًا ذا عقلٍ.

فمن وجد عاقلًا في زمانه فهو كنز ثمين، فليصحبه ما استطاع، قال الإمام ابن حِبَّان رحمه الله: فإذا وفق المرء لصحبة العاقل فليشد يديه به.

والعاقل قد يتعب ممَّا يرى ويسمع من أهل زمانه؛ ولكنه مع ذلك مستريح، قال الإمام ابن حزم رحمه الله: صدق مَن قال: إن العاقل في الدنيا متعوب، وصدق من قال: إنه فيها مستريح، فأمَّا تَعَبُهُ فبما يرى من انتشار الباطل، وغلبة دولته، وبما يُحالُ بينه وبين الحقِّ من إظهار الحقِّ، وأما راحتُه، فمن كل ما يهتمُّ به سائر الناس من فضول الدنيا.

google-playkhamsatmostaqltradent