الكِبْر.. آفة تهلك الإنسان
الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان من تراب، ورفع المتواضعين بفضله، وأذل المستكبرين بعدله، نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله خير زاد ليوم المعاد.
أيها المسلمون، حديثنا اليوم عن مرض خطير، وذنب عظيم، وداء من أدواء القلوب، إذا استقر في القلب أفسد الدين، وأفسد الأخلاق، وقطع روابط المحبة بين الناس، وجعل الإنسان يرى نفسه فوق الآخرين، فلا يقبل نصيحة، ولا يعترف بخطأ، ولا يرد الحق إذا ظهر له.
إنه الكِبْر، ذلك الداء الذي كان سببًا في سقوط إبليس من مقام الطاعة إلى دركات المعصية، والذي حذَّرنا منه نبينا ﷺ تحذيرًا شديدًا.
عباد الله، قد يملك الإنسان المال، أو المنصب، أو العلم، أو الجاه، أو القوة، فينسى أن كل ذلك من فضل الله، وأنه مهما علا شأنه فإنه عبد ضعيف، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله.
وقد يلبس الإنسان أفخر الثياب، ويسكن أوسع البيوت، ويركب أغلى السيارات، ثم ينظر إلى الفقير بعين الاحتقار، وإلى الضعيف بعين الاستعلاء، وإلى من ينصحه بعين الغضب. وما علم هذا المسكين أن ميزان الله ليس كميزان البشر، وأن الكرامة الحقيقية ليست في المال ولا في المظهر، وإنما في التقوى والعمل الصالح.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"(الحجرات: 13.
أولًا: ما الكبر الذي حذَّرنا الله منه؟
عباد الله، عرَّف النبي ﷺ الكبر تعريفًا واضحًا لا يترك مجالًا للالتباس، فقال:الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ"( مسلم.
ومعنى بطر الحق: رد الحق ورفضه استعلاءً وعنادًا. ومعنى غمط الناس: احتقارهم وانتقاصهم.
فليس كل إنسان يلبس ثوبًا حسنًا متكبرًا، وليس كل من يعتني بمظهره مذمومًا؛ فقد سأل رجل النبي ﷺ عن ذلك، وذكر أنه يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، فقال له النبي ﷺ:
«إن الله جميل يحب الجمال»، ثم بيَّن أن الكبر هو رد الحق واحتقار الناس. مسلم.
فالمشكلة ليست في أن تكون نظيفًا، أو أنيقًا، أو ناجحًا، أو صاحب مال، وإنما المشكلة أن ترى نفسك أفضل من عباد الله، وأن ترفض الحق لأنك لا تريد أن يسمع الناس منك اعترافًا بالخطأ.
تأملوا، رحمكم الله: قد يكون الإنسان متواضعًا في ثيابه، ولكنه متكبر في قلبه، وقد يكون غنيًّا ولكنه متواضع، وقد يكون فقيرًا لكنه يحتقر الناس ويترفع عليهم.
فالعبرة ليست بما تملكه يدك، وإنما بما يحمله قلبك.
ثانيًا: الكبر داء إبليس الأول
أيها المؤمنون، تأملوا قصة إبليس، فقد أمره الله بالسجود لآدم عليه السلام، فسجد الملائكة امتثالًا لأمر الله، وأما إبليس فأبى واستكبر.
قال الله تعالى:وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ"( البقرة: 34.
لم يكن سبب سقوط إبليس أنه لم يعرف الأمر، وإنما أنه رفض الانقياد له استكبارًا واعتراضًا.
وقال إبليس كما حكى الله عنه:أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ"(ص: 76.
انظروا إلى هذه الكلمة الخطيرة: «أنا خير منه».
كم من إنسان اليوم يردد هذا المعنى بلسان حاله وإن لم يقله بلسانه! يقول في نفسه: أنا أغنى منه، أنا أعلم منه، أنا أعلى منصبًا منه، أنا من عائلة أفضل من عائلته، أنا صاحب مكانة وهو لا شيء!
