recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة أزمة الإدمان الرقمي وصناعة التفاهة (رؤية مقاصدية لتجديد الوعي)أحمد بهدر

أزمة الإدمان الرقمي وصناعة التفاهة (رؤية مقاصدية لتجديد الوعي)

 




 الحمد لله الذي شرف الإنسان بالعقل، وجعله مناطاً للتكليف، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الوقت وعاءً للعمل ومزرعة للآخرة، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، حذر من ضياع الأعمار في العبث، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.


أما بعد:

#فإن الخطاب الديني الرصين يقتضي منا ألا ننعزل عن واقعنا، بل نشتبك مع نوازل العصر وأزماته اشتباكاً فقهياً واعياً.

#وإن من أخطر النوازل التي تعصف ببيوتنا وعقول شبابنا اليوم: نازلة "الإدمان الرقمي وتحول الترفيه إلى صناعة لتغييب الوعي".

#ولتفكيك هذه الأزمة، وتأسيس وعي حقيقي يحمي الأجيال، نقف اليوم مع عناصر رئيسة، نؤصلها بالقواعد الشرعية، وننزلها على واقعنا المعاصر:

٠٠٠٠٠٠٠٠

العنصر الأول: الفلسفة المادية وصناعة الإلهاء (الوسائل لها أحكام المقاصد)

#أيها المسلمون، لم يعد الترفيه في زماننا مجرد نشاط عفوي يمارسه الإنسان في أوقات فراغه، بل أصبح "صناعة مؤسسية" تضخ فيها مليارات الدولارات.

#لقد أدركت الفلسفة المادية المعاصرة أن العقول المفكرة تمثل خطراً على استنزافها للمجتمعات، فاستبدلت قهر الأجساد بالسياط، بقهر العقول بـ "التخدير اللذيذ".

#لقد انتقلنا من مرحلة الترويح عن النفس إلى مرحلة "الاستعباد الطوعي" للشاشات.

#وهنا نستحضر القاعدة الأصولية العظيمة: "الوسائل لها أحكام المقاصد"؛ فإذا كان الترفيه وسيلة لتجديد النشاط فهو مباح، أما إذا تحول إلى غاية تلتهم الأعمار، وتلهي عن أداء الصلوات، وتدمر الواجبات الأسرية، وتصرف الأمة عن قضاياها المصيرية، فإنه يأخذ حكم المنع؛ لأن ما أدى إلى الحرام فهو حرام.

٠٠٠٠٠٠

#وقد حذرنا القرآن الكريم من هذا الانقلاب الخطير في المفاهيم، حيث تتخذ الأمة لهوها ديناً وغاية، فقال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.

قال الطبري: "هؤلاء هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا غَايَتَهُمْ مِنَ الْحَيَاةِ مُجَرَّدَ اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، فَاغْتَرُّوا بِزَخَارِفِ الدُّنْيَا وَنَسُوا مَا خُلِقُوا لِأَجْلِهِ".

(الطبري . جامع البيان عن تأويل آي القرآن . 316 . 9 .)

٠٠٠٠٠٠٠

العنصر الثاني: الإدمان الرقمي وتدمير الإرادة في ضوء (مقصد حفظ العقل)

#إن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ ضروريات خمس، في مقدمتها "حفظ العقل". ولا يقتصر إتلاف العقل على شرب المسكرات، بل يمتد إلى كل ما يعطل وظائف الدماغ الإدراكية.

#لقد أثبت الطب الحديث أن التعرض المستمر للإثارة في الألعاب الإلكترونية ومقاطع الفيديو القصيرة يفرز هرمون (الدوبامين) بكثافة غير طبيعية، مما يصيب الشاب بـ "هشاشة الانتباه" وتآكل الإرادة، وهذا ما دفع المنظمات الصحية العالمية لتصنيف "اضطراب الألعاب" كمرض عقلي!

٠٠٠٠٠٠٠

#وهنا تتجلى القاعدة الفقهية الكبرى: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح". فمهما ادعى البعض وجود مصالح تسلية في هذه الألعاب، فإن مفسدة تدمير الإرادة والانعزال عن الواقع أعظم وأخطر.

#إن العقل الذي أدمن اللذات العاجلة يعجز تماماً عن الصبر على طلب العلم أو العمل الجاد. ولنا في سلفنا الصالح أسوة في بناء الإرادة الصلبة؛ فهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، يكابد حر الظهيرة، ويتوسد رداءه على باب زيد بن ثابت، وتسفي الريح على وجهه التراب، صابراً لطلب العلم. هذه هي (المكابدة) التي تصنع الرجال، والتي حث عليها النبي ﷺ بقوله: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ».

"الْجَنَّةُ لَا تُنَالُ إِلَّا بِاقْتِحَامِ الْمَشَاقِّ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَلَى الصَّبْرِ، بَيْنَمَا النَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِالْمَلَذَّاتِ الْعَاجِلَةِ".

(النووي . المنهاج شرح صحيح مسلم . 165 . 17 .)

٠٠٠٠٠٠٠٠

العنصر الثالث: تسطيح الجدية وتسليع القضايا الكبرى (إنه لقول فصل)

#عباد الله، إن من أخطر آثار هذه الآلة الترفيهية أنها فرضت منطقها على كل شيء، فتلاشت الحدود بين الجد والهزل. لقد أصبحت أخبار الحروب، وأشلاء المستضعفين، وانتهاكات المقدسات، تُبث وسط فواصل من الإعلانات التجارية والمقاطع الفكاهية! هذا التجاور العبثي ينزع عن المآسي جلالها، ويبلد المشاعر، فتمر الكارثة على الشاب فلا تحرك فيه ساكناً. وقد وصف الله قرآنه ودينه بالجدية المطلقة فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾.

"إِنَّهُ لَقَوْلٌ حَقٌّ وَجِدٌّ، يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَيْسَ فِيهِ شَوْبٌ مِنَ اللَّعِبِ أَوِ الْعَبَثِ".

(ابن كثير . تفسير القرآن العظيم . 375 . 8 .)

٠٠٠٠٠٠٠٠

العنصر الرابع: الترويح الإيجابي وشروط الترفيه في الميزان الشرعي

#نحن في الإسلام لا ندعو إلى مصادرة الفرح، ولا نكبت حاجة النفس للراحة.

#فالقاعدة الفقهية تنص على أن: "الأصل في الأشياء الإباحة"، وتكتمل بالقاعدة العظيمة: "المباح بالنية الصالحة ينقلب إلى طاعة".

#ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة؛ فقد كان يمازح أصحابه، ومارس الترويح البدني فصارع رُكانة بن عبد يزيد، وسابق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الجري.

#ولكن الشريعة الغراء وضعت شروطاً وضوابط دقيقة لحماية هذا الترفيه من الانحراف، وهي:

٠٠٠٠٠٠

أولاً: الخلو من المحرمات الشرعية والأخلاقية؛ فلا يجوز الترفيه بما يتضمن قماراً، أو كشفاً للعورات، أو استهزاءً بشعائر الدين.

٠٠٠٠٠٠

ثانياً: ألا يؤدي إلى تضييع الواجبات؛ فالترفيه محطة التقاط أنفاس، لا يجوز أن يطغى على صلاة مكتوبة، أو عمل واجب.

"وَكُلُّ مَا أَلْهَى عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَصَدَّ عَنْهَا فَهُوَ بَاطِلٌ".

(القرطبي . الجامع لأحكام القرآن . 64 . 14 .)

٠٠٠٠٠٠

ثالثاً: الاعتدال وعدم الإسراف؛ فالترويح كالملح في الطعام، إن قَلَّ لم يُستسغ، وإن زاد أفسده وأورث القلب قسوة ومرضاً، مصداقاً للتوجيه النبوي: «سَاعَةً وَسَاعَةً».

٠٠٠٠٠٠

رابعاً: السلامة من الضرر المادي والمعنوي؛ انطلاقاً من قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، يُمنع كل لعب يلحق الأذى بجسد الإنسان، أو يسبب الإدمان وتشتت الانتباه كما في كثير من الألعاب الإلكترونية اليوم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

٠٠٠٠٠٠٠

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

#أيها المسلمون، انطلاقاً من قاعدة "الضرر يُزال" وقاعدة "التصرف على الرعية منوط بالمصلحة"، فإن مسؤوليتنا كآباء ومربين توجب علينا الانتقال من دائرة الشكوى إلى دائرة الفعل، عبر خطوات عملية ننقذ بها أسرنا:

٠٠٠٠٠٠

أولاً: إعمال فقه المآلات:

#لا تنظروا إلى سكون الطفل وهو يمسك بهاتفه لساعات على أنه "راحة لصدع الرأس"، بل انظروا إلى مآل هذا السكون؛ إنه عواصف من التشتت، والعزلة، وضعف التحصيل الدراسي.

٠٠٠٠٠٠

ثانياً: التقنين الحازم والمصاحبة:

#حددوا أوقاتاً صارمة لاستخدام الشاشات، وامنعوها تماماً في غرف النوم وعلى موائد الطعام. لنسترد دفء الأسرة، فالبيوت تبنى بالحوار لا بالصمت الإلكتروني.

٠٠٠٠٠٠٠

ثالثاً: توفير البديل الواقعي:

#اصحبوا أبناءكم إلى المساجد، شجعوهم على الرياضة الحقيقية، افتحوا لهم آفاق القراءة، واجلسوا معهم مجالس أنس وحوار، فالطبيعة تأبى الفراغ، والنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

الخلاصة:

١. صناعة الترفيه المفرط أداة حديثة لتغييب الوعي، والإدمان الرقمي يتعارض مع مقصد حفظ العقل.

٢. تسطيح الجدية يفقدنا الإحساس بالمآسي والقضايا الكبرى.

٣. الترويح في الإسلام مشروع ومطلوب، بشرط أن يوافق الشروط الأربعة: (خلوه من المحرمات، ألا يضيع الواجبات، الاعتدال، والسلامة من الضرر).

٤. التقنين وتوفير البدائل الإيجابية هي خطواتنا العملية لاسترداد أوقاتنا وعقول شبابنا.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واحفظ أبناءنا وبناتنا من مضلات الفتن. وأقم الصلاة.

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent