recent
أخبار عاجلة

خطبةُ الجمعةِ الذَّوْقُ الْعَامُّ.. رُقِيُّ السُّلُوكِ وَجَمَالُ الْأَخْلَاقِ د/ مُحمد حرز

 الذَّوْقُ الْعَامُّ.. رُقِيُّ السُّلُوكِ وَجَمَالُ الْأَخْلَاقِ 




الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْشَأَ وَبَرَا ، وَخَلَقَ المَاءَ وَالثَّرَى ، وَأَبْدَعَ كُلَّ شَيْءٍ وَذَرَا ، لَا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ دَبِيبُ النَّمْلِ فِي اللَّيْلِ إِذَا سَرَى ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، وَأشهدُ أَنَّ سيدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، فاللهمَّ صلِّ وسلمْ على مسكِ الختامِ، وخيرِ مَن صلَّى وصام، وتابَ وأنابَ، ووقفَ بالمشعرِ ، وطافَ بالبيتِ الحرامِ.  وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي ******وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ

خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ *****كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ

أمَّا بعدُ: فأوصيكُم ونفسِي أيُّها الأخيارُ بتقوىَ العزيزِ الغفارِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران :102). عبادَ الله: (الذَّوْقُ الْعَامُّ.. رُقِيُّ السُّلُوكِ وَجَمَالُ الْأَخْلَاقِ)) عنوانُ وزارتِنَا وعنوانُ خطبتِنَا .

عناصرُ اللقاءِ:

❖ أَوَّلًا: الذَّوْقُ الْعَامُّ عُنْوَانُ الرُّقِيِّ.❖ ثَانِيًا: مُتَطَلَّبَاتُ الذَّوْقِ الْعَامِّ، عِبَادَ اللَّهِ!

❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: الذَّوْقُ الْعَامُّ مَسْؤُولِيَّةُ الْجَمِيعِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَاتِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ «الذَّوْقِ الْعَامِّ.. رُقِيِّ السُّلُوكِ وَجَمَالِ الْأَخْلَاقِ«، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا انْعَدَمَ فِيهِ الذَّوْقُ الْعَامُّ عِنْدَ الْكَثِيرِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا. وَخَاصَّةً وَأَنَّ مَوَاقِعَ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ أَظْهَرَتْ لَنَا أَسْوَأَ مَا فِينَا، وَأَسْوَأَ مَا تَحْمِلُهُ قُلُوبُنَا تِجَاهَ الْآخَرِينَ مِنْ غِلٍّ وَحِقْدٍ وَكَرَاهِيَةٍ وَبَغْضَاءَ وَشَحْنَاءَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا، وَلَا سِيَّمَا وأَنَّ الذَّوْقَ الْعَامَّ سُلُوكِيَّاتٌ يَنْبَغِي أَنْ نُرَاعِيَهَا، وَأَخْلَاقِيَّاتٌ يَنْبَغِي أَنْ نَتَعَامَلَ بِهَا، وَقِيَمٌ وَمَبَادِئُ يَنْبَغِي أَنْ تَسُودَ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ، وَخَاصَّةً وَأَنَّ الْإِسْلَامَ دِينٌ مُتَكَامِلٌ، لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى تَنْظِيمِ عَلَاقَةِ الْإِنْسَانِ بِرَبِّهِ فَحَسْبُ، مِنْ خِلَالِ الشَّعَائِرِ وَالْعِبَادَاتِ، بَلِ امْتَدَّ لِيُهَذِّبَ أَخْلَاقَهُ، وَيَضْبِطَ سُلُوكَهُ، وَيُنَظِّمَ عَلَاقَتَهُ بِالنَّاسِ وَالْحَيَاةِ مِنْ حَوْلِهِ، وَخَاصَّةً وَأَنَّ الْمُجْتَمَعَاتِ الرَّاقِيَةَ لَا تُقَاسُ بِمَا تَمْلِكُهُ فَحَسْبُ مِنْ وَسَائِلِ التَّقَدُّمِ وَالِازْدِهَارِ، بَلْ بِمَا يَتَحَلَّى بِهِ أَبْنَاؤُهَا مِنْ وَعْيٍ وَأَدَبٍ وَاحْتِرَامٍ وَأَخْلَاقٍ وَلِلَّهِ دَرُّ أَمِيرِ الشُّعَرَاءِ أَحْمَدَ شَوْقِي، حِينَ قَالَ:

وَإِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ****** فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا

❖ أَوَّلًا: الذَّوْقُ الْعَامُّ عُنْوَانُ الرُّقِيِّ.أَيُّهَا السَّادَةُ : الذَّوْقُ الْعَامُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ مُهَذَّبَةٍ نُرَدِّدُهَا، أَوْ مَظْهَرٍ أَنِيقٍ نَحْرِصُ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ انْعِكَاسٌ حَقِيقِيٌّ لِمَا نَحْمِلُهُ فِي قُلُوبِنَا مِنِ احْتِرَامٍ وَتَقْدِيرٍ لِلْآخَرِينَ، وَدَلِيلٌ عَلَى رُقِيِّ النَّفْسِ وَنُبْلِ الْأَخْلَاقِ، وَدَلِيلٌ عَلَى نَقَاءِ الْقَلْبِ، وَصَفَاءِ النَّفْسِ، وَحَلَاوَةِ الرُّوحِ. فَالذَّوْقُ الْعَامُّ عُنْوَانُ الرُّقِيِّ، وَجَمَالُ السُّلُوكِ، وَمِرْآةُ الْأَخْلَاقِ، وَبَصْمَةٌ حَضَارِيَّةٌ تَلِيقُ بِالْإِنْسَانِ وَالْمُجْتَمَعِ. وَالذَّوْقُ الْعَامُّ عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ، وَسَهْلَةٌ وَمَيْسُورَةٌ، أَمَرَنَا بِهَا الدِّينُ، وَتَخَلَّقَ بِهَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ، تَدُلُّ عَلَى سُمُوِّ النَّفْسِ، وَعَظَمَةِ الْقَلْبِ، وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ، وَوَعْيِ الرُّوحِ، وَنُبْلِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَأَصَالَةِ الْمَعْدِنِ، وَالذَّوْقُ الْعَامُّ عِبَادَةٌ يَحْرِصُ عَلَيْهَا دَائِمًا الْأَصْفِيَاءُ الْأَنْقِيَاءُ الْأَتْقِيَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَرْوَاحِ الطَّيِّبَةِ وَالْمَشَاعِرِ الْفَيَّاضَةِ، وَالذَّوْقُ الْعَامُّ أَنْ تَتْرُكَ أَثَرًا طَيِّبًا أَيْنَمَا حَلَلْتَ، وَأَنْ تُرَاعِيَ مَشَاعِرَ الْآخَرِينَ فِي حَدِيثِكَ، وَتَحْتَرِمَ خُصُوصِيَّاتِهِمْ فِي تَصَرُّفَاتِكَ، وَتُحَافِظَ عَلَى نَظَافَةِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي تَرْتَادُهَا، وَتُدْرِكَ أَنَّ حُرِّيَّتَكَ لَا تَعْنِي أَبَدًا أَنْ تَتَجَاوَزَ حُدُودَ الْآخَرِينَ أَوْ تُؤْذِيَ مَشَاعِرَهُمْ. فَالذَّوْقُ الْعَامُّ ثَقَافَةٌ تُمارَسُ، وَأَخْلَاقٌ تُتَرْجَمُ إِلَى أَفْعَالٍ، وَحَضَارَةٌ تَظْهَرُ فِي أَبْسَطِ التَّفَاصِيلِ. الذَّوْقُ الْعَامُّ يَظْهَرُ فِي كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَابْتِسَامَةٍ صَادِقَةٍ، وَاحْتِرَامٍ لِلْكَبِيرِ، وَرَحْمَةٍ بِالصَّغِيرِ، وَالْتِزَامٍ بِالنِّظَامِ، وَحِرْصٍ عَلَى الْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ، وَوَعْيٍ بِأَنَّ جَمَالَ الْمُجْتَمَعِ لَا تَصْنَعُهُ الْمَبَانِي وَحْدَهَا، بَلْ تَصْنَعُهُ أَخْلَاقُ أَفْرَادِهِ وَسُلُوكِيَّاتُهُمْ. وَمَا أَرْقَى الْإِنْسَانَ حِينَ يَجْعَلُ احْتِرَامَ الْآخَرِينَ مَبْدَأً لَا يَتَغَيَّرُ، وَحِينَ يَخْتَارُ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بَدَلًا مِنَ الْجَارِحَةِ، وَالتَّعَاوُنَ بَدَلًا مِنَ الْأَنَانِيَّةِ، وَالرُّقِيَّ بَدَلًا مِنَ الْإِسَاءَةِ!فَالذَّوْقُ الْعَامُّ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، وَلَا شِعَارَاتٍ تُرْفَعُ، وَلَا مَظَاهِرَ تُزَيَّنُ بِهَا الْمُجْتَمَعَاتُ، وَإِنَّمَا هُوَ سُلُوكٌ يَظْهَرُ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَأَخْلَاقٌ تَتَجَسَّدُ فِي تَعَامُلِ الْإِنْسَانِ مَعَ غَيْرِهِ، وَدَلِيلٌ عَلَى مَا يَحْمِلُهُ الْمَرْءُ فِي قَلْبِهِ مِنْ أَدَبٍ وَاحْتِرَامٍ وَرُقِيٍّ. فَالْإِنْسَانُ الرَّاقِي هُوَ الَّذِي يَزِنُ كَلِمَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا، وَيُرَاعِي مَشَاعِرَ الْآخَرِينَ قَبْلَ أَنْ يُؤْذِيَهُمْ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ صَدَقَةٌ، وَأَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ. قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٣أَيْ: تَخَيَّرُوا مِنَ الْكَلِمَاتِ أَحْسَنَهَا، وَمِنَ الْعِبَارَاتِ أَدَقَّهَا، وَمِنَ الْمَعَانِي أَجْمَلَهَا؛ تَأَمَّلُوا، عِبَادَ اللَّهِ، هَذَا التَّوْجِيهَ الرَّبَّانِيَّ الْعَظِيمَ؛ فَلَمْ يَأْمُرْنَا اللَّهُ بِحُسْنِ الْقَوْلِ مَعَ أَهْلِنَا وَأَحِبَّائِنَا فَقَطْ، بَلْ قَالَ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾؛ لِيَكُونَ حُسْنُ الْخُلُقِ مَنْهَجًا فِي تَعَامُلِنَا مَعَ الْجَمِيعِ. فَالذَّوْقُ الْعَامُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ رُقِيٍّ فِي السُّلُوكِ، أَوْ جَمَالٍ فِي التَّعَامُلِ، بَلْ هُوَ انْعِكَاسٌ لِنَقَاءِ الْقَلْبِ، وَسَمُوِّ الرُّوحِ، وَرِقَّةِ الْمَشَاعِرِ، وَنُبْلِ الْأَخْلَاقِ.

وَكَيْفَ لَا؟ وَنَبِيُّنَا هُوَ نَبِيُّ الْأَخْلَاقِ، وَدِينُنَا هُوَ دِينُ الْأَخْلَاقِ، وَشَرِيعَتُنَا هِيَ شَرِيعَةُ الْأَخْلَاقِ، وَقُرْآنُنَا هُوَ قُرْآنُ الْأَخْلَاقِ، بَلِ الْغَايَةُ الْأَسْمَى مِنْ بَعْثَتِهِ ﷺ هِيَ الْأَخْلَاقُ، فَقَالَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ. فَالْمُؤْمِنُ بِلَا شَكٍّ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مَحْبُوبًا لَدَى الْخَالِقِ، وَمَحْبُوبًا لَدَى الْخَلْقِ، يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا، وَوَجِيهًا فِي الْآخِرَةِ، يُرِيدُ أَنْ يُؤْتَى فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً. وَلَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا بِفَضْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ثُمَّ بِحُسْنِ خُلُقٍ يَرْزُقُهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِيَّاهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ أَعْلَى النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، نَبِيَّ الْأَخْلَاقِ ﷺ. وَوَاللَّهِ، ثُمَّ وَاللَّهِ، مَا غُيِّبَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ قِيَادَةِ الْأُمَمِ وَرِيَادَةِ الشُّعُوبِ إِلَّا بِسَبَبِ تَخَلِّيهِمْ عَنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَبَحْثِهِمْ وَرَاءَ الْعَادَاتِ الشَّرْقِيَّةِ تَارَةً، وَالْغَرْبِيَّةِ تَارَةً أُخْرَى، لِتَكُونَ بَدِيلًا عَمَّا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَامُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَثْنَى عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ غَايَةَ الثَّنَاءِ، وَمَدَحَهُ غَايَةَ الْمَدْحِ، فَقَالَ مُخَاطِبًا إِيَّاهُ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وَقَالَ مُخَاطِبًا إِيَّاهُ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ آلِ عِمْرَانَ: ١٥٩.وَلَمَّا سُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ « بَلْ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا». بَلْ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلَا: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلَا: أَلَّا صَنَعْتَ؟». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ«.

وَكَيْفَ لَا؟ وَحُسْنُ الْخُلُقِ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَرُتْبَةٌ جَلِيلَةٌ عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا ، فَحُسْنُ الْخُلُقِ أَثْقَلُ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ». أَيْ: إِنَّ صَاحِبَ الْخُلُقِ الْحَسَنِ لَهُ أَجْرُ الصَّائِمِ لِلَّهِ، وَالْمُصَلِّي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. بَلْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَحْجِزَ لِنَفْسِكَ مَكَانًا بِجَانِبِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ فِي جَنَّةِ النَّعِيمِ، فَحَسِّنْ أَخْلَاقَكَ؛ فَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا». (رَوَاهُ أَحْمَدُ ) بَلْ حُسْنُ الْخُلُقِ ثَمَرَةٌ مِنْ ثِمَارِ الْإِيمَانِ، فَلَا إِيمَانَ دُونَ أَخْلَاقٍ، وَلَا أَخْلَاقَ دُونَ إِيمَانٍ وَلَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَامِلَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِحُسْنِ خُلُقِهِ؛ لِذَلِكَ لَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا؟ مَاذَا قَالَ؟ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ. بَلْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَكُلُّ هَذِهِ مِنْ صُوَرِ الذَّوْقِ الْعَامِّ وَالْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ؛ مِنْ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَالْقَوْلِ الْحَسَنِ، أَوِ الصَّمْتِ عَنِ الشَّرِّ؛ فَالْإِيمَانُ تَجَسَّدَ فِي أَخْلَاقٍ وَمَبَادِئَ وَقِيَمٍ. وَسُوءُ الْخُلُقِ دَاءٌ اجْتِمَاعِيٌّ خَطِيرٌ، وَوَبَاءٌ خُلُقِيٌّ كَبِيرٌ، مَا فَشَا فِي أُمَّةٍ إِلَّا كَانَ نَذِيرًا لِهَلَاكِهَا، وَمَا دَبَّ فِي أُسْرَةٍ إِلَّا كَانَ سَبَبًا لِفَنَائِهَا، فَهُوَ مَصْدَرُ كُلِّ عَدَاءٍ، وَيَنْبُوعُ كُلِّ شَرٍّ وَتَعَاسَةٍ.  قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ »حُسْنُ الْخُلُقِ حَسَنَةٌ لَا تَضُرُّ مَعَهَا كَثْرَةُ السَّيِّئَاتِ، وَسُوءُ الْخُلُقِ سَيِّئَةٌ لَا تَنْفَعُ مَعَهَا كَثْرَةُ الْحَسَنَاتِ». فَلْنَجْعَلِ الذَّوْقَ الْعَامَّ أُسْلُوبَ حَيَاةٍ، نَغْرِسُهُ فِي أَبْنَائِنَا، وَنُمَارِسُهُ فِي بُيُوتِنَا وَمَدَارِسِنَا وَشَوَارِعِنَا، وَنَكُونَ قُدْوَةً حَسَنَةً فِي أَقْوَالِنَا وَأَفْعَالِنَا؛ فَالْمُجْتَمَعَاتُ الرَّاقِيَةُ لَا تُقَاسُ بِمَا تَمْلِكُهُ فَحَسْبُ، بَلْ بِمَا يَتَحَلَّى بِهِ أَبْنَاؤُهَا مِنْ وَعْيٍ وَأَدَبٍ وَاحْتِرَامٍ.

صَلَاحُ أَمْرِكَ لِلْأَخْلَاقِ مَرْجِعُهُ ****فَقَوِّمِ النَّفْسَ بِالْأَخْلَاقِ تَسْتَقِمِ

إِذَا أُصِيبَ الْقَوْمُ فِي أَخْلَاقِهِمْ******* فَأَقِمْ عَلَيْهِمْ مَأْتَمًا وَعَوِيلًا

❖ ثَانِيًا: مُتَطَلَّبَاتُ الذَّوْقِ الْعَامِّ، عِبَادَ اللَّهِ!

أَيُّهَا السَّادَةُ : إِنَّ الذَّوْقَ الْعَامَّ لَا يَتَحَقَّقُ بِالْأَمَانِيِّ وَالشِّعَارَاتِ، وَلَا بِمُجَرَّدِ الْمَطَالَبَةِ بِهِ، بَلْ لَهُ مُتَطَلَّبَاتٌ وَضَوَابِطُ، إِذَا التَزَمَ بِهَا الْمُجْتَمَعُ ارْتَقَى سُلُوكُ أَفْرَادِهِ، وَحَسُنَتْ مُعَامَلَاتُهُمْ، وَعَاشَ النَّاسُ فِي مَحَبَّةٍ وَمَوَدَّةٍ وَاحْتِرَامٍ. مِنْ هَذِهِ الْمُتَطَلَّبَاتِ، عِبَادَ اللَّهِ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ لَا الْحَصْرِ: حُسْنُ الْقَوْلِ وَطِيبُ الْكَلَامِ فَإِنَّ اللِّسَانَ مِفْتَاحُ الْقُلُوبِ، وَبِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ تَتَآلَفُ النُّفُوسُ، وَبِالْكَلِمَةِ الْخَبِيثَةِ تَتَبَاعَدُ الْقُلُوبُ وَتَتَفَرَّقُ الصُّفُوفُ. قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ (الْإِسْرَاءِ: ٥٣) قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا {وَقُل لِّعِبَادِی یَقُولُوا۟ ٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّیۡطَٰنَ یَنزَغُ بَیۡنَهُمۡۚ} [الإسراء: ٥٣]. وعن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» [رواه البخاري». وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ». [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ)). فَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلَحَتْ ذَاتَ الْبَيْنِ! وَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ جَارِحَةٍ أَشْعَلَتْ نَارَ الْخِلَافِ وَالْعَدَاوَةِ! فَلْنَحْفَظْ أَلْسِنَتَنَا مِنَ السَّبِّ وَالشَّتْمِ وَالسُّخْرِيَةِ وَالتَّنَابُزِ بِالْأَلْقَابِ، وَلْنَجْعَلْ كَلِمَاتِنَا جُسُورًا لِلْمَوَدَّةِ، لَا مَعَاوِلَ لِلْخُصُومَةِ وَالْعَدَاوَةِ «لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ» [رواه الترمذي وأحمد] وَالْتَمِسُوا الْكَلِمَاتِ الَّتِي تُصْلِحُ وَلَا تُفْسِدُ، وَتَجْمَعُ وَلَا تُفَرِّقُ، وَتَبْنِي وَلَا تَهْدِمُ؛ وَلِهَذَا وَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيزَانًا وَاضِحًا لِلْكَلِمَةِ، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]..

جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامٌ ******وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ

وَمِنَ الذَّوْقِ الْعَامِّ: احْتِرَامُ الْآخَرِينَ وَمُرَاعَاةُ مَشَاعِرِهِمْ، فلَيْسَ مِنَ الذَّوْقِ أَنْ تَفْرِضَ رَأْيَكَ عَلَى غَيْرِكَ، وَلَا أَنْ تَسْخَرَ مِنْ شَكْلِ إِنْسَانٍ أَوْ لَوْنِهِ أَوْ ظُرُوفِهِ، وَلَا أَنْ تُحْرِجَ أَحَدًا أَمَامَ النَّاسِ، وَلَا أَنْ تَتَدَخَّلَ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فَمِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ أَنْ تَعْرِفَ حُدُودَكَ، وَأَنْ تَحْتَرِمَ خُصُوصِيَّاتِ غَيْرِكَ، وَأَنْ تَتَذَكَّرَ دَائِمًا أَنَّ لِلنَّاسِ مَشَاعِرَ كَمَا أَنَّ لَكَ مَشَاعِرَ، وَأَنَّ مَا لَا تَرْضَاهُ لِنَفْسِكَ لَا يَلِيقُ بِكَ أَنْ تَفْعَلَهُ مَعَ غَيْرِكَ.

صُنْ لِسَانَكَ لَا تَذْكُرْ بِهِ عَوْرَةَ امْرِئٍ *****فَكُلُّكَ عَوْرَاتٌ وَلِلنَّاسِ أَلْسُنُ

وَعَيْنُكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيْكَ مَعَايِبًا**** فَدَعْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْيُنُ

وَمِنَ الذَّوْقِ الْعَامِّ : احْتِرَامُ حُقُوقِ الطَّرِيقِ وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْهُ، فَالطَّرِيقُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ، تَظْهَرُ فِيهِ أَخْلَاقُ النَّاسِ وَسُلُوكِيَّاتُهُمْ وَذَوْقِيَّاتُهُمْ، عِبَادَ اللَّهِ؛ لِذَلِكَ أَرْشَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ إِلَى حُقُوقِ الطَّرِيقِ، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ». قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ» وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ الْهُدَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَآلِ رَجُلٍ سَعَى فِي رَفْعِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ». [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. فَاحْتِرَامُ حُقُوقِ الطَّرِيقِ يَدُلُّ عَلَى تَرْبِيَةِ الْإِنْسَانِ، وَحُسْنِ أَخْلَاقِهِ، وَطِيبِ بِيئَتِهِ، وَرُقِيِّ سُلُوكِهِ.

وَمِنَ الذَّوْقِ الْعَامِّ : الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ وَنَظَافَةِ الْبِيئَةِ، فَالطُّرُقَاتُ وَالْحَدَائِقُ وَالْمَدَارِسُ وَالْمُسْتَشْفَيَاتُ وَسَائِرُ الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ لَيْسَتْ مُلْكًا لِفَرْدٍ دُونَ آخَرَ، بَلْ هِيَ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ لِلْجَمِيعِ. قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٦].فَلَا يَلِيقُ بِالْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِحَدِيقَةٍ أَوْ مِرْفَقٍ عَامٍّ، ثُمَّ يَتْرُكَ وَرَاءَهُ الْمُخَلَّفَاتِ؛ فَالْمَكَانُ الْمُشْتَرَكُ أَمَانَةٌ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ احْتِرَامٌ لِكُلِّ مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ نُلْقِيَ الْقُمَامَةَ فِي الطُّرُقَاتِ، أَوْ نُتْلِفَ الْمَقَاعِدَ، أَوْ نَكْتُبَ عَلَى الْجُدْرَانِ، أَوْ نُؤْذِيَ الْمَارَّةَ بِالضَّجِيجِ وَالتَّصَرُّفَاتِ غَيْرِ الْمَسْؤُولَةِ. فَالْمُوَاطَنَةُ الصَّالِحَةُ لَا تَظْهَرُ فِي الْكَلَامِ وَحْدَهُ، بَلْ تَظْهَرُ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا يَنْفَعُ النَّاسَ، وَفِي الْحِرْصِ عَلَى نَظَافَةِ الْمَكَانِ وَجَمَالِهِ.

