وقفات مع سورة العصر
من السور التي نقرؤها مرارا وتكرارا وأكثر الناس في غفلة عن معانيها سورة العصر؛ سورة حَوَتْ فِي طياتِهَا كثيراً مِن المعانِي الإيمانيةِ، والفوائدِ التربويةِ والسلوكيةِ، يقول الله تعالى :"وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"(العصر: 1 - 3).
فضل سورة العصر:
والمتأمل في هذه السورة يجد فيها مقومات المجتمع المتكامل الذي قوامه الفضائل المثلى والقيم الفضلى، قال عنها الشَّافِعِي: لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم. وفي رواية:"لو تدبَّر الناس هذه السورة، لَوسِعتهم"، وفي رواية عنه: "لو لم ينزل إلى الناس إلا هي، لكفتهم". وقال: الناس في غفلة عن هذه السورة.(تفسير الإمام الشافعي (3/ 1461).
قال بعض العلماء:" مراده -رحمه الله- أن هذه السورة كافيةٌ للخلق في الحث على التمسك بدين الله؛ بالإيمان، والعمل الصالح، والدعوة إلى الله، والصبر على ذلك، وليس مراده أن هذه السورة كافية للخلق في جميع الشريعة؛ لأن العاقل البصير إذا سمع هذه السورة أو قرأها فلا بد أن يسعى إلى تخليص نفسه من الخسران؛ وذلك باتصافه بهذه الصفات الأربع"(شرح الأصول الثلاثة: 12، باختصار).
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله: “هَذِهِ السُّورَة على اختصارها هي من أجْمَع سور القُرْآن للخير بحذافيره، والحَمْد لله الَّذِي جعل كِتابه كافِيًا عَن كل ما سواهُ، شافيًا من كل داء، هاديًا إلى كل خير"(مفتاح دار السعادة: 1/ 56).
مقصدها: سورة العصر جاءت في غاية الإيجاز والبيان، وفي نفس الوقت غاية الشمول والتكامل والترابط، لتوضيح سبب سعادة الإنسان أو شقائه، ونجاحه في هذه الحياة أو خسرانه ودماره، لذلك كانَ الصحابةُ الكرامُ رضيَ اللهُ عنْهُمْ يقرؤونَهَا إذَا الْتَقَوْا أَوِ افترَقُوا. فعَنْ أَبِي مَدِينَةَ الدَّارِمِيِّ -رضى الله عنه- قَالَ: كَانَ الرَّجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا الْتَقَيَا، لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَقْرَأَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ:"وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ"، ثُمَّ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ"(الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان وصححه العلماء).
مناسبتها بما قبلها وبعدها
وقعت ( سورة النجاة ) بين سورة التكاثر وسورة الهمزة، وفيهما بيان لأهم أسباب الخسارة وهو (الانشغال بالناس ) فجاءت سورة العصر لتبين أسباب النجاة من الخسران
مناسبة السورة لما قبلها:
سورة القارعة: تبين انقسام الناس إلى قسمين: أهل السعادة من أهل الجنة، وأهل الشقاوة من أهل النار.
سورة التكاثر: جاءت تبين أسباب الشقاوة؛ وهي: التكاثر والاشتغال بالدنيا.
وسورة العصر: تبين أسباب الفوز، كيف تنجو وتكون من أهل السعادة؟ ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 - 3].
قوله: ﴿ وَالْعَصْرِ ﴾ [العصر: 1]:
بدأت السورة بقسَم، فالواو من حروف القسم، والله جل جلاله يقسم بما شاء من مخلوقاته، أما العبد فلا يحلف إلا بالله، والله عز وجل إذا أقسم بشيء فهو لبيان عظمته، ولبيان منَّته، بمعنى: أنه يلفت نظر العباد بالذي أقسم به، وأقسم عليه.
• وهنا أقسم بالعصر الذي هو الوقت، أو العمر، أو الدهر، أو الزمان؛ لبيان شرفه وأهميته، وأنه هو رأس مال الإنسان، وهو الذي تقع فيه حركات بني آدم من خير وشرٍّ، فالأيام والليالي خزائن للأعمال الصالحة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [الفرقان: 62].
وقفات مع سورة العصر
- وقفة مع مَن أقسم
إنه الله العلي العظيم القوي المتين، إذا تكلّم فكلامه فصل وليس بالهزل، فما ظنك إذا أقسم؟ سمع أعرابي آية بها قَسَمٌ، فقال: يا سبحان الله! من الذي أغضب الجليل حتى حلف! ألم يصدقوه في قوله حتى ألجئوه إلى اليمين؟.(تفسير القرطبي (17/ 42).
- وقفة مع القسم
- هذا آخر قسَم في القرآن، فلابد من الانتباه قبل فوات الأوان....متى يتحرك قلبك؟ متى تَفيق من غفلتك؟
- حروف القسم ثلاثة ( والله، وبالله، وتالله ) ويلحق بهم اللام الموطئة للقسم كما في قوله تعالى {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} [التكاثر: 6]
- اللهُ عز وجل يقسم بما شاء من خلقه ونحن لا نُقسم إلا بالله لأن الحلف حق لله لا يُصرف إلا له.
وقفة مع المقسَم به
ما معنى العصر ؟
والاختلاف فيه ومناسبة كل معنى
العصر: اسم للزمن كله أو جزء منه لذلك اختلف العلماء فيه على أقوال أشهرها:
1 - الدهر والزمان كله ( جميع العصور الماضية والحاضرة والمستقبلة )
لماذا أقسم بالزمان؟ لأنه محل الحوادث العظام وفيه من العبر والآيات لمن له قلب؛ فأمةٌ تذهب، وتأتي أخرى، ودولة تسقط وتقوم أخرى، جيل يفنى ويولد جيل والزمان كما هو؛ الليل ليل والنهار نهار، "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ"(آل عمران: 190).
الرسالة: هل من معتبر؟ هل من مدّكر؟ هل من صاحب قلب؛ اللهم اجعل لنا عبرة ولا تجعلنا عبرة.
2- العصر: عمُر الإنسان.. .لماذا أقسم بعمر الإنسان؟
لأنه محل الربح والخسران؛ فما ربح من ربح إلا من خلال وقت، وما خسر من خسر إلا من خلال وقت، قال تعالى:"وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا"(الفرقان: 62).
