recent
أخبار عاجلة

خطبة بعنوان: الألعاب الإلكترونية [ التعريف- الأسباب - المخاطر - العلاج دعبدالقادرسليم

 الألعاب الإلكترونية التعريف- الأسباب - المخاطر - العلاج  

 


الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان وعلمه البيان، وجعل البيوت سكناً ومأوى للمودة والأمان. أحمده سبحانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله ، اعلموا أننا نعيش في عصر تدفقت فيه التقنيات الحديثة، فاقتحمت بيوتنا ودخلت تفاصيل حياتنا، ومن أبرز هذه الظاهره الرقمية التي باتت تستحوذ على العقول ما يُعرف بـ "الألعاب الإلكترونية". نقف اليوم وقفة وعي وتبصير حول هذا الموضوع من خلال أربعة محاور أساسية:

المحور الأول: تعريف الألعاب الإلكترونية .

 

الألعاب الإلكترونية هي ألعاب تفاعلية تُدار عبر الأجهزة الذكية والشاشات وشبكات الإنترنت.

أيها المسلمون، إن الغزو الرقمي لم يعد يقتصر على إفساد الأخلاق فحسب، بل وصل إلى حد إزهاق الأرواح وسلب العقول. وإن من أخطر ما يهدد أبناءنا اليوم تحديات إلكترونية خبيثة قادت بعضهم إلى الانتحار والإيذاء المباشر؛ مثل تحدي (الحوت الأزرق)، وتحدي (مومو)، ولعبة (مريم) المرعبة، بل وصل المكر إلى استهداف الأطفال الصغار في بيوتهم عبر لعبة (جنية النار) التي تحرضهم على إشعال الغاز سراً، فضلاً عن الألعاب التي تزرع الهلع والاضطراب في نفوسهم مثل (تحدي تشارلي)...

ولا تقف الخطورة هنا عباد الله، بل إن هناك وجهاً آخر للإدمان الرقمي يتربص بعقول ناشئتنا، عبر ألعاب قتالية وإدمانية تنشر العنف، وتُربّي السلوك العدواني، وتفصل الأبناء عن واقعهم وأسرهم، وعلى رأسها ألعاب (ببجي) و(فري فاير) وأشباهها من ألعاب الحروب الافتراضية التي تُهدر الأوقات وتُفسد الأفكار..

 والشريعة الإسلامية في أصلها لا تمنع الترويح والترفيه المباح، بل تقر حاجة النفس البشرية للاستجمام لتستعين به على طاعة الله؛ وفي هذا المعنى يقول النبي ﷺ في حديثه الشريف لصحابيّه حنظلة حين ظن أن ملاعبة الأهل والترويح ينافي الإيمان: (يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً) [رواه مسلم].

وقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "أَرِيحُوا الْقُلُوبَ، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا كُرِهَ عَمِيَ". فالألعاب في حد ذاتها كأداة لا تدخل في دائرة التحريم ما دامت منضبطة، ولكن الشرع الحكيم يتدخل بالمنع والتحذير عندما تتغير المقاصد وتتحول الأداة إلى مفسدة تهدم النفس والمجتمع.

 وللأسف الشديد، نجد الكثير في هذا الزمان قد حاد عن هذا الطريق، وانحرف باللعب من مساحته الترفيهية المؤقتة إلى إدمان مرضيّ؛ فما هي الأسباب التي أدت بالكثيرين للوقوع في هذا الانحراف؟ هذا ما ننقله في محورنا الثاني.

المحور الثاني: أهم الأسباب المؤدية للتوجه نحو الألعاب الإلكترونية، وإدمانها .

 

إن وراء هذا الإقبال والوقوع في شرك الإدمان الرقمي أسباباً تربوية ونفسية واجتماعية عميقة، نراها واضحة في واقعنا المعاصر منها:

1. الفراغ القاتل وغياب البدائل الواقعية:

 إن خلو حياة الابن من الأنشطة الحركية وحلقات العلم يجعل الشاشة هي البديل الأيسر، والواقع يشهد أن الطفل إذا ترك بلا جدول يشغل يومه فسيقضي الساعات الطوال هائماً خلف هاتفه، والعقل إن لم تشغله بالحق شغلك بالباطل، وفي السيرة النبوية كان النبي ﷺ يملأ أوقات الشباب بالنافع، حتى إنه مرّ يوماً بنفر من أسلم ينتضلون (يرمون بالسهام)، فلم يترك فراغهم دون توجيه بل قال لهم محفزاً: (ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ) [رواه البخاري].

2. الجفاف العاطفي والهروب من المشاكل الأسرية:

 حين يفتقد الطفل الاحتواء والحوار داخل بيته، يهرب إلى عالم افتراضي يمنحه انتصارات وهمية تعوضه عن التقدير المفقود، وواقعنا يظهر أن كثرة المشاحنات بين الآباء تدفع الأبناء لارتداء سماعات الأذن والانعزال في غرفهم التماساً لأمان مفقود، وتعلّمنا السيرة النبوية روعة الجلوس والإنصات للأبناء؛ حيث كانت السيدة فاطمة رضي الله عنها إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجلسه.

3. ضغط الأقران والتقليد الأعمى:

 يندفع الصغار لمحاكاة أصدقائهم حتى لا يشعروا بالانعزال، والواقع يُبين أن الأبناء يضغطون على آبائهم لتحميل ألعاب معينة فقط لأن "كل أصحابي في المدرسة يلعبونها"، وفي السيرة النبوية نرى كيف حذر النبي ﷺ من الذوبان في تقليد الآخرين دون وعي فقال: (لا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ) [رواه الترمذي].

4. ضعف الرقابة الأبوية المنضبطة:

منح الأولاد الهواتف دون قيود يعد تفريطاً في الأمانة، والواقع المرير يكشف أن بعض الآباء يتركون الهواتف في أيدي أطفالهم الصغار فقط ليشتروا راحة بالهم ويتخلصوا من بكائهم وإزعاجهم، وتظهر لنا السيرة التدخل التربوي الفوري للنبي ﷺ حين رأى الحسين بن علي يأخذ تمرة من تمر الصدقة ويجعلها في فيه، فلم يقف متفرجاً بل أخرجها من فمه وقال له برفق وحسم: (كِخْ كِخْ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟) [متفق عليه].

5. البحث عن الانتماء والرفقة الافتراضية:

حين يعاني الشاب من العزلة في محيطه، يندفع صوب الألعاب الجماعية التي توفر له مجتمعات افتراضية، والواقع يثبت أن انشغال الوالدين عن أبنائهم جعل الشباب يبحثون عن أصدقاء مجهولين خلف الشاشات يشاركونهم الحديث واللعب، وفي السيرة النبوية نجد أن النبي ﷺ كان حريصاً على تلبية هذه النعمة النفسية عبر دمج الشباب وتآخيهم في بيئة صالحة؛ فلما هاجر إلى المدينة كان أول ما فعله هو (المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار)، كما رسخ أهمية الرفقة الصالحة في قوله ﷺ: (إِنَّمَا المَؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً) [متفق عليه].

وإذا كانت هذه هي الأسباب، فإن إهمالها وتركها دون علاج يولد مخاطر جسيمة؛ فما هي هذه المخاطر الكبرى التي نراها اليوم تهدد بيوتنا ومجتمعاتنا؟ هذا ما نقف عليه الآن.

المحور الثالث: مخاطر الألعاب الإلكترونية .

 

إن عواقب هذا الانفلات الرقمي تتجسد فيما يلي:

1. تفكك الروابط الأسرية والعزلة المرضية:

 حيث صنعت هذه الألعاب عزلة قاسية، والواقع يكشف عن مشهد مؤلم لأسرة تجتمع في صالة واحدة بأجسادهم بينما كل فرد مغيب في شاشته لا يكلم الآخر، وهذا يضرب أصل السكينة والمودة في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].

2. التهديد الجسدي والنفسي المؤدي إلى الموت:

 والواقع المعاصر بات يسجل بكاء أسرٍ فجعت بانتحار أبنائها بسبب تحديات افتراضية وألعاب عنيفة سلبت عقولهم، والله تعالى يقول: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]. وفي السيرة النبوية نرى تعظيم النبي ﷺ لحرمة النفس؛ فحين أخبروه عن رجل قتل نفسه بمشاقص عاقبه النبي زجراً للمجتمع ولَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ.

3. استنزاف الأموال والمقامرة المقنعة:

ونحن نرى في الواقع أمهات يشكون من قيام أطفالهن بسحب مبالغ ضخمة من بطاقاتهم البنكية دون علمهم لشراء ترقيات وأسلحة وهمية داخل اللعبة، وهو ما حرمه الله صراحة؛ حيث يقول سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]. وفي السيرة النبوية كان النبي ﷺ ينهى عن ألعاب الجاهلية التي تقوم على القمار وتضييع المال وقال: (مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ) [متفق عليه] .

4. إهدار العمر والوقت:

والواقع المرئي يوضح أن أبناءنا يضيعون زهرة شبابهم وساعات ليلهم ونهارهم أمام الشاشات متكاسلين عن دراستهم وعباداتهم، وسيُسأل الإنسان عن هذا العمر، قال ﷺ: (لا تزولُ قدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ: عن عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ...) [رواه الترمذي].

5. العقوق والتمرد السلوكي على الوالدين:

وواقع البيوت يئن من صراخ الأبناء وغضبهم العارم وربما شتمهم لآبائهم إذا طُلب منهم إغلاق الهاتف أو قطع الإنترنت، وفي السيرة النبوية حين جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، سأله النبي ﷺ مقدماً بر الوالدين ورعايتهم في واقع الحياة على كل شيء: (أَحَيٌّ والِدَاكَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَفِيهِما فَجَاهِدْ) [متفق عليه].

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

المحور الرابع: كيفية الوقاية والعلاج :

 

أيها المسلمون، بعد أن فككنا أبعاد المشكلة وعرّفنا الألعاب وأسبابها ومخاطرها في واقعنا، يدور في أذهاننا سؤال مصيري وعاجل: ما هو العلاج؟ وكيف السبيل إلى الوقاية من هذه السموم الرقمية لحفظ بيوتنا وأبنائنا؟ هذا ما نجيب عنه في محورنا الأخير.

إن العلاج يبدأ من استشعار المسؤولية داخل الأسرة، فالآباء والأمهات هم خط الدفاع الأول كما قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ). ولكي نحمي أبناءنا، يجب أن نتبع خمسة سبل وقائية وعلاجية نسقطها على واقعنا من هدي المصطفى ﷺ:

1. القدوة الصالحة داخل البيت:

ففي واقع الأمر، لا يصح أن نطلب من الابن ترك الهاتف والأب والأم يمسكون هواتفهم طوال جلوسهم على مائدة الطعام، وفي صلح الحديبية عندما قدم النبي القدوة العملية ونحر هَدْيَهُ أمامهم دون أن يتكلم، قام الصحابة جميعاً وفعلوا مثله دون تردد.

2. التوازن والاعتدال الرقمي وتقنين الأوقات:

والتطبيق الواقعي يقتضي وضع قوانين صارمة بالبيت تمنع الشاشات قبل النوم وفترات الدراسة والدخول بها لغرف النوم، وقد رسخ النبي ﷺ هذا المبدأ التوازني الشامل حين أقبل على عبد الله بن عمرو بن العاص وجّهه موجهاً ومعلماً وقال له: (فإنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا).

3. الرقابة الواعية والتحصين الأخلاقي:

والواجب الواقعي يفرض على الآباء مراجعة تصنيفات الألعاب العمرية وحذف الألعاب التي تروج للعنف أو الأفكار الهدامة، وقد أمرنا الله عز وجل صراحة بوقاية الأهل والأولاد فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6]. وأكد النبي ﷺ على عظم هذه المسؤولية فقال: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ).

4. توفير البدائل الواقعية والحركية لتعزيز الدفء الأسري: والواقع يثبت أن تخصيص ساعة يومية للعب مع الأبناء أو الخروج معهم يغنيهم تماماً عن تفاهات الألعاب الإلكترونية، وهنا تتجلى روعة السيرة النبوية في ملاطفة الأطفال؛ فكان ﷺ يمازح طفلاً صغيراً مات طائره ويلاعبه قائلاً: يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟. وكان يصفّ أطفال الصحابة ويسابقهم. وجاء في الأثر التربوي الصالح: عَلِّمُوا أَوْلادَكُمُ السِّبَاحَةَ وَالرَّمْيَ، وَرُكُوبَ الْخَيْلِ.

5. استثمار الطاقات وبناء الطموح وتوجيه النبوغ:

وفي واقعنا نجد أن تسجيل الأبناء في نوادي رياضية أو تحفيظهم القرآن هو الاستثمار الحقيقي الذي يبني عقولهم ويحفظها، ليكونوا قرة عين لآبائهم كما في قوله تعالى: {...رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]. وتظهر السيرة النبوية استثمار ذكاء صغار الصحابة؛ فلما رأى النبي ﷺ نبوغ سيدنا زيد بن ثابت وهو ابن ثلاثة عشر عاماً، وجّهه فوراً وقال له: (يا زَيْدُ، تَعَلَّمْ لي كِتَابَ يَهُودَ)، فتعلم لغتهم في نصف شهر وصار كاتب الوحي، وكذلك وجّه سيدنا عبد الله بن عباس وعلمه أصول العقيدة فقال له: (يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ).

وفي الختام: ندعوا الله تعالى أن يحفظ بيوتنا من التشتت والفرقة، ويحمِ عقول أولادنا من مضلات الفتن وشرور التقنية والألعاب الالكترونية.. اللهم اجعلنا لأولادنا خير قدوة، ووفقنا لحسن تربيتهم ورعايتهم. اللهم اجعل مصرنا بيتاً للأمن والأمان، وعامة بلاد المسلمين.

 

google-playkhamsatmostaqltradent