recent
أخبار عاجلة

خطبة جمعة الأشهر الحرم والعمل الصالح عادل عبدالكريم توني إبراهيم إمام وخطيب ومدرس بوزارة الأوقاف

الأشهر الحرم والعمل الصالح  

            

     


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

* يقول ربنا عز وجل: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } [التوبة: 36]

  والْأَشْهُرَ الْحُرُمَ بينها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " مِنْهَا: ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: "ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ، مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى، وَشَعْبَانَ  " .

وإِنَّ من الْوَاجِبَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ : تَرْكُ ظُلْمِ النَّفْسِ فِيهِنَّ بِتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَتَجَنُّبِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَالِاسْتِزَادَةِ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَالِانْكِبَابِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَعِبَادَةِ اللهِ تبارك وتعالي .

  والعمل الصالح أبوابه وطرقه كثيرة ومنه :

(١)- ذكر الله عز وجل :

قال تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الأحزاب: 35]

وقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } [الأحزاب: 41، 42]

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ  -رضي الله عنه-، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: "لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ" (أخرجه الترمذي)

وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ  -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ"؟ ، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: "ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى"، قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: "مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ"(أخرجه الترمذي(3377)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (5644).

قال ابن القيم: " ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، وصدأ القلب بأمرين بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين بالاستغفار والذكر ، فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكباً على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقاً ولا ينكر باطلاً."(. الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم(ص: 40).

(٢)- تلاوة القرآن الكريم :

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29، 30]

فقراءة القرآن من أفضل الذكر، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ"(أخرجه البخاري(5013).

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ  -رضي الله عنه-، أنَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ} تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ"

(أخرجه الترمذي(2894)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير(4405).

وفي الحديث الآخر عن ابْنَ مَسْعُودٍ  -رضي الله عنه-، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ"(أخرجه الترمذي(2910)، وصححه الألباني في المشكاة(2137).

وهذا دليل على عظم قراءة القرآن والله يضاعف لمن يشاء، وكل إنسان وهمتَه في هذا الباب، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26]

(٣)- الصدقة :

فقد أخبرنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- عن يوم القيامة وأهواله، فذكر أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ فَيَبْلُغُ النَّاسُ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ.

وقال أبو موسى  -رضي الله عنه-: " الشَّمسُ فوق رؤوسِ النَّاس يومَ القيامة، فأعمالهم تُظِلُّهم، أَوْ تُضَحِيِّهُمْ "(انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب(3/ 1008). و ابن أبي شيبة في مصنفه (35961).).

فلا ظل هنالك ولا ظليل إلا ظل عرش الملك الجليل، وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- عن الأعمال الموجبة للاستظلال بظل عرش الرحمن منها التصدق، فعَن أبي هُرَيْرَةَ  -رضي الله عنه-: عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ-فذكر منها-" وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ"

(أخرجه البخاري(1423)، ومسلم(91).

 وعَن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ قَالَ: حَتَّى يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ".

 وقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ: فَكَانَ أَبُو الخَيْرِ اليَزَنِيُّ المِصْرِيُّ لَا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ لَا يَتَصَدَّقُ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَلَوْ كَعْكَةً وَلَوْ بَصَلَةً(أخرجه ابن خزيمة في صحيحه(2431)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير(4510).

فلا تحرم نفسك من ثواب الصدقة ولو بالقليل، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ قَالُوا: وَكَيْفَ؟ ، قَالَ كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا"(أخرجه النسائي في الكبرى(2526)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (3606).

وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ  -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ"(أخرجه البخاري(5355)، ومسلم(95).

ومن عجز عن التصدق بماله، لن يضيع منه الفضل والثواب، عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أَنَّهُ قَالَ: "يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلاَمَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى"

(أخرجه مسلم(84).).

وقال ابن القيم: " وفى الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها الا الله فمنها انها تقى مصارع السوء وتدفع البلاء حتى إنها لتدفع عن المظلوم، قال إبراهيم النخعي: "وكانوا يرون أن الصدقة تدفع عن الرجل المظلوم وتطفئ الخطيئة وتحفظ المال وتجلب الرزق وتفرح القلب وتوجب الثقة بالله وحسن الظن به كما أن البخل سوء الظن بالله، وترغم الشيطان -يعنى الصدقة- وتزكى النفس وتنميها وتحبب العبد الى الله وإلى خلقه وتستر عليه كل عيب كما أن البخل يغطى عليه كل حسنة وتزيد فى العمر وتستجلب أدعية الناس ومحبتهم وتدفع عن صاحبها عذاب القبر وتكون عليه ظلا يوم القيامة وتشفع له عند الله وتهون عليه شدائد الدنيا والآخرة وتدعوه الى سائر أعمال البر فلا تستعصى عليه وفوائدها ومنافعها أضعاف ذلك، ولو لم يكن فى النفع والاحسان الا أنه صفة الله وهو سبحانه يحب من اتصف بموجب صفاته وآثارها فيحب العليم والجواد والحيي والستير والمؤمن القوى أحب اليه من المؤمن الضعيف ويحب العدل والعفو والرحيم والشكور والبر والكريم فصفته الغنى والجود ويحب الغنى الجواد"(عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم(ص: 254).

(٤)- قيام الليل:

البعض يستثقل صلاة التراويح في رمضان، وسبب ذلك أنه لم يكن متعودًا على قيام الليل قبل ذلك فيصاب بالفتور فيحرم الثواب، ولقد ذكر الله عز وجل صفات المتقين الذين وجبت لهم الجنات والعيون بأنهم، (كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ)، قال ابن عباس: "لم يكن يمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئاً"

(تفسير الطبري (22/ 407).

هذا حال المتقين لا ينعمون بنوم خوفاً من عقاب ربهم، وطمعًا في رضوانه كما وصفهم سبحانه بقوله: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون} [السجدة: 16]

أي: تتنحَّى جنوب هؤلاء الذين يؤمنون بآيات الله، الذين وصفت صفتهم، وترتفع من مضاجعهم التي يضطجعون لمنامهم، ولا ينامون {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} في عفوه عنهم، وتفضُّله عليهم برحمته ومغفرته {ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ} في سبيل الله، ويؤدّون منه حقوق الله التي أوجبها عليهم فيه .

(تفسير الطبري(20/ 178).).

عَنْ عَلِيٍّ  -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا"، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لِمَنْ أَطَابَ الكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ"

(أخرجه الترمذي(2527)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح(1232).

وإن الليل موطن تَنَزلُ الرحمات، ونزول رب الأرض والسماوات، فعليك باغتنامه بالطاعات، والإكثار من  القربات، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ  -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهِ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ "(أخرجه النسائي في الكبرى(10248)، صحيح الجامع الصغير (3243).

وعَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، يَقُولُ: إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لاَ يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ(أخرجه مسلم (166).

وفي الحديث تنبيه على أن آخر الليل للصلاة والدعاء والاستغفار وغيرها من الطاعات أفضل من أوله(شرح النووي على مسلم (6/ 37).

ومن يغفل عن مثل هذه الساعة، فقد حُرم الخير الكثير، عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-، قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الفَجْرِ"

(أخرجه البخاري(1140)،ومسلم(124).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: " مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطَرِينَ"(أخرجه أبو داود(1400)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (2189).

ومن تأمل حال السلف مع قيام الليل يرى العجب، ويشعر بالخجل والتقصير، فعن عَنْ قَمِيرٍ، امْرَأَةِ مَسْرُوقٍ، قَالَتْ: " مَا كَانَ مَسْرُوقٌ يُوجَدُ إِلَّا وَسَاقَاهُ قَدِ انْتَفَخَتَا مِنْ طُولِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، قَالَتْ: وَاللهِ، إِنْ كُنْتُ لِأَجْلِسُ خَلْفَهُ، فَأَبْكِي رَحْمَةً لَهُ "

(أخرجه النسائي في الكبرى(11868)، الزهد والرقائق لابن المبارك (95).

وقال أَبُو الدَّرْدَاءِ  -رضي الله عنه-: " لَوْلَا ثَلَاثٌ مَا أَحْبَبْتُ أَنْ أَعِيشَ يَوْمًا وَاحِدًا: الظَّمَأُ لِلَّهِ بِالْهَوَاجِرِ، وَالسُّجُودُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَمُجَالَسَةُ قَوْمٍ يَنْتَقُونَ مِنْ خِيَارِ الْكَلَامِ، كَمَا يُنْتَقَى أَطَائِبُ التَّمْر"(الزهد والرقائق لابن المبارك (277).

(٥)- الصيام :

جاءت السنة بذكر كثير من  فضائل الصيام وفوائده، فمنها أن الله يجبر به تقصير العبد في الفرائض، ثم إن صيام التطوع زيادة قربة وامتثال وطاعة لله عز وجل، فتزيد من محبة الله للعبد كما في الحديث الصحيح: ((وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ))(أخرجه البخاري(6502)، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-.).

فالتقرب بالنوافل يزيد من حسنات العبد ويرفع من درجته، ويوجب محبة الله للعبد، وبقدر حرص الإنسان على فعل النوافل والطاعات يكون أقرب لمحبة الله، فأولى الناس بمحبة الله من حافظ على النوافل وأكثر منها.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ  -صلى الله عليه وسلم-  قَالَ: " الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ "(أخرجه أحمد(9225)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (3879).

وعَنْ سَهْلٍ بن سَعْدٍ  -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: " إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ "

(أخرجه البخاري(1896)، ومسلم(166).

ومن عِظم فضل الصيام إضافته لله تعالى تشريفاً لقدره وتعريفاً بعظيم فخره، عن أبِي هُرَيْرَةَ  -رضي الله عنه-، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: " قَالَ اللَّهُ: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ"(أخرجه البخاري(1904)، ومسلم(163).

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ  -رضي الله عنه-، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا"(أخرجه البخاري(2840)، ومسلم(168).

فالصوم من العبادات الجليلة، اختصه الله لنفسه ووعد عليه بالأجر العظيم، وهو وقاية من المعاصي ووقاية من النار، وسبب للبعد عنها يوم القيامة، فحري بالمؤمن المبادرة إلى هذا العمل العظيم وتحمل ما فيه من المشقة اليسيرة التي يعقبها الفرح العظيم عند الفطر وعند لقاء الله عز وجل يوم القيامة.

وَالصِّيَامُ فِيهِ خَيْرٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، لَكِنْ دَونَ تَمْيِيزٍ لِشَهْرِ رَجَبَ بِدُونِ دَلِيلٍ.

فالصيام في شهرِ رجب: إذا ما وافق صيامًا لأحدِنا، فإنه لا عليه في ذلك ولا تثريب، كأنْ يكون صائمًا ليومٍ ومُفطرًا لآخر كما هو صيامُ داود، أو يكونَ صائمًا لأيامِ البِيض، أو صائمًا الاثنين والخميس، أو صائمًا لثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهر، فهذا لا شيء فيه؛ بل هو من أعظمِ القُرباتِ إلى اللهِ –ربِّ العالمين-

فاغتنم أيامك بالخير وسارع وبادر حتى تكون على أفضل حال ، نسأل الله أن يكتب لنا وإياكم الخير.

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك

وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين .

 

google-playkhamsatmostaqltradent