recent
أخبار عاجلة

الصلح في الشريعة الإسلامية الشيخ عبدالناصربليح

  الصلح في الشريعة الإسلامية 



خطوات الإعداد والتهيئة (قبل الصلح)

 صياغة الاتفاق (أثناء الصلح)

الإجراءات الشرعية والعرفية للتعامل مع الطرف الباغي


 الصلح في الشريعة الإسلامية هو عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة بتراضي الأطراف، وهو من أعظم القربات التي حث عليها الدين الإسلامي لقوله تعالى:"وَالصُّلْحُ خَيْرٌ".

تتحدد خطوات الصلح بين أطراف النزاع (مثل الجهات المعنية في السعودية واليمن) وفق القواعد الشرعية والسياسة الشرعية عبر المراحل التالية:

 يقوم الصلح بين السعودية واليمن في الشرع الإسلامي على مبادئ إسلامية أصيلة تهدف إلى حقن الدماء، ولمّ الشمل، وتحقيق الاستقرار بناءً على الأدلة الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية.

خطوات الإعداد والتهيئة (قبل الصلح)

تتلخص خطوات وآليات الصلح في المنظور الشرعي عبر النقاط التالية:

  النية الصادقة وإصلاح ذات البين

  تغليب مصلحة الأمة: يجب أن تبدأ الخطوة الأولى بتوفر الإرادة والنية الصادقة من أطراف النزاع لإيقاف الحرب، استجابةً لأمر الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ).

 السعي بالوساطة (وفادة أهل الخير)  حسن النية وإخلاص القصد: يجب أن تتوفر الرغبة الصادقة من جميع الأطراف في حقن الدماء، وحفظ الأعراض، وبسط الأمن، انطلاقاً من الواجب الشرعي.

تدخل المصلحين: ندب الشرع دخول أطراف ثالثة من أهل العلم، الحكمة، والعدالة للسعي بالصلح وتقريب وجهات النظر، عملاً بقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا).

إيقاف الأعمال العدائية: كخطوة عملية أولى لإثبات حسن النية وتهيئة الأجواء للنقاش والمفاوضات.

  اختيار الوسطاء (أهل الحل والعقد): تفويض جهات أو شخصيات تتسم بالعدالة، الحكمة، والحياد لتتولى تقريب وجهات النظر وسماع مظالم ومطالب كل طرف.

  الجلوس للحوار والمفاوضات المباشرة

 تحديد المظالم والمطالب: يلتقي ممثلو الطرفين لطرح القضايا الخلافية بكل شفافية.

 النزول على حكم الله: الالتزام بالقسط والعدل والابتعاد عن الهوى لضمان رد الحقوق إلى أهلها.

 صياغة اتفاقية الصلح (المعاهدة)

  كتابة الشروط الواضحة: توثيق بنود الصلح في وثيقة رسمية تضمن حقوق الطرفين (مثل حقن الدماء، تأمين الحدود، تبادل الأسرى، وإعادة الإعمار).

  مشروعية المعاهدات: يستند هذا إلى فقه السياسة الشرعية وسيرة النبي ﷺ في معاهداته (مثل صلح الحديبية).

 كتابة وثيقة الصلح وتوثيقها: صياغة بنود الاتفاق في وثيقة مكتوبة واضحة لا تحتمل التأويل، يُوقع عليها الأطراف ويشهد عليها الوسطاء لتوثيق العهد.

 شروط صحة اتفاق الصلح (من الناحية الفقهية)

لكي يكون الصلح صحيحاً وملزماً في الشرع، يجب أن يستوفي الشروط التالية:

  عدم تحليل حرام أو تحريم حلال: لقول الرسول ﷺ: "الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا".

 الالتزام بالعهود والوفاء بالشروط

 حرمة نقض العهد: أوجب الشرع الوفاء بالاتفاقيات بعد توقيعها، لقوله تعالى:"وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا"، ويصبح نقض الصلح محرمًا شرعاً.

6. جبر الضرروالتعويضات والدية (إن لزم الأمر)

 معالجة الآثار المترتبة على النزاع (مثل ملفات الأسرى، المساعدات الإنسانية، وإعادة الإعمار) لإعادة بناء الثقة وبث الطمأنينة بين الشعبين الشقيقين.و يشمل  التعويض عن الخسائر، والتسامح، وتقديم المساعدات الإنسانية كجزء من التكافل الإسلامي لتمتين أواصر الأخوة بين الشعبين الجارين.

  خطوات المفاوضات وصياغة الاتفاق (أثناء الصلح)

 تحديد محل النزاع بدقة: جلوس الأطراف (أو من ينوب عنهم شرعاً) لتحديد المسائل الخلافية (السياسية، الأمنية، والاقتصادية) بوضوح لضمان إيجاد حلول جذرية.

  تقديم التنازلات المتبادلة: يقوم الصلح الشرعي على مبدأ "لا ضرر ولا ضرر"، مما يتطلب مرونة من الأطراف والتنازل عن بعض المصالح الخاصة لتحقيق المصلحة العامة والأكبر للأمة.

  الرضا التام: أن يصدر الاتفاق عن اختيار وطواعية من الأطراف دون إكراه مفسد للإرادة.

 الوضوح والقدرة على التنفيذ: ألا تحتوي البنود على جهالة تؤدي إلى نزاع جديد، وأن تكون الالتزامات مقدورة التنفيذ.

 خطوات ما بعد الصلح (التنفيذ والاستدامة)

 الوفاء بالعهود: الالتزام الصارم بما تم الاتفاق عليه، حيث يعظم الشرع حرمة العهود لقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}.

 تشكيل لجان مراقبة: تعيين فرق مشتركة أو مستقلة لمتابعة تنفيذ البنود وحل أي إشكاليات طارئة قد تنشأ أثناء التطبيق الفعلي.

إن لم يرتضي طرف بالشروط وصاحبه بغي علي الأخر:"

إذا لم يرتضِ أحد الأطراف بشروط الصلح العادل واستمر في بغيه وظلمه، فإن الشريعة الإسلامية توجب التدخل لردعه وحماية الطرف المظلوم.

وقد وضع القرآن الكريم دستوراً واضحاً للتعامل مع هذه الحالة في سورة الحجرات  :"وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"(الحجرات/9)..

بناءً على الأحكام الشرعية والقواعد العرفية، يتم التعامل مع الطرف الباغي وفق الخطوات والتدابير التالية:

الإجراءات الشرعية والعرفية للتعامل مع الطرف الباغي

في حالة  الإنكار والإعذار وعظ الطرف الباغي وتذكيره بالله وعواقب الظلم، وتحميله المسؤولية أمام الجميع. و إقامة الحجة عليه وإتاحة الفرصة له للتراجع دون خسائر.

المقاطعة والضغط الاجتماعي   عزل الباغي اجتماعياً وعُرفياً من قِبل الأهل، الوجهاء، أو المجتمع المحيط.   إشعاره بالنبذ والضغط عليه ليدرك أن المجتمع لا يقبل سلوكه.

التدخل الحازم (القوة أو القانون)  اللجوء إلى السلطات القضائية أو التنفيذية (أو القوة المشروعة للمصلحين إن غاب القانون) لردعه.    

إيقاف اعتدائه بالقوة وحماية الطرف المستضعف.وتغريم الباغي وتحميله التكاليف و إلزامه بالتعويض عن أي أضرار لحقت بالطرف الآخر بعد رفضه للصلح.       

جبر ضرر المظلوم ومعاقبة الظالم مالياً لردعه.

نقاط رئيسية يجب مراعاتها:

 استمرار السعي للعدل: إذا تراجع الباغي ورجع عن ظلمه (فاء إلى أمر الله)، يتم العودة فوراً إلى خيار الصلح، ولكن بالعدل والقسط دون محاباة أو تجنٍّ عليه.

 الفرق بين الصلح والاستسلام: الصلح لا يعني قبول الدنية أو الرضا بالظلم؛ فإذا تبين أن الشروط جائرة وتمسك بها الباغي، فلا يُلزم الطرف المظلوم بقبولها.

إذا كنت تمر بموقف يشبه هذا وتريد نصيحة عملية، يرجى تزويدي بالتفاصيل التالية:

 الصلح بين اليمن والسعودية يحتاج إلي صبر

الخلاف بين السعودية واليمن، يحتاج إلي صبر فالمشهد معقد جداً؛ والخلاف ليس بين دولتين بالمعنى التقليدي، بل هو نزاع متعدد الأطراف تشابكت فيه المسارات السياسية والعسكرية والجهود الدبلوماسية.

تبادل الطرفان (التحالف بقيادة السعودية من جهة، وجماعة أنصار الله "الحوثيين" من جهة أخرى) الاتهامات بالبغي والاعتداء ونقض تفاهمات السلام والصلح على النحو التالي:

1. الرؤية من الجانب اليمني (جماعة الحوثي والحكومة المعترف بها):

 من منظور جماعة الحوثي: يرون التدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية منذ عام 2015 "عدواناً وبغياً خارجياً" يمس السيادة اليمنية، ويرون الحصار الاقتصادي وإغلاق الموانئ والمطارات (قبل التفاهمات الأخيرة) إجراءات عقابية جماعية تخالف شروط السلام العادل.

 من منظور الحكومة اليمنية الشرعية (مجلس القيادة الرئاسي): ترى أن "البغي والاعتداء الأول" بدأ من الحوثيين عبر الانقلاب على مخرجات الحوار الوطني والصلح اليمني الداخلي عام 2014، واجتياح المدن بالقوة، واستمرار حصار مدن مثل تعز، ورفض المبادرات الإقليمية والدولية لإحلال السلام المستدام.

2. الرؤية من الجانب السعودي:

 ترى المملكة العربية السعودية أن تدخلها جاء تلبية لطلب الحكومة اليمنية الشرعية لحمايتها من الانقلاب.

نوع البغي والاعتداء المتكرر من وجهة النظر السعودية:

 استهداف المنشآت الحيوية والمدنية: عبر إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة نحو المطارات، والمدن، ومنشآت الطاقة داخل العمق السعودي (مثل منشآت أرامكو).

  تهديد الملاحة الدولية: الاعتداءات المستمرة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، واستهداف السفن النفطية والتجارية، ما أثر على حركة الاقتصاد الإقليمي والدولي.

  رفض تفاهمات الصلح: ترى الرياض أنها قدمت خارطة طريق ومبادرات سلام متعددة، وقابلت جماعة الحوثي في لقاءات مباشرة بوساطة عُمانية، إلا أن الجماعة استمرت في خرق التهدئة وشن هجمات عسكرية جديدة.

الموقف الحالي ومصير الصلح:

بعد فترات من التهدئة النسبية والمفاوضات المباشرة، يشهد النزاع تجدداً في التصعيد الميداني والعسكري، حيث عادت المواجهات البرية في عدة جبهات يمنية (مثل تعز ومأرب والحديدة)، وشن التحالف والحكومة عمليات عسكرية مضادة (مثل عملية فجر اليمن).

وفقاً للمنظور الشرعي الإسلامي لحل هذا النزاع، فإن غياب "الفيئة"الرجوع إلى أمر الله والقسط" من أي طرف يجهض جهود الوساطة ويجعل إيقاف الاعتداء بالقوة وحماية المدنيين وحقوقهم هو السبيل الوحيد لإعادة الاستقرار، شريطة أن يقوم المصلحون بالحكم بالعدل دون محاباة لأي طرف.

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent