شرفُ العملِ وقيمةُ الإنتاجِ

ثانياً: قيمة الإنتاج للفرد والأمة
ثالثاً : العمل في حياة الانبياء والمرسلين
والصحابة والتابعين
الحمد لله الذي أمر بالسعي وحث على العمل،
ونهى عن التخاذل والكسل، وجعل العمل عبادة والعبادة عمل
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، جعل عمارة الأرض عبادة، ورفع منزلة العاملين، فجعلهم بسعيهم مجاهدين وبلغهم الأمل
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمداً
عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه صلى علـيه وسلم رب الأرض والسماوات العلا ما
سار سائـر إليه بـنـاقة ونجـيب علي عجل
وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسك
بسنته واقتدى بهديه ومن اتبعهم بإحسان أولئك الذين هدوا الي الطيبات من القول والعمل
أما بعد
فإن الإسلام دينُ كفاحٍ وعملٍ وإنتاج، يبني
الدنيا ويعمل للآخرة، فلم يكن يوماً دين تواكلٍ أو اتكال، ولا مجلساً للبطالة والكسل،
بل جعل الإسلامُ السعيَ على الرزق نوعاً من العبادة، وجهاداً في سبيل الله تعالى تعفُّاً
للنفس وإعانةً للأهل
أولا: شرف العمل
قال تعالي ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى
اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)التوبة
نعم إن شرف العمل كبير لأنه وسيلة لاستدامة
النعمة وبقائها ، وطريق لإشباع الحاجة ، وعون على الإنفاق في سبيل الله ومادام هذا
الهدف فإن الحرف اليدوية لا تقل شأنا عن أي عمل آخر ، ولذلك روي البيهقي والطبراني
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ
اللهَ يُحِبُّ الْمُحْتَرِفَ»
وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا
رأى غلامًا أعجبه سأل: هل له حرفة؟ فإن قيل: لا، سقط من عينه.
وذلك أيها المسلمون هو ما حض عليه نبينا
محمد حين رغب أصحابه في أن يحترفوا حرفة تغنيهم عن السؤال
فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : (والذي
نَفسي بيَدِه لَأن يَأخُذَ أحَدُكُم حَبلَه، فيَحتَطِبَ على ظَهرِه خَيرٌ له مِن أن
يَأتيَ رَجُلًا، فيَسألَه، أعطاه أو مَنَعَه) متفق عليه
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول
الله : ((لا تَزالُ المسأَلةُ بأحدِكُم حتَّى يَلقى اللَّهَ وليسَت في وجهِهِ مُزعةُ
لَحمٍ )) رواه البخاري ومسلم.
ثانياً : شرف الإنتاج للفرد والأمة
إن رفع الإنتاج يرفع قدر الأمم والمتأمل
في أحوال المسلمين اليوم يجد أن كثيرًا من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية إنما نشأت
بسبب ضعف قيمة العمل والإتقان عند بعض الناس، أو الاتكال على الغير مع الراحة والكسل.
أيها العاملون في حقولكم، ومصانعكم، ومكاتبكم،
وفي كل موقع يبني هذا الوطن ويرفع شأنه: اتقوا الله في أعمالكم، واستحضروا أنكم بجدكم
واجتهادكم تعمرون الأرض وتحققون العزة لأمتكم
وليس يُنالُ المجد والتقدم بالأماني والأحلام،
وإنما ينال بالسعي والجد والاجتهاد والإنتاج .
بقدر الكد تكتسب المعالي *** ومن طلب العلا
سهر الليالي
والإنتاج يكف يدا الأمم و الأفراد عن ذل
الطلب وهذا ما أرشدنا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أن جاءه رجل من الأنصار يسأله
فقد أخرج أبو داوود والترمذي
عن أنس بن مالك رضي الله عنه ( أنَّ رجلًا
منَ الأنصارِ أتى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يسألُهُ فقال: أما في بيتِكَ
شيءٌ. قال: بلى حِلسٌ نلبسُ بعضَهُ ونبسُطُ بعضَهُ وقَعبٌ نشربُ فيهِ منَ الماءِ. قال:
ائتني بِهِما.قال: فأتاهُ بِهِما فأخذَهُما رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ
بيدِهِ وقال: من يشتري هذَين؟ قالَ رجلٌ: أَنا آخذُهُما بدِرهمٍ. قال: من يزيدُ على
درهمٍ؟ مرَّتينِ أو ثلاثًا قالَ رجلٌ: أَنا آخذُهُما بدِرهَمين. فأعطاهما إيَّاهُ وأخذَ
الدِّرهمينِ وأعطاهما الأنصاريَّ وقال: اشترِ بأحدِهِما طعامًا فانبذهُ إلى أَهْلِكَ
واشترِ بالآخرِ قدومًا فأتني بِهِ. فأتاهُ بِهِ فشدَّ فيهِ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ
عليهِ وسلَّمَ عودًا بيدِهِ ثمَّ قالَ لَهُ: اذهب فاحتطِب وبع ولَا أرينَّكَ خمسةَ
عشرَ يومًا. فذَهَبَ الرَّجلُ يحتطِبُ ويبيعُ فجاءَ وقد أصابَ عشرةَ دراهمَ فاشترى
ببعضِها ثوبًا وببعضِها طعامًا. فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: هذا
خيرٌ لَكَ من أن تجيءَ المسألةُ نُكْتةً في وجهِكَ يومَ القيامةِ إنَّ المسألةَ لَا
تصلحُ إلَّا لثلاثةٍ لذي فَقرٍ مدقعٍ أو لذي غُرمٍ مُفظعٍ أو لذي دمٍ موجعٍ
) رواه الترمذي
ومع أن الخروج في طلب الرزق وتحصيله مما
وجه إليه الشرع ورغَّب فيه وهو واجب علي كل قادر علي الكسب لينفع ويعف نفسه عن السؤال
وليعيف بكرامة وشرف فقد من علينا ربنا أيضا بأن جعله سبب لمغفرة الذنوب، فعن عائشة
رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : ((من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفورًا له))
رواه الطبراني.
بل ان الله يحب من يتقن عمله ليجود إنتاجه
فَعنْ ام المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلا أَنْ يُتْقِنَهُ»
(رواه ابو يعلى والبيهقي في "شعب الإيمان
قال تعالى: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ
الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
[الملك:15].
قال ابن كثير رحمه الله: "أي: سافروا
حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، وقد
روى عمر بن الخطاب عن رسول الله قال: ((لو أنَّكم كنتُم توَكلونَ علَى اللهِ حقَّ توَكلِه
لرزقتُم كما يرزقُ الطَّيرُ تغدو خماصًا وتروحُ بطانًا )) رواه أحمد والترمذي
فأثبت لها رواحًا وغدوًا لطلب الرزق مع
توكلها على الله عز وجل، وهو المسخر المسير المسبب".
أيها المسلمون : لقد وعد الله تعالى والعاملين
منكم بالجزاء الأوفى في يوم القيامة فقال: ( وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا
بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)الزخرف.
والشروط لحصول هذا الأجر هو النية الطيبة الصالحة في العمل وكما أن السعي لكسب
العيش وطلب الرزق جهاد في سبيل الله تعالى، فعن كعب بن عجرة قال: مرَّ على النبي رجل
فرأى الصحابةُ من قوته ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله، فقال
رسول الله : ((إنْ كان خرجَ يَسعَى على ولَدِهِ صِغارًا فهوَ في سبيلِ اللهِ، وإنْ
كان خرجَ يَسعَى على أبويْنِ شيْخيْنِ كبيريْنِ، فهوَ في سبيلِ اللهِ، وإنْ كان خرجَ
يَسعَى على نفسِهِ يَعِفُّها فهوَ في سبيلِ اللهِ، وإنْ كان خرجَ يسعَى رِياءً ومُفاخَرةً
فهوَ في سبيلِ الشيْطانِ )) رواه الطبراني.
ذكر صاحب كتاب موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق
قال ورد أن شقيق البلخي ودع صديقه إبراهيم بن أدهم، لسفره في تجارة، ولم يلبث إلا مدة
يسيرة ثم عاد ولقيه إبراهيم، فعجب لسرعة إيابه من رحلته، فسأله: لِمَ رجع؟ فقص عليه
قصة شهدها أنه رأى طائرًا أعمى كسيحًا وجاء طائر آخر يحمل إليه الطعام ويمده به، حتى
يأكل ويشبع، فقال شقيق: إن الذي رزق هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة لقادر
على أن يرزقني، وقرر العودة، فقال له إبراهيم بن أدهم: سبحان الله يا شقيق! ولماذا
رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى العاجز الكسيح ، ولا تكون أنت الطائر الذي يسعى ويكدح
ويعود بثمره على العُمى من حوله، أما سمعت قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"اليد العليا خير من اليد السفلى" [متفق عليه].
فهذا حث مباشر من الرسول الكريم على العمل
مهما كان صعبا، وعلى الابتعاد عن مواطن الذل والسؤال، فالعمل شرف مهما كان متواضعاً
. الرزق ليس هو المال فقط، الكثير من الناس ينظرون إلى الرزق نظرة ًضيقة قاصرة فهم
يتصورون انه المال فحسب!! كلا
قال ابن منظور في لسان العرب الرزق: هو
ما تقوم به حياة كل كائن حي مادي كان أو معنوي. فالإيمان رزق وحب النبي رزق وحب الصحابة
رزق والعلم رزق والخُلقُ رزق والزوجة الصالحة رزق والحب في الله رزق والمال رزق وما
أنت فيه الآن رزق وصيامك للنهار رزق وقيامك الليل رزق إلى غير ذلك، والرّزاق بكل هذه
الأرزاق هو الله.
قال تعالى ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا
وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) هود
ثالثاً : العمل في حياة الانبياء والمرسلين
والصحابة والتابعين
هؤلاء أقطاب النبوة ، ومنهم أولوا العزم
من الرسل ، وقد شرفوا باحتراف مهنة يعيشون على كسبها ، ويستغنون بها عن سؤال الناس
، فهذا هو خير الطعام ، ولا ريب أن هؤلاء الرسل لم يتحولوا بهذه المهن إلى أغنياء يجمعون
المال ويكنزون الذهب ، وإنما كان ما حصّلوله وسيلة إلى العيش الكريم ، الذي يحفظ الكرامة
قبل أن يسد الرمق ، ويصون ماء الوجه قبل أن يصون أنفاس الحياة ، وينفقون منه في وجوه
البر والخير ، ويبذلونه تقربا إلى الله واستكثارا من الطاعة ليكونوا قدوة لنا في ذلك
آدم -عليه السلام- فقال القرطبي إن آدم
-عليه السلام- عمِلَ في الزّراعة ورُويَ أنّه أوَّل من عمل بالحِياكة.
إدريس -عليه السلام- فقد ذكر الشيباني في
كتابه "كسب الأنبياء" أنّ إدريس -عليه السلام- كان يعمل بالخياطة. وقيل هو
اول من خط بالقلم وخاط الثوب
فعن ابن عباس أن إدريس كان خياطا، فكان
لا يغرز إبرة إلا قال: سبحان الله فكان يمسي حين يمسي، وليس في الأرض أحد أفضل عملا
منه، وفقا لما جاء في (تفسير القران العظيم) لابن كثير.
ومن قصة موسى الكليم عليه السلام في أرض
مدين نجد أنه قد وافقَ أن يكون أجيراً، يعملُ ويكدُّ بعرق جبينه وهو من أولى العزم
الكبار، قال الله تعالى: ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ
مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ [القصص:26].
وقد عمل جمعٌ من أولى العزم من الأنبياء
أيضاً في رعي الغنم، قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (بُعِثَ موسَى وهوَ راعى
غنم، و بُعِثَ إبراهيمُ وهوَ راعى غنَمٍ، و بُعِثْتُ أنا وأنا أرعَى غنمًا لأهلي بأجيادٍ)
(الألباني في صحيح الأدب المفرد 449 وقال: حديثٌ صحيحٌ عن عبدة بن حزن رضي الله تعالى
عنه).
وعلى ذلك سارت سنة الأنبياء الكرام يعملون
ولا يأنفون، فآدم - عليه السلام - فلاَّحًا يحرُث الأرض ويزْرَع بنفسِه، وكان نبيُّ
الله إدريس عليه السلام خيَّاطًا، وسيدنا نوحٌ عليه السلام نجَّارًا وخليلُ الله إبراهيم
عليه السلام بنَّاءً، وهو الذي بنَى الكعبةَ الشريفة وعاونَه في عملية البناء ولدُه
إسماعيل عليه السلام، وكان نبي الله إلياسُ عليه السلام نسَّاجًا، وسيِّدنا عيسى عليه
السلام يَعْمَل بالطبِّ.
وداود -عليه السلام- فقد كان حداداً، والان
الله له الحديد وكان فعلمه ربه صنعة فتعلمها واتقنها ايما إتقان لِقولهِ -تعالى-:
(وَعَلَّمناهُ صَنعَةَ لَبوسٍ لَكُم )، وكان يصنع الدروع الحربية وخصّهُ النبيّ -عليه
الصلاةُ والسلام- بقوله: (ما أكَلَ أحَدٌ طَعامًا قَطُّ، خَيْرًا مِن أنْ يَأْكُلَ
مِن عَمَلِ يَدِهِ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ داوُدَ عليه السَّلامُ، كانَ يَأْكُلُ مِن
عَمَلِ يَدِهِ)،وقد خصَّه بالذِّكر بالرغم من أنّ مُعظم الأنبياء كانوا يعملون؛ لأنّه
كان ملكاً، ونبياً، وصانعاً في نفس الوقت وهو من الأنبياء الذين عملوا بالحُكمِ والمُلك،
قال تعالى-: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ
النَّاسِ بِالْحَقِّ)، حيثُ كان خليفةً في الأرض.
وسليمان -عليه السلام- حيث جاء عن الإمام
الثعالبيّ أنّ سُليمان -عليه السلام- كان أوَّل من عمل في صناعة الصّابون.
سُليمان -عليه السلام- حيثُ كان وريثاً
للحُكم بعد أبيه داود -عليه السلام-، فقد كان يُشاورهُ في الحُكم؛ لوفورة عقله، فقال
-تعالى- عن ذلك: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)؛[٣٠] أي ورثهُ في النُبوَّة والمُلك
والحُكم، وكان ملكاً على الشَّام، وقيل: إنّه مَلَكَ الأرض جميعها، وقال ابن عباس
-رضي الله عنه-: "ملك الأرض مؤمنان: سليمان وذو القرنين" وكان في حُكمهِ
ربّانياً، وعادلاً، بعيداً عن الطُغيان والظُلم وقد أعطاه الله -تعالى- ملكاً عظيماً
وكبيراً.
ورويَ أنَّ سُليمان -عليه السلام- كان يصنع
المكاييل.
وكان نبي الله عيسى – عليه السلام – يعمل
بالطب وعلاج المرضى، يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة آل عمران (أية: 49):
{... وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ...}
ويوسف -عليه السلام- فقد كان وزيراً للماليَّة
أو التموين، وهو منصبٌ يتعلَّق بالأموال، والإحصاءات، والتَّخزين والتَّوزيع، لِقولهِ
-تعالى-: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)
وزكريا -عليه السلام- فقد كان يعمل بالنِجارة،[
بدليل ما جاء عن النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام-: (كان زكريَّا نجارًا ) والياس عليه
السلام كان يعمل في الغزل
ومسك الختام وبدر التمام سيد البشرية سيدنا
مُحمد -عليه الصلاةُ والسلام- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة المجتمع كله في
العمل، لا يأنف من أي عملٍ يَدَويٍّ يقوم به ما دام مشروعاً وذلك في زمانٍ قد أَنِفَ
فيه كثيرٌ من الأحرار أن يعملوا لأن ذلك حرف العبيد لديهم، ففي صبا النبي الكريم صلى
الله عليه وسلم قد خرج في رحلات متتابعة للتجارة في مال السيدة خديجة رضي الله تعالى
عنها وقبلها كان يخرج في رحلة الشتاء والصيف إلى اليمن أو الشام مع عمه أبي طالب، وقد
رعى الغنم في مكة قبل بعثته المباركة، وقال في ذلك: (ما بعث اللهُ نبيًّا إلا رعى الغنمَ.
فقال أصحابُه: وأنت؟ فقال: نعم، كنتُ أرعاها على قراريطَ لأهلِ مكةَ) (صحيح البخاري
2262 عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه).
وفي بناء المسجد النبوي الشريف تتجلى قيمةُ
العمل في الإسلام حيث يقوم رأس الدولة ذاته بالعمل في البناء وبذل الجهد بيده ولم يتَّخِذْ
له حِجَاباً ولا عُلِّيَّةً من دون البناة وحُمَّال الحجارة بل كان يحمل معهم فلما
رأى الأصحاب ما لا مثيل له في قيادات البشرية قالوا:
لئنْ قَعَدْنَا والنَّبي يعْمَلُ ♦♦♦ لذَاكَ
منَّا العَمَلُ المضَلَّلُ
وكذلك في غزوة الأحزاب كان يمسك المعول
بيده الشريفة ويفتت به الحجارة الصماء في شق الخندق، وكان الصحابة الكرام يرونَ الغبار
على جلدة بطنه الشريف صلى الله عليه وسلم.
وكان لصحابة النبي الكرام رضي الله تعالى
عنهم وأرضاهم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد أعمالٌ هم لها في المهن عاملون، فكان الصديقُ
أبو بكر تاجر اقمشة وعمر بن الخطاب دلالاً وعثمان بن عفان تاجراً وعلى بن أبي طالب
عاملاً وكان يقول مفتخراً:
لحملي الصخرَ من قمَمِ الجبالِ
أحبُّ الىَّ من منن الرِّجَالِ
يقولُ الناسُ في الكسبِ عارٌ
فقلتُ العارُ في ذلِّ السُّؤَالِ
وكان عبد الرحمن بن عوف تاجراً والزبير
بن العوام خياطاً وسعد بن ابى وقاص نَبَّالاً أي يصنع النبال وعمرو بن العاص جزاراً
وكان ابن مسعود وأبو هريره لديهم مزارع يزرعونها وكان عمار بن ياسر يصنع المكاتل ويضفر
الخوص.
وهكذا كان أصحاب النبي الكريم صلى الله
عليه وسلم لهم صنائعٌ وحرفٌ، ومن أشهر مواقف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ما جاء
عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (قدِمَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، فآخَى النبيُّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَهُ وبينَ سعدِ بنِ الربيعِ الأنصاريِّ، وعندَ الأنصاريِّ
امرأتانِ، فَعَرَضَ عليهِ أنْ يُنَاصِفَهُ أهلَهُ ومالَهُ، فقال: باركَ اللهُ في أهلِكَ
ومالِكَ، دُلونِي على السوقِ، فأتى السوقَ فربِحَ شيئًا منْ أَقِطٍ وشيئًا من سمْنٍ،
فرَآهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعدَ أيامٍ وعليهِ وَضَرٌ من صُفْرَةٍ، فقالَ:
مَهْيَمْ يا عبدَ الرحمنِ فقالَ: تَزَوَّجْتُ أنصاريَّةً، قالَ: فمَا سُقْتَ اليهَا
، قال وزنَ نواةٍ من ذهبٍ، قال: أَوْلِمْ ولوْ بشاةٍ ) (صحيح البخاري 5072).
وقال عمر بن الخطاب : (لا يقعد أحدكم عن
طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، وأن الله
تعالى إنما يرزق الناس بعضهم من بعض)، وتلا قول الله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ
فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة:10].
ولذلك أمر الله تعالى المؤمنين بترك البيع
والشراء والتجارة ساعة أداء العبادة المفروضةِ عليهم، وذم من يشتغل بالتكسب في ذلك
الوقت، وأذن لهم بالانتشار وطلب الرزق بعد أدائها
ونُقل عن عِراك بن مالك رحمه الله ـ وهو
من أعلام التابعين ـ أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم
إني أجبتُ دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين".
اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيرا طيبا مباركاً فيه كما ييرضى
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبحانه وتعالي الطير سبحه والوحش
مجده والموج كبره والحوت ناجاه والنمل تحت الصخور الصم قدسه والنحل يهتف حمدا في خلاياه
لناس يعصونه جهرا فيسترهم والعبد ينسى وربي ليس ينساه
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله
عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
اما بعد
فيقول الله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ
الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
(33) يس
وأخرج مسلم وأحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (( يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ -قال عفَّانُ- يومَ القيامةِ: يا ابنَ آدَمَ
حمَلتُكَ على الخيلِ والإبلِ، وزوَّجتُكَ النساءَ، وجعلتُكَ تربَعُ وتَرأسُ، فأينَ
شُكرُ ذلك؟
)).
رابعاً: تحري الحلال
لقد كان أصحاب رسول الله يتَّجرون وهم فقراء،
فيغنيهم الله من فضله، ورأسهم الخليفة الأول أبو بكر الصديق الذي كان يعمل بالتجارة
والزراعة
علينا تحري الحلال والابتعاد عن الشبهات
جاء في الصحيحين وسنن الدارمي عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ -وأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ
إِلَى أُذُنَيْهِ: إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ
لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ
لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ، ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي
يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ
حِمًى، أَلَا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً
إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ،
أَلَا وهِيَ الْقَلْبُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ألا وصلوا ـ عباد الله ـ على نبي الرحمة
والهدى، كما أمركم بذلك المولى جل وعلا بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً
[الأحزاب:56].
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد إمام
المتقين وسيد الأولين والآخرين، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين الأئمة المهديين..
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة،
وقنا عذاب النار اللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان
عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان
وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون [سورة النحل:90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه
على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.