الأمنُ الفكريُّ استقرارٌ مجتمعيٌّ ووطنيٌّ

العنصر الأول: نعمة الأمنِ ومكانتُها في
الإسلامِ:
عباد الله: إنَّ نِعَم الله عزَّ وجلَّ
علينا كثيرة لا نستطيع عدَّها أو حصرها؛ قال تعالى: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ
لَا تُحْصُوهَا } (إبراهيم: 34)، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ
لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ
ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } (لقمان: 20). فنعم الله تعالى كثيرة، وآلاؤه عظيمة، لو جلَسنا
نُعدِّدها ما استطعنا، لكن هنالك نعمة في غاية الأهميَّة والخطورة ربما لا نشعُر بها،
ولا نُعيرها اهتِمامنا كثيرًا، إنها نعمة الأمن والأمان، فيجبُ علينا إدراك قيمة هذه
النِّعمة، وأنْ نتذكَّرها، وأنْ نعرف كيف نُحافِظ عليها، وأنْ نحذر من أسباب زوالها.
عباد الله: لقد جاء في القرآن الكريم أن
نبي الله إبراهيم عليه السلام دعا ربه عز وجل وطلب في دعائه عدة مطالب, وكان أوَّل
مَطلَب طلَبَه إبراهيم من ربِّه سبحانه هو أنْ يجعل هذا البلد آمِنًا؛ كما قال تعالى:
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ
أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ }(إبراهيم: 35)، وقال تعالى في موضع آخر: {وَإِذْ قَالَ
إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ
مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ
قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } (البقرة:
126). فانظُروا إلى هاتين الآيتين، أما الآية الأولى: فقد طلَب إبراهيم من ربه تحقيقَ
الأمن حتى يتحقَّق له عبادة الله على الوجْه الصحيح؛ { وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ
نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } (إبراهيم: 35)؛ لأنَّ الإنسان في حال الفِتنة يشغله الخوفُ
عن عبادة ربِّه، ألم يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن أنَّ المتمسِّك بدينه في آخِرِ
الزمان حين تكثُرُ الفتن كالقابض على الجمر؟!
وأمَّا الآية الثانية: فطلب إبراهيم تحقيق الأمن، ثم قال بعدها: {وَارْزُقْ
أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} (البقرة: 126)؛ لأنَّ بلدًا لا أمن فيه لا تستقيم للناس
فيه أرزاقُهم؟! وهذا الواقع أمامكم فما من بلد تُعلَن حرب أو حدثت ثورة أو فتنة في
بلد إلا نقل أصحاب الأموال أموالهم إلى بلدانٍ أخرى، وما علموا أنَّ الحِفاظ على النفس
أولى من الحِفاظ على المال، فالنفس تزولُ، والمال غادٍ ورائح، ولكن النفس بطبيعتها
تحب المال , كما قال ربنا: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا } (الفجر: 20).
عباد الله: إن الأمن كان مطلب الأنبياءِ
والصالحين بل والناسِ جميعًا؛ وذلك لأهميته، فإبراهيمُ عليه السلامُ يدعو اللهَ أنْ
يجعلَ بلدَهُ آمنًا كما ذكرنا آنفا، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ
هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ}(إبراهيم:35)؛
ويوسفُ عليه السلامُ يطلبُ من والديهِ دخولَ مصرَ مخبرًا باستتبابِ الأمنِ بها، قال
تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ
مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ}(يوسف: 99) ؛ ولمَّا خافَ موسى أعلمَهُ ربُّهُ أنّهُ
مِن الآمنين ليهدأَ رَوْعُه، وتسكنَ نفسهُ؛ قال تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا
رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى
أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ }(القصص: 31). ولما عفا النبيُّ –
صلى اللهُ عليه وسلم – عن أهلِ مكةَ يومَ فتحِهَا ذكَّرهُم بما سيحظون به من الأمنِ،
، فقال: « مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ
فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ
آمِنٌ » ( مسلم).
- ولأهميةِ الأمنِ ومكانتهِ في الإسلام: أن
العلماءُ جعلوه في منزلة أعظم مِن نعمةِ الصحةِ. يقولُ الإمامُ الرازيُّ – رحمه اللهُ-:
“سُئلَ بعضُ العلماءِ: الأمنُ أفضلُ أم الصحة؟ فقال: الأمنُ أفضلُ، والدليلُ علي ذلك:
أنّ شاةً لو انكسرتْ رجلُهَا فإنّها تصحُّ بعد زمانٍ، ثم إنّها تُقبلُ على الرعيِ والأكلِ،
ولو أنّها رُبطتْ في موضعٍ ورُبطَ بالقربِ منها ذئبٌ فإنّها تُمسكُ عن العلفِ ولا تتناولُهُ
إلى أنُ تموتَ، وذلك يدلُّ على أنّ الضررَ الحاصلَ من الخوفِ أشدُّ من الضررِ الحاصلِ
مِن ألمِ الجَسَدِ” . (تفسير الرازي).
- ولأهميةِ الأمنِ ومكانتهِ: أن الله أكرمَ
به عبادَهُ في جنته ودارِ كرامتهِ؛ لأنّه لو فُقِدَ فُقِدَ النعيمُ، قال تعالى: {ادْخُلُوهَا
بِسَلاَمٍ آمِنِينَ} (الحجر: 46)، وقال سبحانِهُ: {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ
آمِنِينَ}. (الدخان: 55)، وقال – جلّ شأنُهُ – : {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}
(سبأ: 37).
عباد الله: إنّ الأمنَ والاستقرارَ إذا
عَمَّ البلادَ، وألقَى بظلِّه على الناسِ، أَمِنَ الناسُ على دينهِم وأنفسهِم وعقولهِم
وأموالهِم وأعراضهِم ومحارمهِم وسارَ الناسُ ليلًا ونهارًا لا يخشَوْن إلا اللهَ كما
تعمُّ الطمأنينةُ النُّفوسَ، ويسودُهَا الهُدُوء، ويجمعُ صلى اللهُ عليه وسلم ذلك في
قولِه: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ
قُوتُ يَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» ( ابن ماجة والترمذي وحسنه) .
العنصر الثاني: الأمن الفكري وأهم الأسس
التي يقوم عليها:
عباد الله: إن المراد بأمن الفكري هو: هو
طمأنينة الإنسان على فِكره وعقيدته وعقله من التشتت أو الانجراف نحو الأفكار المتطرفة
أو المنحرفة, فالأمن الفكري هو حالة الطمأنينة والاستقرار التي يشعر بها الفرد والمجتمع
عندما يكون العقل سليماً من الانحرافات الفكرية والعقدية، ومحمياً من التيارات الهدامة
والشبهات التي تهدد الهوية والقيم والمبادئ؛ والأمن الفكري جزء أساسي من منظومة الأمن
الشامل التي جاء الإسلام لتحقيقها وحفظه.
ويقوم الأمن الفكري في الإسلام على عدة
أسس رئيسية أهمها:
أولا: غرس العقيدة الصحيحة: التمسك بكتاب
الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مصدراً أساسياً للفكر والاعتقاد, بل هو المصدر
الأساسي والركيزة الأولى لبناء الفكر السليم والاعتقاد القويم لدى الفرد والمجتمع.
فالعقيدة بمثابة البوصلة التي توجّه سلوك الإنسان، وتشكّل تصوّراته حول الكون والحياة
والوجود.
ثانيا: الوسطية والاعتدال: وهو اعتماد المنهج
المتوازن ، والابتعاد عن الإفراط أو التفريط، وقد نهَى الشارعُ الحكيمُ عن التشددِ
والغلوِّ في الدين, وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف على المسلمين ونهى عن التثقيل
خاصة في أمور العبادات.
فَالتَّشَدُّدُ في الدِّينِ والفَتوى بغيرِ
عِلمٍ، أو الفَهمُ المَغلُوطُ لِنُصوصِ الشَّريعةِ الغَرّاءِ، قد يُؤدّي إلى الشَّقاءِ،
بَل إلى الهَلاكِ والمَوتِ.جاء فى سنن أبي داود وابن ماجة عَنْ جابِرٍ قالَ: خَرَجنا
في سَفَرٍ فَأصابَ رَجُلًا مِنّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ في رَأسِهِ، ثُمَّ احتَلَمَ فَسَأَلَ
أَصحابَهُ فقالَ: هَل تَجِدونَ لي رُخصَةً في التَّيَمُّمِ؟ فقالوا: ما نَجِدُ لَكَ
رُخصَةً وأَنتَ تَقدِرُ على الماءِ فاغتَسَلَ فماتَ، فَلَمّا قَدِمنا على النَّبيِّ
صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُخبِرَ بِذلكَ فقالَ: «قَتَلوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ أَلا سَأَلوا
إذ لَم يَعلَموا فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ، إنَّما كانَ يَكفيهِ أن يَتَيَمَّمَ
ويَعصِرَ على جُرحِهِ خِرقَةً، ثُمَّ يَمسَحَ عليها ويَغسِلَ سائِرَ جَسَدِهِ». فهؤلاءِ
تَشَدَّدوا في الدِّينِ والحُكمِ في المَسأَلَةِ، فَأدّى ذلكَ إلى هَلاكِ الرَّجُلِ
ومَوتِهِ!! فَلابُدَّ مِن الرُّجوعِ إلى أهلِ الذِّكرِ والتَّخَصُّصِ في كُلِّ مَجالٍ.