العجيب: أن يحتفل البعض بعيد الميلاد بعد مرور كل سنة من عمره فيخالف بذلك الشرع والعقل؟ المفترض أن يحزن ويغتم لأنك تقترب من أجلك ومن قبرك!
الرسالة: أوقاتنا هي رأس أموالنا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى قَبْرٍ دُفِنَ حَدِيثًا، فَقَالَ:"رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ مِمَّا تَحْقِرُونَ وَتَنْفِلُونَ، يَزِيدُهُمَا هَذَا فِي عَمَلِهِ، أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُمْ".(ابن المبارك في الزهد (1/ 10، رقم 31)، صَحِيح الْجَامِع: 3518).
الاعتبار بانقضاء الأعمار بين توديع عام واستقبال آخر
عباد الله : إن هذه الشمس التي تطلع كل يوم من مشرقها وتغرب من مغربها تحمل أعظم الاعتبار ، فطلوعها ثم غيابها إيذان بأن هذه الدنيا ليست دار قرار، وإنما طلوع وزوال
قال أبو الدرداء رضي الله عنه ” يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب منك يوم ذهب بعضك” أخرجه البيهقي في الشعب
وقال أبو حازم رحمه الله ” عجبا لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كل يوم مرحلة ويدعون أن يعملوا لدار يرحلون إليها كل يوم مرحلة ” صفة الصفوة
وهذا السير الحثيث يباعد عن الدنيا، ويقرب من الآخرة يباعد من دار العمل ويقرب من دار الجزاء
الناجحون في الدنيا هم المستغلون لأوقاتهم، وكذلك السابقون في الآخرة هم أهل اليقظة.
كان عمر بن الخطاب يقول: "إني لأرى الرجلَ فيُعجِبُني، فأقول: أَلَهُ حِرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط من عيني.(ربيع الأبرار ونصوص الأخيار للزمخشري (3/ 115)
قال عمر -رضى الله عنه- أيضا: إني لأكره أن أرَى أحَدَكم سَبَهْلَلا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة.(مجمع الأمثال لأبي الفضل النيسابوري (1/ 172)
وقال عبد الله بن مسعود: ما نَدِمتُ على شيء نَدَمي على يومٍ غربتْ شمسُه، نقص فيه أجَلِي ولم يَزددْ فيه عملي.
قال الحسن البصري: ما من يوم ينشق فجره، إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة.
وعن الحسن قال أنه قال: أدركتُ أقواما كان أحدُهم أشحّ على عمره منه على درهمه وديناره.(العمر والشيب لابن أبي الدنيا (ص: 81).
وكانَ الحسنُ البصريُّ يقُولُ فِي مَوْعِظَتِهِ: الْمُبَادَرَةَ الْمُبَادَرَةَ، فَإِنَّمَا هِيَ الْأَنْفَاسُ، لَوْ قَدْ حُبِسَت انْقَطَعَتْ عَنْكُمْ أَعْمَالُكُمُ الَّتِي تُقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا}.ثُمَّ يَبْكِي وَيَقُولُ: آخِرُ الْعَدَدِ خُرُوجُ نَفْسِكَ، آخِرُ الْعَدَدِ فِرَاقُ أَهْلِكَ، آخِرُ الْعَدَدِ دُخُولُكَ فِي قَبْرِكَ.(قصر الأمل لابن أبي الدنيا (ص: 106)
- المغبونون حقا إن أعظم شيءٍ يغبن فيه الإنسان هو الصحة والفراغ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-:"نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ"(البخاري).
تأمل في قوله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: (كثيرٌ مِنَ الناس) فإنه يشير إلى أن الذي يوفق للعمل الصالح، و استغلال أوقات الصحة والفراغ إنما هم قليل، أما أكثر الناس فهم في غبن أي في خسارة وفي ضياع.
قَالَ الشَّافِعِيُّ -رحمه الله-: صَحِبْتُ الصُّوفِيَّةَ فَلَمْ أَسْتَفِدْ مِنْهُمْ سِوَى حَرْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُمْ: الْوَقْتُ سَيْفٌ، فَإِنْ قَطَعْتَهُ وَإِلَّا قَطَعَكَ، وَنَفْسُكَ إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالْحَقِّ وَإِلَّا شَغَلَتْكَ بِالْبَاطِلِ.
فَوَقْتُ الْإِنْسَانِ هُوَ عُمُرُهُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ مَادَّةُ حَيَاتِهِ الْأَبَدِيَّةِ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَمَادَّةُ الْمَعِيشَةِ الضَّنْكِ فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَهُوَ يَمُرُّ أَسْرَعَ مِنَ السَّحَابِ.(الداء والدواء / 157)
اغتنم وقتك قبل فوات الأوان
إلى الذين يقتلون أوقاتهم ويضيعون أعمارهم هذا هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعونا جميعا إلى استغلال أوقاتنا وانتهاز الفرصة قبل فوات الأوان، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ).(الحاكم في المستدرك وصححه).
قال ابن كثير في ترجمة الإمام البخاري: كَانَ الْبُخَارِيُّ يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السِّرَاجَ وَيَكْتُبُ الْفَائِدَةَ تَمُرُّ بِخَاطِرِهِ ثُمَّ يُطْفِئُ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى حتى كان يتعدد منه ذلك قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً.(البداية والنهاية (11/ 31 ).
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي، عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي: كان من أفاضل العالم، وأذكياء بني آدم، مفرط الذكاء، كان يحدث عن نفسه فيقول: إني لا يحل لي أن أضيِّع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة.(13)
ابن آدم تذكُّر الموت وساعة الاحتضار : حين يستدبر الإنسان الدنيا، ويستقبل الآخرة، ويتمنى لو مُنح مهلة من الزمن، ليصلح ما أفسد، ويتدارك ما فات، ولكن هيهات هيهات، فقد انتهى زمن العمل وحان زمن الحساب والجزاء. فتذكُّر الإنسان لهذا يجعله حريصاً على اغتنام وقته في مرضاة الله تعالى.
وقال أحد الصالحين لتلاميذه: " إذا خرجتم من المسجد فتفرّقوا لتقرؤوا القرآن، وتسبّحوا الله، فإنكم إذا اجتمعتم في الطريق، تكلمتم وضاعت أوقاتكم ".
