recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة العقول المحمدية الشيخ أحمد المراكبي

 العقول المحمدية




اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَضَاءَ بِنُورِ الْعِلْمِ قُلُوبَ الْعَارِفِينَ، وَزَيَّنَ بِهِ عُقُولَ الْعَامِلِينَ، وَرَفَعَ بِهِ شَأْنَ الْمُتَّقِينَ،

وَأَجْرَى عَلَى أَلْسِنَةِ الذَّاكِرِينَ مِدَادَ الْحِكْمَةِ وَالْيَقِينِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُنْجِي قَائِلَهَا يَوْمَ الدِّينِ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْمُصْطَفَى مِنَ الْعَالَمِينَ، وَالرَّحْمَةُ الْمُهْدَاةُ لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَ.
اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
أُوصِيكُمْ – عِبَادَ اللَّهِ – بِتَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ؛ فَهِيَ زَادُ السَّائِرِينَ، وَجُنَّةُ الْمُخْلِصِينَ، وَمِرْقَاةُ الْفَائِزِينَ،
فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَظَلَّهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ،
وَمَنْ سَارَ فِي دَرْبِهَا ازْدَادَ مِنَ الْخَيْرِ يَقِينًا، وَمِنَ النُّورِ دِينًا، وَمِنَ الْفَضْلِ تَمْكِينًا.
ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى الْإِنْسَانِ: "نِعْمَةُ الْعَقْلِ".
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) [الْمُلْك: ٢٣].
فَالْعَقْلُ نُورٌ؛ بِهِ يَعْمَلُ الْإِنْسَانُ، وَيُنْتِجُ، وَيَتَعَامَلُ، وَيُدَبِّرُ أُمُورَهُ وَشُؤُونَهُ.
بِهِ يُدْرِكُ الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، وَبِهِ يَسْلُكُ طَرِيقَ الْهُدَى، وَيَجْتَنِبُ مَوَارِدَ الرَّدَى.
وَالنَّاظِرُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ يَرَى كَمْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْعَقْلِ، فِي دَلَالَةٍ عَلَى مَكَانَةِ إِعْمَالِهِ، وَإِعْلَاءٍ لِقِيمَةِ التَّفْكِيرِ الْإِيجَابِيِّ،وَبَيَانًا لِمَدَى حِرْصِ الْإِسْلَامِ عَلَى ذٰلِكَ.
وَالْإِسْلَامُ فِي كُلِّ جَوَانِبِهِ يَهْتَمُّ بِالْعَقْلِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّفْكِيرِ الْإِيجَابِيِّ؛فَلَمْ يَطْلُبِ الْإِسْلَامُ مِنَ الْإِنْسَانِ أَنْ يُطْفِئَ مَصَابِيحَ عَقْلِهِ، أَوْ أَنْ يَعِيشَ فِي ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ،
وَإِنَّمَا يُرِيدُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، مِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ، مِنَ الْكَسَلِ إِلَى الْعَمَلِ،
وَمِنَ التَّقْلِيدِ إِلَى الِابْتِكَارِ، إِلَى الْإِبْدَاعِ، إِلَى التَّطْوِيرِ، إِلَى النَّجَاحِ، إِلَى التَّقَدُّمِ، إِلَى الْإِتْقَانِ.
فَمِنْ دَعَوَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: الدَّعْوَةُ إِلَى إِعْمَالِ عُقُولِنَا وَالتَّفْكِيرِ بِهَا.قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الْعَنْكَبُوت: ٢٠].
وَقَالَ تَعَالَى:{وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الْمُؤْمِنُون: ٨٠].
وَكَمَا دَعَانَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى إِعْمَالِ عُقُولِنَا، كَذٰلِكَ جَاءَتْ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وَدَعَتْ إِلَى ذٰلِكَ.
فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ:(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُعْقَلَ عَنْهُ) (رَوَاهُ التِّرْمِذِي).
وَلَقَدْ ذَمَّ الْحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَنْ لَا يَسْتَخْدِمُ عَقْلَهُ؛ لِيَصِلَ بِهِ إِلَى الْإِلٰهِ الْوَاحِدِ، وَإِلَى قَضِيَّةِ التَّوْحِيدِ.
فَقَالَ سُبْحَانَهُ تَعَالَى مُخَاطِبًا نَبِيَّنَا ﷺ:{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الْفُرْقَان: ٤٣-٤٤].
فَالِاسْتِمَاعُ وَالْعَقْلُ مَظِنَّةُ الِاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَةِ الرُّسُلِ إِلَى التَّوْحِيدِ.
وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ وَالْمُشْرِكُونَ لَيْسَ لَدَيْهِمْ سَمْعٌ يُعِينُهُمْ، وَلَا عَقْلٌ يَهْدِيهِمْ؛ فَسُدَّتْ عَلَيْهِمْ مَنَافِذُ الْإِيمَانِ،
فَكَانُوا كَالْأَنْعَامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ تَعَالَى:{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الْأَنْفَال: ٢٢-٢٣].
فَبِالْعَقْلِ أَيْضًا يَتَمَايَزُ الْبَشَرُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ؛ فَلَيْسَ الْعَاقِلُ كَالْأَحْمَقِ، وَلَا اللَّبِيبُ كَالسَّفِيهِ وَالْأَخْرَقِ.
وَمِنْ هُنَا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَخَاطَبَ الْعُقُولَ أَوَّلًا، وَحَرِصَ أَيَّمَا حِرْصٍ عَلَى تَنْبِيهِهَا وَإِيقَاظِهَا مِنْ غَفْلَتِهَا.
وَمِنْ هُنَا كَثُرَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الْحَثُّ عَلَى اسْتِخْدَامِ الْعَقْلِ فِي قَضِيَّةِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ.
فَقَدْ جَاءَتْ صِيغَةُ الْخِطَابِ: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً،
وَبِصِيغَةِ الْغَيْبَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي سُورَةِ (يٰس)، قَالَ سُبْحَانَهُ:
{وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ} [يٰس: ٦٨].
وَجَاءَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً بِصِيغَةِ: {أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
{قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚقُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الْأَنْعَام: ٥٠].
أمثال القرآن وتنبيه العقول
وَيَضْرِبُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْثَالَ؛لِيُوقِظَ الْعُقُولَ، وَلِيُلْفِتَ الْأَنْظَارَ إِلَى مَا أَرَادَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيَلْتَزِمُوا أَمْرَهُ، وَيَجْتَنِبُوا نَهْيَهُ، وَيَهْتَدُوا بِهَدْيِهِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ هٰذِهِ الْأَمْثَالِ مَا جَاءَ لِيُمَيِّزَ بَيْنَ النَّافِعِ وَغَيْرِ النَّافِعِ،
وَبَيْنَ مَنْ يَحْمِلُ فِي نَفْسِهِ قُدْرَةً عَلَى الْخَيْرِ وَالْعَمَلِ، وَمَنْ لَا يَحْمِلُ إِلَّا الْعَجْزَ وَالِاتِّكَالَ.
قَالَ تَعَالَى:﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النَّحْل: ٧٦].
فَهٰذَا مَثَلٌ بَلِيغٌ يُبَيِّنُ الْفَارِقَ الْهَائِلَ بَيْنَ إِنْسَانٍ عُطِّلَتْ قُوَاهُ، فَلَا يَنْتَفِعُ بِعَقْلٍ وَلَا بِلِسَانٍ، يَعِيشُ عَالَةً عَلَى غَيْرِهِ؛وَبَيْنَ إِنْسَانٍ آخَرَ يُفِيضُ عَدْلًا، وَيَهْدِي إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ قَوْلًا وَعَمَلًا.
