recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة شِفَاءُ الْقُلُوبِ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْبَاطِنِيَّةِ

 خطبة  شِفَاءُ الْقُلُوبِ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْبَاطِنِيَّةِ

 


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَجَعَلَ الْقَلْبَ سَيِّدَ الْأَعْضَاءِ وَمَحَلَّ النَّظَرِ مِنَ الرَّبِّ الْكَرِيمِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمٍ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَأَشْكُرُهُ عَلَى آلَائِهِ الَّتِي لَا تَبْلُغُ مُنْتَهَاهَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً يَطْمَئِنُّ بِهَا الْقَلْبُ وَتَسْكُنُ إِلَيْهَا الرُّوحُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تَسْلَمَ قُلُوبُكُمْ، وَلَنْ تَسْلَمَ قُلُوبُكُمْ حَتَّى تَتُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ تَوْبَةً نَصُوحًا.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

اسْمَعُوا إِلَى هَذَا النِّدَاءِ الْإِلَهِيّ الَّذِي يَهْتَزُّ لَهُ الْقَلْبُ وَتَخْشَعُ لَهُ النَّفْسُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

أَلَا تَسْمَعُونَ؟! شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ! شِفَاءٌ لِأَمْرَاضِ الْقُلُوبِ! شِفَاءٌ لِلدَّاءِ الَّذِي قَتَلَ الْأُمَمَ وَأَهْلَكَ الْقُرُونَ وَأَوْدَى بِالْأَجْيَالِ!

وَاللَّهِ إِنَّ أَعْظَمَ مَرَضٍ يُصِيبُ الْإِنْسَانَ لَيْسَ مَرَضَ الْجَسَدِ؛ فَمَرَضُ الْجَسَدِ يُؤْذِي الْبَدَنَ فَقَطْ، أَمَّا مَرَضُ الْقَلْبِ فَيُؤْذِي الْإِنْسَانَ كُلَّهُ: يُفْسِدُ عَقْلَهُ، وَيُعْمِي بَصِيرَتَهُ، وَيُظْلِمُ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ!

قَالَ تَعَالَى:

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:

إِنَّ أَمْرَاضَ الْقُلُوبِ كَثِيرَةٌ، وَأَخْطَرُهَا:

الشُّبُهَاتُ وَالشَّكُوكُ، وَالشَّهَوَاتُ وَالْمَعَاصِي، وَالْكِبْرُ وَالْعُجْبُ، وَالْحَسَدُ وَالْحِقْدُ، وَالرِّيَاءُ وَالسُّمْعَةُ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.

فَاسْمَعُوا إِلَى الدَّوَاءِ النَّبَوِيِّ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

«أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»

وَقَالَ ﷺ:

«إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»

فَيَا مَنْ قَسَا قَلْبُهُ، وَيَا مَنْ أَظْلَمَتْ رُوحُهُ، اسْمَعْ إِلَى هَذِهِ الْوَصْفَةِ الْإِلَهِيَّةِ:

أَوَّلًا: الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ.

فَهُوَ شِفَاءُ الْقُلُوبِ وَالدَّوَاءُ الْأَعْظَمُ. قَالَ تَعَالَى:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

ثَانِيًا: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى.

قَالَ سُبْحَانَهُ:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

ثَالِثًا: التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ.

قَالَ ﷺ:

«إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ، سَقَلَ قَلْبُهُ»

رَابِعًا: مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ.

فَإِنَّ الْقُلُوبَ تَسْرِقُ مِنَ الْقُلُوبِ، وَالْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ.

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ:

دَعُونِي أَحْكِي لَكُمْ قِصَّتَيْنِ، وَاللَّهِ مَا هُمَا مِنْ نَسْجِ الْخَيَالِ، بَلْ هُمَا مِنْ صَمِيمِ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ، ثَبَتَتَا فِي كُتُبِ السِّيرِ وَالتَّرَاجِمِ.

الْقِصَّةُ الْأُولَى: تَوْبَةُ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ

اسْمَعُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ:

مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَانَ شُرْطِيًّا، غَارِقًا فِي الْخَمْرِ وَالْمَعَاصِي، لَا يَرْدَعُهُ رَادِعٌ وَلَا يَزْجُرُهُ زَاجِرٌ، حَتَّى وُلِدَتْ لَهُ ابْنَةٌ شَغَفَ بِهَا شَغَفًا شَدِيدًا، فَكَانَتْ نُورَ عَيْنِهِ وَسَكَنَ قَلْبِهِ.