• وقال شوقي:
دقات قلب المرء قائلة له … إن الحياة دقائق وثوان
إن الجاني على نفسه هو إنسان ضيع أيامه الخمسة، فالعبد له خمسة أيام يوم مفقود، ويوم مشهود، ويوم مورود، ويوم موعود، ويوم ممدود.
فاليوم المفقود هو اليوم الذي ضاع منك ومضى
واليوم المشهود هو اليوم الذي تعيش فيه حاضراً، نسأل الله أن يجعل يومنا أفضل من أمسنا، وأن يجعل غدنا خيراً من يومنا، وأن يحول حالنا إلى أحسن حال
واليوم المورود هو يوم غد لا تدري ما الله قاض فيه
واليوم الموعود عند مجيء ملك الموت فيقفل الحساب قال تعالي {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا } مريم 84
ويم ممدود وهو يوم القيامة قال تعالي (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) المعارج
وَقَالَ عَلِيٌّ بن أبي طالب رضي الله عنه ” ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ ” أخرجه البخاري
ذكر ابن الجوزي في التبصرة
نسير إلى الآجال في كل ساعةٍ وأيامنا تُطْوَى وهُــنَّ مَـراحـلُ
وما أقبحَ التفريطَ في زمن الصِّبَا فكيف به والشَّيْب في الرأس شاملُ
تَرحَّلْ من الدنيا بزادٍ من التُّقَى فعُمـرك أيامٌ وهــنَّ قـلائلُ
3 – المقصود بالعصر: صلاة العصر
وخُصت بالفضل لأن التكليف في أدائها أشقّ لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشهم.(14)
أهمية صلاة العصر
قال تعالى:"حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ"(البقرة: 238).
ومعنى الصلاة الوسطى أي وسط بين الصلوات وأفضلها وأرفعها منزلة
عَنْ عَلِيّ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ الْأَحْزَابِ: (شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، صَلَاةِ الْعَصْرِ).(15)
- إنها الصلاة المشهودة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ).(16)
- المحافظة عليها سبب لدخول الجنة، عنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- (مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ).(17)
- احذر من تأخيرها، فعن أنس -رضى الله عنه- أن رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- نظر إلى رجل جاء متأخرا عنها فقال: (تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا).(18)
- والأعظم في الجرم تضييعها: عن بريدة الأسلمي -رضى الله عنه- عن النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ مُتَعَمِّدًا حَبِطَ عَمَلُهُ).(19)
- فمصيبة ضياع صلاة العصر أعظم من مصيبة هلاك الأهل والمال، عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضى الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ).(20)
الرسالة: هل أنا من المحافظين على صلاة العصر؟
- وأما قوله (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)
جواب القسم، والخسر: قيل: هو الغبن، وقيل: النقص، وقيل: العقوبة، وقيل: الهلكة، والكل متقارب. ولم يبين هنا نوع الخسران في أي شيء، بل أطلق ليعم، وجاء بحرف الظرفية، ليُشعر أن الإنسان مستغرق في الخسران، وهو محيط به من كل جهة.(21)
تعم كل إنسان لماذا؟ لأنه وُصِفَ بهذه الأوصاف في القرآن ( كنود – شحيح – عجول – قنوط – كفور – ظلوم )
والخسران مراتب متعددة متفاوتة:
قد يكون خسارًا مطلقًا، كحال من خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم، واستحق الجحيم.
وقد يكون خاسرًا من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات.(22) وسيأتي بيانها
الخسارة الحقيقية هي أن يخسر الإنسان نفسه وأهله يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين:"قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ"(الزمر: 15).
وأما قوله :"إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ"(العصر: 3).
إلا: استثناء يدل على قلة الموصفين بالأوصاف الآتية وكثرة الخاسرين
- إِلَّا الَّذِين: تدلّ على فضل الجماعة والتعاون على الطاعة
قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28]
وقال العالم لقاتل المائة (انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ)
{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3]
هذه أركان الفلاح والنجاة من الخسران وهي أربعة:
1 - الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرع عنه لا يتم إلا به.
2 - والعمل الصالح، وهذا شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده، الواجبة والمستحبة.
3 - والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه.
4 - والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة.
فبالأمرين الأولين، يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم.(23)
والإيمان هو: التصديق الجازم بأخبار الله، واليقين التام بوعده ووعيده، والتسليم التام لشرعه وقدره.
والإيمان عند أهل السنة: قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح.
التواصي بالحق، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله على بصيرة وحكمة، وتعليم الجاهل، وتذكير الغافل، ولا يقتصر على نفسه {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا).(24)
وتواصوا بالصبر: العبرة بالثبات، العبرة بالوصول إلى الله، ولا يكون إلا بالصبر (وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ).(25)
- عطف التواصي بالصبر على التواصي بالحق رغم أن التواصي بالصبر من التواصي بالحق؛ لبيان أهمية الصبر، وعظم أثره في تحقيق النجاة والسلامة من الخسارة.
- وذكر التواصي بالصبر بعد التواصي بالحق مُشْعِرٌ بأن الدعوة إلى الحقِّ تحتاج إلى مصابرة وصبر، وأن الدعاة والمصلحين قد يلحقُهم أذًى من الناس؛ فعليهم الصبر على أذى الناس، وتحمل ما ينالونه من الأذى.
فهي من السور الجامعة؛ ولهذا ثبت عن أبي مدينة الدارمي رضي الله عنه - وكانت له صحبة - قال: ((كان الرجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقيا، لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ [العصر: 1، 2]، ثم يسلم أحدهما على الآخر"( الطبراني، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة].
موضوع السورة: بيان خسارة الناس جميعًا، إلا من اتصف بأربع صفات: الإيمان، والعمل الصالح، ودعوة الناس إلى الخير والحق، والصبر على الابتلاء في كل ما سبق، أو بيان أصول النجاة.
ما هو جواب القسم؟
قوله: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ [العصر: 2]؛ فالإنسان الخاسر: هو ذاك الذي لا يغتنم عمره، ويحافظ على الأربع الصفات هذه، وتأمل: قوله: ﴿ لَفِي ﴾ يعني هو داخل منغمس في الخسران.
• مهما كان عنده من الجاه والسلطان من غير هذه الصفات الأربعة، فهو في خسران، وتأمل: كيف أنه أكد هذه الحقيقة بثلاثة مؤكدات: (القسَم، وحرف التوكيد إن، واللام).
• فالخسارة الحقيقية: هي أن يخسر الإنسان نفسه وأهله يوم القيامة؛ كما قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الزمر: 15].
• تعلمنا هذه الآية: ضرورةَ اغتنام العمر قبل فوات الأجَل؛ رويَ عن بعض السلف قال: "تعلمت معنى السورة من بائع ثلج، كان يصيح ويقول: ارحموا من يذوب رأس ماله، ارحموا من يذوب رأس ماله، فقلت: هذا معنى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ [العصر: 2]، يمر به العصر فيمضي عمره ولا يكتسب، فإذا هو خاسر"، وكان الحسن رحمه الله يقول: "ابنَ آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يومٌ، ذهب بعضك"، وقال أحد السلف: "الأيام ثلاثة: أمس قد مضى بما فيه، وغدًا لعلك لا تدركه، وإنما هو يومك هذا فاجتهد فيه".
• ولذلك كان اهتمام السلف بالوقت عجيب، لأنهم يعرفون قيمته؛ قال الحسن البصري رحمه الله: "لقد أدركت أقوامًا كانوا أشد حرصًا على أوقاتهم، من حرصكم على دراهمكم ودنانيركم"، وكان ابن عياش رحمه الله يقول: "لو سقط من أحدكم درهمٌ، لظل يومه يقول: إنا لله، ذهب درهمي، وهو يذهب عمره، ولا يقول: ذهب عمري، وقد كان لله أقوام يبادرون الأوقات، ويحفظون الساعات، ويلازمونها بالطاعات".
قوله: ﴿ إِلَّا ﴾ أداة استثناء تخرج ما بعدها من الحكم الواقع على ما قبلها، ودائمًا ما بعدها قليل، فجميع جنس الإنسان في خسر إلا من اتصف بهذه الصفات الأربع، فالحمد لله الذي استثنى من الخسران، فقال: ﴿ إِلَّا ﴾.
فمن هم السعداء الذين استثناهم الله تعالى من الخسران؟
الجواب: هم من اتصفوا بهذه الصفات الأربع:
الأولى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [العصر: 3]، وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا به، فأول أسباب النجاة، وأول أسباب الفوز والفلاح: الإيمان بالله تعالى، وهو التصديق الجازم، والإقرار الكامل، والاعتراف التام بوجود الله تعالى وربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، واستحقاقه وحده العبادة.
• كما يتضمن أركان الإيمان الستة التي أخبر عنها صلى الله عليه وسلم: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر، خيره وشره))؛ [رواه مسلم]، فالجنة لا يدخلها إلا مؤمن؛ قال تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 25]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أَوَلَا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتُم؟ أفشوا السلام بينكم))؛ [رواه مسلم].
الثانية: ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ [العصر: 3]، فالعمل الصالح هو برهان الإيمان؛
قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ [النساء: 124]، وقال تعالى: ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ
مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [الحج: 50]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ
لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴾ [الكهف: 107].
الثالثة: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾ [العصر: 3]، والحق: هو الشرع، فلا ننجو جميعًا حتى نتواصى بالحق، ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا لذلك؛ فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقَوا من الماء، مرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجَوا ونجَوا جميعًا))؛ [رواه البخاري].
الرابعة: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 3]؛ لأن الذي يسير في هذا الطريق لا بد أن يواجه العقبات، فيصبر على الحق ويثبت عليه.
ومن مراتب الصبر: الصبر على طاعة الله تعالى، فالعبادة تحتاج إلى الصبر؛ كما قال تعالى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ"(مريم: 65).
فالصلاة تحتاج إلى الصبر؛ كما قال تعالى:"وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا "(طه/ 132).
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله والتواصي بالحق مما يحتاج إلى صبر؛ كما قال تعالى حاكيًا عن لقمان:"يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ"(لقمان: 17).
ومرافقة أهل الصلاح تحتاج إلى صبر؛ كما قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ"(الكهف: 28).
والصيام يحتاج إلي صبر
عن أبي هريرة قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:" شهرُ الصبرِ ، وثلاثةُ أيامٍ من كلِّ شهرٍ ، صومُ الدهرِ"( صحيح النسائي وأحمد).
أرشَدَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُمَّتَه إلى ما ينفَعُهم من الأعمالِ، وعلَّمَها كيف تُؤدِّي هذه الأعمالَ دونَ إفراطٍ أو تَفريطٍ، كما بيَّنَ أنَّ فضْلَ اللهِ عظيمٌ، وأنَّه سبحانه يُجازي على الأعمالِ بفضْلِه وكرَمِه غيرِ المحدودِ.
وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "شَهرُ الصَّبرِ"، أي: صيامُ شَهرِ الصَّبرِ وهو رمضانُ؛ لِمَا فيه من الصَّبرِ على مَشقَّتيِ العطَشِ والجوعِ والصَّبرِ عن إتيانِ النِّساءِ في النَّهارِ، "وثلاثةُ أيَّامٍ من كلِّ شَهرٍ صَومُ الدَّهرِ"، أي: يعدِلُ ويُساوي في الثَّوابِ صِيامَ العامِ كلِّه لمَن أتى بهذا الصَّومِ بشُروطِه وآدابِه؛ وذلك أنَّ اللهَ يُعْطي بالحَسنةِ عشْرَ أمثالِها، فصيامُ ثَلاثةِ أيَّامٍ من كلِّ شَهرٍ تعدِلُ الشَّهرَ كلَّه، وبذلك يكونُ المُسلِمُ كأنَّه صام العامَ كلَّه مع صيامِه شَهرَ رمضانَ، ومَن داومَ على هذا كلَّ عامٍ؛ فكأنَّه صام دَهْرَه وعُمرَه كلَّه.
وليس في هذا الحديثِ تَحديدُ ثلاثةِ أيَّامٍ بعينِها.
وفي الحديثِ: بَيانُ فضْلِ الصِّيامِ.
وفيه: بَيانُ تَيسيرِ اللهِ تعالى على أُمَّةِ الإسلامِ، وإعطائِه الأجْرَ العظيمَ على العَملِ اليَسيرِ.
• وهكذا كل العبادات والطاعات تحتاج إلى صبر للمداومة عليها، لا سيما الأعمال التي تحتاج إلى وقت طويل، وتلك التي تتطلب البذل والعطاء والتضحية، فلا ينال العبد ثمراتها بعد الاستعانة بالله تعالى إلا بالصبر والمثابرة، فهذا الذي يصبر عن الحرام لا يسمى عفيفًا إلا بعد الصبر والمثابرة على ذلك، والذي يصبر عند لقاء العدو يسمى شجاعًا، والذي يصبر على إخراج المال وزكاته يسمى كريمًا، والذي يصبر على حاله لا يفرح بالمال إذا أتى، ولا يجزع إذا ذهب، فإنه يسمى زاهدًا، والذي يصبر على كتمان السر يسمى كاتمًا وحافظًا للسر.
نسأل الله العظيم أن يجعلنا من عباده الصابرين عند الضراء، والشاكرين عند السراء.
رسائل سورة العصر
- شرفُ الوقت وأهميتُه: فالله عَزَّ وجَلَّ أقسم به {وَالْعَصْرِ}وكفى بالوقت شرفًا ورفعة أن يُقسِمَ به ملكُ الملوك.
- وقتك هو مستقبلك الأبدي ( كل ثانية في حياتك لها قدرها )
- عليك بالجماعة الصالحة - البعد عن البيئة الفاسدة ( اخرج من المستنقع حتى تطهر )
- لا تغتر بالكثرة، {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116]
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243]
- لا تستوحش من قلة السالكين
قال الفضيل بن عياض: عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل، ولا تغتر بكثرة الهالكين. وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق.(26)
- فضل الإيمان وعمل الصالحات، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. هم الرابحون، ومن سواهم خاسرٌ
- عمل الخير وحدَه لا يكفي للفوز والسعادة في الدارين حتى يكون صادرًا عن إيمان.
- وجوبُ الدعوة إلى الله، فلا يكفي أن يؤمن الإِنسانُ ويعمل الصالحات، ويقتصر على إصلاح نفسه، بل لا بد أن يعمل على إصلاح غيرِه؛ ليفوز وينجوَ من الخسارة.
مقاصد سورة العصر العقدية
سورة العصر من قصار السور التي يحفظها عامة المسلمين -بفضل الله- لكنْ قليلٌ منهم فقط من وُفِّق إلى تدبر مقاصد سورة العصر، واستخراج ما فيها من الأهداف العقدية والإيمانية، وهذه وقفات مع مقاصد سورة العصر وبيانٌ لبعض معانيها ومراميها:
أقسم الله في بداية السورة بالعصر، وهو الزمان الذي يحيا فيه بنو آدم ويمارسون أعمالهم خيرها وشرها، والله -تعالى- عظيمٌ لا يقسم إلا بعظيم، وهذا القسم يتناسب مع المقسم عليه، ويتناسب مع مقاصد سورة العصر التي سيأتي بيانها إن شاء الله.
فأقسم الله أن الإنسان -أي كل الناس- في خسارة وهلاك، ثم استثنى من تلك الخسارة وذلك الهلاك من اتصفوا بصفاتٍ أربع؛ وهي:
1- الإيمان بالله، ويستلزم معرفة العبد بربه ونبيه ﷺ، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
2- العمل الصالح.
3- التواصي بالحق، وهو الدعوة إلى دين الإسلام.
4- التواصي بالصبر.
وهذه الصفات الأربع؛ هي مقاصد سورة العصر العقدية؛ والتي تدور السورة حولها، وتوجّه المسلم للالتفات إليها والاعتناء بها.
قال ابن القيم -رحمه الله- عن مقاصد سورة العصر الأربع:
“جهاد النفس أربع مراتب:
إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين.
الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.
الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله.
الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله.
فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين.” (زاد المعاد: 3/ 1).
هذه هي مقاصد سورة العصر العقدية، وهي بمثابة السراج الذي يستضيء به المؤمن في حياته لينجو من الخسران والهلاك.
تعرف المقاصد العقدية من الآيات القرآنية.
فينبغي على المسلم أن يتعلّم مقاصد سورة العصر، ويعلّمها للأطفال؛ فهي سورة قصيرة يسيرة في الحفظ، ويسهل على الأطفال معرفة ما بها من فوائد، وأما عن سبب نزول سورة العصر؛ فلم يُنقَل لنا نص صحيح في سبب نزولها.
المقصد الأول من مقاصد سورة العصر: (الإيمان)
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾
هذا هو المقصد الأول من مقاصد سورة العصر؛ (الإيمان بالله -تعالى)، والإيمان بالله يشمل عدة واجبات.
قال الإمام الطبري في تفسيره لسورة العصر: “إلا الذين صدّقوا الله ووحَّدوه، وأقرّوا له بالوحدانية والطاعة، وعملوا الصالحات، وأدّوا ما لزمهم من فرائضه، واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه” (تفسير الطبري: 24/ 613، 614).
فالإيمان هو: التَّصديقُ الجازمُ بكلِّ ما أخبَرَ به اللهُ ورسولُهُ، مع الإقرارِ والطمأنينةِ، والقَبولُ به والانقيادُ له.
وذكر البخاري أن عمر بن عبد العزيز قد كتب إلى عَدي بن عدي: أن الإيمان فرائض، وشرائع، وحدود، وسنن؛ فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان.
قال ابن حجر معلقًا على ذلك: “قوله (فرائض) أي: أعمال مفروضة، (وشرائع) أي: عقائد دينية، و(حدود) أي: منهيات ممنوعة، و(سنن) أي: مندوبات”. (فتح الباري: 1/ 47).
وقال الشيخ السعدي -رحمه الله- في تفسيره للمقصد الأول من مقاصد سورة العصر: “ولا يكون الإيمان بدون العلم؛ فهو فرع عنه لا يتم إلا به” (تفسير السعدي: 1103).
ومن هنا تظهر أهمية تعلم أصول العقيدة، وأساسات الإيمان؛ وهي معرفة الله -عز وجلّ- ومعرفة نبيه ﷺ ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، فهذه أمور ثلاث توصل المسلم لتحقيق المقصد الأول من مقاصد سورة العصر.
أولًا: معرفة الله -عز وجلّ:
الأمر الأول الموصل لتحقيق المقصد الأول من مقاصد سورة العصر هو معرفة الله -تبارك وتعالى.يقول الله -تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19].
وقال النبي ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّه لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ». (مسلم: 26).
المقصد الثاني من مقاصد سورة العصر: (العمل الصالح)
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
العمل الصالح هو المقصد الثاني من مقاصد سورة العصر، وغالبًا ما يأتي مقرونًا بالإيمان في آيات القرآن، وسر هذا الاقتران هو أن الإيمان يستلزم العمل الصالح ليكتمل، فالإيمان -في مذهب أهل السنة والجماعة- مركّب من اعتقادٍ وقولٍ وعمل، وليس كما تعتقد الفرق الضالة من المرجئة وغيرهم؛ في أن الإيمان لا تضر معه معصية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: “إن قالوا: إنه لا يضره ترك العمل فهذا كفر صريح؛ وبعض الناس يحكي هذا عنهم، وأنهم يقولون: إن الله فرض على العباد فرائض ولم يرد منهم أن يعملوها، ولا يضرهم تركه.” (مجموع الفتاوى: 7/ 181).
ويتبين من ذلك؛ الارتباط الوثيق بين أول مقصدين من مقاصد سورة العصر؛ فلا يكتمل أحدُهما إلا بالآخر، كما تتبين لنا أهمية ومكانة العمل الصالح في الإسلام، فالعمل الصالح هو ثمرة الإيمان والعلم بالله ونبيه ﷺ والعلم بدين الإسلام، ولا يكون العمل الصالح إلا عن علم، فمن عمل دون علم أشبه النصارى الذين وصفهم الله بالضالين، ومن تعلّم ولم يعمل بعلمه أشبه اليهود الذين غضب الله عليهم.
فما المقصود بالعمل الصالح المذكور في القرآن عامةً؛ وفي مقاصد سورة العصر خاصة
مفهوم العمل الصالح:
العمل الصالح هو العمل الذي يرضاه الله -سبحانه وتعالى- قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في بيان العمل الصالح عند الله: “أي العمل بما تقتضيه هذه المعرفة من الإيمان بالله والقيام بطاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه من العبادات الخاصة، والعبادات المتعدية، فالعبادات الخاصة مثل الصلاة، والصوم، والحج، والعبادات المتعدية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله وما أشبه ذلك” (شرح الأصول الثلاثة: 8).
ولكي يكون هذا العمل الصالح مقبولًا عند الله -عز وجلّ- ويكون محققًا لمقاصد سورة العصر التي تنجي صاحبها من الهلاك؛ ينبغي أن يستوفي شروطًا كي لا يصبح يوم القيامة هباءً منثورًا
ما شروط العمل الصالح؟
أَيُّ عملٍ يتقرب به العبد لربه لا يكون عملًا صالحًا مقبولًا عند الله -تعالى- إلا إذا حقّق شرطين:
الشرط الأول: الإخلاص؛ بأن يكون العمل خالصًا لوجه الله -تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]، فلا يُراد بالعمل الصالح التقرّب لأحدٍ من الخلق، ولا السعي لتحصيل مصلحة من مالٍ أو شهرةٍ أو رياءٍ أو غيره، قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه -تبارك وتعالى: ” أنا أغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فيه مَعِي غيرِي، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ” (مسلم: 2985).
الشرط الثاني: المتابعة؛ بأن يكون العمل موافقًا لما جاء في سنة النبي ﷺ، وإلا كان مبتدَعًا مردودًا على صاحبه، قال النبي ﷺ: «مَن عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عليه أمْرُنا فَهو رَدٌّ» (مسلم: 1718).
فهذان شرطان أساسيان لا غنى لمسلمٍ عنهما في أي عملٍ يريد به وجه الله الكريم، ويطلب به الخلود في جنات النعيم؛ كي ينال على عمله الأجرَ والثوابَ الذي وعد الله، وينجو من الخُسرِ بتحقيق مقاصد سورة العصر على مراد الله.
من أنواع العمل الصالح:
إذا علم المسلم فضل العمل الصالح، وأراد أن يحقق المقصد الثاني من مقاصد سورة العصر، فإن أول سؤال يتبادر إليه: ما الأعمال الصالحة التي ينبغي أن يعملها؟
وأنواع العمل الصالح ووجوهه كثيرة لا تكاد تُحصى؛ لأن الله كريم رحيم، يجازي على أقل العمل ويوفي أجرَه لصاحبه، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]، ومن أهم الأعمال الصالحة التي ينبغي للمسلم الحريص ألا يفوّتها:
الصلاة على وقتها.
بر الوالدين.
الجهاد في سبيل.
لما ورد عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: «سَأَلْتُ النبيَّ ﷺ: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ: الصَّلَاةُ علَى وقْتِهَا. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: برُّ الوَالِدَيْنِ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: الجِهَادُ في سَبيلِ اللَّهِ» (البخاري: 5970)
الصيام.
الزكاة والصدقات.
فقد قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه: «ألا أَدُلُّكَ على أبوابِ الخيرِ؟” قال: قلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ! قال: الصومُ جُنَّةٌ، و الصدقةُ تُطفِيءُ الخطيئةَ كما تُطفِيءُ الماءُ النارَ» (صحيح الترغيب: 868).
الحج والعمرة: قال رسول الله ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فإنَّ مُتَابَعَةَ مَا بَيْنَهُمَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِِ وَالرِّزْقِ». (السلسلة الصحيحة: 3/ 197).
قراءة القرآن: قال النبي ﷺ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ؛ فَلَهُ بِهِ حَسْنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها» (السلسلة الصحيحة: 3327).
ذِكر الله: قال الله -تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35].
طلب العلم الشرعي: قال رسول الله ﷺ: «مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (البخاري: 3116).
الحياء: قال النبي ﷺ: «وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ» (البخاري: 9).
الرفق وحسن الخلق: قال ﷺ: «إنَّ الرِّفْقَ لَا يَكونُ في شَيءٍ إلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إلَّا شَانَهُ» (مسلم: 2594)، وقال ﷺ: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ» (مسلم: 2553).
الصدق والأمانة: لأن ضدهما الكذب والخيانة، وهما من صفات المنافقين، قال النبي ﷺ: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وإذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» (البخاري: 2749).
إعانة ذوي الحاجات.
كف الأذى والإمساك عن الشر.
فقد قال رسول الله ﷺ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فمَن لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يَعْمَلُ بيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ ويَتَصَدَّقُ. قالوا: فإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: يُعِينُ ذا الحاجَةِ المَلْهُوفَ. قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فإنَّها لَهُ صَدَقَةٌ» (البخاري: 1445).