وهكذا يتحول ما أنعم الله به على الإنسان
إلى باب للغرور، بدلًا من أن يكون سببًا للشكر والتواضع.
ذروا، عباد الله، من أن تجعلوا نعم الله عليكم سببًا للاحتقار والاستعلاء؛ فإن الذي أعطاك قادر على أن يأخذ منك، والذي رفعك قادر على أن يبتليك، ولا يبقى للعبد إلا عمله الصالح ورحمته بعباد الله.
ثالثًا: الوعيد الشديد للمتكبرين
عباد الله، إن خطورة الكبر لا تقف عند فساد العلاقات بين الناس، بل جاء في السنة النبوية وعيد شديد لمن يحمل في قلبه هذا المرض
قال رسول الله ﷺ:لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبرمسلم.
وهذا وعيد عظيم يدل على خطورة الكبر، وليس معناه أن كل من وقع في شيء منه يكون كافرًا؛ فالمعاصي تختلف أحكامها، والله سبحانه يحكم بين عباده بعدله ورحمته، وقد بيَّن النبي ﷺ أن من صور الكبر رد الحق واحتقار الناس.
فيا من ترفض النصيحة لأن الناصح أصغر منك سنًّا أو أقل منك مالًا، اتق الله!
ويا من تجرح مشاعر الفقراء، وتتعالى على الضعفاء، وتظن أن منصبك يجعلك فوق الحساب، تذكر أن الله مطلع على قلبك وعملك!
ويا من لا تعتذر إذا أخطأت، ولا تقبل كلمة الحق إذا خالفت هواك، اسأل نفسك: هل تمنعك الحقيقة من الاعتراف بخطئك، أم يمنعك الكبر؟
إن المتكبر قد يخسر صديقًا صادقًا، ويخسر محبة أهله، ويخسر احترام الناس، وأخطر من ذلك أن يعرّض نفسه لسخط الله وعقابه.
رابعًا: صور الكبر في حياتنا اليومية
أيها المسلمون، للكبر صور كثيرة قد يغفل عنها الإنسان، ومن أهمها:
1. الكبر بالمال والغنى: أن يحتقر الغني الفقير، أو يظن أن كثرة ماله دليل على علو منزلته عند الله.
2. الكبر بالعلم: أن يرفض العالم أو طالب العلم الاعتراف بخطئه، أو يسخر من غيره، أو يجعل علمه وسيلة لإذلال الناس بدلًا من هدايتهم.
3. الكبر بالمنصب والسلطة: أن يستغل صاحب المسؤولية سلطته في إذلال الآخرين، أو يمنع حقوقهم، أو يتعامل معهم وكأنهم خُلقوا لخدمته.
4. الكبر بالنسب والعائلة: أن يعيّر الإنسان غيره بأصله أو أسرته، وينسى أن جميع الناس يرجعون إلى أصل واحد، وأن التفاضل عند الله بالتقوى.
5. الكبر في العبادة: أن يرى العابد نفسه أفضل من الناس، ويحكم عليهم بالهلاك، وينسى أن القلوب بين أصابع الرحمن، وأن العبرة بالخواتيم.
6. الكبر عند النصيحة: أن يغضب الإنسان إذا قيل له: أخطأت، بدلًا من أن يشكر من أراد له الخير.
عباد الله، من أراد أن يعرف هل تسلل الكبر إلى قلبه، فلينظر كيف يتعامل مع من هو أضعف منه، وكيف يستقبل النصيحة، وكيف يتصرف عندما يكون صاحب سلطة، وكيف يعامل من لا يستطيع أن يقدم له منفعة.
فهذه المواقف تكشف من أخلاق الإنسان ما قد لا تكشفه الكلمات الجميلة والمظاهر الحسنة.
