مخاطر الألعاب الإلكترونية والإدمان الرقمي

العنصر الأول: الترويح في الإسلام حاجةٌ
معتبرةٌ تضبطها المسؤولية.
العنصر الثاني: الإفراط في الألعاب الإلكترونية
يبدد الوقت ويضعف الإرادة.
العنصر الثالث: الدراسات الحديثة تكشف أضرار
الإفراط في اللعب.
العنصر الرابع: الاستخدام الرشيد للتقنية
يحمي الأبناء ويصون الروابط الأسرية.
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ
على سيدِنا رسولِ اللهِ، وآلهِ وصحبِهِ ومن والاهُ واتبعَ هداهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ
إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:
٧٠-٧١].
أما بعدُ:
تمهيد
فقد راعت الشريعةُ الإسلاميةُ طبيعةَ النفسِ
البشريةِ، وما تحتاجُ إليهِ من راحةٍ وترويحٍ، ووضعتْ لحياةِ الإنسانِ ميزانًا يحفظُ
دينَهُ وعقلَهُ وبدنَهُ ومالَهُ وعلاقاتِهِ. ومعَ التطورِ التقنيِّ المتسارعِ، دخلتِ
الألعابُ الإلكترونيةُ إلى البيوتِ، وصارتْ جزءًا من حياةِ كثيرٍ من الأطفالِ والشبابِ،
بما تقدمهُ من متعةٍ وتنافسٍ وفرصٍ للتعلمِ والتواصلِ. غيرَ أنَّ بعضَ صورِ استخدامها
تجاوزتْ حدودَ الترفيهِ المعتدلِ، فأفضتْ لدى بعضِ المستخدمينَ إلى إهدارِ الوقتِ،
واضطرابِ النومِ، والتراجعِ الدراسيِّ، والعزلةِ الاجتماعيةِ، وصعوبةِ التحكمِ في سلوكِ
اللعبِ.
وتتأكدُ مسؤوليتُنا في التعاملِ معَ هذهِ
الظاهرةِ؛ إذ ينبغي التمييزُ بينَ استخدامٍ معتدلٍ ينتفعُ بهِ الإنسانُ، واستخدامٍ
مفرطٍ يستنزفُ طاقتَهُ ويعطلُ مصالحَهُ، معَ الإفادةِ من نتائجِ الدراساتِ الحديثةِ
في فهمِ المخاطرِ وسبلِ الوقايةِ منها.
تأملوا حالَ طفلٍ يجلسُ أمامَ شاشةٍ ليقضيَ
دقائقَ في اللعبِ، ثم تمتدُّ الدقائقُ إلى ساعاتٍ، ويؤخرُ واجباتِهِ، ويغضبُ إذا طُلبَ
منهُ التوقفُ، وربما تركَ مجلسَ أسرتِهِ، واضطربَ نومُهُ، ولم يعدْ يجدُ متعتَهُ إلا
في العودةِ إلى اللعبةِ. قد يظنُّ من حولِهِ أنَّ الأمرَ تسليةٌ عابرةٌ، معَ أنَّ تكرارَ
هذهِ العلاماتِ قد يكشفُ عن مشكلةٍ تحتاجُ إلى انتباهٍ وتدخلٍ.
وقد صُممتْ بعضُ البيئاتِ الرقميةِ بخصائصَ
تشجعُ المستخدمَ على البقاءِ مدةً أطولَ، من خلالِ المكافآتِ المتتابعةِ والتحدياتِ
المتجددةِ والمنافسةِ المستمرةِ. وهذا يستدعي وعيًا من الفردِ بما يستهلكُهُ من وقتٍ،
ومتابعةً من الأسرةِ لما يمارسهُ أبناؤها، وجهدًا مجتمعيًّا ينشرُ ثقافةَ الاستخدامِ
المسؤولِ للتقنيةِ.
فكيفَ ننظرُ إلى الترويحِ في ميزانِ الشريعةِ؟
ومتى يصبحُ الإفراطُ في اللعبِ مصدرًا للضررِ؟ وماذا تكشفُ الدراساتُ الحديثةُ عن آثارِهِ؟
وكيفَ نحمي أبناءَنا، ونهيئُ لهم فرصَ الانتفاعِ بالتقنيةِ، معَ صيانةِ أوقاتِهم وصحتِهم
وعلاقاتِهم؟
العنصر الأول: الترويح في الإسلام حاجةٌ
معتبرةٌ تضبطها المسؤولية
راعتِ الشريعةُ الإسلاميةُ طبيعةَ النفسِ
البشريةِ، وأقرتْ حاجتَها إلى الراحةِ والترويحِ وتجديدِ النشاطِ؛ فالإنسانُ يحتاجُ
إلى ما يعينهُ على أداءِ واجباتِهِ، ويجددُ همتَهُ لمواصلةِ مسؤولياتِهِ. وقد أقرَّ
النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم صورًا من اللهوِ المباحِ؛ فعن عائشةَ رضي اللهُ عنها
قالتْ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ،
وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ» [متفق عليه]. وكان
ذلكَ في مشهدٍ من اللعبِ بالرماحِ، وفيه دلالةٌ على مراعاةِ الفطرةِ وإفساحِ المجالِ
للترفيهِ المباحِ.
وكان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يلاطفُ
الصغارَ ويدخلُ السرورَ عليهم؛ فقالَ لأبي عميرٍ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ
النُّغَيْرُ؟» [متفق عليه]. وقد نبهَ علماءُ التربيةِ إلى أهميةِ اللعبِ في حياةِ الطفلِ؛
فذكرَ الإمامُ الغزاليُّ في إحياء علوم الدين أنَّ منعَ الصبيِّ من اللعبِ وإرهاقَهُ
بالتعلمِ على الدوامِ قد يضعفُ نفسَهُ وينغصُ عليهِ عيشَهُ.
وهذا الأصلُ الشرعيُّ يدعونا إلى النظرِ
في حقيقةِ الترويحِ وآثارِهِ. فالألعابُ الإلكترونيةُ لا تُحرمُ لمجردِ كونِها إلكترونيةً،
وقد تشتملُ على فوائدَ تعليميةٍ أو مهاريةٍ أو تواصليةٍ، ما دامتْ خاليةً من المحاذيرِ
الشرعيةِ، ولا تفضي إلى ضررٍ معتبرٍ.
لكنَّ الإباحةَ لا تعني إهمالَ العواقبِ؛
فإذا شغلتِ اللعبةُ عن الصلاةِ، أو أفضتْ إلى تضييعِ حقوقِ الوالدينِ والأسرةِ، أو
اشتملتْ على قمارٍ أو محتوى محرمٍ، أو ألحقتْ بالإنسانِ ضررًا معتبرًا، وجبَ منعُ المحظورِ
وضبطُ الاستخدامِ بحسبِ الحالِ. قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ
الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧].
ووجهُ الدلالةِ: أنَّ الآيةَ ترشدُ إلى
التوازنِ بينَ نصيبِ الإنسانِ من الدنيا ومسؤوليتِهِ تجاهَ الآخرةِ؛ فينتفعُ بالمباحِ،
ويحفظُ حقوقَهُ وواجباتِهِ، ولا يجعلُ المتعةَ سببًا للإضرارِ بنفسِهِ أو بغيرِهِ.
وهذا هو الميزانُ الذي ينبغي أن نزنَ بهِ الألعابَ الإلكترونيةَ: انتفاعٌ منضبطٌ، ووقتٌ
محسوبٌ، وحقوقٌ مصونةٌ.
العنصر الثاني: الإفراط في الألعاب الإلكترونية
يبدد الوقت ويضعف الإرادة
الوقتُ رأسُ مالِ الإنسانِ في هذهِ الحياةِ؛
ففيهِ يؤدي عبادتَهُ، ويطلبُ علمَهُ ورزقَهُ، ويرعى أهلَهُ، ويبني مستقبلَهُ. ومن أبرزِ
مخاطرِ الإفراطِ في الألعابِ الإلكترونيةِ أنَّ اللاعبَ قد يبدأُ بقصدِ الترفيهِ، ثم
يمضي ساعاتٍ طويلةً دونَ أن يشعرَ، ويؤجلُ واجباتِهِ مرةً بعدَ مرةٍ، حتى تتقدمَ اللعبةُ
على شؤونٍ أساسيةٍ في حياتِهِ.
وقد حذرَ اللهُ تعالى من الغفلةِ التي تصرفُ
الإنسانَ عن الذكرِ والمسؤوليةِ، فقالَ سبحانهُ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ
إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ١-٢]. والآيتانِ في ذمِّ الغفلةِ
والإعراضِ عن الذكرِ، وفيهما تنبيهٌ إلى خطورةِ استغراقِ الإنسانِ في اللهوِ حتى ينصرفَ
عن واجبِهِ. وقالَ تعالى في وصفِ المؤمنينَ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا
بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:
٣٧].
وقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم:
«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»
[رواه البخاري]. فقد يملكُ الإنسانُ وقتًا وصحةً، ثم يكتشفُ أنهُ أنفقَهما فيما لا
يعودُ عليهِ بنفعٍ يتناسبُ معَ ما بذلَهُ.
وتشتدُّ المشكلةُ عندما يعجزُ اللاعبُ عن
التوقفِ، أو يواصلُ اللعبَ رغمَ محاولاتِهِ المتكررةِ لتقليلِهِ، أو يهملُ دراستَهُ
ونومَهُ وعلاقاتِهِ بسببِ انشغالِهِ بهِ. وقد عرّفتْ منظمةُ الصحةِ العالميةُ اضطرابَ
الألعابِ بأنهُ نمطٌ من اللعبِ يتسمُ بضعفِ السيطرةِ عليهِ، وتقديمِهِ على الأنشطةِ
والاهتماماتِ الأخرى، والاستمرارِ فيهِ رغمَ عواقبِهِ السلبيةِ، معَ حدوثِ خللٍ واضحٍ
في الأداءِ الشخصيِّ أو الأسريِّ أو الاجتماعيِّ أو التعليميِّ أو المهنيِّ. ويكونُ
هذا النمطُ ظاهرًا عادةً مدةَ اثني عشرَ شهرًا، وإن أمكنَ أن تكونَ المدةُ أقصرَ في
الحالاتِ الشديدةِ.
ولا يعني ذلكَ أنَّ كلَّ من يطيلُ اللعبَ
مصابٌ باضطرابٍ مرضيٍّ؛ فالمعيارُ هو أثرُ اللعبِ في حياةِ الإنسانِ وقدرتِهِ على التحكمِ
فيهِ، لا عددُ الساعاتِ وحدَهُ.
ووجهُ الدلالةِ: أنَّ الشريعةَ تحفظُ للإنسانِ
وقتَهُ وواجباتِهِ، وتمنعُ أن يستولي نشاطٌ مباحٌ في أصلِهِ على حياتِهِ حتى يعطلَ
مصالحَهُ وحقوقَهُ. فإذا أصبحَ اللعبُ سببًا لتفويتِ الصلاةِ أو إهمالِ الأسرةِ أو
تراجعِ الدراسةِ والعملِ، فقد تجاوزَ حدَّ الترويحِ، وصارَ الإفراطُ فيهِ سلوكًا يستوجبُ
المعالجةَ وضبطَ النفسِ.
العنصر الثالث: الدراسات الحديثة تكشف أضرار
الإفراط في اللعب
تناولتْ دراساتٌ علميةٌ متعددةٌ الآثارَ
المحتملةَ للإفراطِ في الألعابِ الإلكترونيةِ، وأظهرتْ ارتباطَ اللعبِ الإشكاليِّ بمجموعةٍ
من المشكلاتِ النفسيةِ والصحيةِ والاجتماعيةِ. وتختلفُ هذهِ الآثارُ باختلافِ طبيعةِ
اللعبةِ، ومدةِ الاستخدامِ، وعمرِ اللاعبِ، وظروفِهِ الشخصيةِ والأسريةِ.
فعلى المستوى العقليِّ والتعليميِّ، قد
يؤدي الاستغراقُ في اللعبِ إلى تشتيتِ الانتباهِ عن المهامِّ الدراسيةِ، وتأخيرِ الواجباتِ،
والتراجعِ في التحصيلِ، ولا سيما إذا نافسَ اللعبُ النومَ والمذاكرةَ والأنشطةَ المفيدةَ.
وعلى المستوى النفسيِّ، وجدتْ مراجعاتٌ علميةٌ ارتباطًا بينَ اللعبِ الإشكاليِّ وارتفاعِ
أعراضِ القلقِ والاكتئابِ لدى بعضِ الفئاتِ. غيرَ أنَّ هذا الارتباطَ لا يثبتُ أنَّ
اللعبَ وحدَهُ هو سببُ هذهِ الأعراضِ في كلِّ حالةٍ؛ فقد تتداخلُ عواملُ نفسيةٌ وأسريةٌ
واجتماعيةٌ متعددةٌ.
أما صحيًّا، فإنَّ السهرَ المتكررَ وقلةَ
الحركةِ والجلوسَ الطويلَ قد تؤثرُ في جودةِ النومِ والنشاطِ البدنيِّ، وقد تسهمُ في
مشكلاتٍ صحيةٍ معَ استمرارِها. واجتماعيًّا، قد ينسحبُ بعضُ المستخدمينَ من مجالسِ
الأسرةِ، ويقلُّ تواصلُهم المباشرُ معَ الآخرينَ، وتزدادُ الخلافاتُ بينهم وبينَ ذويهم
بسببِ الوقتِ المخصصِ للعبِ.
وقد أدرجتْ منظمةُ الصحةِ العالميةِ اضطرابَ
الألعابِ ضمنَ الاضطراباتِ الناجمةِ عن السلوكياتِ الإدمانيةِ. وهذا التصنيفُ لا يعني
أنَّ ممارسةَ الألعابِ في ذاتِها مرضٌ، ولا أنَّ جميعَ اللاعبينَ معرضونَ للاضطرابِ؛
إذ يرتبطُ التشخيصُ باختلالِ السيطرةِ على اللعبِ، وتقديمِهِ على الأنشطةِ الأخرى،
والاستمرارِ فيهِ رغمَ أضرارِهِ، معَ حدوثِ خللٍ ملحوظٍ في حياةِ الشخصِ.
ووجهُ الدلالةِ: أنَّ حفظَ النفسِ والعقلِ
من مقاصدِ الشريعةِ، وأنَّ الترويحَ إذا أفضى إلى ضررٍ معتبرٍ استدعى المراجعةَ والوقايةَ
والعلاجَ. والمطلوبُ أن نتعاملَ معَ نتائجِ الدراساتِ بوعيٍ وإنصافٍ؛ فلا نُجرِّمُ
كلَّ لعبةٍ، ولا نتجاهلُ الأضرارَ التي قد تصاحبُ الإفراطَ فيها.
العنصر الرابع: الاستخدام الرشيد للتقنية
يحمي الأبناء ويصون الروابط الأسرية
تبدأُ مواجهةُ مخاطرِ الألعابِ الإلكترونيةِ
بالتربيةِ الواعيةِ، وتحتاجُ إلى تعاونِ الأسرةِ والمدرسةِ والمسجدِ ووسائلِ الإعلامِ.
ومن أولى الخطواتِ أن يضعَ الوالدانِ قواعدَ واضحةً لاستخدامِ الأجهزةِ، فيُحدَّدُ
وقتُ اللعبِ بما يناسبُ عمرَ الطفلِ وواجباتِهِ، وتُقدَّمُ الدراسةُ والعباداتُ والمهامُّ
المنزليةُ على الترفيهِ، معَ مراعاةِ ألا يزاحمَ اللعبُ النومَ أو الأنشطةَ البدنيةَ
والاجتماعيةَ.
ومن المهمِّ أن يعرفَ الأبوانِ طبيعةَ الألعابِ
التي يمارسُها أبناؤهما، وما تتضمنُهُ من محتوى أو محادثاتٍ أو مشترياتٍ إلكترونيةٍ،
وأن يستخدما إعداداتِ الرقابةِ الأبويةِ عندَ الحاجةِ. وينبغي أن تكونَ القواعدُ واضحةً
وثابتةً، وأن يفهمَ الأبناءُ أسبابَها، حتى يتعلموا ضبطَ أنفسِهم تدريجيًّا، ويشاركوا
في تحملِ مسؤوليةِ الاستخدامِ.
وللقدوةِ أثرٌ كبيرٌ في هذا البابِ؛ فمن
المهمِّ أن يراجعَ الوالدانِ استخدامَهما الشخصيَّ للأجهزةِ، وأن يخصصا وقتًا للحوارِ
معَ الأبناءِ بعيدًا عن الشاشاتِ. ولنجعلْ للوجباتِ العائليةِ والمجالسِ المنزليةِ
أوقاتًا خاليةً من الهواتفِ، ولنفتحْ أمامَ الأبناءِ أبوابًا أخرى للمتعةِ، كالرياضةِ
والقراءةِ والرحلاتِ والأنشطةِ الجماعيةِ؛ فكلما تنوعتْ اهتماماتُ الطفلِ، زادتْ فرصُهُ
في تحقيقِ التوازنِ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. ووجهُ الدلالةِ أنَّ
رعايةَ الأسرةِ مسؤوليةٌ شرعيةٌ تشملُ التوجيهَ والحمايةَ من أسبابِ الضررِ، والأخذَ
بوسائلِ الوقايةِ المناسبةِ.
وإذا عجزَ الابنُ عن تقليلِ اللعبِ، أو
استمرَّ في إهمالِ واجباتِهِ ونومِهِ وعلاقاتِهِ رغمَ محاولاتِ الأسرةِ، فالأولى طلبُ
المشورةِ من مختصٍّ مؤهلٍ. فالتقنيةُ أداةٌ يمكنُ الانتفاعُ بها، وحسنُ استخدامِها
يحتاجُ إلى وعيٍ وحدودٍ واضحةٍ، تعينُ الإنسانَ على أداءِ مسؤولياتِهِ وتحفظُ عليهِ
صلتَهُ بأهلِهِ ومجتمعِهِ.
خاتمة
عبادَ اللهِ، إنَّ الألعابَ الإلكترونيةَ
واقعٌ نعيشُهُ، والتعاملُ معها يحتاجُ إلى وعيٍ يميزُ بينَ الانتفاعِ بالتقنيةِ والإفراطِ
في استخدامها. فلنحفظْ أوقاتَ أبنائنا، ولنرعَ عقولَهم وأبدانَهم، ولنمنحْهم من الحوارِ
والاهتمامِ والأنشطةِ النافعةِ ما يوسعُ آفاقَهم ويعينُهم على بناءِ شخصياتِهم. ولنتذكرْ
أنَّ مسؤوليتَنا تشملُ حمايةَ الأبناءِ من كلِّ سلوكٍ يضرُّهم أو يعطلُ نموَّهم. فلنكنْ
قدوةً لهم في الاعتدالِ، وحزمًا في موضعِ الحزمِ، ورفقًا في موضعِ الرفقِ، ولنجعلِ
التقنيةَ وسيلةً للتعلمِ والتواصلِ والنفعِ، لا سببًا في ضياعِ الواجباتِ وضعفِ الروابطِ
الأسريةِ. فصلاحُ الأبناءِ أمانةٌ، ورعايتُهم مسؤوليةٌ، وحسنُ توجيهِهم من أعظمِ ما
نقدمهُ لهم في حاضرِهم ومستقبلِهم.