الذوق العام رقي السلوك وجمال الإخلاق

الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وأكرم الإنسان، وجعل حسن الخلق زينة الإيمان، وجمال الأدب عنوانًا على طهارة القلب وصفاء الجَنان. نحمده سبحانه على نعمة الإسلام، ونشكره على أن هدانا لمحاسن الأخلاق ومكارم الأعمال، ونسأله أن يطهّر قلوبنا من الغل، وألسنتنا من الفحش، وأيدينا من الأذى، وأن يجعلنا رحمةً لعباده، ومصدر خيرٍ وأمانٍ لمن حولنا.
وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة يوم نلقاه، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده
ورسوله، أرقى الناس خُلُقًا، وأطيبهم قلبًا، وأعظمهم رحمةً بالخلق، صلى الله وسلم وبارك
عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد، فأوصيكم عباد
الله ونفسي المقصرة بتقوى الله، فإنها زاد القلوب، ونور الدروب، ووصية الله للأولين
والآخرين، قال سبحانه وتعالى:
﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ
أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ
فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أيها الأحبة في الله،
تأملوا معي هذا المعنى
الجميل: ما قيمة أن يخرج الإنسان من بيته متوضئًا، وقد غسل وجهه ويديه، ثم يترك خلفه
شارعًا متسخًا؟ وما قيمة أن يقف بين يدي الله خاشعًا، ثم يخرج إلى الناس فيؤذيهم بلسانه
أو يضيّق عليهم في طريقهم؟ وما قيمة أن يرفع كفيه بالدعاء أن يرحمه الله، ثم لا يرحم
مريضًا يحتاج إلى الهدوء، ولا كبيرًا يحتاج إلى العون، ولا إنسانًا ينتظر دوره في طابور؟
لسنا_هنا_لنفتش عن أخطاء
الناس، ولا لنحكم على قلوب العباد، فالله وحده يعلم السرائر، ولكننا نقف مع أنفسنا
وقفة صدق؛ لنسأل سؤالًا يحتاج إليه كل مؤمن: هل تركت عبادتي أثرًا جميلًا فيمن حولي؟
وهل يشعر الناس بالأمان والراحة حين يقتربون مني؟
إن_الصلاة_ليست_حركات
تؤديها الأجساد فحسب، وإنما نور ينبغي أن يصحب صاحبه في الطريق، وخلق ينبغي أن يظهر
في المعاملة، وصلة بالله ينبغي أن تثمر رحمةً بخلق الله. والصيام ليس امتناعًا عن الطعام
والشراب فحسب، وإنما تربية للنفس على الصبر، وحفظ اللسان، وكف الأذى.
وكلما_ازداد_القلب_قربًا
من الله، وجب أن يزداد رفقًا بعباد الله، وأن يصبح صاحبه أطيب كلمةً، وأحسن معاملةً،
وأشد حرصًا على ألا يؤذي إنسانًا أو يفسد مكانًا أو يضيّع حقًّا.
عباد_الله، إن من المعاني
الجميلة التي يغفل عنها بعض الناس أن الذوق العام ليس مجرد مظهر حضاري، بل هو أدب إسلامي،
ورحمة إنسانية، وصورة من صور الإحسان.
إنه_أن_تتذكر_أن_الطريق
الذي تمشي فيه ليس ملكًا لك وحدك، وأن الرصيف الذي تقف عليه حقٌّ لغيرك، وأن المقعد
الذي تجلس عليه قد يحتاج إليه كبير سن، وأن الهدوء الذي تنعم به في بيتك قد يحتاج إليه
مريض في بيته المجاور، وأن الكلمة التي تقولها في لحظة غضب قد تبقى في قلب إنسان أعوامًا.
كم_من_إنسانٍ_يظن أن
الأمر بسيط، فيلقي منديلًا في الطريق، أو يرفع صوت هاتفه في مكان مزدحم، أو يتجاوز
رجلًا ينتظر دوره، أو يوقف سيارته أمام مدخل يحبس به حركة الناس، ثم يمضي وكأن شيئًا
لم يكن! لكنه لو تأمل قليلًا لأدرك أن وراء كل تصرف أثرًا، ووراء كل أذى قلبًا يتألم،
ووراء كل حقٍّ يُهدر إنسانًا قد يكون أشد حاجةً إليه منا.
ولذلك_لم_يجعل_الإسلام
حسن المعاملة أمرًا زائدًا على الدين، بل جعله من صميمه، وربط الإيمان بما ينفع الناس
ويدفع عنهم الأذى.
أيها_المؤمنون،
أول_ما_يعلّمنا إياه
ديننا أن ننظر إلى الإنسان بعين الكرامة، لا بعين الاستهانة؛ فكل إنسان له حرمة، وحق
في الاحترام، وحق في ألا يُهان أو يُبتذل أو يُؤذى بغير حق.
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.
تأملوا_هذا_التكريم_الرباني؛
لم يجعل الله كرامة الإنسان متوقفةً على ماله أو منصبه أو شهرته، بل كرّم بني آدم.
ومن هنا كان احترام الناس من احترام ما كرّم الله، وكان حفظ حقوقهم دليلًا على حياة
الضمير.
فلا_تحتقر_عاملًا_يؤدي_عمله،
ولا تسخر من ضعيف، ولا تزاحم كبيرًا، ولا تحرج محتاجًا، ولا تجعل اختلافك مع إنسان
سببًا في انتقاص كرامته. فقد يكون من تراه بسيطًا عند الناس عظيمًا عند الله، وقد يكون
دعاء قلبٍ مكسور أقرب إلى الإجابة من كثير من الكلمات التي تملأ المجالس.
ثم_تأملوا_كيف_ربّى_القرآن
المؤمن على السكينة والوقار، فقال سبحانه على لسان لقمان الحكيم وهو يوصي ابنه:
﴿وَاقْصِدْ
فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.
وقال سبحانه في وصف
عباده الصالحين:
﴿وَعِبَادُ
الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾.
#إنها_تربية_على_الهدوء
من غير ضعف، وعلى التواضع من غير ذل، وعلى احترام الآخرين من غير تكلف. فليس من قوة
الإنسان أن يعلو صوته، ولا من رجولته أن يخيف الناس، ولا من مكانته أن يفرض نفسه على
الآخرين؛ إنما القوة أن يملك غضبه، وأن يحفظ لسانه، وأن يكون حضوره مصدر طمأنينة لا
مصدر إزعاج.
#ما_أجمل_أن_يكون_الإنسان
هادئًا في حديثه، رفيقًا في اختلافه، متواضعًا في مشيته، رحيمًا بمن حوله! وما أجمل
أن يعرف الناس من أخلاقه أن وراء هذا السلوك قلبًا يتقي الله ويستحيي أن يؤذي عباده!
#عباد_الله، ومن جمال
هذا الدين أنه لم يترك حتى تفاصيل المجالس دون توجيه، فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ
اللَّهُ لَكُمْ﴾.
يا لها من آية تفتح
أبواب المعاني! تفسح لأخيك في المكان، فيفسح الله لك في رحمته وفضله، وتتنازل عن شيء
يسير من راحتك لتمنح غيرك راحةً، وتكف نفسك عن مزاحمة الناس لتترك لهم مجالًا.
فكم من عمل صغير عند
الناس، عظيم في ميزان الأخلاق! وكم من موقف عابر يكشف حقيقة ما في القلب من رحمة أو
أنانية!
ومن هنا نفهم وصية النبي
صلى الله عليه وسلم في حق الطريق، حين قال: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ».
فقالوا: ما لنا بدٌّ، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. فقال صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا
أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا». قالوا: وما حق الطريق؟
قال: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ،
وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ». متفق عليه.
فجعل للطريق حقًّا،
وللناس فيه حرمة، وللجالسين مسؤولية. لم يقل لنا ديننا: افعلوا ما تشاؤون ما دمتم لم
تعتدوا على أملاك أحد، بل علّمنا أن وجودنا في المكان العام يحمّلنا مسؤولية تجاه الآخرين.
ولذلك قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ
شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». رواه مسلم.
تأملوا، رحمكم الله،
كيف جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين كلمة التوحيد وإماطة الأذى عن الطريق، وجعل كليهما
من شعب الإيمان!
فقد تكون سببًا في راحة
إنسان بإزالة حجر من طريقه، أو رفع زجاجة يخشى أن تؤذيه، أو إبعاد شيء يعوق سيره، أو
إفساح الطريق أمام مريض، أو مساعدة كبير سن على العبور.
وقد أخبر النبي صلى
الله عليه وسلم عن رجل رأى غصن شجرة في طريق الناس فأخّره عنهم، فغفر الله له. وفي
رواية صحيحة عند مسلم أنه رأى رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت
تؤذي الناس.
أيها الأحبة، لم يكن
ذلك الرجل في موقف يستعرض فيه عمله أمام الناس، ولم يكن ينتظر تصفيقًا أو شكرًا، وإنما
رأى أذًى فرفعه، ورأى حاجةً فاستجاب لها، فكان عمله سببًا لرحمة الله به.
فلا تستصغروا معروفًا،
ولا تحتقروا أدبًا، ولا تستهينوا بأذى! فقد تكون ابتسامة صادقة جبرًا لخاطر، وقد يكون
خفض صوتك راحةً لمريض، وقد يكون التزامك بدورك حفظًا لكرامة إنسان، وقد تكون إزالتك
لأذى من الطريق عملًا ترجح به كفة حسناتك يوم القيامة.
عباد الله، إننا حين
ننظر إلى واقع حياتنا نجد فرصًا كثيرة نمارس فيها هذا الإيمان دون أن نشعر.
حين يقف السائق بسيارته
بعيدًا عن مدخل المستشفى، فهو يراعي مريضًا قد يحتاج إلى الوصول سريعًا.
وحين ينتظر الإنسان
دوره ولا يزاحم غيره، فهو يعترف بأن للناس حقوقًا كما أن له حقوقًا.
وحين يخفض صوته في وسيلة
النقل أو في المصعد أو أمام بيوت المرضى، فهو يمنح الآخرين شيئًا من السكينة.
وحين لا يلقي مخلفاته
في الشارع، فهو يحفظ نعمة النظافة، ويصون حق المارة، ويحترم جهد من يعملون في نظافة
المكان.
وحين يمتنع عن تصوير
إنسان دون إذنه، أو نشر موقف يحرجه، أو تتبع عثراته طلبًا للمشاهدات، فهو يحفظ سترًا
وكرامةً وخصوصيةً أمر الإسلام بصيانتها.
وحين يختلف مع غيره
فلا يسبه ولا يشهر به ولا يطعن في عرضه، فإنه يثبت أن أخلاقه ليست رهينة مزاجه، وأن
إيمانه أعمق من لحظة غضب.
إن هذه الأعمال قد تبدو
صغيرة، لكنها تصنع فرقًا كبيرًا حين تصبح ثقافةً عامة، ويتربى عليها الصغير، ويعتادها
الكبير، ويشعر بها الغريب قبل القريب.
وليس المقصود أن نغفل
عن الخير الموجود في مجتمعنا، ففي الناس أصحاب مروءة، وأهل شهامة، وقلوب رحيمة تبذل
المعروف في صمت، وإنما المقصود أن نحفظ هذا الخير، وننمّيه، ونراجع أنفسنا فيما قد
يضعف أثره.
عباد الله، إن أخطر
ما يصيب الأخلاق أن يعتاد الإنسان الخطأ حتى لا يعود يشعر بقبحه.
أن يلقي القمامة فلا
يتألم، وأن يجرح غيره فلا يعتذر، وأن يضيّع حق الناس فلا يبالي، وأن يرى الأذى في طريقه
فيتجاوزه وكأنه لا يعنيه.
والعلاج أن نوقظ القلب،
وأن نتذكر أننا جميعًا راجعون إلى الله، وأن الحقوق لا تضيع عنده، وأن ما نراه اليوم
تصرفًا عابرًا قد نجده غدًا في صحائف أعمالنا.
يقول النبي صلى الله
عليه وسلم محذرًا من التفريط في حقوق العباد: «الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي
يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا،
وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا...» ثم
بيّن صلى الله عليه وسلم كيف تؤخذ من حسناته لأصحاب الحقوق. رواه مسلم.
فيا من يرجو رحمة الله،
لا تجعل عبادتك تنتهي عند باب المسجد، ولا تجعل لسانك الذي ذكر الله يجرح عباده، ولا
تجعل يدك التي رفعتها بالدعاء تمتد إلى أذى الناس، ولا تجعل حرصك على راحتك سببًا في
شقاء غيرك.
وإذا زللت فاستغفر،
وإذا أخطأت فاعتذر، وإذا آذيت فأصلح، وإذا رأيت خيرًا فأعن عليه. فالمؤمن ليس معصومًا
من الخطأ، لكنه لا يرضى أن يقيم عليه، ولا يستكبر عن الرجوع إلى الحق.
إن حب الوطن ليس كلمات
تردد، ولا مشاعر تختزن في الصدور وحدها، بل هو أمانة نؤديها، ومرافق نحافظ عليها، وطرقات
نصونها، وحقوق نرعاها، وناس نعاملهم بالرحمة والإنصاف.
وما أجمل أن نغادر المسجد
وقد حمل كل واحد منا نيةً صادقة: أن يكون اليوم أفضل خلقًا من الأمس، وأن يترك في كل
مكان يمر به أثرًا طيبًا، وأن يكون وجوده نعمةً على الناس لا عبئًا عليهم.
اللهم اجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه، وممن يعبدونك بإخلاص، ويعاملون خلقك بإحسان.
بارك الله لي ولكم في
القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأقول قولي هذا، وأستغفر
الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا يليق
بجلال وجهه وعظيم سلطانه، نحمده سبحانه على نعمة الإيمان، ونسأله حسن الأدب وجمال العمل،
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى
الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فاتقوا الله
عباد الله، واعلموا أن أجمل ما يخرج به الإنسان من مواسم الطاعة ليس كثرة ما سمع من
المواعظ، وإنما ما تغير في قلبه، وما استقام من سلوكه، وما وصل إلى الناس من خيره.
أيها الأحبة،
إننا لا نريد أن تكون
هذه الكلمات حديثًا نسمعه ثم ننساه، ولا أن تبقى الأخلاق الجميلة عبارات نتبادلها،
بل نريدها عهدًا بيننا وبين الله، نترجمه إلى عمل حين نخرج من هذا المسجد.
فلنجعل لأنفسنا ثلاثة
عهود صادقة:
العهد الأول: ألا يكون
منا أذى للناس.
لا تلقِ شيئًا في الطريق،
ولا تترك مخلفاتك في غير موضعها، ولا توقف سيارتك حيث تحبس مريضًا أو تعطل صاحب حاجة،
ولا تزاحم إنسانًا في حقه. وإذا وجدت أذًى تستطيع إزالته فأزله، وإذا رأيت محتاجًا
إلى مساعدة فأعنْه بقدر استطاعتك.
واجعل شعارك أن يمر
الناس بك سالمين، وأن تترك المكان الذي جلست فيه أنظف مما كان، وأن تكون يدك سببًا
في الإصلاح لا في الإفساد.
العهد الثاني: أن تكون
السكينة عنوان حضورنا.
نخفض أصواتنا، ونحفظ
ألسنتنا، ونتجنب الصخب والسباب، ونراعي راحة المريض، وهدوء النائم، وحق الجار، وطمأنينة
المارّة. ولا نستخدم منبه السيارة إلا عند الحاجة التي تستدعي التنبيه، ولا نحول اختلاف
الرأي إلى خصومة أو إهانة.
تذكر أن الكلمة الطيبة
صدقة، وأن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وأن حسن الخلق ليس ضعفًا، بل دليل على قوة
النفس وحسن تربيتها.
العهد الثالث: أن نصون
كرامة الناس وخصوصياتهم.
نغض أبصارنا عما لا
يحل لنا، ولا نتجسس على الناس، ولا نصورهم في أحوالهم الخاصة بغير إذنهم، ولا ننشر
ما يسيء إليهم أو يكشف سترهم. ونحفظ ألسنتنا من الغيبة والسخرية، وأصابعنا من كتابة
ما لا يرضي الله.
فكما تحب أن يستر الله
عيبك، استر عيوب الناس، وكما تحب أن يحفظ الله كرامتك، احفظ كرامة غيرك، وكما ترجو
أن يعفو الله عن زلاتك، فلا تكن أول من يفضح زلة أخيه.
عباد الله، ابدؤوا بأنفسكم
وبيوتكم؛ فالأب الذي يرفع الأذى عن الطريق يعلّم أبناءه دون أن يتكلم، والأم التي تحترم
الناس وتراعي مشاعرهم تغرس في أبنائها أدبًا يبقى معهم طويلًا، والمعلم الذي يعدل بين
طلابه يربي فيهم احترام الحقوق، والإمام الذي يجمع بين العلم والرحمة يقرّب الناس من
أخلاق الدين.
لا تنتظر أن يتغير المجتمع
كله حتى تبدأ، ولا تجعل أخطاء الآخرين عذرًا لخطئك؛ فربما كان إصلاحك لنفسك بداية إصلاح
أسرتك، وربما كان أدبك سببًا في استحياء غيرك من الخطأ، وربما غرس تصرفك الجميل في
قلب طفل معنىً يرافقه طوال حياته.
وتذكروا قول النبي صلى
الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ».
متفق عليه.
فاسأل نفسك كل يوم:
هل سلم الناس من لساني؟ هل سلموا من يدي؟ هل راعيت حقهم في الطريق؟ هل حفظت أمانة المكان
الذي أعيش فيه؟ هل كان وجودي مصدر راحة لأحد؟
إن وجدْت خيرًا فاحمد
الله واسأله الثبات، وإن وجدت تقصيرًا فلا تيأس من إصلاح نفسك، فباب التوبة مفتوح،
وفضل الله واسع، ومن صدق مع الله أعانه الله على نفسه.
اللهم يا مقلب القلوب،
ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك.
اللهم كما أحسنت خلقنا
فأحسن أخلاقنا، وطهّر قلوبنا من الكبر والرياء والحسد، وألسنتنا من الكذب والغيبة والفحش،
وأعمالنا من الظلم والعدوان.
اللهم ارزقنا قلوبًا
رحيمة، وألسنةً صادقة، ونفوسًا متواضعة، وأيديَ تمتد بالخير، وأقدامًا تسعى إلى الإصلاح.
اللهم اجعلنا مفاتيح
للخير، مغاليق للشر، واجعلنا ممن إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا، وإذا
أخطؤوا رجعوا، وإذا قدروا عفوا، وإذا رأوا محتاجًا أعانوا.
اللهم أصلح أحوالنا،
وألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجّنا من الظلمات إلى النور،
وجنّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
اللهم ارزقنا الإخلاص
في القول والعمل، واجعل عبادتنا نورًا في قلوبنا، ورحمةً في معاملاتنا، وصلاحًا في
بيوتنا، وأمانًا في طرقاتنا، وبركةً في مجتمعنا.
اللهم احفظ بلادنا من
كل سوء، وأدم عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وبارك في أهلها، ووفق ولاة أمورها
لما فيه الخير والعدل والصلاح، وأعن كل من يعمل بإخلاص لخدمة الناس وحفظ مصالحهم.
اللهم اغفر للمسلمين
والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واشف مرضانا ومرضى المسلمين،
وارحم موتانا وموتى المسلمين، وفرّج هم المهمومين، ونفّس كرب المكروبين، واقض الدين
عن المدينين، وارزق المحتاجين من واسع فضلك.
ربنا آتنا في الدنيا
حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله، يقول الله
سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فاذكروا الله العظيم
يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
·