تَاجُ الوَقَارِ وَعِزُّ الِاسْتِقَامَةِ: كَيْفَ تَصْنَعُ كَرَامَتَكَ؟
إِنَّ الحَمدَ لِلَّهِ، نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ
وَنَستَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا،
مَن يَهدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَا هَادِيَ لَهُ.
الحَمْدُ لِلَّهِ المَلِيكِ الأَكْرَمِ
... مَنْ جَادَ بِالتَّشْرِيفِ لِلْمُكَرَّمِ
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَزَّنَا
... بِالدِّينِ وَالتَّقْوَى وَفِي النَّفْسِ سَمَا
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ.
شَهِدَتْ بِأَنَّكَ أَنْتَ رَبٌّ وَاحِدٌ
... كُلُّ الخَلَائِقِ فِي عُلَاكَ تُوَحِّدُ
العِزُّ لِلَّهِ العَزِيزِ وَكُلُّ مَنْ
... يَرْجُو سِوَاهُ فَذُلُّهُ لَا يَنْفَدُ
وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
بَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَشَفِيعًا لِلْمُذْنِبِينَ، وَأَمِينًا
عَلَى وَحْيِهِ المَتِينِ.
يَا خَيْرَ مَنْ بُعِثَ التَّقِيُّ مُبَشِّرًا
... بِكَرَامَةِ الإِنسَانِ حِينَ نَادَى
أَنَّ التَّفَاضُلَ بِالتُّقَى لَا بِالنَّسَبْ
... فَعَلَوْتَ قَدْرًا فِي الأَنَامِ وَسَادَا
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسلِمُونَ [آل عمران:
102].
أَمَّا بَعدُ، فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ:
تَفَكَّرُوا فِي عِظَمِ خَلْقِ اللَّهِ
لِهَذَا الإِنْسَانِ، وَكَيْفَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرَّمَهُ تَكْرِيمًا بَاهِرًا.
فَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ فِيكَ بَيْنَ جَسَدٍ مِنْ طِينٍ، وَرُوحٍ شَرِيفَةٍ نَفَخَهَا
فِيكَ، ثُمَّ جَعَلَكَ أَفْضَلَ مَخْلُوقَاتِهِ فِي هَذَا العَالَمِ. وَانْظُرُوا رَعَاكُمُ
اللَّهُ إِلَى شَوَاهِدِ هَذَا التَّكْرِيمِ؛ انْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ وَارْتِفَاعِهَا،
وَإِلَى الشَّمْسِ وَحَرَارَتِهَا، وَإِلَى الأَرْضِ وَاتِّسَاعِهَا، وَإِلَى الجِبَالِ
وَشُمُوخِهَا.. انْظُرْ إِلَى كُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ، وَتَخَيَّلْ أَنَّ هَذِهِ المَخْلُوقَاتِ
العَظِيمَةَ كُلَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِخِدْمَتِكَ أَنْتَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ! لَمْ
يَخْلُقْكَ اللَّهُ لِتَعِيشَ بِلَا قِيمَةٍ، بَلْ جَعَلَ كُلَّ هَذِهِ العَظَمَةِ
الكَوْنِيَّةِ مُسَخَّرَةً خَادِمَةً لَكَ لِتَتَفَرَّغَ أَنْتَ لِعِبَادَتِهِ، كَمَا
قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا
مِنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13].
كَمَا أَنَّهُ جَمَّلَ خَلْقَكَ البَشَرِيَّ
فَجَعَلَكَ تَمْشِي مُنْتَصِبًا مَرْفُوعَ الرَّأْسِ، كَمَا قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ:
{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]، وَقَالَ أَيْضًا:
{اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ
فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [غافر: 64].
يَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤْمِنُونَ:
فَكَمَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَخَّرَ
لَكُمْ هَذِهِ الكَائِنَاتِ كُلَّهَا لِخِدْمَتِكُمْ، فَكَذَلِكَ سَخَّرَ اللَّهُ لَكُمْ
وَطَنًا عَزِيزًا كَرِيمًا؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ تُحَافِظُوا عَلَيْهِ، وَأَنْ تَعْبُدُوا
اللَّهَ فِيهِ بِأَرِيحِيَّةٍ وَسَلَامٍ. إِنَّ كَرَامَةَ الإِنْسَانِ هِيَ مِنْ كَرَامَةِ
وَطَنِهِ؛ فَإِنْ كَانَ الوَطَنُ عَزِيزًا اسْتَطَاعَ المَرْءُ أَنْ يَبْنِيَ كَرَامَتَهُ،
وَأَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يَتَعَبَّدَ لِرَبِّهِ فَيَحْفَظَ دِينَهُ، وَعِرْضَهُ،
وَمَالَهُ، وَيَذْهَبَ إِلَى عَمَلِهِ فِي أَرِيحِيَّةٍ، وَيَكْتَسِبَ مُقَدَّرَاتِهِ
بِفَخْرٍ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الوَطَنُ ذَلِيلًا،
سُلِبَتْ مَنَاعَتُهُ، فَضَاعَتْ مَعَهُ كَرَامَةُ الإِنْسَانِ، وَضَاعَ تَبَعًا لِذَلِكَ
دِينُهُ، وَعِرْضُهُ، وَمَالُهُ؛ إِذْ لَا كَرَامَةَ لِمُسْتَبَاحٍ لَا يَأْمَنُ فِي
عُقْرِ دَارِهِ.
وَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِفِ السَّلَفِ
الصَّالِحِ الَّتِي تَشْهَدُ عَلَى هَذِهِ الحَقِيقَةِ؛ فَهَذَا سَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ
الصِّدِّيقُ وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، لَمَّا هَاجَرَا إِلَى
المَدِينَةِ بَعْدَ أَنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ مَكَّةُ بِأَذَى الكُفَّارِ، أَصَابَتْهُمُ
الحُمَّى، وَأَخَذَهُمُ الشَّوْقُ الحَنِينُ إِلَى وَطَنِهِمْ مَكَّةَ، فَكَانَ بِلَالٌ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ شِعْرًا شَاكِيًا بَاكِيًا وَهُوَ يَتَذَكَّرُ
جِبَالَ وَطَنِهِ وَأَوْدِيَتَهُ فَيَقُولُ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً
... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ
... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الشَّوْقَ الَّذِي مَزَّقَ قُلُوبَ
أَصْحَابِهِ لِدِيَارِهِمْ، دَعَا اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ فِي
مَقَامِهِمْ الجَدِيدِ وَطَنًا كَرِيمًا عَزِيزًا تُحْفَظُ فِيهِ الدِّمَاءُ وَالأَعْرَاضُ،
فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ»
[رواه البخاري].
لَقَدْ عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ بِنَاءَ الوَطْنِ العَزِيزِ هُوَ
المِظَلَّةُ الَّتِي تَقُومُ تَحْتَهَا العِبَادَةُ وَتُكْتَسَبُ فِيهَا المُقَدَّرَاتُ.
وَمِنْ هَذَا التَّكْرِيمِ الإِلَهِيِّ
البَدِيعِ، نَرَى كَيْفَ قَلَبَ الإِسْلَامُ مَوَازِينَ البَشَرِ الجَاهِلِيَّةَ؛ فَنَسْأَلُ:
مَا الَّذِي جَعَلَ العَبْدَ الحَبَشِيَّ بِلَالًا، الَّذِي لَا يَمْلِكُ مَالًا وَلَا
نَسَبًا رَفِيعًا، يَصِيرُ سَيِّدًا عَالِيَ مَقَامِ يُحِبُّهُ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ؟
وَمَا الَّذِي جَعَلَ أَبَا لَهَبٍ، صَاحِبَ الجَاهِ وَالنَّسَبِ الشَّرِيفِ، يَسْقُطُ
فِي دَرَكَاتِ الخِزْيِ وَالهَوَانِ؟
إِنَّهُ سِرُّ الكَرَامَةِ الحَقِيقِيَّةِ
الَّتِي لَا تُقَاسُ بِالمَالِ وَلَا بِالمَظَاهِرِ، بَلْ بِالتَّقْوَى وَصِلَةِ القَلْبِ
بِاللَّهِ. فَالنَّاسُ قَدْ يَظُنُّونُ أَنَّ الكَرَامَةَ فِي اللِّبَاسِ الفَاخِرِ
أَوْ المَنْصِبِ العَالِي، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُصَحِّحُ هَذَا الفَهْمَ تَصْحِيحًا شَامِلًا
فَيَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ
يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» [رواه مسلم].
يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
تَأَمَّلُوا هَذَا الحَدِيثَ العَظِيمَ
وَتَوَسَّعُوا فِي فَهْمِ مَعَانِيهِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُرِدْ هُنَا إِهْمَالَ مَظْهَرِ
أَوِ المَالِ، بَلْ أَرَادَ أَنْ يَهْدِمَ الطُّغْيَانَ الطَّبَقِيَّ المَادِّيَّ الَّذِي
سَادَ البَشَرِيَّةَ.
فَاللَّهُ لَا يَنْظُرُ إِلَى شَكْلِكَ
أَوْ عِرْقِكَ أَوْ رَصِيدِكَ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى القَلْبِ؛ لِأَنَّهُ مَنْبَعُ الإِخْلَاصِ
وَالتَّقْوَى، وَيَنْظُرُ إِلَى العَمَلِ؛ لِأَنَّهُ الدَّلِيلُ الصَّادِقُ عَلَى مَا
فِي القَلْبِ. وَلَمَّا كَانَ أَعْدَاءُ الإِسْلَامِ وَأَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَفَاخَرُونَ
بِقَبَائِلِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ، وَيَرَوْنَ الكَرَامَةَ حَكْرًا عَلَى عِرْقِهِمْ،
جَاءَ هَذَا المِعْيَارُ النَّبَوِيُّ لِيَجْعَلَ الإِنْسَانَ حُرًّا شَامِخًا بِتَقْوَاهُ،
لَا بِطِينِ نَسَبِهِ.
وَلِذَلِكَ رَدَّ شُعَرَاءُ الإِسْلَامِ
عَلَى كُلِّ مَنْ حَاوَلَ إِحْيَاءَ هَذِهِ النَّعَرَاتِ، فَقَالُوا رَادِّينَ عَلَى
مَنْ رَفَعُوا النَّسَبَ فَوْقَ الإِيمَانِ:
إِذَا تَفَاخَرُوا بِـ(تَمِيمٍ) وَ(قَيْسٍ)
... فَفَخْرُنَا بِالتُّقَى لَا يَنَالُهُ لَوْمُ
فَمَا رَفَعَ الأَنْسَابُ شَخْصًا بِلَا
هُدًى ... وَمَا وَضَعَ الحَبَشِيَّ فِي دِينِهِ ضَيْمُ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ:
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ تَطْبِيقَاتِ هَذَا
المِعْيَارِ النَّبَوِيِّ، هُوَ دَعْمُ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ، وَإِكْرَامُ مَنْ
يَرَى أَنَّهُ مُسْتَضْعَفٌ بَيْنَ النَّاسِ لِفَقْرِهِ أَوْ لِقِلَّةِ جَاهِهِ؛ فَإِنَّ
جَبْرَ خَاطِرِهِ عَمَلٌ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ الدَّرَجَاتِ فِي الجَنَّةِ. وَانْظُرُوا
إِلَى مَوْقِفِ الرَّسُولِ الأَكْرَمِ ﷺ مَعَ صَحَابِيِّ البَادِيَةِ زَاهِرِ بْنِ
حَرَامٍ، الَّذِي كَانَ يَرَى نَفْسَهُ دُونَ النَّاسِ لِبَسَاطَتِهِ، فَاحْتَضَنَهُ
النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّوقِ وَقَالَ مَازِحًا: «مَنْ
يَشْتَرِي هَذَا العَبْدَ؟»، فَقَالَ زَاهِرٌ بِانْكِسَارٍ: إِذًا وَاللَّهِ تَجِدُنِي
كَاسِدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مُعْلِنًا قِيمَتَهُ العِلْمِيَّةَ وَالأَخْلَاقِيَّةَ:
«لَكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ، أَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ غَالٍ» [رواه أحمد].
وَلَيْسَ هَذَا الدَّعْمُ حَكْرًا عَلَى
الرِّجَالِ بَلْ هُوَ لِلنِّسَاءِ أَيْضًا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ؛ فَقَدْ جَاءَ النَّبِيُّ
ﷺ لِيَحْفَظَ لِلرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ قَوَامَةَ
النَّفْسِ وَعِزَّتَهَا بِتَقْوَاهَا. وَانْظُرُوا إِلَى تِلْكَ المَرْأَةِ البَسِيطَةِ
السَّوْدَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ وَتُنَظِّفُهُ، فَلَمَّا مَاتَتْ
لَيْلًا دَفَنُوهَا وَلَمْ يُوقِظُوا النَّبِيُّ ﷺ كَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا شَأْنَهَا. فَلَمَّا
فَقَدَهَا وَسَأَلَ عَنْهَا قَالُوا: مَاتَتْ, فَقَالَ عَاتِبًا مُعْلِمًا الأُمَّةَ
دَرْسًا فِي الكَرَامَةِ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟»، ثُمَّ قَالَ ﷺ بِكُلِّ رَحْمَةٍ وَإِجْلَالٍ لِصَنِيعِهَا:
«دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا»، فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ تَكْرِيمًا
لَهَا [رواه البخاري ومسلم].
يَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ:
إِنَّ الحَدِيثَ عَنِ الكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ
يَلْتَحِمُ أَيْضًا بِحِفْظِ مَكَانَةِ النِّسَاءِ جَمِيعًا؛ فَالمَرْأَةُ فِي شَرِيعَةِ
الإِسْلَامِ جَعَلَ اللَّهُ كَرَامَتَهَا أَصْلًا ثَابِتًا، وَصَانَ عِزَّتَهَا بِتَشْرِيعَاتٍ
رَبَّانِيَّةٍ تُحَرِّرُهَا مِنْ أَهْوَاءِ البَشَرِ، حَيْثُ يَقُولُ الرَّسُولُ الأَكْرَمُ
ﷺ: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»
[رواه أحمد].
وَهَذِهِ الشَّقِيقَةُ حَفِظَ الإِسْلَامُ
كَرَامَتَهَا فِي مُجْتَمَعِهَا حِينَمَا تَعْلَمُ أَنَّ حَيَاءَهَا هُوَ تَاجُ عِزَّتِهَا،
وَأَنَّ تَقْوَاهَا هِيَ قِيمَتُهَا، كَمَا رَأَيْنَا فِي خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الَّتِي اسْتَوْقَفَتْ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ فِي الطَّرِيقِ، فَوَقَفَ لَهَا مُصْغِيًا وَقَالَ عُمَرُ: "هَذِهِ امْرَأَةٌ
سَمِعَ اللَّهُ شَكْوَاهَا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ" [رواه البخاري].
وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّاعِرِ حِينَ صَاغَ
هَذِهِ الكَرَامَةَ فَقَالَ:
أَنْتِ المَنَارَةُ لِلْفَضِيلَةِ وَالهُدَى
... وَبِكِ النُّفُوسُ تَطِيبُ فِي أُولَاهَا
صُونِي كَرَامَتَكِ العَزِيزَةَ بِالتُّقَى
... فَالْمَرْأَةُ التَّقْوَى يَفُوقُ سَنَاهَا
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ
اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ
الرَّحِيمُ.
[الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ]
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ،
وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَاحِبُ الخُلُقِ العَظِيمِ، صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ:
إِنَّ مِيزَانَ الكَرَامَةِ الحَقِيقِيِّ
يَكْمُنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ
ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]. وَهَذِهِ الكَرَامَةُ تَبْدَأُ مِنْ دَاخِلِ
نَفْسِكَ؛ فَاللَّهُ تَعَالَى أَقْسَمَ بِالنَّفْسِ فَقَالَ: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا
* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ
خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7-10]. فَمَنْ طَهَّرَ نَفْسَهُ بِالتَّقْوَى فَقَدْ
حَفِظَ كَرَامَتَهُ وَأَفْلَحَ، وَمَنْ طَاوَعَ شَهَوَاتِهِ وَفَجَرَ فَقَدْ أَهَانَ
نَفْسَهُ وَخَابَ.
وَهَذَا المِيزَانُ الدَّاخِلِيُّ هُوَ
مَا فَهِمَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ؛ فَهَذَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ
لِأَبِي عُبَيْدَةَ -عند استلام مفاتيح بيت المقدس فك الله أسره - حِينَ طَلَبَ مِنْهُ
- أبو عبيدة ـ لِبَاسًا أَجْمَلَ: "إِنَّا
كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسلَامِ، فَمَهْمَا نَطْلُبِ العِزَّةَ
بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ". وَبِهَذَا المِيزَانِ
نَفْسِهِ، نَالَ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ الكَرَامَةَ العُظْمَى حَتَّى كَانَ عُمَرُ يَقُولُ
عَنْهُ: "أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا" [رواه البخاري].
يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
اسْمَعُوا إِلَى هَذِهِ الوَقْفَةِ التَّرْبَوِيَّةِ
الحَاسِمَةِ، وَتَأَمَّلُوا هَذِهِ الأَبْيَاتِ الَّتِي تَقُولُ:
رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ
... وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا
وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبِ
... وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا
هِيَ رِسَالَةٌ صَرِيحَةٌ إِلَى خَاطِرِ
كُلِّ إِنْسَانٍ يَعْصِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يَتَعَالَى عَلَى الخَلْقِ، أَوْ
يَكْسِرُ بِخَاطِرِ أَحَدٍ! قِفْ مَعَ نَفْسِكَ وَقْفَةَ صِدْقٍ وَاسْأَلْهَا: أَنْتَ
مَاذَا جَنَيْتَ لِنَفْسِكَ عِنْدَمَا أَغْلَقْتَ عَلَى نَفْسِكَ البَابَ، وَجَلَسْتَ
تَعْصِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ؟
هَلْ وَجَدْتَ فِي تِلْكَ المَعْصِيَةِ
عِزَّةً لَكَ؟
هَلْ شَعَرْتَ بِكَرَامَةٍ لِنَفْسِكَ وَأَنْتَ
تُخَالِفُ أَمْرَ الخَالِقِ؟
تَأَمَّلُوا حَقِيقَةَ هَذَا الأَمْرِ بِمَا
قَالَهُ تَرْجُمَانُ القُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
حِينَمَا وَصَفَ أَثَرَ الطَّاعَةِ وَالمَعْصِيَةِ فَقَالَ: «إِنَّ لِلْحَسَنَةِ ضِيَاءً
فِي الوَجْهِ، وَنُورًا فِي القَلْبِ، وَسَعَةً فِي الرِّزْقِ، وَقُوَّةً فِي البَدَنِ،
وَمَحَبَّةً فِي قُلُوبِ الخَلْقِ. وَإِنَّ لِلسَّيِّئَةِ ظُلْمَةً فِي الوَجْهِ، وَسَوَادًا
فِي القَلْبِ، وَوَهْنًا فِي البَدَنِ، وَنَقْصًا فِي الرِّزْقِ، وَبُغْضًا فِي قُلُوبِ
الخَلْقِ» [رواه ابن القيم]. فَالمَعْصِيَةُ لَا تُورِثُ إِلَّا الذُّلَّ البَاطِنِيَّ
وَالمَهَانَةَ النَّفْسِيَّةَ! تِلْكَ هِيَ المَقُولَةُ الخَالِدَةُ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ
حِينَمَا قَالَ عَنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ: «هَانُوا عَلَيْهِ فَعَصَوْهُ، وَلَوْ عَزُّوا
عَلَيْهِ لَعَصَمَهُمْ». فَالْعِزَّةُ كُلُّ العِزَّةِ فِي لُزُومِ طَاعَتِهِ، وَالمَهَانَةُ
كُلُّ المَهَانَةِ فِي الخُرُوجِ عَنْ أَمْرِهِ.
وَلَكُمْ فِي قِصَصِ التَّارِيخِ عِبْرَةٌ؛
فَهَذَا عَابِدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَلْعَامُ بْنُ بَاعُورَاءَ، لَمَّا مَالَ بِقَلْبِهِ
إِلَى الدُّنْيَا، وَأَطَاعَ هَوَاهُ لِيُرْضِيَ المُلُوكَ، هَانَ عَلَى اللَّهِ فِي
لَحْظَةٍ!
فَسَلَبَهُ اللَّهُ العِلْمَ، وَمُسِخَتْ
كَرَامَتُهُ حَتَّى ضَرَبَ اللَّهُ بِهِ مَثَلًا يُتْلَى إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ
فِي شِدَّةِ الخِسَّةِ وَالهَوَانِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ
بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ
الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف:
176].
وَاذْكُرُوا أَيْضًا قِصَّةَ أَبِي الدَّرْدَاءِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ فَتَحَ المُسْلِمُونَ قُبْرُصَ، وَرَأَى ذُلَّ أَهْلِهَا
بَعْدَ أَنْ كَانُوا أُمَّةً قَاهِرَةً ظَاهِرَةً لَهُمُ المُلْكُ، جَلَسَ يَبْكِي
وَقَالَ كَلِمَاتٍ تُفَسِّرُ مَعْنَى الهَوَانِ تَمَامًا: «مَا أَهْوَنَ الخَلْقَ عَلَى
اللَّهِ إِذَا هُمْ تَرَكُوا أَمْرَهُ! بَيْنَمَا هُمْ أُمَّةٌ قَاهِرَةٌ ظَاهِرَةٌ
لَهُمُ المُلْكُ، تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ فَصَارُوا إِلَى مَا تَرَى!». فَكُلُّ مَنْ
يَطْلُبِ العِزَّ مِنْ غَيْرِ بَابِ اللَّهِ يُصِيبُهُ ذُلُّ المَعْصِيَةِ، كَمَا قَالَ
الشَّاعِرُ:
وَمَنْ يَطْلُبِ العِزَّ المَجِيدَ بِبَاطِلٍ
... يُعَاقِبْهُ رَبِّي بِالهَوَانِ المُؤَبَّدِ
فَلَا تَلْتَمِسْ عِزًّا بِغَيْرِ تَقِيَّةٍ
... فَمَنْ هَانَ عِنْدَ اللَّهِ لَمْ يَتَمَجَّدِ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:
مَنْ حَفِظَ كَرَامَتَهُ بِالتَّقْوَى فِي
الدُّنْيَا، أَكْرَمَهُ اللَّهُ إِكْرَامًا عَظِيمًا فِي الآخِرَةِ، وَخَيْرُ مِثَالٍ
أَهْلُ القُرْآنِ الكَرِيمِ الَّذِينَ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِي شَأْنِهِمْ: «يَجِيءُ القُرْآنُ يَوْمَ
القِيَامَةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ حَلِّهِ، فَيُلْبَسُ تَاجَ الكَرَامَةِ» [رواه الترمذي].
وَيَفِيضُ هَذَا الفَضْلُ لِيَشْمَلَ مَنْ
رَبَّى هَذَا التَّقِيَّ، كَمَا قَالَ ﷺ: «وَيُلْبَسُ وَالِدَاهُ تَاجَ الوَقَارِ،
يَاقُوتَةٌ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» [رواه أحمد].
لَكِنْ فِي مُقَابِلِ هَذَا التَّكْرِيمِ،
انْظُرُوا إِلَى جَزَاءِ مَنْ جَعَلَ كَرَامَتَهُ فِي المَعْصِيَةِ وَالتَّكَبُّرِ
وَكَسْرِ الخَوَاطِرِ؛ فَإِنَّ الَّذِي اسْتَعْلَى بِمَالِهِ أَوْ نَسَبِهِ، يُحَقِّرُهُ
اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَحْشُرُهُ فِي أَذَلِّ صُورَةٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ
ﷺ: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ
أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ،
يَطَأُهُمُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِمْ» [رواه الترمذي].
