recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الأخسرون أعمالاً بين فسادِ القصدِ وضلالِ المنهج. ️الشيخ/ محمد أبوالنصر

 الأخسرون أعمالاً بين فسادِ القصدِ وضلالِ المنهج

 


  ​الحمدُ لله الذي جعلَ العملَ الصالحَ للجنةِ سبيلاً، وجعلَ الإخلاصَ فيهِ والمتابعةَ رُكناً أصيلاً، والصلاةُ والسلامُ على مَن تركَنا على المحجةِ البيضاء، لا يزيغُ عنها إلا أهلُ الردى والأهواء، وعلى آلهِ وصحبهِ الأتقياءِ الأنقياء.

​أما بعد ، إنَّ أعظم الخسارة التي قد يُبتلى بها الإنسان ليست خسارة المال، ولا ضياع الجاه، ولا فوات متاع الدنيا، وإنما الخسارة الحقيقية أن يبذل الإنسان عمره وجهده وسعيه، ثم يُفاجأ يوم القيامة بأن كلَّ ذلك قد ذهب هباءً منثورًا، لا وزن له ولا قدر، لأنه بُني على غير هدى، أو قُدِّم لغير الله، أو خالف منهج الوحي.

ومن هنا جاء هذا النداء القرآني المزلزل، الذي لا يُخاطب الغافلين وحدهم، بل يُخاطب المجتهدين المخدوعين، والعابدين المنحرفين، والدعاة غير الملتزمين بالوحي.

 قال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا  الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [سورة الكهف: 103–104]

  أولًا: المعنى العام للآيتين وسياقهما في سورة الكهف

  دلالة الاستفهام القرآني

قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾

[الكهف: 103]

  الاستفهام هنا تشويقيٌّ تقريريّ، يُهيِّئ السامع لأمرٍ عظيم، ويُنبِّه القلوب إلى خطرٍ داهم.

  لم يقل: “الخاسرين”، بل قال: ﴿الْأَخْسَرِينَ﴾، بصيغة التفضيل، أي: أشد الناس خسارة.

  تعريف الأخسرين

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾

[الكهف: 104]

  ضلَّ سعيهم: أي بطل وفسد وخرج عن طريق الهداية.

  وهم يحسبون: وهذه هي الطامة الكبرى؛ اجتماع الضلال مع حُسن الظن بالنفس.

إنَّ أشدَّ الفواجعِ وقعًا على النفسِ ليس هو الفشلُ الذي يدركه المرءُ فيحاولُ إصلاحَه، بل هو الفشلُ المتدثّرُ برداءِ النجاحِ، والضلالُ الذي يتزيَّى بزيِّ الهدايةِ. إنها حالةُ "الخسرانِ المركّبِ" التي عبَّر عنها القرآنُ الكريمُ في سورة الكهف، حيثُ يبذلُ الإنسانُ مجهودًا مضنيًا، ويحرقُ سنواتِ عمرِه في عملٍ يظنُّه رابحًا، فإذا بموازينِ الحقِّ يوم القيامةِ تجعلُه هباءً منثورًا.

  الغرور والاعتداد بالرأي (آفة العقل)

إنَّ أخطر ما يصيبُ العاملَ هو "حسبانُ" الإحسان، أي الظنُّ الواهمُ بأنه على جادة الصواب.

  تزيين سوء العمل:

حين يستحوذُ الشيطانُ على البصيرةِ، يرى المرءُ قبيحَ فعلِه حسنًا، فيتمادى في التيه.

 * يقول الحق سبحانه: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [فاطر: 8].

  ثانيًا: خطورة الجمع بين الجهل والغرور الديني

  الجهل المركب

  هو أن يجهل الإنسان الحق، ويجهل أنه جاهل.

  وهذا أخطر من الجهل البسيط.

قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾

[سورة فاطر: 8]

وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

[سورة الزخرف: 37]

  الغرور بالعمل

قال رسول الله ﷺ:

«هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»

خرجه مسلم (رقم 2670).

  أي المتشددون الغالون الذين خرجوا عن الاعتدال وظنوا أنهم على خير.

  ثالثًا: شرط قبول العمل في ميزان الله

  الشرط الأول: الإخلاص

قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾

[سورة البينة: 5]

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال ﷺ:

«إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينْكحُها فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ»

خرجه البخاري (رقم 1)، ومسلم (رقم 1907).