ثالثا: التثبت ومحاربة الشائعات: ومعناه:
التحقق من الأخبار والمعلومات قبل تداولها أو نشرها، وعدم الانسياق وراء الفتن .
عباد الله: لقد أمرنا الله تعالى بِالتَّثَبُّتِ
والتَّبَيُّنِ فقالَ تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ
بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا
فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }. [الحُجُرات: ٦]. فكثير من الناس وللأسف لا يَتَثَبَّتُونَ
في نقل الأخبار ؛ ويصدرون الخبر؛ مثل قول بعضهم: يُقال أنهم – أو أعتقد أنهم
- أو أكدت مصادر مطلعة – أو زعموا, أو أو إلخ,
وقد ذمّ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصيغ المجهولة ؛ والتي تؤدي إلى فساد المجتمع
فقال كما فى سنن أبي داود-: «بئس مَطِيَّة الرجل: زعموا» ؛ هذه الكلمة التي يبدأ بها
مُروج الإشاعات، فهو حتمًا لم يتثبت من الأمر؛ هدفه من نشر الأخبار إما المصلحة المادية
أو الحصول على منصب؛ أو الظهور الإعلامي؛ أو قذف الناس والخوض في أعراضهم؛ أو غرس الفتنة
بين أفراد المجتمع. نقل الأخبار الكاذبة والشائعات دون التثبت منها مرض اجتماعي خطير
له أثر خبيث في إثارة الشحناء، ونشر العداوات، فهؤلاء يسمعون كلمة واحدة، فيزيدون عليها
مائة كلمة، ثم يُنشرونها بين الناس في الآفاق، فعليك أخي الكريم أن تكون حكيمًا في
تعاملك مع من نَقَل إليك خبراً ؛ ولنا في سلفنا الصالح القدوة الحسنة؛ فقد جاء رجل
لعمر بن عبد العزيز في يوم يقول له: يا أمير المؤمنين إن فلانًا يقول عليك كذا !! قال
له عمر: حسنا سننظر في أمرك، فإن كنت كاذبًا صَدَقَ فيك قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا
بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}[الحجرات: 6]. وإن كنت صادقًا
فأنت ممن قال فيهم الله تعالى: { هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} (القلم: 11)؛ وإن شئتُ
عفونا عنك، فقال الرجل: العفو يا أمير المؤمنين العفو.. هكذا يجب التعامل مع ما نقل
إليك من أخبار وشائعات!!
جاء فى تفسير البغوي: أن سبب نزول قوله
تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا...}
أنها نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
إلى بني المصطلق لجمع صدقاتهم ، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية ، فلما سمع به
القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فحدثه الشيطان أنهم يريدون
قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن بني المصطلق
قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي ، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم أن يغزوهم
، فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : يا رسول الله
سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلناه من حق الله - عز وجل - ، فبدا
له الرجوع ، فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا ، وإنا
نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله ، فاتهمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبعث
خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه ، وقال له : انظر فإن
رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم ، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم
ما يستعمل في الكفار ، ففعل ذلك خالد ، ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء
، فأخذ منهم صدقاتهم ، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير ، فانصرف إلى رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - وأخبره الخبر ، فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا...}.
العنصر الثالث: انحراف الفكر وأضراره في
فهم النصوص:
عباد الله: لقد تعددتْ الأفهامُ الخاطئةُ
للإسلامِ ما بين غلوٍ أو تقصيرٍ، وإفراطٍ أو تفريطٍ، وتقديسٍ للعقلِ على حسابِ النصِّ،
أو إلغاءٍ للعقل تماما فى فهمِ النصوصِ الشرعية. فآفةُ المسلمين اليوم ليس هوىَ النفوسِ
فحسب ولكن فسادُ العقولِ أيضا...فالذى قتلَ الخليفةَ عثمانَ بن عفان رمز العطاءِ والحياءِ
قال: «طعنتُ عثمانَ تسعَ طعناتٍ ستٌّ منها لله وثلاثٌ لنفسى» والحقيقةُ أنها كلها كانت
للشيطانِ وهواه المريضِ، وفهمِه السقيمِ للدين هو الذى جعلَهُ يرتكبُ هذا الإثمَ العظيم.