فَلَمَّا بَلَغَتْ سَنَتَيْنِ، مَاتَتْ! فَكَمَدَ عَلَيْهَا كَمَدًا شَدِيدًا، وَزَادَ حُزْنُهُ، وَاشْتَدَّ هَمُّهُ.

فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، بِتَّ ثَمِلًا مِنَ الْخَمْرِ، لَمْ يُصَلِّ حَتَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ! فَرَأَى فِي مَنَامِهِ رُؤْيَا أَقْشَعَرَّتْ مِنْهَا الْأَبْدَانُ:

رَأَى كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ، وَبُعْثِرَتِ الْقُبُورُ، وَحُشِرَ الْخَلَائِقُ، وَهُوَ مَعَهُمْ!

فَسَمِعَ حِسًّا مِنْ وَرَائِهِ، فَالْتَفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِتِنِّينٍ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ، أَسْوَدَ أَزْرَقَ، قَدْ فَتَحَ فَاهُ، وَهُوَ مُسْرِعٌ نَحْوَهُ!

فَمَرَّ هَارِبًا مَرْعُوبًا، حَتَّى مَرَّ بِشَيْخٍ نَقِيِّ الثَّوْبِ، طَيِّبِ الرَّائِحَةِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ:

«أَيُّهَا الشَّيْخُ! أَجِرْنِي مِنْ هَذَا التِّنِّينِ، أَجَارَكَ اللَّهُ!»

فَبَكَى الشَّيْخُ وَقَالَ:

«أَنَا ضَعِيفٌ، وَهَذَا أَقْوَى مِنِّي، وَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ أَسْرِعْ! فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَيَسَّرَ لَكَ مَا يُنْجِيكَ مِنْهُ!»

فَاسْتَمَرَّ مَالِكٌ هَارِبًا، حَتَّى وَصَلَ إِلَى شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ، فَإِذَا هُوَ بِالشَّجَرَةِ وَالتِّنِّينُ يَتَبَعُهُ!

فَاسْتَيْقَظَ فَزِعًا مَرْعُوبًا، وَهُوَ يَقُولُ:

«بَلَى يَا رَبِّ، قَدْ آنَ! بَلَى يَا رَبِّ، قَدْ آنَ!»

فَتَابَ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَأَصْبَحَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، حَتَّى صَارَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَمِنَ الزُّهَّادِ الْعَابِدِينَ، يَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنْهُ:

«مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ خَوْفًا مِنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ»

فَيَا مَنْ غَرِقَ فِي الْمَعَاصِي: لَا تَيْأَسْ! فَاللَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مَا لَمْ تُغَرْغِرِ الرُّوحُ.

الْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ: تَوْبَةُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ

الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَانَ قَاطِعَ طَرِيقٍ! يَسْرِقُ وَيَنْهَبُ وَيُخِيفُ النَّاسَ، بَيْنَ أَبِيوَرْدَ وَسَرْخَسَ.

وَكَانَ قَدْ عَشِقَ جَارِيَةً، فَبَيْنَمَا هُوَ يَرْتَقِي الْجُدْرَانَ إِلَيْهَا فِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي، سَمِعَ صَوْتَ قَارِئٍ يَتْلُو الْقُرْآنَ:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾

فَلَمَّا سَمِعَهَا، اهْتَزَّ قَلْبُهُ، وَانْتَفَضَ جَسَدُهُ، وَقَالَ:

«بَلَى وَاللَّهِ! قَدْ آنَ! بَلَى وَاللَّهِ! قَدْ آنَ!»

فَرَجَعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَتَابَ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً صَادِقَةً، وَتَوَجَّهَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَكَانَ مِنَ الْعَابِدِينَ الزَّاهِدِينَ، حَتَّى قَالَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ:

«إِذَا نَظَرْتُ إِلَى فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، جَدَّدَ فِيَّ الْحُزْنَ، وَمَقَتُّ نَفْسِي»

وَيَقُولُ الْفُضَيْلُ بَعْدَ تَوْبَتِهِ:

«وَاللَّهِ مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى وَجْهِ أَحَدٍ عَصَيْتُ اللَّهَ بِسَبَبِهِ»

يَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

أَلَا تَرَوْنَ كَيْفَ أَحْيَا اللَّهُ هَذِهِ الْقُلُوبَ الْمَيْتَةَ؟! أَلَا تَرَوْنَ كَيْفَ شُفِيَتْ هَذِهِ الْقُلُوبُ الْمَرِيضَةُ؟!