فَمَنْ تَكَبَّرَ فِي الدُّنْيَا صَارَ
يَوْمَ القِيَامَةِ صَغِيرًا مِثْلَ النَّمْلِ الصَّغِيرِ تَحْتَ أَقْدَامِ النَّاسِ
يَطَأُونَهُ إِهَانَةً لَهُ، لِأَنَّ القَانُونَ الإِلَهِيَّ يُعْلِنُهَا مُدَوِّيَةً:
{وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}
[الحج: 18].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ:
إِنَّ النِّهَايَةَ الحَتْمِيَّةَ لِهَذَا
الوُجُودِ تَخْتَصِرُهَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ؛ هُمَا طَرِيقَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا،
وَلِكُلِّ طَرِيقٍ مِنْهُمَا بِدَايَةٌ فِي الدُّنْيَا وَعَاقِبَةٌ فِي الآخِرَةِ،
فَتَخَيَّلْ لِنَفْسِكَ فِي أَيِّهِمَا تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ:
الطَّرِيقُ الأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ عَزِيزًا
كَرِيمًا، تُكْرِمُ نَفْسَكَ بِأَنْ تُعَظِّمَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي خَلَوَاتِكَ
وَمُعَامَلَاتِكَ، تُجِلُّ مَقَامَهُ، وَتُوَقِّرُ شَرِيعَتَهُ، فَإِذَا أَمَرَكَ ائْتَمَرْتَ،
وَإِذَا نَهَاكَ انْتَهَيْتَ، لِتَكُونَ مِنْ أَهْلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {ذَٰلِكَ
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:
32].
وَثَمَرَةُ هَذَا الطَّرِيقِ ضِيَاءٌ فِي
الوَجْهِ، وَقَبُولٌ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ خُلُودٌ أَبَدِيٌّ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
مَعَ الأَنْبِيَاءِ وَأَهْلِ القُرْآنِ المُتَّوِجِينَ بِتَاجِ الوَقَارِ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مِمَّنِ
اسْتَخَفَّ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يُعَظِّمِ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ،
وَابْتَعَدَ عَنْ إِكْرَامِ نَفْسِهِ كَمَا كَرَّمَهُ اللَّهُ؛ فَيَعِيشَ ذَلِيلًا
فِي الدُّنْيَا بَيْنَ النَّاسِ، وَاللَّهِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ المَالُ الوَفِيرُ،
وَإِنْ كَانَ حَوْلَهُ الأَهْلُ وَالعَشِيرَةُ، إِلَّا أَنَّ ذُلَّ المعْصِيَةِ وَالِكبْرِ
يَجْعَلُ الخَلْقَ يَبْغَضُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، وَتَمَادَوْنَ فِي نُصْحِهِ ضِيَاقًا
وَيَتَمَنَّوْنَ لَهُ عَاقِبَةً سَيِّئَةً! ثُمَّ يَكُونُ جَزَاؤُهُ عِنْدَ اللَّهِ
أَنْ يُسْحَبَ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَهَنَّمَ، وَيُحْشَرُ كَأَمْثَالِ الذَّرِّ تَحْتَ
أَقْدَامِ أَهْلِ المَوْقِفِ، فِي حَالٍ هِيَ أَسْوَأُ حَالٍ فِي النَّارِ قال الله
تعالى واصفا حال هؤلاء "يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا
مَسَّ سَقَرَ".
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَانْظُرُوا
لأَنْفُسِكُمْ فِي أَيِّ الطَّرِيقَيْنِ تَسِيرُونَ فإنها إما جنة أبدا أو نار أبدا
نسأل الله أن نكون من أهل الجنة الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ونعوذ بالله أن نكون
من أهل النار الذين هم في عذاب دائمون.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ عَظَّمَ
شَعَائِرَكَ، وَأَجَلَّ مَقَامَكَ، وَأَطَاعَ أَمْرَكَ، فَأَكْرَمْتَهُ بِالعِزَّةِ
فِي الدُّنْيَا وَبِالجَنَّةِ فِي الآخِرَةِ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ هَانَ عَلَيْكَ
فَعَصَاكَ فَأَذْلَلْتَهُ فِي الدَّارَيْنِ. اللَّهُمَّ زَكِّ نُفُوسَنَا أَنْتَ خَيْرُ
مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسْلِمِينَ،
وَاصْرِفْ عَنَّا الذُّلَّ وَالمَهَانَةَ، وَاحْفَظْ كَرَامَتَنَا فِي الدُّنْإيَا
وَالآخِرَةِ، وَاحْمِ أَوْطَانَنَا وَاجْعَلْهَا أَعِزَّةً مَصُونَةً لِنَعْبُدَكَ
فِيهَا بِأَمْنٍ وَأَمَانٍ. اللَّهُمَّ اجْعَلِ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا،
وَنُورَ صُدُورِنَا، وَأَلْبِسْنَا بِهِ تَاجَ الكَرَامَةِ وَالوَقَارِ يَوْمَ نَلْقَاكَ.
اللَّهُمَّ نَقِّ قُلُوبَنَا مِنَ الكِبْرِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، وَأَعِذْنَا مِنْ ذُلِّ
المَعَاصِي فِي الخَلَوَاتِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَجْبُرُونَ خَوَاطِرَ عِبَادِكَ،
رُحَمَاءَ بَيْنَ عِبَادِكَ، نَبْتَعِدُ عَنِ الخِسَّةِ وَمَوَاطِنِ الهَوَانِ. اللَّهُمَّ
اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا،
وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ
إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
المَرَاجِعُ الأَسَاسِيَّةُ لِلْخُطْبَةِ
(الْمَرْجِعُ الْعَامُّ):
1. الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ (الآيَاتُ مَكْتُوبَةٌ
بِأَسْمَاءِ سُوَرِهَا وَأَرْقَامِهَا جِوَارَ النَّصِّ القُرْآنِيِّ).
2. صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ
بْنِ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيِّ (كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ، وَفَضَائِلُ الصَّحَابَةِ،
قِصَّةُ شَوْقِ الصَّحَابَةِ لِوَطَنِهِمْ مَكَّةَ، قِصَّةُ صَلَاةِ النَّبِيِّ عَلَى
المَرْأَةِ قَامَّةِ المَسْجِدِ، وَقِصَّةُ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ).
3. صَحِيحُ مُسْلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسْلِمِ
بْنِ الحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيِّ (كِتَابُ الجَنَائِزِ، بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى
القَبْرِ، وَكِتَابُ البِرِّ وَالصِّلَةِ وَالآدَابِ، بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ المُسْلِمِ).
4. سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ
بْنِ عِيسَى التِّرْمِذِيِّ (أَبْوَابُ فَضَائِلِ القُرْآنِ، وَأَبْوَابُ صِفَةِ القِيَامَةِ،
حَدِيثُ حَشْرِ المُتَكَبِّرِينَ، حَدِيثُ مَحَبَّةِ البَلَدِ).
5. مُسْنَدُ الإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ
(حَدِيثُ خُطْبَةِ الوَدَاعِ، حَدِيثُ النِّسَاءِ شَقَائِقُ الرِّجَالِ، حَدِيثُ جَزَاءِ
وَالِدَيْ صَاحِبِ القُرْآنِ، وَحَدِيثُ زَاهِرِ بْنِ حَرَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ).
6. الفُرْقَانُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ
وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، لِشَيْخِ الإِسلَامِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ.
7. الْجَوَابُ الْكَافِي لِمَنْ سَأَلَ عَنِ
الدَّوَاءِ الشَّافِي، لِلإِمَامِ ابْنِ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ.
8. سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، لِلإِمَامِ
شَمْسِ الدِّينِ الذَّهَبِيِّ (أَخْبَارُ الصَّحَابَةِ كَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ
وَزَاهِرٍ وَأَقْوَالُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ).