recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة وأعدوا الإمام والفقيه

  وأعدوا


إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الأطهار الميامين.

أما بعد:

أيها المسلمون:

أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فمن اتق الله وقاه ومن توكل عليه كفاه قال الله جل في علاه: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ٣﴾ [الطلاق: ٢-٣].

معاشر المسلمين، نقف اليوم في بيت من بيوت الله، تحت ظلال نداء إلهي ما استمسكت به أمة إلا سادت، ولا غفلت عنه إلا بادت؛ نداء قاهر معجز يقول فيه رب العزة: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الأنفال: ٦٠].

وإننا لنرى تجسيد هذا الإعداد العظيم، والامتثال لهذا الأمر الحكيم، متجلياً في وطن سطر التاريخ بأحرف من نور أمجاد رجاله وبسالة أبطاله، ونقف اليوم مع خطبتنا المقرونة بعنوان (وأعدوا) حول هذا الموضوع العظيم: (مصر الكنانة.. مكانة سامية، وجيش أبىّ) في أربعة عناصر:

أولًا: مكانة مصر وفضلها في القرآن والسنة

أيها الإخوة المؤمنون،

إن مصر ليست وطناً نعيش فيه فحسب، بل هي وطن يعيش فينا، كرمها الله جل وعلا في القرآن الكريم وتجلت فضائلها في آيات كثيرة؛ حيث بين الله جل وعلا اسمها صريحاً في أربعة مواضع في كتابه، تشريفاً لها وتكريماً فقال سبحانه: ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٧﴾ [يونس: ٨٧]،

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ﴾ [يوسف: ٢١].

فهي البلد الآمن، التي قرن الله سبحانه دخولها بالأمن والقرير في قوله: ﴿وَقَالَ ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ٩٩﴾ [يوسف: ٩٩]،

وقال جل في علاه مخبراً عن فرعون حين تباهى بملكها: ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٥١﴾ [الزخرف: ٥١].

ليس هذا فقط بل أشار الله تعالى إلى مصر ولم يصرح باسمها في ثلاثين موضعاً في القرآن العظيم  كقوله جل وعلا: ﴿وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ﴾ [القصص: ١٥] يعني: مصر. وهي الخزينة التي قال الله تعالى عنها على لسان نبيه يوسف عليه السلام:

 ﴿قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ٥٥﴾ [يوسف: ٥٥]،

وفي مصر كلم الله موسى تكليماً في وادي الطور المقدس فقال تعالى:

 ﴿فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ ١١ إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى ١٢﴾ [طه: ١١-١٢].

ولم يذكر الله تعالى قصة نهر في القرآن الكريم بلفظ اليم تكريماً لرعايته إلا نهر النيل قال جل وعلا: ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٧﴾ [القصص: ٧] يعني في نيل مصر. وفي أرض مصر الربوة التي أوى إليها عيسى عليه السلام وأمه قال جل وعلا: ﴿وَجَعَلۡنَا ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةٗ وَءَاوَيۡنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبۡوَةٖ ذَاتِ قَرَارٖ وَمَعِينٖ ٥٠﴾ [المؤمنون: ٥٠].

وفي مصر ولدت هاجر أم إسماعيل وجدة النبي ﷺ، ومنها تزوج النبي ﷺ مارية القبطية، ولقد أوصى الحبيب المصطفى ﷺ بأهلها،

فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا" [رواه مسلم].

ولم يكتفِ نبينا ﷺ بمدح مصر وأهلها بل أمر بالإحسان حتى إلى أقباطها فقال عليه الصلاة والسلام: "الله الله في قبط مصر فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون عليكم عدة وعوناً في سبيل الله" [رواه الطبراني].

وإن العلاقة بين أهل مصر جميعاً بين مسلميها وأقباطها خاصة لا توجد مثلها على وجه الأرض، ونسأل الله جل وعلا أن يجمعهم جميعاً على العقيدة الصحيحة التي بعث بها الله تعالى عيسى ومحمداً، وجميع الأنبياء عليهم السلام، وهي أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً.

فمكانة مصر دينية وتاريخية، جعلها الله حصناً للإسلام والمسلمين على مر العصور، وفي فضلها ومكانتها وسحر نيلها المبارك يقول الشاعر شادياً:

قارنتُ مصرَ بغيرِها فتدلّلتْ .............. وعجزتُ أن أحظى لها بمثيلِ

رفعَ الإلهُ مقامَها وأجلّها .................... بالذكر في التوراة والانجيل

بلدٌ يطوفُ النورُ في أرجائه .................. وينامُ مِلءَ عيونِه بنخيلِ

ثانيًا: بسالة الشعب المصري وتماسكه في المحن

أيها المسلمون، إن عظمة الأوطان تقاس بصلابة شعوبها ومدى امتثالها لثقافة البناء والمنعة، والشعب المصري شعب أبيّ، ضارب بجذوره في أعماق التاريخ، متمسك بعقيدته وأرضه، لم ينحنِ يوماً لعاصفة، ولم يستسلم لغازٍ أو مستعمر، طاعة لأمر الله في إظهار القوة والجلد.

إن بسالة هذا الشعب تظهر جلية وقت الشدائد؛ حيث يتحول الصغير والكبير، والرجل والمرأة، إلى خندق واحد للدفاع عن الكرامة والعِرض.

أهل مصر العروبة، مصر الإسلام، مصر الأزهر، لقد وجد الإسلام فيكم أعياده.. وكنتم يوم الفتح أجناده.. وكنتم عام الرمادة مداده.. وأحرقتم العدوان الثلاثي وأسياده.. وحطمتم خط بارليف وعتاده.. وكنتم يوم العبور أسياده وقواده.. دمتم للخير قادة وسادة ولا قطع الله عنكم في النصر عادة.

لقد أثبت الشعب المصري عبر العصور أنه شعب الجود والشهامة، يُقاسم الشقيق لقمته، ويفدي الجار بدمه، وعندما نادت الأرض أبناءها لبذل الغالي والنفيس تحقيقاً لنداء الإعداد، قدمت الأمهات أولادهن قرابين للعزة، ووقف العمال والفلاحون خلف قواتهم المسلحة صابرين مرابطين، فجسدوا أروع معاني التلاحم والوفاء، ليظل هذا الشعب الحاضنة الحقيقية لكل نصر وعزة.

شعبٌ إذا عصفَ البلاءُ برأسِه ................ جعلَ البلاءَ مدامعاً ونشيداً

لا ينحني للريحِ وهي عتيةٌ .................... بل يبتني من صبرِه الجلمودا

ثالثًا: شهامة جندها خير أجناد الأرض

عباد الله، إن للوطن درعاً وسيفاً، وإن تحقيق فريضة القوة والأخذ بأسباب الإعداد يتمثل في درع مصر وسيفها؛ جيشها العظيم، ذلك الجيش الذي لم يكن يوماً جيش بطش أو اعتداء، بل جيش حق وشهامة ودفاع عن المقدسات، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، تربوا على عقيدة النصر أو الشهادة.

فهم في رباط إلى يوم القيامة، إنهم رجال الشرف الذين يحمون الحدود، ويؤمنون الخائف، ويثبتون عند اللقاء، تاريخهم حافل بتطهير الأرض وحماية العِرض، لا يعرفون المستحيل، ولا يفرون من المعركة، شعارهم الأسمى: "نموت نموت وتحيا مصر" عزيزة إسلامية أبية. وما أجمل ما قيل في جيشها الأبيّ:

لا يَسأَلون عَنِ الرِّجالِ إِذا هَووا ......... بل يَسأَلون عَنِ اللِّواءِ المُنصَفِ

هَذا هُوَ الجُندِيُّ يَحمي أَرضَهُ ............... بِدمٍ زَكيٍّ في الكِفاحِ مُشرِّفِ

فإذا دعتْ مِصرٌ لبّى رِجالُها .............. والموتُ يركعُ عندَ ذاكَ المَوقِفِ

رابعًا: حرب أكتوبر المجيدة.. ملحمة العزة والكرامة

أيها الإخوة المسلمون، إننا إذ نستحضر هذه المكانة والبسالة، نصل إلى ذروة المجد في تاريخنا الحديث، وأبهى صور الامتثال العملي لآية (واعدوا): ملحمة حرب أكتوبر المجيدة، ذلك اليوم المشهود من أيام الله، العاشر من رمضان، الذي وافق السادس من أكتوبر.

في ذلك اليوم، تلاقت صيحات الحق مع إرادة الأبطال، وانطلق الجند يكبرون الله رب العالمين، فكانت صيحة "الله أكبر" تزلزل الأرض تحت أقدام المعتدين، وتهد الحصون التي قيل عنها إنها لا تقهر. لقد كان نصر أكتوبر برهاناً عملياً على أن الأمة إذا اعتصمت بحبل الله، وأعدت ما استطاعت من قوة، وثقت بنصر الله، فإن المحال ينحني أمام إرادتها. لقد استرد الجيش والمسلمون كرامتهم، وسالت دماء الشهداء الزكية لتروي أرض سيناء المباركة، وتسطر صفحة من أعظم صفحات التضحية والفداء في العصر الحديث. وفي هذا النصر المبارك تفيض قرائح الشعراء فخراً وعزاً:

اللهُ أكبرُ صـاحَ الكونُ وابتسمـا ............ لَمَّا زأرنا ودُسنا الصَّعبَ والقِمَمَا

في أكتوبرٍ سُطِرتْ بالدمِ ملحمةٌ ................ ردّتْ لِأمتِنا التاريخَ والـذِّمَمَا

عبروا القناةَ كأنّ الموتَ طوعُهُمُ ............ وشيّدوا من صُروحِ العِزِّ ما هُدِمَا

خطّوا بـسيناءَ آياتِ الفِداءِ هُدىً ............. وأيقظوا من سُباتٍ أُمّةً وأُمَمَا

من قـالَ إنّ الـنصرَ أصبحَ مُستحيلاً .... والجيشُ أقسمَ أن يـخُوضَ الـمَوقِعَةْ؟

عـبروا الـقناةَ وحـطّموا أوهـامَنا .......... والـكونُ يرقبُ كـيفَ تـهوي الأقنِعَةْ

أكتوبرٌ يـا نـفحةً مـن عـزِّنا .................... يـا رايـةً بـدمِ الـشَّبابِ مُـرَفْرِفَةْ

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: أيها المسلمون، إن دروس أكتوبر لا تنتهي، وأعظم درس نتعلمه أن الاتحاد هو صمام الأمان لهذا الوطن، وأن الإعداد الأكبر هو إعداد الصفوف ووحدة القلوب وتماسك الجبهة الداخلية. إن مصر المستهدفة دائماً بمكانتها وموقعها وثرواتها، تحتاج اليوم من أبنائها إلى ذات الروح؛ روح أكتوبر في العمل، والإنتاج، والصبر، والتضحية، ومحاربة الفساد والشائعات، لتبقى كما قال الشاعر:

بلادي هواها في لساني وفي دمي ......... يمجدها قلبي ويدعو لها فمي

ولا خير فيمن لا يحب بلاده .......... ولا في حليف الحب إن لم يتيم

أيها المرابطون على أرض مصر، حافظوا على بلدكم، واعرفوا قدر جيشكم ورجالكم، واعلموا أن دماء الشهداء أمانة في أعناقنا جميعاً، ولن نحفظ هذه الأمانة إلا بالاستقامة على أمر الله ودينه، وبناء الوطن بسواعد قوية مخلصة ممتثلة لأمر ربها بالإعداد والقوة.

اللهم احفظ مصر وأهلها من كل سوء، اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان، وسائر بلاد المسلمين.

عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأقم الصلاة.  

google-playkhamsatmostaqltradent