التفكر عبادة
وَإِنَّ مِنْ حِرْصِ الْإِسْلَامِ عَلَى إِعْمَالِ الْعُقُولِ وَتَنْشِيطِ التَّفْكِيرِ الْإِيجَابِيِّ: أَنَّهُ جَعَلَ التَّفَكُّرَ فِي آيَاتِ اللَّهِ عِبَادَةً عَظِيمَةً،
لِمَا يُثْمِرُهُ ذٰلِكَ مِنْ صَلَاحِ الْقَلْبِ، وَزِيَادَةِ الْإِيمَانِ، وَتَثْبِيتِ الْيَقِينِ، وَغَرْسِ الْخَشْيَةِ فِي النُّفُوسِ.
قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ *الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آلِ عِمْرَان: ١٩٠].
وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ:"لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ، وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا:
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...)" (صَحِيحُ ابْنِ حِبَّان).
دلائل العقل
فَهٰذَا الْعَقْلُ وَالتَّفْكِيرُ الْإِيجَابِيُّ وَسِيلَةٌ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَدَلِيلٌ إِلَى الْإِيمَانِ، وَقَائِدٌ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْإِحْسَانِ.
وَرَحِمَ اللَّهُ ذٰلِكَ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي قَالَ: "اَلْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ، وَالْأَثَرُ يَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ،
فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، كَيْفَ لَا تَدُلَّانِ عَلَى الصَّانِعِ الْخَبِيرِ؟".
وَهٰذَا هُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَبُو حَنِيفَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، اجْتَمَعَ بِهِ بَعْضُ الْمُلْحِدِينَ،
فَقَالُوا: مَا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ؟
فَقَالَ: بَلَغَنِي أَمْرٌ غَرِيبٌ شَغَلَ فِكْرِي؛ سَفِينَةٌ عَظِيمَةٌ تَمْضِي فِي الْبَحْرِ ذَاهِبَةً رَاجِعَةً، لَا يَقُومُ عَلَيْهَا أَحَدٌ!
فَقَالُوا: هٰذَا لَا يَصِحُّ وَلَا يَقْبَلُهُ عَاقِلٌ.
فَقَالَ: فَكَيْفَ قَبِلْتُمْ بِلَا دَلِيلٍ أَنَّ هٰذَا الْعَالَمَ الْعَظِيمَ يَجْرِي بِلَا مُدَبِّرٍ؟
التفكير الإيجابي وأثره
إِنَّ طَرِيقَ التَّقَدُّمِ وَالِازْدِهَارِ وَالنَّجَاحِ مَرْهُونٌ بِإِيجَابِيَّةِ الْعُقُولِ؛
فَمَنْ أَعْمَلَهُ فِي الْخَيْرِ أَفْلَحَ وَفَازَ، وَمَنْ أَعْمَلَهُ فِي الشَّرِّ خَابَ وَخَسِرَ.
فَالتَّفْكِيرُ الْإِيجَابِيُّ يُثْمِرُ فِي الْقُلُوبِ نُورًا، وَفِي الْجَوَارِحِ عَطَاءً؛
يُثْمِرُ التَّفَاؤُلَ، وَحُبَّ النَّاسِ، وَالْأُلْفَةَ، وَالْمَوَدَّةَ، وَحُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ.
أَمَّا التَّفْكِيرُ السَّلْبِيُّ فَيُعَطِّلُ الطَّاقَاتِ، وَيُورِثُ الْحَسَدَ وَالْحِقْدَ، وَقَدْ يُوصِلُ إِلَى الْقُنُوطِ وَالْيَأْسِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا):قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟قَالَ ﷺ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالْإِيَاسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ".
