recent
أخبار عاجلة

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ مَخَاطِرُ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِد.محمد حرز

مخاطرُ الألعابِ الالكترونيةِ 

 


  أَوَّلًا: الأَلْعَابُ الإِلِكْتْرُونِيَّةُ وَضَيَاعُ الْوَقْتِ.

  ثَانِيًا: أَخْطَارُ الأَلْعَابِ الإِلِكْتْرُونِيَّةِ، عِبَادَ اللَّهِ!

  ثَالِثًا وَأَخِيرًا: أَوْلَادُنَا أَمَانَةٌ في أعناقِنا.

الحمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْشَأَ وَبَرَا ، وَخَلَقَ المَاءَ وَالثَّرَى ، وَأَبْدَعَ كُلَّ شَيْءٍ وَذَرَا ، لَا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ دَبِيبُ النَّمْلِ فِي اللَّيْلِ إِذَا سَرَى ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، وَأشهدُ أَنَّ سيدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، فاللهمَّ صلِّ وسلمْ على مسكِ الختامِ، وخيرِ مَن صلَّى وصام، وتابَ وأنابَ، ووقفَ بالمشعرِ ، وطافَ بالبيتِ الحرامِ.

وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي ******وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ

خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ *****كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ

أمَّا بعدُ: فأوصيكُم ونفسِي أيُّها الأخيارُ بتقوىَ العزيزِ الغفارِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران :102).

 عبادَ الله: (مَخَاطِرُ الأَلْعَابِ الإِلِكْتْرُونِيَّةِ)) عنوانُ وزارتِنَا وعنوانُ خطبتِنَا .

أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ مخاطرِ الألعابِ الالكترونيةِ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نضَيِّعُ الأوقاتَ بالساعاتِ أمامَ الهواتفِ الذكيةِ، والألعابِ الالكترونيةِ، ومواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ، بعيدينَ عن كتابِ ربِّنا، وسنةِ نبينا صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، وخاصةً وأنَّ الوقتَ هوَ الحياةُ، وأنَّ الوقتَ أغلى منَ الذهبِ والفضةِ، وأغلى من جميعِ الأموالِ، فإنَّ المالَ إذا فُقِدَ يمكنُ أنْ يُعوَّضَ، أمَّا الوقتُ إذا فُقِدَ فلا يمكنُ أنْ يُعوَّضَ، وخاصةً وبيوتُنا صارتْ في خطرٍ عظيمٍ بسببِ هذهِ الألعابِ الإلكترونيةِ التي تُدَمِّرُ العقلَ قبلَ أنْ تُدَمِّرَ الجسدَ، وتقتلُ الروحَ قبلَ أنْ تفتكَ بالبدنِ، وتسرقُ الأعمارَ قبلَ أنْ يشعرَ أصحابُها بما ضاعَ منَ الأوقاتِ، وتُبعِدُ الأبناءَ عنْ كتابِ ربِّهم، وسُنَّةِ نبيِّهم، وتُلهيهم عنْ صلاتِهم، ودراستِهم، وواجباتِهم، وتُضعِفُ صلتَهم بأهلِهم وأرحامِهم. فكمْ منْ أبٍ يشكو عقوقَ ابنِهِ وانشغالَهُ عنهُ! وكمْ منْ أمٍّ تتألَّمُ وهيَ ترى ولدَها أسيرًا لشاشةِ هاتفِهِ، لا يُصغي لنصيحتِها، ولا يستجيبُ لتوجيهِها! وكمْ منْ شابٍّ ضيَّعَ ساعاتِ عمرِهِ أمامَ الألعابِ، ولو استثمرَها في العلمِ والعملِ والطاعةِ، لكانَ لهُ شأنٌ عظيمٌ في دينِهِ ودنياهُ!

وخاصةً وإنَّ وسائلَ التواصلِ في هذا الزمانِ أصبحتْ معاولَ هدمٍ للقيمِ والأخلاقِ، وأصبحَ التافهونَ والفاسقونَ قدواتٍ، كما قيلَ: نحنُ نشغلُ أوقاتَنا بمتابعةِ فراغِ الآخرينَ وتفاهتِهم. ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، وللهِ درُّ القائلِ:

متى يبلغُ البنيانُ يومًا تمامَهُ ***** إذا كنتَ تبنيهِ وغيرُكَ يهدمُ

  أَوَّلًا: الأَلْعَابُ الإِلِكْتْرُونِيَّةُ وَضَيَاعُ الْوَقْتِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: الوقْتُ هُوَ الْحَيَاةُ، وَالوقْتُ هُوَ رَأْسُ مَالِ الْمُسْلِمِ، فَالْعَاقِلُ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ قَدْرَ وَقْتِهِ، وَشَرَفَ زَمَانِهِ، فَلَا يُضَيِّعُ سَاعَةً وَاحِدَةً مِنْ عُمْرِهِ إِلَّا فِي خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَالْوَقْتُ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ بِالْعَصْرِ، وَبِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَبِالْفَجْرِ، تَنْبِيهًا عَلَى عَظَمَةِ الزَّمَانِ وَأَهَمِّيَّةِ اسْتِغْلَالِهِ فِيمَا يَنْفَعُ. فَقَالَ رَبُّنَا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾ (اللَّيْل: 1-2) وَقَالَ رَبُّنَا: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). وَمِنْ أَكْبَرِ مَا يُضَيِّعُ أَوْقَاتَ أَبْنَائِنَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الْإِفْرَاطُ فِي اسْتِخْدَامِ الْهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ، وَالْجُلُوسُ بِالسَّاعَاتِ أَمَامَ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتْرُونِيَّةِ، حَتَّى يَمْضِيَ الْيَوْمُ وَالْأَيَّامُ، وَقَدْ ضَاعَتِ السَّاعَاتُ فِي مَا لَا يَنْفَعُ. لِذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ” (رَوَاهُ الْحَاكِم) فَالوَقْتُ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَى الإِنسَانِ، وَالَّتِي سَيُسْأَلُ عَنْهَا بَيْنَ يَدَيِ الكَبِيرِ المُتَعَالِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ المُخْتَارُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ؟” (رَوَاهُ التِّرْمِذِي) فوظِّفْ أنفاسَكَ في طاعةِ مولاكَ، وجاهدْ نفسَكَ وهواكَ، وابتعدْ عن وساوسِ الشيطانِ، واسمعْ إلى ابنِ مسعودٍ – رضيَ اللهُ عنهُ – وهوَ يقولُ». ما ندمتُ على شيءٍ ندمي على يومٍ غربتْ شمسُهُ، اقتربَ فيهِ أجلي، ولمْ يزددْ فيهِ عملي». وللهِ درُّ القائلِ:

إذا مرَّ بي يومٌ ولمْ أستفدْ هدىً *****ولمْ أكتسبْ علمًا فما ذاكَ منْ عمري

بلْ يقولُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ – رضيَ اللهُ عنهُ –: «منْ أمضى يومَهُ في غيرِ حقٍّ قضاهُ، أو فرضٍ أدَّاهُ، أو مجدٍ أثَّلَهُ، أو حمدٍ حصَّلَهُ، أو خيرٍ أسَّسَهُ، أو علمٍ اقتبسَهُ، فقدْ عقَّ يومَهُ وظلمَ نفسَهُ». سلِّمْ يا ربُّ سلِّمْ! كمْ منْ يومٍ يمرُّ؟! بلْ كمْ منْ شهورٍ مرَّتْ علينا؟! بلْ كمْ منْ سنينَ مرَّتْ علينا؟! ولمْ نقتبسْ علمًا، ولمْ نقتبسْ هدىً، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ. بلْ منْ أهمِّ خصائصِ الوقتِ: أنَّهُ يمرُّ مرَّ السحابِ، ويجري جريَ الرياحِ، فالأيامُ تمرُّ، والأشهرُ تجري وراءَها، تسحبُ معها السنينَ، وتمرُّ خلفَها الأعمارُ، وتُطوى حياةُ جيلٍ بعدَ جيلٍ، ثمَّ بعدها يقفُ الجميعُ بينَ يديِ الكبيرِ المتعالِ، وسيعلمُ الخاسرونَ الذينَ خسروا أنفسَهم، وضيَّعوا أوقاتَهم وأعمارَهم، وكأنَّهم ما لبثوا في هذهِ الدنيا إلا ساعةً! قَالَ رَبُّنَا: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْـحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ (سورةُ المُؤْمِنُونَ) بلْ منْ أهمِّ خصائصِ الوقتِ: أنَّهُ إذا مضى لا يعودُ أبدًا. كما قالَ الحسنُ البصريُّ – رحمهُ اللهُ –: «ما منْ يومٍ ينشقُّ فجرُهُ إلا وهوَ ينادي بلسانِ الحالِ: يا ابنَ آدمَ، أنا خلقٌ جديدٌ، وعلى عملِكَ شهيدٌ، فاغتنمني، فإنِّي لا أعودُ إلى يومِ القيامةِ». سلِّمْ يا ربِّ سلِّمْ! لِذَا قَالَ ابْنُ القَيِّمِ – رَحِمَهُ اللهُ: «إِضَاعَةُ الْوَقْتِ أَشَدُّ مِنَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ إِضَاعَةَ الْوَقْتِ تَقْطَعُكَ عَنْ اللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَالْمَوْتُ يَقْطَعُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا». فكَمْ مِنْ طَالِبٍ أَهْمَلَ دِرَاسَتَهُ بِسَبَبِ اللَّعِبِ! وَكَمْ مِنْ شَابٍّ قَصَّرَ فِي صَلَاتِهِ وَوَاجِبَاتِهِ! وَكَمْ مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ حَزِنَا عَلَى أَوْقَاتِ أَوْلَادِهِمَا الَّتِي تَضِيعُ أَمَامَ الشَّاشَاتِ وَكَمْ مِنْ شَابٍّ سَهِرَ اللَّيَالِيَ أَمَامَ شَاشَةِ هَاتِفِهِ، فَضَعُفَ تَرْكِيزُهُ، وَقَلَّ نَشَاطُهُ، وَتَأَخَّرَ فِي دِرَاسَتِهِ! وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ ضَيَّعَ أَوْقَاتًا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، وَبِرِّ وَالِدَيْهِ، وَنَفْعِ نَفْسِهِ وَمُجْتَمَعِهِ!! فَالْوَقْتُ إِذَا مَضَى لَا يَعُودُ، وَمَا فَاتَ مِنَ الْعُمْرِ لَا يُمْكِنُ اسْتِرْجَاعُهُ، فَطُوبَى لِمَنْ عَرَفَ قَدْرَ وَقْتِهِ، وَاسْتَغَلَّهُ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، وَطَلَبِ الْعِلْمِ، وَنَفْعِ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ.

دَقَّاتُ قَلْبِ الْمَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ *****إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِ

فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا***** فَالذِّكْرُ لِلْإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِ

  ثَانِيًا: أَخْطَارُ الأَلْعَابِ الإِلِكْتْرُونِيَّةِ، عِبَادَ اللَّهِ!

أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ الْخَطَرَ لَا يَكْمُنُ فِي وُجُودِ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتْرُونِيَّةِ فِي حَدِّ ذَاتِهَا، وَإِنَّمَا يَكْمُنُ فِي الْإِفْرَاطِ فِي اسْتِخْدَامِهَا، وَفِي مَا قَدْ تَحْمِلُهُ بَعْضُهَا مِنْ مَضَامِينٍ ضَارَّةٍ، وَمُمَارَسَاتٍ تُؤَثِّرُ فِي دِينِ الْإِنْسَانِ وَأَخْلَاقِهِ وَصِحَّتِهِ وَعَلَاقَاتِهِ.

فَالْأَلْعَابُ الْإِلِكْتُرُونِيَّةُ: مِنْ أَخْطَرِ مَا يُهَدِّدُنَا أَطْفَالُنَا وَشَبَابُنَا؛ فَكَثِيرٌ مِنَ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ تُرَبِّي الْأَطْفَالَ وَالشَّبَابَ عَلَى الْعُنْفِ وَالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ وَالدَّمَوِيَّةِ وَالسَّرِقَةِ، وَعَدَمِ الرَّحْمَةِ، وَإِهْلَاكِ الْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا عَنْ هَذَا كُلِّهِ، حَتَّى مُجَرَّدَ الْإِشَارَةِ بِالسِّلَاحِ، فَقَالَ: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ».. وإِدْمَانُهَا يُجْهِدُ الْأَعْصَابَ وَالدِّمَاغَ، وَيُؤَدِّي إِلَى الْـخُمُولِ وَالْكَسَلِ، وَيُؤَثِّرُ عَلَى الذَّكَاءِ وَالِاسْتِيعَابِ؛ وَلِذَا يُصَابُ كَثِيرٌ مِنْ مُدْمِنِيهَا بِشُرُودٍ ذِهْنِيٍّ، وَإِنْهَاكٍ عَصَبِيٍّ، وَضَعْفٍ فِي التَّرْكِيزِ وَكُلُّهَا أَمَانَةٌ سَتُسْأَلُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. فَلْيَحْذَرِ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ مِنْ تَرْكِ أَبْنَائِهِمْ فَرِيسَةً لِكُلِّ مَا يُعْرَضُ عَلَى الشَّاشَاتِ، وَلْيَتَذَكَّرُوا أَنَّ الْأَبْنَاءَ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وهى أَلْعَابٌ تَعْزِلُ مُدْمِنَهَا عَنْ أُسْرَتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ، فَهُوَ مُتَسَمِّرٌ أَمَامَ الشَّاشَةِ، يَنْتَقِلُ فِيهَا مِنْ لُعْبَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَمَعَ طُولِ الْأَمَدِ يَعِيشُ مُدْمِنُهَا فِي عُزْلَةٍ عَنْ مُجْتَمَعِهِ وَوَاقِعِهِ، وَيَعِيشُ خَيَالَ اللُّعْبَةِ.

وتَفَصْلُ الْـمَرْءَ عَنْ وَاقِعِهِ وتُصِيبُهُ بِأَمْرَاضٍ عِدَّةٍ، يَكْفِي مِنْهَا أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَ الْمسؤولِيَّةِ، وَلَا مُعَاشَرَةَ النَّاسِ وَالتَّعَاطِيَ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَدْمَنَ عَالَمًا افْتِرَاضِيًّا أَبْعَدَهُ عَنْ عَالَمِهِ الْوَاقِعِيِّ، ثُمَّ إِذَا اصْطَدَمَ بِوَاقِعِهِ فَحَرِيٌّ بِهِ أَنْ يَفْشَلَ وَيَنْتَكِسَ؛ لِأَنَّهُ يَجِدُ فِي وَاقِعِهِ عَالَمًا آخَرَ غَيْرَ الْعَالَمِ الِافْتِرَاضِيِّ الَّذِي تَرَبَّى عَلَيْهِ. فإدمانها يُصِيبُ الْأَطْفَالَ وَالشَّبَابَ بِعَدَمِ الْـمُبَالَاةِ بِأَيِّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَتَتَبُّعِ الْـجَدِيدِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالسَّعْيِ فِي الْـحُصُولِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ بَاهِظَ الثَّمَنِ، حَتَّى صَارَتْ أَشْرِطَةُ هَذِهِ الْأَلْعَابِ، وَالِاشْتِرَاكُ فِيهَا مَجَالَ اسْتِنْزَافٍ لِلْأَمْوَالِ، وَشَرِكَاتُهَا تَجْنِي مِنْهَا الْمِلْيَارَاتِ.

وإدمانها سَبَبٌ لِلصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّـهِ تَعَالَى وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْـمُتَنَافِسِينَ فِيهَا، ولا تنسى ما فيها من ضياعِ الوقتِ والعمرِ فيما لا نفعَ فيه ولا فائدةَ منه ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (الْمَائِدَةِ: ٩١)

ويَكْثُرُ فِيها الصُّوَرُ وَالْـمَشَاهِدُ الْـمُنَافِيَةُ لِلدِّينِ وَالْأَخْلَاقِ، الْكَاسِرَةُ لِلْحَيَاءِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالتَّهْذِيبِ سَوَاءٌ فِي أَشْكَالِ الصُّوَرِ الْـمُتَحَرِّكَةِ فِيهَا، أَوْ فِي أَلْبِسَتِهِمْ، أَوْ فِي قَصَّاتِ شُعُورِهِمْ، أَوْ فِي خَلَاعَةِ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، مِمَّا يُؤَسِّسُ فِي نَفْسِ الطِّفْلِ وَالشَّابِّ لِثَقَافَةٍ تُنَاقِضُ دِينَهُ، وَتُعَارِضُ ثَقَافَةَ مُجْتَمَعِهِ وَأَعْرَافِهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النُّورِ: ٣٠]وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النُّورِ: ٣١]. فَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِغَضِّ الْبَصَرِ وَحِفْظِ الْفَرْجِ، فَكَيْفَ نَسْمَحُ لِأَبْنَائِنَا بِمُشَاهَدَةِ مَشَاهِدَ تُفْسِدُ الْحَيَاءَ، وَتُضْعِفُ الْعِفَّةَ، وَتُزَيِّنُ لَهُمُ الْمُنْكَرَ؟! وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)).

وفي بعض تلك الألعاب الإلكترونية: إِيحَاءَاتٌ جِنْسِيَّةٌ، وَمُقَدِّمَاتٌ لِفِعْلِ الْفَوَاحِشِ، تُسَاقُ إِلَى لَاعِبِيهَا بِأُسْلُوبٍ جَذَّابٍ عَبْرَ مُسَابَقَاتٍ وَمَرَاحِلَ فِي لُعْبَتِهِ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي نَشْرِ الْفَاحِشَةِ وَإِشَاعَتِهَا بَيْنَ أَبْنَائِنَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النُّورِ: ١٩) نَاهِيكُمْ عَنِ الْأَضْرَارِ الصِّحِّيَّةِ مِنْ طُولِ الْـمُكْثِ أَمَامَ الشَّاشَةِ، وَعَدَمِ الشُّعُورِ بِأَلَمِ الْمَفَاصِلِ وَالْأَصَابِعِ تَفَاعُلًا مَعَ اللِّعْبَةِ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَلْعَابُ سَبَبًا فِي أَمْرَاضٍ تُصِيبُ الْأَصَابِعَ وَالرُّسْغَ مَا كَانَتْ تُعْرَفُ مِنْ قَبْلُ ، وَالصِّحَّةُ عِبَادَ اللَّهِ أَمَانَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ، سَيُسْأَلُ عَنْهَا الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُضَيِّعَ صِحَّتَهُ فِيمَا لَا يَنْفَعُهُ، أَوْ يُهْلِكَ جَسَدَهُ فِيمَا يَضُرُّهُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِفْرَاطُ فِي الْجُلُوسِ أَمَامَ الشَّاشَاتِ، وَالسَّهَرُ الطَّوِيلُ، وَإِهْمَالُ النَّوْمِ وَالْحَرَكَةِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)).

وَقَدْ يَتَسَلَّلُ بَعْضُ الْـمُجْرِمِينَ الْـمُفْسِدِينَ عَبْرَ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتِرُونِيَّةِ إِلَى عُقُولِ الشَّبَابِ وَالْأَطْفَالِ فَيُفْسِدُهُمْ وَيُلَوِّثُ أَدْمِغَتَهُمْ عَبْرَ سِلْسِلَةٍ مِنَ التَّحَدِّيَاتِ، قَدْ تَصِلُ بِهِمْ إِلَى الِانْتِحَارِ، أَوْ قَتْلِ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِمْ، أَوَ الكفرِ أو غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْـمَخَازِي الْعَظِيمَةِ، ولا حول ولا قوة إلا بالله وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ:(وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(البقرة: 195)، (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)(النساء: 29). ومن أشد أضرار تلك الألعاب: ضِيَاعٌ لِلْأَوْقَاتِ وَمَضِيَعَةٌ للأَعْمَارِ ، أَصْحَابُهَا اَنْشَغَلُوا بِهَا عَنْ الْآخِرَةِ فَخَسِرُوا دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتَهُمْ،( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104))(سورة الكهف)، أصحابُها يَقْضُونَ جُلَّ وَقْتِ حَيَاتِهِمْ أَمَامَ الأَلْعَابِ الإلِكْتُرُونِيَّةِ، يَبْذُلُونَ لَهَا الْغَالِيَ وَالنَّفِيسَ مِنْ وَقْتٍ وَجُهْدٍ وَمَالٍ، وَقَدْ شَغَلَتْهُمْ عَنْ أُمُورِ حَيَاتِهِمْ وَمُجْـتَمَعِهِمْ وَعَنْ عِبَادَةِ اللهِ ذِي الْجَلالِ، فَأَينَ نِدَاءُ اللهِ لَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)(المنافقون: 9)، فَلَيْسَ الْعُمُرُ الَّذِي تَقْضِيهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَتْرُوكًا لَكَ لِتَتَصَرَّفَ فِيهِ كَيْفَمَا تَشَاءُ، وَتُنْفِقَهُ دُونَ حِسَابٍ مِنْ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، فَإِنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُهُ سَائِلُكَ عَنْ وَقْتِكَ وَمَالِكَ وَعُمُرِكَ، فَهَا هُوَ الْحَبِيبُ e يَقُولُ:(لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْـنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ).

وَمِنَ الْخَطَرِ الَّذِي لا بُدَّ أَنْ يَحْذَرَ مِنْهُ الْمُسْـلِمُونَ، أَنَّ أَكْثَرَ هَذِهِ الأَلْعَابِ، يُنْتِجُهَا مَنْ لا يَنْتَمِي إِلَى دِينِ رَبِّ الأَرْبَابِ، وَقَدْ أَسَّسُوهَا بِمَا يَتَعَارَضُ فِي كَثِيرٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا مَعَ مَبَادِئِ دِينِنَا الْحَنِيفِ، مِنْ أَفْكَارٍ وَمُعْـتَقَدَاتٍ وَسُلُوكاتٍ، لِيُصْبِحَ الْمَرْءُ فَاقِدًا لَهُوِيَّـتِهِ، وَمُجَانِبًا لِقِيَمِهِ، وَبَعِيدًا عَنْ مُعْـتَقَدَاتِهِ، يَقُولُ الْمُصْطَفَى e:(لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْـلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْـتُمُوهُ). وتلك الألعاب لَا تَكَادُ تَـخْلُو لُعْبَةٌ مِنْها من مُـخَالَفَاتٍ شَرْعِيَّةٍ ولا حول ولا قوة إلا بالله

الِانْتِبَاهَ الِانْتِبَاهَ، وَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ تِلْكُمُ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ وَإِدْمَانِهَا؛ فَإِنَّ الْإِدْمَانَ عَلَيْهَا قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي الْخِزْيِ وَالْعَارِ، وَالْهَلَاكِ وَالدَّمَارِ، إِذَا صَدَّ عَنِ الصَّلَاةِ، وَأَضَاعَ الْأَوْقَاتَ، وَأَفْسَدَ الْأَخْلَاقَ، وَهَدَّدَ صِحَّةَ الْأَبْنَاءِ وَمُسْتَقْبَلَهُمْ. فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَبْنَائِكُمْ، وَاحْفَظُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ وَأَوْقَاتَهُمْ، وَلَا تَتْرُكُوهُمْ أَسْرَى لِلشَّاشَاتِ.

لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِنَ الْحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيلًا

                                             إِنَّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَهُ أُمًّا تَخَلَّتْ أَوْ أَبًا مَشْغُولًا

بارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ

  ثَالِثًا وَأَخِيرًا: أَوْلَادُنَا أَمَانَةٌ في أعناقِنا .

أَيُّهَا السَّادَةُ: أَوْلَادُنَا ثِمَارُ قُلُوبِنَا، وَعِمَادُ ظُهُورِنَا، وَفَلَذَاتُ أَكْبَادِنَا، وَأَحْشَاءُ أَفْئِدَتِنَا، وَزِينَةُ حَيَاتِنَا، أَوْلَادُنَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمِنَّةٌ كَبِيرَةٌ وَمَنْحَةٌ جَلِيلَةٌ، أَوْلَادُنَا زِينَةُ الْحَاضِرِ وَأَمَلُ الْمُسْتَقْبَلِ، هُمْ حَبَاتُ الْقُلُوبِ سَمَّاهُمُ اللَّهُ زِينَةً فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الكهف: 46]، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [آل عمران: 14]، أَوْلَادُنَا قُرَّةُ الأَعْيُنِ، وَبَهْجَةُ الحَيَاةِ، وَأَنسُ العَيْشِ، بِهِمْ يَحْلُو العُمُرُ، وَعَلَيْهِمْ تَعَلُّقُ الآْمَالِ، وَبِبَرَكَةِ تَرْبِيَتِهِمْ يَسْتَجْلِبُ الرِّزْقُ، وَتَنْزِلُ الرَّحْمَةُ، وَيُضَاعَفُ الأَجْرُ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "  إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " . فَأَطْفَالُ الْيَوْمِ هُمْ رِجَالُ الْغَدِ، وَإِذا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ عَظِيمَ مِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْكَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَانْظُرْ إِلَى مَنْ حُرِمَهَا، وَكَيْفَ يَذُوقُ وَيَتَجَرَّعُ مَرَارَةَ الْحِرْمَانِ وَالْفَقْدِ، حِينَمَا يَرَى النَّاسَ مَعَهُمْ أَوْلَادَهُم، فَيَحْتَرِقُ قَلْبُهُ شَوْقًا وَحُزْنًا لِلْأَوْلَادِ!. فَنِعْمَةُ الْوَلَدِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ وَمِنَّةٌ كَبِيرَةٌ  فَهُمْ عِمَادُ الْأُمَّةِ، وَعِزُّهَا الْمَجِيدُ، وَقُوَّةُ الشُّعُوبِ، وَحِصْنُهَا الْحَصِينُ، وَدِرْعُهَا الْمَتِينُ، هُمْ سَبَبُ الْفَتُوحَاتِ، وَأَسَاسُ الْانْتِصَارَاتِ فَالشَّبَابُ كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَبَعْدِهِ لِبِلَادِ الْكُفَّارِ فَاتِحِينَ، وَعَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ مُنَاضِلِينَ، تَجِدُهُمْ مُحَارِبِينَ، وَتَرَاهُمْ مُقَاتِلِينَ، تَهَابُهُمْ الْأَعْدَاءُ، وَيُحِبُّهُمْ مَن فِي السَّمَاءِ، مُتَّبِعِينَ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِم، مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ رَبِّهِم.

الَأطْفَالُ نِعْمَةٌ إِلَهِيَّةٌ، وَمِنْحَةٌ رَبَّانِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا قُلُوبُ الْبَشَرِ وَتَرْجُوهَا؛ لِتَأْنَسَ بِهَا مِنَ الْوَحْشَةِ، وَتَقْوَى بِهَا عِندَ الْوَحْدَةِ، وَتَكُونَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لِذَا طَلَبَهَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا السَّلَامُ، فَقَالَ: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾(الصَّافَاتِ: 100) وَطَلَبَهَا زَكَرِيَّا ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ مِنْ رَبِّهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾ (الْأَنْبِيَاءِ: 89) . وَأَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا عَنْ صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَـنِ:﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ الفرقان: 74

فَالْأَوْلَادُ نِعْمَةٌ يَمُنُّ اللَّـهُ تَعَالَى بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيُلَاعِبُهُمْ صِغَارًا، وَيَنْفَعُونَهُ كِبَارًا (الْـمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: 46] وَلَكِنَّهُمْ مسؤولِيَّةٌ وَأَيُّ مسؤولِيَّةٍ؛ فَالْغُنْمُ بِالْغُرْمِ، وَلَيْسَ فِي مَتَاعِ الدُّنْيَا مُتْعَةٌ خَالِصَةٌ مِنَ الْكَدَرِ لذا وَفِّرّ كَثِيرٌ مِنَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ لِأَوْلَادِهِمْ أَجْهِزَةَ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتِرُونِيَّةِ؛ مَحَبَّةً لَهُمْ، أَوْ مُكَافَأَةً عَلَى نَجَاحٍ حَقَّقُوهُ، أَوْ لِحِفْظِهِمْ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى غَيْرِ بُيُوتِهِمْ بَحْثًا عَنْهَا، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ، حَتَّى صَارَتِ الْأَلْعَابُ الْإِلِكْتِرُونِيَّةُ جُزْءًا مِنْ حَيَاةِ الْأَطْفَالِ وَالشَّبَابِ، وَرُبَّمَا كَانَتْ هِيَ الْـجُزْءَ الْأَهَمَّ فِي حَيَاتِهِمْ، فَمَنْعُهُمْ مِنْهَا -مَعَ عَدَمِ إِيجَادِ الْبَدَائِلِ- عَسِيرٌ جِدًّا؛ هذه الألعابُ تقومُ على إنتاجِها شركاتٌ عِملاقةٌ، برؤوسِ أموالٍ كبيرةٍ، لها بالأساسِ هدفان: الغزوُ الثقافيُّ والرِّبحُ الماديُّ.

إنَّ أبناءَنا أمانةٌ في أعناقِنا، وإنَّ مسؤوليتَنا لا تقفُ عندَ توفيرِ الطعامِ والشرابِ والملبسِ، بلْ تمتدُّ إلى حمايةِ عقولِهم، وصيانةِ أخلاقِهم، وتوجيهِ أوقاتِهم إلى ما ينفعُهم في الدنيا والآخرةِ. فيا أيُّها الآباءُ والأمهاتُ، راقبوا أبناءَكم، وتفقَّدوا أحوالَهم، واعرفوا ما يشاهدونَ وما يلعبونَ، وكونوا لهم قدوةً حسنةً، وازرعوا في قلوبِهم حبَّ القرآنِ والصلاةِ والعلمِ، ولا تتركوهم فريسةً للشاشاتِ والألعابِ، فإنَّ التربيةَ مسؤوليةٌ عظيمةٌ، والأمانةَ ثقيلةٌ، والسؤالَ عنها يومَ القيامةِ عظيمٌ. قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ عَلَى أَطْفَالِنَا مِنَ الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتْرُونِيَّةِ ، فَأَوْلَادُكَ أَمَانَةٌ فِي رَقَبَتِكَ وَتَرْبِيَتُهُمْ أَمَانَةٌ سَتُسْأَلُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا حَافَظْتَ عَلَيْهِم فَقَدْ صُنْتَ الْأَمَانَةَ، وَإِذَا أَهْمَلْتَهُمْ فَقَدْ خُنْتَ الْأَمَانَةَ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ، فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضى اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ :(كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ رَاعٍ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):(إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْـتَرْعَاهُ، حَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ، حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْـلِ بَيْتِهِ). فعلينا الحِرْصَ عَلَى تَصْحِيحِ مَسَارِ أَوْلَادِنَا قَبْلَ الْهَلَاكِ، فالنَّجَاةَ َ فِي تَربِيَةِ النَّشْءِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ الْمُخْتَارِ الْهَادِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِي يَوْمٌ لَا يَنفَعُ فِيهِ النَّدَمُ وَلَا يَنفَعُ فِيهِ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. فاحفظوا أوقاتَكم، واحفظوا أبناءَكم، واعلموا أنَّ العمرَ قصيرٌ، وأنَّ الأنفاسَ معدودةٌ، وأنَّ السعيدَ مَن اغتنمَ شبابَهُ قبلَ هرمِهِ، وصحتَهُ قبلَ سقمِهِ، وفراغَهُ قبلَ شغلِهِ، وحياتَهُ قبلَ موتِهِ. فَيَا هَذَا: نَفَسُكَ مَعْدُودٌ، وَعُمْرُكَ مَحْسُوبٌ، فَكَمْ أَمَّلْتَ أَمَلًا وَانْقَضَى الزَّمَانُ وَفَاتَكَ، وَلَا أَرَاكَ تُفِيقُ حَتَّى تَلْقَى وَفَاتَكَ. فَاحْذَرْ زَلَلَ قَدَمِكَ، وَخَفْ طُولَ نَدَمِكَ، وَاغْتَنِمْ حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، فَتُبْ إِلَى رَبِّكَ، وَاسْتَعِدَّ لِيَوْمِ الْفَقْرِ الْأَعْظَمِ. كَمَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “أَتَدْرُونَ مَا يَوْمُ فَقْرِي؟” قَالُوا: بَلَى. قَالَ: “يَوْمَ أَدْخُلُ قَبْرِي”.

تَاللَّهِ لَوْ عَاشَ الفَتَى مِنْ دَهْرِهِ أَلْفًا مِنَ الأَعْوَامِ مَالِكَ أَمْرِ ه

مُتَلَذِّذًا فِيهَا بِكُلِّ نَفِيسَةٍ مُتَنَعِّمًا فِيهَا بِنُعْمَى عَصْرِهِ

لَا يَعْتَرِيهِ السُّقْمُ فِيهَا مَرَّةً كَلَّا وَلَا تَرِدِ الهموم بفكره

مَا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي أَن يَفِي بِمَبِيتِ أُولَى لَيْلَةٍ فِي قَبْرِهِ

حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.

 



google-playkhamsatmostaqltradent