recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ

 وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ

 



        معنى قوله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ"(الإسراء: 70)

هو أن الله سبحانه وتعالى شرف بني آدم وفضلهم على كثير من مخلوقاته بأنواع الكرامات والمحاسن.وأنه سجل هذا التكريم في القرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكفاهم بذلك شرفا وفخرا.

قال الآلوسى: قوله: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ...

أى: جعلناهم قاطبة برهم وفاجرهم، ذوى كرم، أى: شرف ومحاسن جمة لا يحيط بها نطاق الحصر..» .

ومن مظاهر تكريم الله-تبارك وتعالى- لبنى آدم، أنه خلقهم في أحسن تقويم، كما قال-تبارك وتعالى-: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.

مظاهر تكريم بني آدم

  العقل والفهم: ميز الله الإنسان بالعقل الذي يناط به التكليف والفهم.

  الخلقة الحسنة:ومن مظاهر تكريم الله-تبارك وتعالى- لبنى آدم، أنه خلقهم في أحسن تقويم، كما قال-تبارك وتعالى-:" لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ".استواء القامة، وتعديل الخلقة، وحسن الصورة، بخلاف الحيوانات التي تمشي على وجوهها ومنكبة على أطرافها.

يقول ابن كثير:"يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها كما قال } لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم "(التين 4).

 أي يمشي قائما منتصبا على رجليه ويأكل بيديه وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه وجعل له سمعا وبصرا وفؤادا يفقه بذلك كله وينتفع به ويفرق بين الأشياء ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية

 النطق والبيان: قدرة الإنسان على التعبير عما في نفسه باللغة والكلام.وأنه ميزهم بالعقل والنطق والاستعدادات المتعددة، التي جعلتهم أهلا لحمل الأمانة، كما قال- سبحانه -: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ....

 الأكل باليد: تناول الطعام باليد والأصابع شرفاً لهم عن بقية الحيوانات التي تأكل بفمها من الأرض.

  تسخير الكون: سخر الله لهم ما في البر والبحر من دواب وسفن ومنافع. وأنه سخر الكثير من مخلوقاته لمنفعتهم ومصلحتهم، قال-تبارك وتعالى-: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ.

وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ.

وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها، إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ .

وقوله-تبارك وتعالى- وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بيان لنوع من أنواع هذا التكريم.

أى:وحملناهم بقدرتنا ورعايتنا في البر على الدواب وغير ذلك من وسائل الانتقال كالقطارات والسيارات وغيرها، وحملناهم في البحر على السفن وعابرات البحار التي تنقلهم من مكان إلى آخر.

{ وحملناهم في البر } أي على الدواب من الأنعام والخيل والبغال وفي " البحر أيضا على السفن الكبار والصغار

  الرزق الطيب: رزقهم الله لذيذ المطاعم والمشارب والملابس.

 وقوله: وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ بيان لنوع آخر من أنواع التكريم.

أى: ورزقناهم بفضلنا وإحساننا من طيبات المطاعم والمشارب والملابس، التي يستلذونها، ولا يستغنون عنها في حياتهم.

 " ورزقناهم من الطيبات " أي من زروع وثمار ولحوم وألبان من سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة والمناظر الحسنة والملابس الرفيعة من سائر الأنواع على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها مما يصنعونه لأنفسهم ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي

قوله تعالى : ورزقناهم من الطيبات يعني لذيذ المطاعم والمشارب .

قال مقاتل : السمن والعسل والزبد والتمر والحلوى ، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم من التبن والعظام وغيرها .

  معنى التفضيل على كثير ممن خلقنا

  وقوله تعالي:"وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا".

 وقوله: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا بيان لنوع ثالث من أنواع التكريم، أى: وبسبب هذا التكريم فضلناهم على كثير من مخلوقاتنا التي لا تحصى، تفضيلا عظيما.

وعلى هذا التفسير يكون التفضيل لونا من ألوان التكريم الذي منحه الله-تبارك وتعالى- لبنى آدم.

وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا أي على البهائم والدواب والوحش والطير بالغلبة والاستيلاء ، والثواب والجزاء والحفظ والتمييز وإصابة الفراسة .

و ذكر البغوي خلاف العلماء في هذه المسألة فقال: وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا، وظاهر الآية أنه فضلهم على كثير ممن خلقهم لا على الكل، وقال قوم: فضلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة.

وقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلها إلا على الملائكة: جبريل وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، وأشباههم.

وبعضهم يرى أن هناك فرقا بين التكريم والتفضيل، ومن هذا البعض الإمام الفخر الرازي، فقد قال- رحمه الله- ما ملخصه: لقد قال الله-تبارك وتعالى- في أول الآية وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وقال في آخرها وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا.

ولا بد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار.

والأقرب أن يقال: إنه-تبارك وتعالى- فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية، مثل: العقل، والنطق، والصورة الحسنة.. ثم إنه-تبارك وتعالى- عرضه بواسطة ذلك لاكتساب العقائد الحقة، والأخلاق الفاضلة فالأول: هو التكريم، والثاني: هو التفضيل» .

وكأن الفخر الرازي يرى أن التكريم يرجع إلى الصفات الخلقية التي امتاز بها بنو آدم، أما التفضيل فيرجع إلى ما اكتسبوه من عقائد سليمة، وأخلاق قويمة.

هذا، وقد أخذ صاحب الكشاف من هذه الجملة وهي قوله-تبارك وتعالى-: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا أن الملائكة أفضل من البشر، لأنهم- أى الملائكة- هم المقصودون بالقليل الذي لم يفضل عليه بنو آدم.

قال- رحمه الله-: قوله: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا ...

هو ما سوى الملائكة وحسب بنى آدم تفضيلا، أن ترفع عليهم الملائكة- وهم هم-، ومنزلتهم عند الله منزلتهم ...

ويرى كثير من المفسرين أن المراد بالتفضيل هنا: تفضيل الجنس، ولا يلزم منه تفضيل كل فرد على كل فرد.

قال الجمل ما ملخصه: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا المراد تفضيل جنس البشر على أجناس غيره كالملائكة، ولا يلزم من تفضيل جنس البشر على جنس الملك تفضيل الأفراد، إذ الملائكة في جملتهم أفضل من البشر غير الأنبياء.

وصلحاء البشر- كالصديق- أفضل من عوام الملائكة، أى: غير الرؤساء منهم، على المعتمد من طريقة التفضيل» .

والذي تطمئن إليه النفس في هذه المسألة- والله أعلم-: أن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- أفضل من الملائكة جميعا، لأن الله-تبارك وتعالى- قد أمر الملائكة بالسجود لآدم الذي جعله خليفة له في أرضه، دون غيره من الملائكة ...

وأن الرسل من الملائكة- كجبريل وإسرافيل وعزرائيل وميكائيل- أفضل من عموم البشر- سوى الأنبياء-، لأن هؤلاء الرسل قد اصطفاهم الله-تبارك وتعالى- واختارهم لوظائف معينة، قال-تبارك وتعالى- اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ.

وأن صلحاء البشر- كالعشرة المبشرين بالجنة- أفضل من عامة الملائكة، لأن الملائكة ليست فيهم شهوة تدفعهم إلى مخالفة ما أمر الله به ...

أما بنو آدم فقد ركب الله-تبارك وتعالى- فيهم شهوة داعية إلى ارتكاب المعصية، ومقاومة هذه الشهوات جهاد يؤدى إلى رفع الدرجات ...

"وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } أي من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات .

وقد استدل بهذه الآية على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم قال قالت الملائكة يا ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك فأعطناه في الآخرة فقال الله وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان .

وهذا الحديث مرسل من هذا الوجه وقد روي من وجه آخر متصلا

وروي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"إن الملائكة قالت يا ربنا أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة قال لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن ، فكان" .

وقد روى ابن عساكر عن  أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الملائكة قالوا : ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم فجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويتزوجون النساء ويركبون الدواب ينامون ويستريحون ولم تجعل لنا من ذلك شيئا فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال الله عز وجل لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان "

وقال الطبراني  بسنده عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم قيل يا رسول الله ولا الملائكة قال ولا الملائكة الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر" وهذا حديث غريب جدا

 

google-playkhamsatmostaqltradent