فمن عمل بغير إخلاص فقد نافق.

الشرط الثاني: المتابعة

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾

[سورة آل عمران: 31]

فمن عمل بغير اتباع فقد ابتدع .

 وعن عائشه رضي الله عنها، قال ﷺ:

«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»

خرجه البخاري (رقم 2697)، ومسلم (رقم 1718).

  رابعًا: صور من الأخسرين أعمالًا

  أصحاب البدع

  يعملون بلا دليل.

  ويعبدون الله على غير هدى.

قال ابن مسعود رضي الله عنه:

«كَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ».

روى الدارمي بسنده عن عبد الله بن مسعود قَالَ: " كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَإِذَا خَرَجَ ، مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْنَا: لَا، بَعْدُ ، فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ ، فَلَمَّا خَرَجَ، قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا أَنْكَرْتُهُ وَلَمْ أَرَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - إِلَّا خَيْرًا ، قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْمًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ، وَفِي أَيْدِيهِمْ حصًا، فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِائَةً ، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً ، وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً، فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً ، قَالَ: فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ ؟ ، قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا انْتِظَارَ رَأْيِكَ أَوِ انْتظارَ أَمْرِكَ ، قَالَ : " أَفَلَا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ ، وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ " ، ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: " مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ " قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حصًا نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ ، قَالَ: " فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ ، فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوْ مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلَالَةٍ " ، قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ. قَالَ: " وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ " ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ: رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ " .

سنن الدارمي  (210)

 "الصحيحة" : الألباني (2005) .

ورواه الطبراني في "الكبير" (8636)

قال الهيثمي في "المجمع" (1/ 181):

" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ،

وله شواهد يتقوى بها  وتؤكد صحته وثبوته عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .

- إن الإنسان قد يتعبدُ ربه بمشقةٍ بالغةٍ، لكنها مشقةٌ لم يأذن بها الله، فتكونُ وبالًا عليه.

المراؤون

قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾

[سورة الماعون: 4–6]

* وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ»

أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (3249)، وابن ماجه (1690) واللفظ لهما،وصححه الألباني وأحمد (9683) باختلاف يسير.

وعن  محمود بن لبيد الأنصاري، قال ﷺ: «إنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عليكم الشِّركُ الأصْغَرُ، قالوا: وما الشِّركُ الأصْغَرُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الرِّياءُ؛ يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لهم يومَ القِيامةِ إذا جُزِيَ الناسُ بأعمالِهم: اذْهَبوا إلى الذين كنتُم تُراؤون في الدُّنيا، فانظُروا هل تَجِدون عِندَهُم جزاءً؟

 حسن : أخرجه أحمد (23630) واللفظ له، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (6831)، والبغوي في ((شرح السنة)) (4135)

الرياءُ يحولُ العملَ العظيمَ إلى حطامٍ، لأنه شِركٌ خفيٌّ يصرفُ القصدَ لغير الله.

  إحباط العمل بالمنِّ والأذى:

 * قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 264].

 * وعن أبي هريرة رضي الله عنه، « قالَ له أخو أَهلِ الشَّامِ: أيُّها الشَّيخُ، حدِّثْنا حَديثًا سَمِعْتَه مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: أَوَّلُ النَّاسِ يُقْضى فيه يومَ القيامةِ، رَجلٌ استُشهِدَ فأُتِيَ به، فعَرَّفَه نِعَمَه فعَرَفَها، قالَ: فما عَمِلْتَ فيه؟ قالَ: قاتلتُ فيكَ حتَّى قُتِلتُ، قالَ: كَذَبْتَ، ولكن قاتلتَ؛ ليُقالَ: هو جَريءٌ ، فقد قيلَ، قالَ: ثُمَّ أُمِرَ به، فيُسحَبُ على وَجهِه، حتَّى أُلقِيَ في النَّارِ، ورَجلٌ تَعلَّمَ العِلمَ، وعَلَّمَه، وقَرأَ القرآنَ، فأُتِيَ به، فعَرَّفَه نِعَمَه عليه، فعَرَفَها، قالَ: ما عَمِلتَ فيها؟ فقالَ: تَعلَّمتُ فيكَ العِلمَ، وعَلَّمتُه، وقرأتُ فيكَ القرآنَ، فيقولُ: كَذبْتَ، ولكنَّكَ تَعلَّمْتَ العِلمَ؛ ليُقالَ: هو عالِمٌ، وقرأتَ القرآنَ؛ ليُقالَ: هو قارئٌ، فقد قيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به، فيُسحَبُ على وَجهِه حتَّى أُلقِيَ في النَّارِ، ورَجلٌ وَسَّعَ اللهُ عليه، فأَعْطاهُ مِن أَنْواعِ المالِ، فأُتِيَ به، فعَرَّفَه نِعَمَه، فعَرَفَها، قالَ: ما عَمِلتَ فيها؟ فقالَ: ما عَلِمتُ مِن شيءٍ تُحبُّ أنْ يُنفَقَ فيه إلَّا أَنفقْتُ فيه. قالَ: كذَبْتَ، ولكنَّكَ فَعلْتَ؛ ليُقالَ: هو جَوادٌ ، فقد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وَجهِه، حتَّى أُلقِيَ في النَّارِ».

 أخرجه الحاكم في المستدرك،رقم : 256) ومسلم (1905)، والنسائي (3137) بلفظ مقارب، والترمذي (2382) مطولا.

  خامسًا: الحسرة يوم القيامة

قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾

[سورة الزمر: 47]

وقال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾

[سورة الفرقان: 23]

  سادسًا:لماذا يخطئُ الإنسانُ في تقييمِ نفسِه؟ ولماذا يظنُّ الضالُّ أنه مهتدٍ؟

  الجهل المركب والتعصب للموروث

الجهلُ البسيط هو عدمُ العلم، أما الجهلُ المركبُ فهو أن يعلمَ الإنسانُ الشيءَ على خلافِ حقيقتِه ويظنَّ أنه يعلمُه.

   يقول الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 11-12].

  اتباع الهوى وتسويل النفس .

- النفسُ أمارةٌ بالسوءِ، فإذا لم تُلجم بلجامِ الشرعِ، صوَّرت لصاحبِها شهواتِه في قالبِ طاعاتٍ.

 * قال الله تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123].

  سابعا : كيف ينجو العبد من أن يكون من الأخسرين؟

  بالعلم قبل العمل

قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة محمد: 19]

  تحقيق ركن الاتباع وتجريد التوحيد

يجبُ أن يكونَ المتبوعُ هو الرسولُ ﷺ، والمقصودُ هو اللهُ عز وجل.

   قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

 بمحاسبة النفس

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

«حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا».

 المحاسبة الدائمة والوجل من عدم القبول

يجعل المؤمن  يجمعُ بين إحسانِ العملِ والخوفِ من ردِّه، بخلافِ المنافقِ الذي يجمعُ بين إساءةِ العملِ والأمنِ من العقوبةِ.

  قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60].

   سألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ عن هذه الآية: "أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟" قال: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ» ( أخرجه الترمذي (3175) واللفظ له، وابن ماجه (4198)

  بالخوف من سوء الخاتمة

قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (8)

[سورة آل عمران: 8]

  الخاتمة .

إنَّ أعظم ما يُخيف العاقل أن يُخدع بنفسه، وأن يُغَرَّ بعمله، وأن يلقى الله يوم القيامة وهو يظن أنه من المحسنين، فإذا به من الأخسرين.

الاستيقاظ قبل يوم العرض .

إنَّ آيةَ "الأخسرين أعمالاً" هي صرخةُ تحذيرٍ لكلِّ لاهٍ، ونبراسُ ضياءٍ لكلِّ ساعٍ. فالعبرةُ ليست بكثرةِ التعبِ، بل بصحةِ المذهبِ. فكم من متعبٍ لنفسِه هو عند اللهِ محرومٌ، وكم من مقتصدٍ في سعيِه هو عند اللهِ مقربٌ ومرحومٌ. فلنراجعْ نياتِنا، ولنصححْ مساراتِنا، ولنعرضْ أعمالَنا على كتابِ ربِّنا وسنةِ نبيِّنا ﷺ قبل أن نأتيَ يومَ القيامةِ فلا يُقامُ لنا وزنٌ.

 * قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 105].

 الدعاء  

فاللهم يا مقلب القلوب، ثبّت قلوبنا على دينك، واجعل أعمالنا خالصةً لوجهك، صوابًا على سنة نبيك ﷺ، ولا تجعلنا ممن ضلَّ سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

 

google-playkhamsatmostaqltradent