ولقد جاءَ أهلُ العراقِ بعد مقتلِ الحسين إلى المدينةِ يسألون عن حكمِ دمِ البرغوثِ
فتعجبَ عبد الله بن عمر من فسادِ عقولِهم، فقال لهم: تقتلون ابنَ بنت رسولِ الله وتسألون
عن دمِ البرغوث.
عباد الله: هناك نماذج لهذه الأفهامُ الخاطئةُ
للإسلامِ والتى كان سببها الغلو والتقصير في فهم النص.
فهناك مَن يظنُّ أن قوامةَ الرجلِ في قوله
تعالى: {الرجالُ قوامون على النساءِ} نوعًا من التسلطِ والجبروتِ والعدوانِ على المرأةِ،
مع أن كلَّ موقعٍ إداريٍ لابدَّ له من قائدٍ، والأسرةُ هي اللبنةُ الأولى للمجتمعِ
لابد أنْ يكونَ لها قائدٌ، والقوامةُ هى تكليفٌ لا تشريفٌ ، ومسئوليةٌ جسيمةٌ تتمثلُ
في الإدارةِ الرحيمةِ الساهرةِ لرعايةِ الأسرةِ، فليس هناك تضادٌ بين قوامةِ الرجلِ
وكرامةِ المرأةِ، فكلاهما يكملُ الآخر.
وهناك مَن يظنُّ أنّ دينَ الإسلامِ دينٌ
يحثُّ على الإرهابِ وسفكِ الدماءِ من خلال نظرتِه الظاهريةِ لهذا النصِّ القرآنيِّ
دونَ إعمالٍ للعقلِ والفهمِ الصحيحِ وهو قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}
(الأنفال :٦٠), هذه الآيةُ لو أننا أعملنًا العقلَ في فهمِهًا وتدبرنَاها جيدًا لوجدنَا
أنها تدعوا للسلامِ وليس لسفك الدماء, فاللهً جل وعلا قال وأعدوا لهم ما استطعتُم من
قوةٍ ولم يقلْ قاتلوهم إنما مجردُ إعدادٍ الهدفُ منه إرهابُ العدوِ, فلا يجرؤُ على
قتال المسلمين وبهذا نكونُ ضمنَّا جانبَ الأمنِ من العدو, والمسلمون مأمورون بعدم الاعتداءِ
على أحدٍ, قال تعالى: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}
(البقرة : ١٩٠) فهنا تحققَ الأمنُ من جانب المسلمين ومن جانب أعدائِهم, أما لو وجدَ
العدوُ ضعفا في المسلمين سيتجرأُ على قتالِهم ولا يكون عنده رهبةً منهم وهنا يكون القتالُ
وسفكُ الدماء... فهذا النصُّ بدون إعمالِ العقلِ فيه يُفْهَمُ فهما سيئًا ومخالفًا
لمراد اللهِ تعالى.
عباد الله: لقد نشأت عبادة الأصنام تاريخيًا
كأحد أبرز النماذج على الفهم الخاطئ والتحريف للمفاهيم الصحيحة، فقد بدأت عبادة الأصنام على الأرض كـ"وسيلة تذكيرية"
ثم انحرفت عن مسارها بسبب الجهل وتوالي الأجيال.
فحسب المصادر التاريخية والدينية، كان أول
ظهور لعبادة الأصنام في قوم نبي الله نوح عليه السلام, وتبدأ هذه القصة عندما مات خمسة
من الرجال الصالحين في ذلك الزمان وهم: (ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر). ومن كثرة
الحزن عليهم، اقترح الناس بتوجيه من الشيطان صنع تماثيل وصورٌ لهم في مجالسهم لتذكر
عبادتهم والتشبه بها.
النتيجة: لم يكن الجيل الأول يعبد هذه التماثيل،
بل كان يحترمها فقط, لكن عندما مات هذا الجيل ونسي الجيل الذي بعده السبب الحقيقي وراء
صنعها، أخطأوا الفهم وظنوا أن أجدادهم كانوا يتوسلون بهذه التماثيل لإنزال المطر جالبين
بها النفع، فبدأوا بعبادتها فعلياً, وهنا ظهر دور الفهم الخاطئ الذي تراكم عبر الزمن.
....نسألُ اللهَ تعالى أنْ يوحد صفنا، ويجمع شملنا، وأنْ يحفظَ مصرنَا مِن كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.