recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة رحلة الإنسان في أربعة بيوت من بطن أمه إلى الجنة أو النار الشيخ عبدالناصربليح

رحلة الإنسان في أربعة بيوت  من بطن أمه إلى الجنة أو النار

 


الحمد لله الذي خلق الإنسان من نطفة، وقدَّر له رزقه وأجله، وجعل الدنيا دار ابتلاء، والقبر دار برزخ، والآخرة دار حساب وجزاء. نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإن تقوى الله خير زاد ليوم المعاد.

قال الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"(الحشر: 18).

أيها الأحبة، عنوان حديثنا اليوم ليس مجرد كلمات نسمعها ثم ننساها، وليس قصة من قصص الماضي، بل إنها قصة كل واحد منا، قصة بدأت منذ أن كنا في بطون أمهاتنا، وستظل مستمرة حتى نصل إلى دار القرار.

وهي رحلة عظيمة ينبغي أن يتأملها كل إنسان، وأن يستعد لكل مرحلة منها، فما الدنيا إلا محطة، وما القبر إلا بداية حياة البرزخ، وما الآخرة إلا دار القرار.

إنها رحلة الإنسان في أربعة بيوت:

- البيت الأول: بطن أمه.

- البيت الثاني: الدنيا.

- البيت الثالث: القبر والبرزخ.

- البيت الرابع: الجنة أوالنار.

أربعة بيوت، أربعة انتقالات، رحلة لا يستطيع أحد أن يوقفها، ولا أن يعود منها إلى الوراء!

فيا ترى، ماذا أعددنا لهذه الرحلة؟ وأيُّ البيوت الأربعة نحن فيه الآن؟ وأيُّ بيت نريد أن يكون مستقرنا الأخير؟


 البيت الأول: بطن الأم.. بداية الرحلة

يبدأ الإنسان رحلته من بطن أمه، حيث خلقه الله تعالى من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، حتى يكتمل خلقه ويخرج إلى الدنيا.بطن الأم.. حيث بدأت الحكاية

عباد الله، تأملوا بداية الإنسان!

من كان يصدق أن هذا الإنسان الذي يمشي على الأرض، ويملك الأموال، ويشغل المناصب، ويأمر وينهى، ويجادل ويتكبر، كانت بدايته نطفة لا ترى بالعين المجردة؟!

قال الله تعالى:"وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ۝ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ۝ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ"( المؤمنون: 12-14).

إنها مراحل الخلق، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظام، ثم لحم، حتى يخرج هذا الإنسان إلى الدنيا خلقًا آخر.

وفي هذا البيت الأول، بيت الرحم، يكتب الله للإنسان ما شاء من مقاديره.

ويأتي الحديث العظيم الذي يبين مراحل خلق الإنسان وكتابة مقاديره.

قال رسول الله ﷺ:"إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد"( البخاري ومسلم، واللفظ هنا بمعناه من روايات الحديث.

  ماذا كُتب للإنسان في هذا البيت؟

  رزقه: ما قدره الله له من رزق.

أجله: مدة حياته ووقت وفاته.

عمله: ما يعلمه الله ويقدره عليه.

شقي أو سعيد: ما يؤول إليه أمره بحسب علم الله وحكمته.

يا الله! أربعة أمور عظيمة، كتبها الله بعلمه وحكمته، قبل أن يرى الإنسان الدنيا!

لكن انتبهوا، عباد الله، فإن الإيمان بالقدر لا يعني ترك العمل، ولا يعني أن الإنسان مجبور على المعصية؛ بل أمرنا الله بالعمل والطاعة، وجعل لنا إرادة واختيارًا، وأقام علينا الحجة.

وهنا ينبغي أن نفهم أمرًا مهمًّا: كتابة القدر لا تعني أن الإنسان مجبور على المعصية، ولا أن يترك العمل ويحتج بالقدر؛ بل أمرنا الله بالطاعة، ونهانا عن المعصية، وجعل لنا إرادة واختيارًا في حدود مشيئته.

قال تعالى:"إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا"(الإنسان: 3).

ثم يأتي موعد الانتقال، فيخرج من البيت الأول إلى البيت الثاني.

 إذا كنت تعلم أنك ستغادر البيت الثاني إلى الثالث، وأن الثالث سينتهي بك إلى الرابع، فلماذا لا تستعد؟ 

إن الإنسان في هذه الحياة يمر بأربعة بيوت، لكل بيت منها بداية ونهاية، ولكل بيت أحوال وأهوال، وكلما انتقل الإنسان من بيت إلى بيت اقترب من الدار التي لا انتقال بعدها.

وهكذا يمكث الإنسان في البيت الأول، لا يعرف شيئًا عن الدنيا، ولا عن أمه وأبيه، ولا عن الأموال والمناصب، ولا عن الجنة والنار.

وهكذا ينتهي البيت الأول، ويخرج الإنسان إلى بيت جديد، لا يعرف ماذا ينتظره فيه.

  البيت الثاني: الدنيا.. دار العمل والابتلاء

يخرج الإنسان من بطن أمه إلى الدنيا، فيجد نفسه في بيت واسع مليء بالمتاعب والابتلاءات، بيت يفرح فيه ويحزن، ويضحك ويبكي، ويولد فيه ويكبر، ويجمع الأموال، ويكوّن الأسر، ويظن أحيانًا أنه سيعيش طويلًا.

لكن الحقيقة أن الدنيا ليست دار إقامة دائمة، وإنما هي دار امتحان وعبور.

قال الله تعالى:"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ"(الملك: 2).

 وقال سبحانه:"وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"(الأنعام: 32).

 الدنيا دار مفر وليست دار مقر

قال رسول الله ﷺ:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"(البخاري).

تأملوا هذا الحديث العظيم! لم يقل لك النبي ﷺ: لا تعمل في الدنيا، ولا تتزوج، ولا تبنِ بيتًا، ولا تسعَ في رزقك؛ وإنما قال لك: لا تجعل الدنيا أكبر همك، ولا تنسَ أنك راحل عنها.

فالدنيا مزرعة الآخرة، وفيها يزرع الإنسان أعماله، ثم يحصد ثمارها يوم القيامة.

قال تعالى:"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا"(القصص: 77).

 ماذا يحدث في هذا البيت؟في الدنيا يمر الإنسان بمراحل:

 الطفولة، حيث يحتاج إلى من يرعاه.

 الشباب، حيث القوة والطموح والفتنة.

 الكهولة، حيث تتراكم المسؤوليات.

الشيخوخة، حيث يضعف الجسد وتتراجع القوة.

 قال الله تعالى:اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ"( الروم: 54).

وكم من إنسان خرج من بيته صباحًا، ولم يعد إليه مساءً! وكم من إنسان نام على فراشه، ولم يستيقظ! وكم من إنسان شيّع جنازة غيره، ثم أصبح هو المحمول على الأكتاف!

قال تعالى:"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ"( آل عمران: 185).

لحظة الانتقال من البيت الثاني :"يأتي ملك الموت، وتنتهي رحلة الدنيا، ويترك الإنسان وراءه:

 بيته الذي تعب في بنائه.

- أمواله التي جمعها.

أولاده الذين ربّاهم.

 منصبه الذي كان يفتخر به.

 جسده الذي كان يعتني به.

 ولا يصحبه إلى القبر إلا عمله.

 قال رسول الله ﷺ:"يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله، ويبقى عمله"(البخاري ومسلم.

فيا من لا يزال في البيت الثاني، ماذا أعددت للبيت الثالث؟

البيت الثالث: القبر والبرزخ.. أول منازل الآخرة

 هذا هو البيت الذي لا يستطيع الإنسان أن يختار موعد دخوله، ولا أن يؤجل الانتقال إليه.

 بيت مظلم في ظاهره، لكنه قد يكون روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار.

 

قال رسول الله ﷺ: "القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه"( الترمذي، وحسنه عدد من أهل العلم).