إماطة الأذى عن الطريق: فقد قال ﷺ: «وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» (مسلم: 1009).
فهذه بعض وجوه الأعمال الصالحة التي يستطيع من خلالها عامةُ المسلمين أن يحققوا المقصد الثاني من مقاصد سورة العصر، فليلتمس كل مسلم الباب الذي يحسنه وليجتهد فيه، ولا يَنْسَ نصيبه من سائر أبواب العمل الصالح، ففي جميعها البركة والنفع العظيم
ثمرات العمل الصالح في الدنيا والآخرة:
إذا لزم المسلم الأعمال الصالحة، وكرّس حياته في سبيل الله، فإن الله يجازيه في الدنيا قبل الآخرة، قال -تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [النحل: 97]، ومما وعد الله به عباده الصالحين:
حب الله -عز وجلّ- للعبد، ودفاعه عنه: قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه -عز وجلّ: «مَنْ عادَى لِي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (البخاري: 6502).
مودة الناس وحبهم: قال الله -تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]، قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله: “يخبر -تعالى- أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة” (مختصر تفسير ابن كثير: 2/ 467).
حفظ الأبناء والذرية: قال -تعالى- حاكيًا عن عبده الخضر: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [الكهف: 82].
البشرى بدخول الجنة: قال -تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25].
الوقاية من عذاب القبر: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِه إنَّه يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِهم حِينَ يُوَلُّونَ مُدْبِرينَ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَكَانِ الصِّيامُ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَتِ الزَّكاةُ عَنْ شِمَالِهِ وَكَانَ فِعْلُ الْخَيراتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصَّلاةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ فيُؤتَى مِن قِبَلِ رَأْسِهِ فَتَقُولُ الصَّلَاةُ مَا قِبَلي مَدَخْلٌ، ثُمَّ يُؤتَى عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ الصِّيامُ: مَا قِبَلي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤتَى عَنْ يَسَارِهِ فَتَقُولُ الزَّكاةُ: مَا قِبَلي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ فَيَقُولُ فِعْلُ الْخَيراتِ مِنَ الصَّدقةِ وَالصَّلاةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ: مَا قِبَلي مَدْخَلٌ…» حتى قال ﷺ: «ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فيُقالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ مِنْهَا وَمَا أَعَدَّ اللهُ لَكَ فِيهَا، فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوابِ النَّارِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ وَمَا أَعَدَّ اللهُ لَكَ فِيهَا لَوْ عَصَيْتَهُ فَيْزَدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ» (صحيح الترغيب: 3561).
فإذا تعلّم المسلمون هذا المقصد من مقاصد سورة العصر، وعلموا أن العمل الصالح هو طريق نجاتهم من الخسران والهلاك، والتزموا به قدرَ الإمكان والاستطاعة، فإن ثمرة ذلك العمل الصالح لن تقتصر على الفرد فقط، بل ستعمّ المجتمع الإسلامي بالخير والبركة، وستكون سبيلهم إلى العزة والنصر والتمكين بإذن الله، هذا وعد الله للمؤمنين، وحاشاه -سبحانه- أن يخلف وعده ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55].
هذا هو المقصد الثاني من مقاصد سورة العصر.
المقصد الثالث من مقاصد سورة العصر: (التواصي بالحق)
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾
المقصد الثالث من مقاصد سورة العصر هو التواصي بالحق، وقد ذكر الشيخ السعدي -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾: “أي: يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه” (تفسير السعدي: 1103).
فالتواصي مأخوذ من الوصية؛ أي: أن يوصي المؤمنون بعضهم بعضًا بهذه الأمور، فلا يكتفي المؤمن بالسير على طريق الهدى وحدَه، بل يجتهد في الأخذ بيد إخوانه وحثهم وتحفيزهم للرجوع إلى الله ونبذ الشرك والمعاصي، وهذا التعاون والتواصي بين المسلمين هو من أهم مقاصد سورة العصر التي تعتني بها وترشد المسلمين إلى التزامها.
وذكر الإمام الطبري في معنى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾: “أوصى بعضهم بعضًا بلزوم العمل بما أنـزل الله في كتابه من أمره، واجتناب ما نهى عنه فيه” (تفسير الطبري: 24/ 614).
إذن التواصي بالحق والدعوة إلى الله هو ثالث مقاصد سورة العصر، وهو النفع المتعدي للغير، وهو من أخص صفات هذه الأمة، قال -تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].
مكانة الدعوة إلى الله:
إذا تعلّم الإنسان عن ربه ونبيه ﷺ ودينه، وألزم نفسه بالعمل الصالح، فإن خطوته التالية الحتمية هي دعوة الخلق للحق؛ لأن الإيمان الذي وقر في قلبه وفاض على جوارحه، يدفعه لحب الخير والهداية لإخوانه ومن حوله، قال ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (البخاري: 13).
ومن الأحاديث الدالّة على فضل الداعي إلى الله:
من وصايا النبي ﷺ: «..ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» (البخاري: 2942).
وقال ﷺ: «مَنْ دَعا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شيئًا» (مسلم: 2674).
وقال ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ” (مسلم: 49).
فالدعوة إلى الله هي وظيفة الأنبياء التي ترخُص في سبيلها الأعمار والأموال، ولا يدانيها عملٌ ولا يرقى لفضلها شغل، قال -تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]، ولهذا كانت الدعوة إلى الله مقصدًا رئيسًا من مقاصد سورة العصر.
كيف نتواصى بالحق؟
من فضل الله علينا أن جعل مجالات التواصي بالحق والدعوة إليه كثيرة عديدة، بحيث يستطيعها كل مسلم على قدر علمه وطاقته وقدراته، قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- عن هذا المقصد من مقاصد سورة العصر:
“مجالات الدعوة كثيرة منها:
الدعوة إلى الله -تعالى- بالخطابة، وإلقاء المحاضرات.
ومنها الدعوة إلى الله بالمقالات.
ومنها الدعوة إلى الله بحلقات العلم.
ومنها الدعوة إلى الله بالتأليف ونشر الدين عن طريق التأليف.