خامسًا: التواضع رفعة وليس ذلًّا
عباد الله، قد يظن بعض الناس أن التواضع ضعف، وأن الاعتذار نقص، وأن الاعتراف بالخطأ يقلل من الهيبة، وهذا فهم خاطئ.
فالتواضع لا يعني أن يرضى الإنسان بالظلم، ولا أن يتنازل عن حقوقه، وإنما يعني أن يعرف قدر نفسه، وألا يحتقر غيره، وأن يقبل الحق ممن جاء به.
قال رسول الله ﷺ:وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله"( مسلم.
تأملوا هذا الوعد النبوي العظيم: من تواضع لله رفعه الله.
قد يرفعك الناس اليوم ثم يتركونك غدًا، وقد يمدحونك ما دمت صاحب مال أو منصب، فإذا زالت الدنيا عنك انفضوا من حولك. أما رفعة الله فهي أعظم، ورضاه هو الغاية، ومحبة الناس الصادقين نعمة لا تُشترى بالمال.
وقد كان رسول الله ﷺ، وهو سيد ولد آدم، مثالًا في التواضع وحسن المعاملة، فلم تكن مكانته العظيمة سببًا في احتقار الناس أو الترفع عليهم.
فلماذا يتكبر الإنسان على أخيه المسلم؟ ولماذا يرفض أن يجلس مع الفقير؟ ولماذا يستنكف أن يعتذر ممن أخطأ في حقه؟
إن الدنيا قصيرة، والأعمار محدودة، والمناصب زائلة، والقبور متساوية في ظاهرها، ولا يحمل الإنسان معه إلى قبره أمواله ولا ألقابه، وإنما يحمل عمله.
سادسًا: كيف نعالج الكبر؟
أيها المؤمنون، علاج الكبر يبدأ من القلب، ومن محاسبة النفس، ومن تذكر حقيقة الدنيا والآخرة.
تذكر أصل خلقتك: فقد خُلقت من تراب، ثم صرت إنسانًا بنعمة الله، فلا تغتر بما وصلت إليه.
تذكر الموت: فإن الموت يقطع آمال المتكبرين، ويذكّر الإنسان بأن الدنيا لا تدوم لأحد.
اقبل النصيحة: إذا ظهر لك الحق، فارجع إليه ولو جاءك ممن هو أصغر منك سنًّا أو أقل منك منزلة.
احترم الفقراء والضعفاء: لا تجعل الغنى معيارًا للكرامة، ولا تحتقر إنسانًا لفقره أو مظهره.
عوّد نفسك الاعتذار: قل «أخطأت» عندما تخطئ، وقل «جزاك الله خيرًا» لمن نصحك
أكثر من شكر الله: فكل نعمة عندك فضل من الله، وليست دليلًا على أنك أفضل من سواك.
ادعُ الله أن يطهّر قلبك: فصلاح الظاهر لا يغني عن صلاح الباطن، والله يعلم السر وأخفى.
فيا عباد الله، اتقوا الله، واعلموا أن الكبر ليس دليل قوة، بل قد يكون دليل ضعف في النفس، وأن التواضع ليس نقصًا، بل خُلُق كريم يرفع صاحبه عند الله.
إننا بحاجة إلى مراجعة أنفسنا في بيوتنا، وفي أعمالنا، وفي مساجدنا، وفي تعاملنا مع الناس.
فكم من بيت فرّقته كلمة استعلاء! وكم من صداقة أفسدها الغرور! وكم من صاحب حق ضاع حقه لأن مسؤولًا تكبّر عليه! وكم من إنسان انكسر قلبه بسبب كلمة احتقار!
فاتقوا الله في عباده، ولا تظلموا أحدًا، ولا تحتقروا فقيرًا، ولا تسخروا من ضعيف، ولا تردوا الحق إذا تبين لكم.
واعلموا أن من علامات سلامة القلب أن يفرح الإنسان بالحق إذا ظهر، وأن يحب الخير للناس، وأن يعترف بفضل غيره، وألا يجعل نعم الله عليه وسيلة للتعالي.
حديثنا اليوم عن مرضٍ خطير، قد يسكن في
القلب ولا يراه الناس، وقد يفسد على الإنسان دينه وأخلاقه وعلاقاته، وربما يهلك صاحبه
وهو لا يشعر.
إنه الكِبْر.
والكبر ليس أن يلبس الإنسان ثوبًا جميلًا،
ولا أن يركب سيارة فاخرة، ولا أن يكون غنيًا أو صاحب منصب.
ولكن الكبر مرض في القلب.قال رسول الله ﷺ:«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبرفقال رجل: يا رسول الله، إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة.
فقال ﷺ:إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس"
أي: رد الحق واحتقار الناس.
عباد الله :تأملوا قصة إبليسمن أعظم القصص التي تكشف خطورة الكبر قصة إبليس.
أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم، فسجدوا جميعًا إلا إبليس.لم يكن إبليس يجهل أن الله هو الخالق.ولم يقل: لا أؤمن بالله.بل كان يعرف الله، ولكنه تكبر على أمر الله.
قال:أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.كلمة واحدة كشفت ما في قلبه:
أنا خير منه.فكانت النتيجة أن طُرد من رحمة الله.يا عبد الله...
احذر كلمة:أنا أفضل.أنا أعلم.أنا أغنى.أنا أقوى.أنا صاحب منصب.أنا من عائلة أفضل.
أنا أعبد من غيري.أنا أفهم من غيري.فربما تكون كلمة "أنا" بداية سقوط الإنسان إذا امتلأ بها قلبه.
اللهم طهّر قلوبنا من الكبر والغرور، وألسنتنا من الكذب والغيبة، وأعمالنا من الرياء، واجعلنا من عبادك المتواضعين الصادقين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد،
عباد الله:ومن القصص التي تهز القلب قصة قارون.كان قارون من قوم موسى، وآتاه الله من الأموال ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة.
وماذا قال عندما نُصح؟قال:إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي"لم يقل: هذا فضل الله.
لم يقل: الحمد لله الذي رزقني.
بل نسب الفضل إلى نفسه.وكأن المال جاءه لأنه أذكى من الناس وأفضل منهم.
فماذا كانت النهاية؟
قال الله تعالى: "فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾.
ذهب المال..وذهبت الدار..وذهب صاحبها..وبقيت القصة عبرة إلى قيام الساعة.
فيا من أعطاك الله مالًا..لا تتكبر على الفقير.
ويا من أعطاك الله منصبًا..لا تتكبر على الموظف الضعيف.
ويا من أعطاك الله علمًا...لا تحتقر الجاهل.
ويا من أعطاك الله صحة وقوة...لا تسخر من المريض والضعيف.
فكل نعمة عندك يمكن أن تزول في لحظة.
أيها الأحبة :
تأملوا في حال الإنسان.كان في بطن أمه لا يملك شيئًا.ثم خرج إلى الدنيا ضعيفًا.
لا يعرف كيف يأكل، ولا كيف يلبس، ولا كيف يتكلم.ثم أعطاه الله القوة والعلم والمال.
فيبدأ بعض الناس فيقول:أنا فعلت...أنا صنعت...أنا وصلت...أنا أفضل...وينسى من الذي أعطاه القدرة أصلًا.
قال الله تعالى:وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
عباد الله:قال النبي ﷺ:بينما رجل يمشي في حُلّة، تعجبه نفسه، مرجّل جمّته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة».
كان يمشي معجبًا بنفسه.أعجبته ملابسه.أعجبه شكله.أعجبته مكانته.فأهلكه الله.
ليس لأن الملابس حرام.ولكن لأن القلب امتلأ إعجابًا واستعلاءً.وهنا يجب أن نفرق:
أن تكون جميلًا ليس كبرًا.أن تحب النظافة ليس كبرًا.أن تلبس جيدًا ليس كبرًا.أن تفرح بنعمة الله ليس كبرًا.
لكن الكبر أن ترى نفسك فوق الناس، وأن تحتقر
غيرك، وأن ترفض الحق لأنك لا تريد أن يأتيك من شخص تراه أقل منك.
عباد الله :وأشد صور الكبر أن يعرف الإنسان أنه مخطئ، ثم يرفض الاعتراف.
كم من زوج يعرف أنه أخطأ في حق زوجته، لكنه
لا يعتذر!
وكم من أب يعرف أنه ظلم ابنه، لكنه لا يقول:
سامحني!
وكم من أخ يعرف أنه أخطأ في حق أخيه، لكنه
ينتظر أن يأتي الآخر أولًا!
وكم من إنسان يسمع النصيحة الصحيحة، لكنه
يرفضها لأن الذي نصحه أصغر منه أو أقل منه مالًا أو منصبًا!
هذا هو الكبر.أن تعرف الحق ثم ترفضه.
عباد الله :التواضع لا ينقص الإنسان.بل يرفعه.كان النبي ﷺ أعظم الناس قدرًا، ومع ذلك كان متواضعًا.كان يجلس مع أصحابه، ويخالطهم، ويخدم أهله، ويقبل الحق.
فكلما زاد قدر الإنسان الحقيقي، زاد تواضعه لله ولعباد الله.أما المتكبر، فمهما ارتفع في أعين الناس، فهو صغير عند الله إذا امتلأ قلبه كبرًا.
تذكروا هذه الحقيقةقد يملك الإنسان قصرًا...ثم يسكن قبرًا ضيقًا.قد يركب سيارة فاخرة...
ثم يُحمل على الأكتاف.قد يلبس أفخر الثياب...ثم يُكفَّن في قطعة قماش.قد يقف الناس احترامًا له...ثم يقف وحده بين يدي الله.فماذا سينفعه ماله؟وماذا سينفعه منصبه؟
وماذا سينفعه جماله؟وماذا سينفعه نسبه؟
لا شيء.
إلا قلبٌ سليم وعمل صالح.
قال الله تعالى:يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
عباد الله :
إذا أردنا أن نعالج الكبر، فعلينا أن نتذكر أصلنا ونهايتنا.أصلنا:تراب.ونهايتنا:
قبر.وما بينهما:رحلة قصيرة.فلماذا نتكبر؟إذا كنت غنيًا، فاشكر الله.إذا كنت عالمًا، فعلّم الناس.إذا كنت قويًا، فارحم الضعيف.إذا كنت صاحب منصب، فاقض حوائج الناس.
إذا كنت ناجحًا، فلا تحتقر من تأخر.وإذا أخطأت، فقل ببساطة:أنا أخطأت.وإذا ظلمت إنسانًا، فقل:سامحني.وإذا جاءك الحق، فاقبله ولو جاءك ممن هو أصغر منك.
فالتواضع ليس ضعفًا.التواضع قوة.فيا من في قلبه كبر...اذهب اليوم إلى من ظلمته.
وصافحه.واعتذر إليه.قل له: سامحني.فقد يكون هذا الاعتذار سببًا في نجاتك يوم القيامة.
ولا تنتظر أن تأتي لحظة الموت لتكتشف أنك أضعت أعمارك في الخصام والعناد والتعالي.كم من إنسان مات، وكان أهله يتمنون لو عاد دقيقة واحدة ليقول:
سامحوني.كم من إنسان دخل قبره، ولم يعد يستطيع أن يصلح كلمة قالها، أو ظلمًا فعله، أو قلبًا كسره.فما دام الباب مفتوحًا...فتواضع.
وما دمت حيًا...فاعتذر.وما دام الله قد أعطاك فرصة...فارجع إليه.