فَهَلْ يَئِسَ أَحَدٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بَعْدَ هَذَا؟!

وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ مِثْلَ الْبِحَارِ، وَمَعَاصِيكُمْ مِثْلَ الْأَمْوَاجِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

أَيُّهَا النَّاسُ:

إِنَّ الْقَلْبَ إِذَا صَلَحَ، صَلَحَ الْإِنْسَانُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَ، فَسَدَ الْإِنْسَانُ كُلُّهُ.

فَاسْأَلُوا أَنْفُسَكُمْ:

· كَيْفَ حَالُ قُلُوبِكُمْ؟

· مَتَى آخِرُ مَرَّةٍ بَكَيْتُمْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ؟

· مَتَى آخِرُ مَرَّةٍ تَدَبَّرْتُمْ فِيهَا الْقُرْآنَ؟

· هَلْ قُلُوبُنَا مَرِيضَةٌ وَنَحْنُ لَا نَشْعُرُ؟!

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ:

«مَرَضُ الْقَلْبِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ لَا يَتَأَلَّمُ بِهِ صَاحِبُهُ فِي الْحَالِ، كَمَرَضِ الْجَهْلِ وَمَرَضِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَالشُّكُوكِ، وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ أَشَدُّ النَّوْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ لَا يَحُسُّ بِالْأَلَمِ، وَلِأَنَّ سُكْرَ الْجَهْلِ وَالْهَوَى يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِدْرَاكِ الْأَلَمِ»

فَيَا عَبْدَ اللَّهِ: قِفْ مَعَ نَفْسِكَ، وَحَاسِبْ قَلْبَكَ، قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبَ.

وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ دَوَاءٍ لِأَمْرَاضِ الْقَلْبِ:

صِدْقُ اللَّجْأِ إِلَى اللَّهِ، وَالِانْكِسَارُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالدُّعَاءُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَالْبُكَاءُ مِنْ خَشْيَتِهِ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

«مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»

أَلَا فَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ، وَأَنْقِذُوا قُلُوبَكُمْ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا يَنْفَعُ فِيهِ مَالٌ وَلَا بَنُونَ:

﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

لَقَدْ سَمِعْتُمْ عَنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ وَدَوَائِهَا، وَعَنْ تَوْبَةِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ وَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، فَاعْلَمُوا أَنَّ الْقَلْبَ كَالْأَرْضِ:

· إِنْ سَقَيْتَهَا بِالذِّكْرِ، أَثْمَرَتْ بِالْإِيمَانِ.

· وَإِنْ تَرَكْتَهَا بِالْغَفْلَةِ، أَنْبَتَتِ الشَّوْكَ وَالْحَنْظَلَ.

فَاسْقُوا قُلُوبَكُمْ:

1. بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ.

2. بِكَثْرَةِ الِاسْتِغْفَارِ فِي السَّحَرِ وَالْأَسْحَارِ.

3. بِمُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ وَالْبُعْدِ عَنِ الْغَافِلِينَ.

4. بِالتَّصَدُّقِ وَلَوْ بِقَلِيلٍ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ.

5. بِذِكْرِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ هَادِمُ اللَّذَّاتِ، وَمُفَرِّقُ الْجَمَاعَاتِ.

وَاحْذَرُوا - رَحِمَكُمُ اللَّهُ - مِنْ:

· الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ فَإِنَّهَا تَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ.

· الْحَسَدِ وَالْحِقْدِ فَإِنَّهُمَا يُورِثَانِ الْقَلْبَ السَّقَمَ وَالظُّلْمَةَ.

· الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ فَإِنَّهُمَا يُحْبِطَانِ الْعَمَلَ وَيُبْعِدَانِ عَنِ الْقَبُولِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ قُلُوبَنَا سَلِيمَةً، وَنُفُوسَنَا مُطْمَئِنَّةً، وَأَعْمَالَنَا خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ.

اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.

اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورَ صُدُورِنَا، وَجَلَاءَ أَحْزَانِنَا، وَذَهَابَ هُمُومِنَا.

اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا، وَاغْفِرْ لِأَحْيَائِنَا، وَاهْدِ ضَالَّنَا، وَتُبْ عَلَى تَائِبِنَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ اللَّهِ:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ، إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. 

google-playkhamsatmostaqltradent