أَقُولُ قَوْلِي هٰذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، مُنَزِّلِ الْكِتَابِ، وَهَادِي السَّائِرِينَ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُنَجِّي الْمُؤْمِنِينَ، وَتَرْفَعُ دَرَجَاتِ الْمُخْلِصِينَ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُصْطَفَى الْأَمِينُ،الْمَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّاهِرِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
القضاء والقدر والإيمان بحكم الله
فَمِنَ الْمُقَرَّرِ شَرْعًا أَنَّ الْحَقَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ،
وَمَا يَجْرِي فِي الْكَوْنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) — رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَمِنَ الْوَاجِبِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُؤْمِنَ بِذٰلِكَ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ السِّتَّةِ،
فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالَ:
(أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) — رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
إبطال التشاؤم والتطيّر
فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذٰلِكَ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَتَشَاءَمَ مِنْ شَخْصٍ، أَوْ يَعْتَقِدَ أَنَّ قَدَمَهُ سَيِّئَةٌ،
أَوْ أَنَّ نَظْرَتَهُ أَوْ دُخُولَهُ أَوْ وَجْهَهُ... إِلخ شُؤْمٌ، فَالنَّكَباتُ وَالْخَسَائِرُ وَالْأَمْرَاضُ وَالْبَلَايَا،
وَالْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ، كُلُّ ذٰلِكَ بِيَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ يَقَعُ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، لَا يَتَدَخَّلُ فِيهِ أَحَدٌ.
وَقَدْ كَانَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ يَتَشَاءَمُونَ بِمُوسَىٰ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَمَنْ مَعَهُ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ كُلَّ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ عِنْدِهِ،فَقَالَ تَعَالَى:{وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الْأَعْرَاف: ١٣١].
وَكَذَلِكَ قَوْمُ صَالِحٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لَمَّا تَشَاءَمُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَبُّنَا:
{قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ۚ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النَّمْل: ٤٧].
النهي عن الطيرة
وَالتَّشَاؤُمُ مِنَ الْأَشْخَاصِ أَوِ الْأَزْمِنَةِ أَوِ الْأَمَاكِنِ أَوِ الْحَيَوَانَاتِ يُعَدُّ مِنَ الطِّيَرَةِ الَّتِي نَهَىٰ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا،
فَقَالَ ﷺ: (لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ) — رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَوْلُهُ ﷺ: "وَلَا صَفَرَ" أَيْ: لَا تَتَشَاءَمُوا بِالشَّهْرِ الْعَرَبِيِّ (صَفَرٍ)، كَمَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ.
وَقَوْلُهُ ﷺ: "فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ..." هُوَ مِنْ بَابِ أَخْذِ الْأَسْبَابِ، مَعَ تَفْوِيضِ النَّتِيجَةِ لِلَّهِ.
وَالطِّيَرَةُ وَالتَّشَاؤُمُ مِنْ شِيَمِ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ، وَهِيَ نَقْصٌ فِي الْإِيمَانِ وَسُوءُ ظَنٍّ بِاللَّهِ،
وَقَدْ تُسَبِّبُ أَذًى نَفْسِيًّا لِمَنْ نَتَّهِمُهُمْ بِهَا، وَتُهَدِّمُ بُيُوتًا وَعَلَاقَاتٍ، وَالْمَرْءُ مَسْؤُولٌ عَنْ ذٰلِكَ.
وَالْمُؤْمِنُ الْحَقُّ مُتَفَائِلٌ، يُقْبِلُ عَلَى الْحَيَاةِ بِبِشْرٍ وَأَمَلٍ، وَيُفَوِّضُ أَمْرَهُ لِلَّهِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ: الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ) — رواه مسلم.
الدعاء
اَللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ التَّوَكُّلِ وَالْيَقِينِ، وَارْزُقْنَا عُقُولًا مُنِيرَةً، وَقُلُوبًا سَلِيمَةً،وَنُفُوسًا مُطْمَئِنَّةً، وَأَعْمَالًا مُتَقَبَّلَةً، وَأَقْدَارًا خَيْرًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
اَللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنَّا التَّشَاؤُمَ وَالْوَهْمَ وَسُوءَ الظَّنِّ، وَارْزُقْنَا حُسْنَ التَّفَكُّرِ وَالْأَخْذَ بِالْأَسْبَابِ.
اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا، وَلِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.
اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا وَأَلْسِنَتَنَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
google-playkhamsatmostaqltradent