وَمِنَ الذَّوْقِ الْعَامِّ : مُرَاعَاةُ حُقُوقِ الْجِيرَانِ، وَتَجَنُّبُ إِزْعَاجِ الْآخَرِينَ. فإِنَّ مِنْ أَرْقَى صُوَرِ الذَّوْقِ الْعَامِّ أَنْ يَشْعُرَ الْإِنْسَانُ بِمَنْ حَوْلَهُ، وَأَنْ يَضَعَ نَفْسَهُ مَوْضِعَ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ حُرِّيَّتَهُ لَا تَعْنِي أَنْ يَفْرِضَ صَوْتَهُ عَلَى الْآخَرِينَ، وَلَا أَنْ يَفْرِضَ رَغَبَاتِهِ وَأَهْوَاءَهُ عَلَى مَنْ حَوْلَهُ، وَلَا أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِرَاحَتِهِ عَلَى حِسَابِ رَاحَةِ غَيْرِهِ. فَلَيْسَ مِنَ الذَّوْقِ أَنْ تَرْفَعَ صَوْتَكَ فَتُزْعِجَ نَائِمًا، أَوْ تُقْلِقَ مَرِيضًا، أَوْ تُؤْذِيَ طَالِبًا يَسْتَذْكِرُ دُرُوسَهُ، أَوْ تَحْرِمَ أُسْرَةً مِنَ السَّكِينَةِ فِي بَيْتِهَا؛ فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يَسْهَرُ اللَّيْلَ مِنْ أَلَمٍ، وَكَمْ مِنْ مَرِيضٍ يَحْتَاجُ إِلَى الرَّاحَةِ، وَكَمْ مِنْ أُسْرَةٍ تَبْحَثُ عَنِ الْهُدُوءِ، فَيَأْتِي مَنْ لَا يُرَاعِي حُقُوقَ الْآخَرِينَ فَيُفْسِدُ عَلَيْهِمْ رَاحَتَهُمْ وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِمْ صَفْوَ حَيَاتِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لُقْمَانَ: ١٩]. وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَمَ إِيذَاءِ الْجَارِ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِيمَانِ، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. بَلْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ». قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ».

وَمِنَ الذَّوْقِ الْعَامِّ :الْعِنَايَةُ بِالْمَلْبَسِ وَالنَّظَافَةِ وَحُسْنِ الْهَيْئَةِ. فَالْإِسْلَامُ دِينُ الْجَمَالِ وَالنَّظَافَةِ وَحُسْنِ الْهَيْئَةِ، مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا خُيَلَاءَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣١]. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْكِبْرَ لَيْسَ فِي حُسْنِ الْمَظْهَرِ، وَإِنَّمَا هُوَ «بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ». وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ». فإِنَّ مِنَ الذَّوْقِ الْعَامِّ أَنْ يَحْرِصَ الْمُسْلِمُ عَلَى نَظَافَةِ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ، وَطِيبِ رَائِحَتِهِ، وَأَنْ يَتَجَنَّبَ مَا يُؤْذِي الْآخَرِينَ مِنْ رَوَائِحَ كَرِيهَةٍ؛ فَكَمَا تُحِبُّ أَنْ تَلْقَى النَّاسَ فِي أَحْسَنِ هَيْئَةٍ، فَاحْرِصْ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ مَصْدَرَ رَاحَةٍ وَقَبُولٍ، لَا مَصْدَرَ أَذًى وَنُفُورٍ.

وَمِنَ الذَّوْقِ الْعَامِّ احْتِرَامُ الْخُصُوصِيَّةِ، وَالِاسْتِئْذَانُ، وَصِيَانَةُ كَرَامَةِ الْإِنْسَان.لذا شَرَعَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا الِاسْتِئْذَانَ، وَنَهَى عَنِ التَّجَسُّسِ وَتَتَبُّعِ عَوْرَاتِ النَّاسِ؛ حِفْظًا لِلْحُرُمَاتِ، وَصِيَانَةً لِلْكَرَامَاتِ، وَحِرْصًا عَلَى أَنْ يَعِيشَ النَّاسُ فِي أَمْنٍ وَطُمَأْنِينَةٍ. قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النُّورِ: ٢٧)وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النُّورِ: ٥٩) وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٢)) وحَذَّرَنا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِيذَاءِ النَّاسِ وَتَتَبُّعِ خُصُوصِيَّاتِهِمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ » فَاتَّقُوا اللَّهَ، عِبَادَ اللَّهِ، وَاحْفَظُوا أَسْرَارَ النَّاسِ، وَاحْتَرِمُوا خُصُوصِيَّاتِهِمْ، وَلَا تَتَدَخَّلُوا فِيمَا لَا يَعْنِيكُمْ؛ فَمِنْ رُقِيِّ الْأَخْلَاقِ أَنْ تَصُونَ كَرَامَةَ غَيْرِكَ، كَمَا تُحِبُّ أَنْ يَصُونَ النَّاسُ كَرَامَتَكَ، وَأَنْ تَحْفَظَ حُرْمَةَ بُيُوتِهِمْ وَأَسْرَارِهِمْ، كَمَا تُحِبُّ أَنْ تُحْفَظَ حُرْمَةُ بَيْتِكَ وَأَسْرَارُكَ.

وَمِنَ الذَّوْقِ الْعَامِّ: الْبَشَاشَةُ عِنْدَ مُقَابَلَةِ النَّاسِ، وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ، وَحُسْنُ الْمُصَافَحَةِ وَآدَابُهَا. فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَمِنْ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ حُسْنُ الْمُصَافَحَةِ، وَالْإِقْبَالُ عَلَى الْمُحَدِّثِ بِالْوَجْهِ، وَإِظْهَارُ الِاهْتِمَامِ بِهِ وَاحْتِرَامِهِ.وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صِفَةِ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَافَحَ الرَّجُلَ لَمْ يَنْزِعْ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ يَدَهُ، وَلَا يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُ وَجْهَهُ، وَلَمْ يُرَ مُقَدِّمًا رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ». فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَلْقَى الْمُسْلِمُ أَخَاهُ بِوَجْهٍ بَشُوشٍ، وَكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَمُصَافَحَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالِاحْتِرَامِ؛ فَرُبَّ ابْتِسَامَةٍ أَدْخَلَتْ سُرُورًا عَلَى قَلْبٍ، وَرُبَّ لِقَاءٍ طَيِّبٍ تَرَكَ فِي النَّفْسِ أَثَرًا جَمِيلًا لَا يُنْسَى.

وَمِنَ الذَّوْقِ الْعَامِّ: حُسْنُ اسْتِخْدَامِ مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ. وَهَذَا مِنْ أَهَمِّ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي زَمَانِنَا؛ فَقَدْ أَصْبَحَتْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُنْشَرُ عَلَى مَوْقِعٍ مِنْ مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ قَادِرَةً عَلَى أَنْ تَبْلُغَ آلَافَ النَّاسِ، وَقَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي الْإِصْلَاحِ، وَقَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي الْفِتْنَةِ وَالْخِصَامِ. فَلَا يَلِيقُ بِالْمُسْلِمِ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ هَذِهِ الْوَسَائِلِ مَنَابِرَ لِلسَّبِّ وَالتَّشْهِيرِ وَالِاسْتِهْزَاءِ وَنَشْرِ الشَّائِعَاتِ، وَلَا أَنْ يَنْشُرَ صُوَرَ النَّاسِ أَوْ أَسْرَارَهُمْ دُونَ إِذْنِهِمْ. بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّ مَا يَكْتُبُهُ وَيَنْشُرُهُ مَسْؤُولِيَّةٌ، وَأَنَّ الْكَلِمَةَ الْمَكْتُوبَةَ لَا تَقِلُّ خَطَرًا عَنِ الْكَلِمَةِ الْمَنْطُوقَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: ١٨) فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْقَوْلِ، فَكَيْفَ بِمَا نَكْتُبُهُ وَنَنْشُرُهُ، وَيَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ أَنْ نَنْصَرِفَ عَنْهُ؟ فَلْنَتَّقِ اللَّهَ فِيمَا نَقُولُ وَنَكْتُبُ، وَلْنَجْعَلْ مِنْ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ وَسَائِلَ لِلنَّفْعِ وَالْإِصْلَاحِ، لَا أَدَوَاتٍ لِلْإِيذَاءِ وَالْإِفْسَادِ.

وَمَا مِنْ كَاتِبٍ إِلَّا سَيَفْنَىٰ**** وَيُبْقِي الدَّهْرُ مَا كَتَبَتْ يَدَاهُ

فَلَا تَكْتُبْ بِكَفِّكَ غَيْرَ شَيْءٍ**** يَسُرُّكَ فِي الْقِيَامَةِ أَنْ تَرَاهُ

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِاسْمِ اللَّهِ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ... وَبَعْدُ.

❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: الذَّوْقُ الْعَامُّ مَسْؤُولِيَّةُ الْجَمِيعِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: الذَّوْقُ الْعَامُّ لَمْسَةٌ مِنْ جَمَالِ الرُّوحِ، وَتَرْجُمَانٌ لِنَقَاءِ الْقَلْبِ، وَمِرْآةٌ لِرُقِيِّ النَّفْسِ، وَشَاهِدٌ عَلَى سَمُوِّ الْأَخْلَاقِ ، بِالذَّوْقِ تَرْتَقِي الْعَلَاقَاتُ، وَبِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ تَسْمُو الْمُجْتَمَعَاتُ، وَبِاحْتِرَامِ الْآخَرِينَ تَزْدَادُ الْحَيَاةُ رُقِيًّا وَجَمَالًا، فَيَغْدُو الْمُجْتَمَعُ أَكْثَرَ تَآلُفًا وَتَرَاحُمًا وَإِنْسَانِيَّةً قال رسول الله ﷺ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».رواه مسلم». وَلَا يَخْفَى عَلَيْنَا أَنَّ شَبَابَنَا الْيَوْمَ يُوَاجِهُونَ تَحَدِّيَاتٍ كَبِيرَةً، وَمُحَاوَلَاتٍ مُتَعَدِّدَةً لِلتَّأْثِيرِ فِي أَخْلَاقِهِمْ، وَتَغْيِيرِ مَفَاهِيمِهِمْ، وَإِضْعَافِ ارْتِبَاطِهِمْ بِقِيَمِهِمْ وَمَبَادِئِهِمْ. وَقَدْ تَتَسَلَّلُ بَعْضُ هَذِهِ الْمُؤَثِّرَاتِ مِنْ خِلَالِ الْمُحْتَوَى الرَّقْمِيِّ، وَمَا يَبُثُّهُ مِنْ سُلُوكِيَّاتٍ وَأَفْكَارٍ تَتَنَاقَضُ مَعَ الْعَفَافِ، وَالِاحْتِرَامِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ.

مُؤَامَرَةٌ تَدُورُ عَلَى الشَّبَابِ *** لِتَجْعَلَهُ رُكَامًا مِنْ تُرَابِ

مُؤَامَرَةٌ تَقُولُ لَهُمْ تَعَالَوْا *** إِلَى الشَّهَوَاتِ فِي ظِلِّ الشَّرَابِ

مُؤَامَرَةٌ يُحِيكُ خُيُوطَهَا *** أَعْدَاءُ سُوءٍ فِي لُؤْمِ الذِّئَابِ

تَفَرَّقَ شَمْلُهُمْ إِلَّا عَلَيْنَا *** فَصِرْنَا كَالْفَرِيسَةِ لِلْكِلَابِ

إِنَّ الذَّوْقَ الْعَامَّ لَيْسَ مَسْؤُولِيَّةَ فَرْدٍ دُونَ آخَرَ، وَلَا وَاجِبَ مُؤَسَّسَةٍ دُونَ غَيْرِهَا، بَلْ هُوَ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ، تَبْدَأُ بِالْفَرْدِ، وَتَنْطَلِقُ مِنَ الْأُسْرَةِ، وَتَتَعَزَّزُ فِي الْمَدْرَسَةِ، وَتَتَرَسَّخُ مِنْ خِلَالِ الْمَسْجِدِ، وَوَسَائِلِ الْإِعْلَامِ، وَمُؤَسَّسَاتِ الْمُجْتَمَعِ كلها؛ فَكُلٌّ لَهُ دَوْرٌ فِي غَرْسِ الْقِيَمِ الْفَاضِلَةِ، وَتَهْذِيبِ السُّلُوكِ، وَنَشْرِ ثَقَافَةِ الذَّوْقِ الْعَامِّ، حَتَّى نَبْنِيَ مُجْتَمَعًا يَسُودُهُ الِاحْتِرَامُ، وَتَجْمُلُهُ الْأَخْلَاقُ، وَيَرْقَى بِهِ الْوَعْيُ وَالِالْتِزَامُ.. لذا وَضَعَ الْإِسْلَامُ لَنَا أَسَاسًا عَظِيمًا لِهَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، قَالَ اللَّهُ جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾(المائدة2)وقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

فَالْوَعْيُ بِالذَّوْقِ الْعَامِّ يَبْدَأُ مِنْ تَرْبِيَةِ النَّفْسِ عَلَى الْأَدَبِ وَالتَّوَاضُعِ وَالرَّحْمَةِ، وَتَهْذِيبِهَا بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَلَا رُقِيَّ فِي السُّلُوكِ بِغَيْرِ تَوَاضُعٍ، وَلَا جَمَالَ فِي التَّعَامُلِ بِغَيْرِ رَحْمَةٍ، وَلَا قِيمَةَ لِلْكَلِمَاتِ مَا لَمْ تُصَدِّقْهَا الْأَفْعَالُ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.

فَلْنَبْدَأْ بِأَنْفُسِنَا قَبْلَ أَنْ نُطَالِبَ غَيْرَنَا، وَلْنَكُنْ قُدْوَةً قَبْلَ أَنْ نَكُونَ وَاعِظِينَ، وَلْنَغْرِسْ فِي أَبْنَائِنَا أَنَّ الذَّوْقَ لَيْسَ ضَعْفًا، وَأَنَّ الْحَيَاءَ لَيْسَ تَخَلُّفًا، وَأَنَّ احْتِرَامَ الْآخَرِينَ لَيْسَ تَنَازُلًا عَنِ الْحُقُوقِ، بَلْ هُوَ دَلِيلُ الْقُوَّةِ وَالنُّضْجِ وَسُمُوِّ الْأَخْلَاقِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾.

يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ *****هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ؟

لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ *****عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ

ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا**** فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ

وَحَمَّلَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ الْإِنْسَانَ مَسْؤُولِيَّةَ أَهْلِهِ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦]، وَدَعَا إِلَى التَّعْلِيمِ وَالتَّوْجِيهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥].وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ) متفق عليه. وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كَفَى بِالْمَرءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَن يَقُوتُ)(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). فالْمَرْءُ يَا سَادَةٌ يُسْأَلُ عَنْ رَعِيَّتِهِ يَوْمَ الدِّينِ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُجِيبُ مَنْ ضَيَّعَ أَوْلَادَهُ؟ وَبِمَاذَا سَيَنْطِقُ مَنْ خَانَ الْأمانةَ؟ فَأَوْلَادُكَ أَمَانَةٌ فِي رَقَبَتِكَ وَتَرْبِيَتُهُمْ أَمَانَةٌ سَتُسْأَلُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا حَافَظْتَ عَلَيْهِم فَقَدْ صُنْتَ الْأَمَانَةَ، وَإِذَا أَهْمَلْتَهُمْ فَقَدْ خُنْتَ الْأَمَانَةَ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ، فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضى اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)، وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: (كَفَى بالمرءِ إثمًا أنْ يُضيِّعَ مَنِ يَقُوتُ). وَلِلَّهِ دَرُّ القائلِ:

لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ *** مِنَ الْحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيلًا

إِنَّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَرَى لَهُ *** أُمًّا تَخَلَّتْ أَوْ أَبًا مُشْغُولًا

أَيْنَ دَوْرُ وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ فِي نَشْرِ ثَقَافَةِ الذَّوْقِ الْعَامِّ، وَتَرْسِيخِ الْقِيَمِ وَالْمَبَادِئِ وَالْأَخْلَاقِ؟ وَأَيْنَ دَوْرُ الْمَدَارِسِ وَالْجَامِعَاتِ فِي بِنَاءِ الْوَعْيِ، وَتَهْذِيبِ السُّلُوكِ، وَإِعْدَادِ جِيلٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ، وَبَيْنَ التَّقَدُّمِ وَالِالْتِزَامِ بِالْقِيَمِ؟ وَأَيْنَ دَوْرُ الْمُؤَسَّسَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَالْمُجْتَمَعِيَّةِ فِي مُوَاجَهَةِ السُّلُوكِيَّاتِ السَّلْبِيَّةِ، وَتَعْزِيزِ الْقُدْوَةِ الْحَسَنَةِ، وَغَرْسِ مَعَانِي الِاحْتِرَامِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ وَالشَّبَابِ؟ قَالَ جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النَّحْلِ: ٩٠) فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَرْسُمُ مَنْهَجًا مُتَكَامِلًا لِبِنَاءِ الْإِنْسَانِ وَالْمُجْتَمَعِ، قَائِمًا عَلَى الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَرَفْضِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالِاعْتِدَاءِ.

مَتَى يَبْلُغُ الْبُنْيَانُ يَوْمًا تَمَامَهُ *****إِذَا كُنْتَ تَبْنِيهِ وَغَيْرُكَ يَهْدِمُ

فَيَا أَيُّهَا الْأَبُ، أَنْتَ قُدْوَةٌ لِأَبْنَائِكَ؛ وَيَاأَيَّتُهَا الْأُمُّ، أَنْتِ مَدْرَسَةُ الْأَخْلَاقِ الْأُولَى؛ وَيَا أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ، أَنْتَ صَانِعُ الْوَعْيِ وَبَانِي الْقِيَمِ؛ وَيَا أَيُّهَا الشَّابُّ، أَنْتَ أَمَلُ الْأُمَّةِ وَصَانِعُ مُسْتَقْبَلِهَا؛ وَيَا كُلَّ إِنْسَانٍ يَعِيشُ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ، تَذَكَّرْ أَنَّ لَكَ دَوْرًا، وَأَنَّ لِسُلُوكِكَ أَثَرًا، وَأَنَّ كَلِمَتَكَ وَتَصَرُّفَكَ قَدْ يَبْنِيَانِ نَفْسًا، أَوْ يَتْرُكَانِ جُرْحًا، وَقَدْ يَنْشُرَانِ خُلُقًا حَسَنًا، أَوْ يُرَسِّخَانِ سُلُوكًا سَيِّئًا. فَلَا نُرِيدُ شَبَابًا يَحْفَظُونَ الْقِيَمَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَقَطْ، بَلْ نُرِيدُ شَبَابًا يَحْمِلُونَهَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَيُتَرْجِمُونَهَا إِلَى سُلُوكٍ وَمَوَاقِفَ وَمُعَامَلَاتٍ. وَلَا نُرِيدُ مُجْتَمَعًا يَتَغَنَّى بِالْأَخْلَاقِ، بَلْ مُجْتَمَعًا تَشْهَدُ أَفْعَالُهُ بِجَمَالِ أَخْلَاقِهِ.

أَلَا فَلْنَتَّقِ اللَّهَ فِي أَنْفُسِنَا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، وَلْنَسْمُ بِأَخْلَاقِنَا، وَلْنَلْتَزِمْ بِآدَابِ دِينِنَا، وَلْنَحْتَرِمْ حُقُوقَ غَيْرِنَا، وَلْنُرَاعِ مَشَاعِرَ بَعْضِنَا؛ فَإِنَّ الْأَخْلَاقَ مِيزَانُ الْإِنْسَانِ، وَالذَّوْقَ الْعَامَّ عُنْوَانُ رُقِيِّ الْمُجْتَمَعِ، وَكُلُّ مَا نَقُولُهُ أَوْ نَفْعَلُهُ مَحْفُوظٌ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزَّلْزَلَةِ: ٧-٨) فَلْنَجْعَلْ كَلِمَاتِنَا طَيِّبَةً، وَتَصَرُّفَاتِنَا رَاقِيَةً، وَقُلُوبَنَا نَقِيَّةً، وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ الْإِحْسَانَ إِلَى النَّاسِ لَا يَضِيعُ، وَأَنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تَتْرُكُ أَثَرًا جَمِيلًا، وَأَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ صَدَقَةٌ، وَأَنَّ رُقِيَّ الْمُجْتَمَعِ يَبْدَأُ مِنْ رُقِيِّ أَفْرَادِهِ.

فَلْنَكُنْ جَمِيعًا حُرَّاسًا لِلْقِيَمِ، وَرُوَّادًا لِلْأَخْلَاقِ، وَقُدْوَةً فِي حُسْنِ السُّلُوكِ؛ فَبِالذَّوْقِ تَرْقَى الْأُمَمُ، وَبِالْأَخْلَاقِ تَسْمُو الشُّعُوبُ، وَبِصَلَاحِ الْإِنْسَانِ يَصْلُحُ الْمُجْتَمَعُ، وَلِنَتَمَسَّكْ بِالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ فِي أَقْوَالِنَا وَأَفْعَالِنَا وَتَصَرُّفَاتِنَا، اسْتِجَابَةً لِأَوَامِرِ اللَّهِ الْكَرِيمِ اللَّطِيفِ، وَاقْتِدَاءً بِنَبِيِّنَا الرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ، وَامْتِثَالًا لِتَعَالِيمِ دِينِنَا الْحَنِيفِ؛ فَدِينُنَا دِينُ الْأَخْلَاقِ وَالْجَمَالِ، وَدِينُ الرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ، وَمَنْهَجٌ لِلرُّقِيِّ فِي السُّلُوكِ، وَالِارْتِقَاءِ بِالذَّوْقِ الْعَامِّ، وَاحْتِرَامِ حُقُوقِ الْآخَرِينَ، وَمُرَاعَاةِ مَشَاعِرِهِمْ؛ لِنَكُونَ صُورَةً مُشْرِقَةً لِدِينِنَا، وَقُدْوَةً حَسَنَةً فِي أَخْلَاقِنَا، وَسَبَبًا فِي رُقِيِّ مُجْتَمَعِنَا وَجَمَالِهِ.

وَإِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ****** فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا

حَفِظَ اللهُ مِصْرَ قِيَادَةً وَشَعْبًا عرض أقل

google-playkhamsatmostaqltradent