 أولًا: ماذا يحدث عند دخول القبر؟

يُدفن الإنسان، وينصرف عنه أهله وأصحابه، ويبقى وحده مع عمله.

قال رسول الله ﷺ: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه"(البخاري ومسلم).

ثم يُسأل عن ربه ودينه ونبيه.

وفي الحديث أن المؤمن يقول:

ربي الله.

- ديني الإسلام.

- ونبيي محمد ﷺ.

وأما المنافق أو الكافر فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته"(البخاري ومسلم).

 ثانيًا: نعيم القبر وعذابه

القبر ليس مجرد حفرة تنتهي فيها الحياة، وإنما هو بداية مرحلة البرزخ، وهي حياة لها أحوال لا نعرف تفاصيلها إلا من الوحي.

قال الله تعالى:"النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ"( غافر: 46).

وقد استدل العلماء بهذه الآية على عذاب البرزخ؛ إذ ذكرت العرض على النار قبل قيام الساعة، ثم ذكرت دخول أشد العذاب عند قيامها.

وقال رسول الله ﷺ:"إنما القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار".

رُوي عن النبي ﷺ، وقد اختلف أهل العلم في صحة هذا اللفظ بعينه، ومعناه العام تؤيده أحاديث صحيحة في نعيم القبر وعذابه.

 ثالثًا: ماذا ينفع الإنسان في قبره؟

ينفعه الإيمان بالله، والعمل الصالح، والصلاة، والصدقة، والذكر، وقراءة القرآن، وحسن الخلق، ورد المظالم، والتوبة الصادقة.

ومن الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت:

قال رسول الله ﷺ:"إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"(مسلم).

تأملوا: الإنسان في قبره لا يستطيع أن يصلي ركعة، ولا أن يصوم يومًا، ولا أن يتصدق بدرهم؛ ولكن قد يبقى ثواب عمل صالح قدمه في الدنيا.

فيا من لا يزال في البيت الثاني، اغتنم الفرصة قبل أن تدخل البيت الثالث!

البيت الرابع: الجنة أو النار.. دار القرار

وهذا هو البيت الأخير، الذي لا بيت بعده، ولا انتقال منه إلى بيت آخر.

إنه يوم القيامة، يوم البعث والحساب، يوم تُنشر الصحف، وتُوزن الأعمال، ويقف الناس بين يدي الله تعالى.

قال سبحانه:"وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ۝ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ"(يس: 51-52).

وقال تعالى:"وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ"( آل عمران: 185).

عبد الله:" إذا كنت تعلم أنك ستغادر البيت الثاني إلى الثالث، وأن الثالث سينتهي بك إلى الرابع، فلماذا لا تستعد؟ 

 أولًا: يوم القيامة.. يوم الحساب

في هذا اليوم يقف الإنسان أمام الله، لا ينفعه مال ولا جاه ولا منصب، ولا يستطيع أن يخفي شيئًا من أعماله.

قال تعالى:"فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"( الزلزلة: 7-8).

وقال سبحانه:"وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا"( الكهف: 49).

يا لها من لحظة عظيمة! لحظة يرى فيها الإنسان كل ما قدم، وكل ما أخّر، وكل كلمة قالها، وكل مظلمة ارتكبها.

 ثانيًا: الجنة.. دار النعيم الأبدي

الجنة هي دار المؤمنين الذين رحمهم الله وأدخلهم بفضله ورحمته.

قال الله تعالى:"وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ"(آل عمران: 133).

وقال سبحانه:"إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ۝ فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ"( الطور: 17-18).

وقال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه:"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"(البخاري ومسلم).

فالجنة فيها ما لا يخطر على قلب إنسان، وفيها الراحة بعد التعب، والأمان بعد الخوف، والنعيم بعد الابتلاء، والخلود الذي لا موت بعده.

 ثالثًا: النار.. دار العذاب لمن استحقها

قال الله تعالى:فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ۝ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ"(هود: 106-107).

وقال سبحانه:"يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا"( الأحزاب: 66).

فيا حسرة من دخل النار بعد أن كان يستطيع أن يتوب، ويا ندامة من ضيّع عمره في المعاصي، ويا خسارة من باع آخرته بدنيا زائلة!

ومع ذلك، فإننا لا نحكم على شخص بعينه بأنه من أهل الجنة أو النار إلا بدليل شرعي؛ فالحكم النهائي لله وحده، وهو أعدل العادلين وأرحم الراحمين.

 خاتمة مؤثرة: في أي بيت أنت الآن؟

أيها الإنسان، تأمل رحلتك!

كنت يومًا نطفة في بطن أمك، لا تملك لنفسك شيئًا، ثم خرجت إلى الدنيا، وكبرت، وأصبحت لك أحلام وآمال وأموال وأولاد.

لكن اسأل نفسك:

- كم مضى من عمرك؟

- كم بقي لك من أجلك؟

- ماذا أعددت للبيت الثالث؟

- هل أنت مستعد للبيت الرابع؟

قال الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"( الحشر: 18).

يا من تبني بيتًا في الدنيا، هل بنيت لك بيتًا في الجنة؟

يا من تجمع الأموال، هل جمعت حسنات تنفعك يوم الحساب؟

يا من تخاف على أولادك من الفقر، هل تخاف عليهم من النار؟

يا من تسعى لإصلاح حياتك، هل تسعى لإصلاح آخرتك؟

قال رسول الله ﷺ:"الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ"(الترمذي، وقال: حديث حسن).

دعاء الختام

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم آنس وحشتنا في القبور، وثبتنا عند السؤال، واجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، ولا تجعلها حفرة من حفر النار.

اللهم ارزقنا حسن الخاتمة، وأجرنا من عذاب القبر وعذاب النار، وأدخلنا الجنة بفضلك ورحمتك، واجعلنا من الذين طال عمرهم وحسن عملهم.

اللهم آمين.


البيت الثاني: الدنيا.. دار الغرور والاختبار

أيها المسلمون، يخرج الإنسان من بطن أمه إلى الدنيا، فيستقبله أبواه بالفرح والسرور، ويبدأ رحلة جديدة.

يكبر الطفل، ويصبح شابًا، ثم رجلًا، ثم شيخًا، ويجمع الأموال، ويبني البيوت، ويشتري الأراضي، ويبحث عن المنصب والجاه، وينشغل بالدنيا حتى ينسى أحيانًا أنه مسافر، وأنه لن يبقى فيها إلى الأبد.

قال الله تعالى:"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ"(الملك: 2).

فالدنيا ليست دار جزاء، وإنما هي دار امتحان وابتلاء.

قد يبتليك الله بالمال، وقد يبتليك بالفقر، وقد يبتليك بالصحة، وقد يبتليك بالمرض، وقد يبتليك بالولد، وقد يبتليك بفقد الولد.

قال تعالى:"وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ"(الأنبياء: 35). 

فلا تغتر بالدنيا، ولا تجعلها أكبر همك.

قال رسول الله ﷺ:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"(البخاري).

تأملوا هذا الحديث العظيم!

الغريب لا ينسى أنه غريب، وعابر السبيل لا ينسى أنه مسافر، ولا يجعل محطة الطريق وطنًا أبديًا له.

وكذلك المؤمن، يأخذ من الدنيا ما يعينه على طاعة الله، لكنه لا ينسى آخرته.

فالدنيا دار مفر، وليست دار مقر.

كم من إنسان جمع الأموال، ثم تركها لغيره!

وكم من إنسان بنى القصور، ثم انتقل إلى القبور!

وكم من إنسان كان يأمر وينهى، ثم أصبح لا يستطيع أن يحرك إصبعًا من أصابعه!

وكم من إنسان خرج من بيته إلى عمله، ولم يعد!

وكم من إنسان نام على فراشه، ولم يستيقظ!

قال الله تعالى:"أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ"( النساء: 78).

عباد الله، إن الموت لا يعرف غنيًا ولا فقيرًا، ولا وزيرًا ولا خفيرًا، ولا ملكًا ولا مملوكًا.

إنه الموعد الذي لا يتخلف.

قال سبحانه:"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ"( آل عمران: 185).

قصة مؤثرة: أين ذهب أصحاب الأموال؟

يُروى في كتب الزهد أن رجلًا كان شديد التعلق بالدنيا، فلما حضرته الوفاة، نظر إلى أمواله وأولاده، وقال متحسرًا على فراقها.

 فقال له من حوله: ماذا تريد أن تأخذ معك؟

 فقال: لا شيء!

 وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن نتذكرها جميعًا: مهما امتلك الإنسان، فإنه سيترك كل شيء خلفه، ولن يصحبه إلا عمله.

قال رسول الله ﷺ:"يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله، ويبقى عمله"( البخاري ومسلم).

فيا من لا يزال في البيت الثاني، استعد للبيت الثالث!

البيت الثالث: القبر والبرزخ.. أول منازل الآخرة

عباد الله، إذا انتهى أجل الإنسان، جاءه ملك الموت، وانتقل من الدنيا إلى القبر.

وهنا تنتهي رحلة الجسد على الأرض، ويبدأ الإنسان حياة البرزخ.

قال الله تعالى:"حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ"(المؤمنون: 99-100).

يا الله! ما أعظم هذا المشهد

إنه الإنسان الذي كان يملك الفرصة، ويستطيع أن يتوب، ويصلي، ويتصدق، ويصلح ما بينه وبين الناس، ولكنه لما حضره الموت قال: رب ارجعون!

لماذا يريد الرجوع؟:"لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ".

يريد ركعة واحدة، أو صدقة واحدة، أو كلمة طيبة واحدة، أو فرصة واحدة ليصلح ما أفسد!

لكن يأتيه الجواب:"كَلَّا".

انتهت الفرصة، وأُغلقت صفحة العمل، وبدأت صفحة الحساب.

أيها الأحبة، القبر ليس نهاية الحياة، وإنما هو بداية حياة البرزخ.

قال رسول الله ﷺ:"القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه"(الترمذي).

ماذا يحدث في القبر؟

إذا وُضع الإنسان في قبره، وانصرف عنه أهله وأصحابه، جاءه الملكان يسألانه عن ربه ودينه ونبيه.

  قال رسول الله ﷺ:"إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه"(البخاري ومسلم).

فيُسأل:"من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟

 فأما المؤمن فيثبته الله، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ.

 وأما الذي لم يكن على الإيمان الحق، فيقول: لا أدري!

 وهنا تظهر حقيقة الإنسان، لا بما كان يدعيه في الدنيا، وإنما بما كان عليه من إيمان وعمل.

 قال الله تعالى:"يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ"( إبراهيم: 27).

القبر.. روضة أو حفرة

عباد الله، القبر ليس واحدًا في أحواله لجميع الناس.

فمن الناس من يكون قبره روضة من رياض الجنة، ومنهم من يكون قبره حفرة من حفر النار.

قال الله تعالى عن آل فرعون:"النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ"(غافر: 46).

وقد استدل العلماء بهذه الآية على عذاب البرزخ.

فيا من تخاف الظلام في الدنيا، ماذا أعددت لظلمة القبر؟

ويا من تخاف الوحدة، ماذا أعددت لوحدة القبر؟

ويا من تخاف المرض، ماذا أعددت ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون؟

إن الذي ينفع الإنسان في قبره هو الإيمان والعمل الصالح، والتوبة الصادقة، ورد المظالم، والصدقة الجارية، والعلم النافع، والولد الصالح الذي يدعو له.

قال رسول الله ﷺ:إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"( مسلم).

 فيا من لا يزال في البيت الثاني، لا تنتظر حتى تدخل البيت الثالث لتتمنى الرجوع!

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله، اتقوا الله، واعلموا أنكم إليه راجعون.

البيت الرابع: الجنة أو النار.. دار القرار

أيها المسلمون، بعد حياة البرزخ يأتي يوم القيامة، يوم يبعث الله الخلائق، ويجمع الأولين والآخرين، ويقف الناس بين يدي رب العالمين.

قال تعالى:"وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ"( يس: 51).

إنها لحظة عظيمة!

يخرج الناس من قبورهم، ويقفون للحساب، وتُعرض الأعمال، وتُنشر الصحف، وتُوزن الحسنات والسيئات.

قال الله تعالى:"فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"(الزلزلة: 7-8).

في هذا اليوم لا يضيع شيء، ولا يُنسى شيء، ولا يُظلم أحد.

قال تعالى:"وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا"( الكهف: 49).

ثم يكون المصير إلى الجنة أو النار، بحكم الله وعدله ورحمته.

الجنة.. نعيم لا ينتهي

قال الله تعالى:"وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ"( آل عمران: 133).

وقال سبحانه:"إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ۝ فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ"( الطور: 17-18).

الجنة يا عباد الله، هي دار السلام، ودار النعيم، ودار الراحة الأبدية.

لا مرض فيها، ولا هم، ولا حزن، ولا موت، ولا فراق.

قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه:"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"( البخاري ومسلم).

فيا من تعبت في الدنيا، اصبر واحتسب، ويا من ابتُليت بالمرض، احتسب الأجر، ويا من فقدت الأحبة، تذكر أن لقاء المؤمنين في الجنة أعظم من كل فراق في الدنيا.

النار.. دار الحسرة والندامة

قال الله تعالى:"يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا"( الأحزاب: 66).

إنها دار الحسرة، حيث يتمنى الإنسان أن يعود إلى الدنيا، ليصلي ركعة، أو يتصدق بصدقة، أو يرد مظلمة، أو يتوب من معصية.

ولكن هيهات!

لقد انتهت الدنيا، وانتهى العمل، ولم يبق إلا الحساب والجزاء.

ومع ذلك، لا يجوز لنا أن نحكم على شخص بعينه بأنه من أهل الجنة أو النار بغير دليل شرعي؛ فالأمر إلى الله تعالى، وهو أعدل العادلين وأرحم الراحمين.

نداء أخير: في أي بيت أنت الآن؟

يا عباد الله، تأملوا هذه الرحلة!

كنت نطفة في بطن أمك، ثم خرجت إلى الدنيا، ثم ستدخل القبر، ثم ستقف بين يدي الله.

أربعة بيوت، ولكن البيت الرابع هو دار القرار.

يا من تبني بيتًا في الدنيا، هل بنيت لك بيتًا في الجنة؟

يا من تجمع الأموال، هل جمعت حسنات تنفعك يوم القيامة؟

يا من تخاف على أولادك من الفقر، هل تخاف عليهم من النار؟

يا من تسعى لإصلاح حياتك، هل تسعى لإصلاح آخرتك؟

قال الله تعالى:"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا"(القصص: 77).

فلا تترك الدنيا، ولكن لا تجعلها تنسيك الآخرة.

اعمل لدنياك، واعمل لآخرتك، وأحسن إلى الناس، ورد المظالم، وصل رحمك، وأكرم والديك، وتب إلى الله قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم.

قال رسول الله ﷺ:"الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ"(الترمذي).

الدعاء

اللهم يا رحمن يا رحيم، يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك. 

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك.

اللهم آنس وحشتنا في القبور، وثبتنا عند السؤال، واجعل قبورنا روضة من رياض الجنة.

اللهم أجرنا من عذاب القبر، وأجرنا من عذاب النار، وأدخلنا الجنة بفضلك ورحمتك.

اللهم ارزقنا حسن الخاتمة، وتوفنا وأنت راضٍ عنا.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم أصلح شباب المسلمين، واحفظ أبناءنا وبناتنا، واجعلهم من أهل الطاعة والإيمان.

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا.

اللهم ارزقنا الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعذنا من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.

اللهم آمين، وأقم الصلاة.

google-playkhamsatmostaqltradent