ومنها الدعوة إلى الله في المجالس الخاصة، فإذا جلس الإنسان في مجلس في دعوة مثلًا فهذا مجال للدعوة إلى الله -عز وجل- ولكن ينبغي أن تكون على وجه لا ملل فيه ولا إثقال؛ ويحصل هذا بأن يعرض الداعية مسألة علمية على الجالسين، ثم تبتدئ المناقشة، ومعلوم أن المناقشة والسؤال والجواب له دور كبير في فهم ما أنزل الله على رسوله وتفهيمه، وقد يكون أكثر فعالية من إلقاء خطبة أو محاضرة إلقاءً مرسلًا كما هو معلوم” (شرح الأصول الثلاثة: 9).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله: “الدعوة لا تختص بالمساجد فقط، فهناك مجالات وطرق أخرى، والمساجد لا شك أنها فرصة للدعوة كخطب الجمعة والخطب الأخرى، والمواعظ في أوقات الصلوات وفي حلقات العلم، فهي أساس انتشار العلم والدين، ولكن المسجد لا يختص وحده بالدعوة؛ فالداعي إلى الله يدعو إليه في غير المساجد، في الاجتماعات المناسبة أو الاجتماعات العارضة، فينتهزها المؤمن ويدعو إلى الله، وعن طريق وسائل الإعلام المختلفة، وعن طريق التأليف، كل ذلك من طرق الدعوة. والحكيم الذي ينتهز الفرصة في كل وقت وكل مكان، فإذا جمعه الله بجماعة في أي مكان وأي زمان وتمكن من الدعوة بذل ما يستطيع من الدعوة إلى الله بالحكمة والكلام الطيب والأسلوب الحسن” (مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز: 8/ 407).
ومن وسائل الدعوة إلى الله التي يغفل عنها كثير من الناس الدعوة إلى الله عن طريق حُسن السلوك ومكارم الأخلاق؛ فإن المسلم إذا تخلَّق بأخلاق الإسلام، وتأسَّى برسوله ﷺ الذي وصفه ربه -تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، فإن هذه الأخلاق تكون خير وسيلة للدعوة إلى دين الإسلام، دون الحاجة إلى إلقاء الخطابات أو تدوين المقالات؛ لأن للأفعال تأثيرًا أبلغ من الأقوال في كثير من الأحوال.
وقد جعل اللهُ حُسنَ الخلق سببًا في دخول كثير من الشعوب لدين الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها؛ مثل شعوب القبائل الأفريقية، وشعوب جنوب شرق آسيا، وبلاد الهند والصين وغيرها؛ لِما رأوا من أمانة التاجر المسلم، ونبيل خصاله، وثباته على مبادئه وعقيدته.
وعليه؛ فإن ميدان الدعوة واسع مفتوح، ينتظر كل من ينزل إليه بعُدّته وعتاده، ويرحّب بكل جهد محمودٍ مبذول، وكل طاقة متوهجة تنبعث من قلب يحمل هَمَّ الأمة، ويحرص على نشر الحق وهداية الخلق، وهذا هو المقصد الثالث من مقاصد سورة العصر.
المقصد الرابع من مقاصد سورة العصر: (التواصي بالصبر)
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
هذا هو المقصد الرابع من مقاصد سورة العصر؛ التواصي بالصبر، ومعنى قوله -تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: “أي: يوصي بعضهم بعضًا بالصبر على فعل أوامر الله -تعالى- وترك محارم الله، وتحمُّل أقدار الله” (شرح الأصول الثلاثة لابن عثيمين: 11).
قال الإمام ابن عاشور: “والتَّخَلُّقُ بِالصَّبْرِ مِلاكُ فَضائِلِ الأخْلاقِ كُلِّها، فَإنَّ الِارْتِياضَ بِالأخْلاقِ الحَمِيدَةِ لا يَخْلُو مِن حَمْلِ المَرْءِ نَفْسَهُ عَلى مُخالَفَةِ شَهَواتٍ كَثِيرَةٍ، فَفي مُخالَفَتِها تَعَبٌ يَقْتَضِي الصَّبْرَ عَلَيْهِ حَتّى تَصِيرَ مَكارِمُ الأخْلاقِ مَلَكَةً لِمَن راضَ نَفْسَهُ عَلَيْها، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ العاصِ:
إذا المَرْءُ لَمْ يَتْرُكْ طَعامًا يُحِبُّهُ ∗∗∗ ولَمْ يَنْهَ قَلْبًا غاوِيًا حَيْثُ يَمَّما
فَيُوشِكُ أنْ تُلْفى لَهُ الدَّهْرَ سُبَّةٌ ∗∗∗ إذا ذُكِرَتْ أمْثالُها تَمْلَأُ الفَما
وكَذَلِكَ الأعْمالُ الصّالِحَةُ كُلُّها لا تَخْلُو مِن إكْراهِ النَّفْسِ عَلى تَرْكِ ما تَمِيلُ إلَيْهِ. وفي الحَدِيثِ: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» (مسلم: 2822)، وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: الصَّبْرُ مَطِيَّةٌ لا تَكْبُو” (التحرير والتنوير: 30/ 533، 534).
ولهذا خُتِمت مقاصد سورة العصر بالوصية بالصبر؛ لأن الصبر هو الذي يعين المسلم على التزام المقاصد الثلاثة الأولى من مقاصد سورة العصر، والثبات عليها، وتحمّل الأذى في سبيلها.
كيف يكون التواصي بالصبر؟
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- عن هذا المقصد من مقاصد سورة العصر: “تواصوا بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله.
فالصبر على الطاعة: إذا رأيت من أخيك تكاسلًا عن الصلاة -مثلًا- انصحه، وإذا قال لك: والله النوم يغلبني، قل له: اصبر، ولو شق عليك، فاليوم يشق عليك وغدًا لا يشق عليك.
والصبر أيضًا يكون عن المعصية، إنسان -مثلًا- همَّ بمعصية وجاء يخبر أخاه يقول له: اصبر، احتسب، انتظر الفرج من الله. يأتي إليك أخوك يشكو إليك يقول: فلان والله كان يؤذيني أتعبني: ماذا تقول له؟ اصبر فدوام الحال من المحال، أنت إذا صبرت الآن على أذيته، فإن الله سوف يعطف قلبه عليك: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] أي: صديق قريب. لذلك من الرابحين من يتواصون بالصبر وبالحق، نسأل الله -تعالى- أن يجعلنا وإياكم منهم” (كتاب اللقاء الشهري: 37/ 7).
الصبر على الأذى في الدعوة:
على الرغم من أن التواصي بالصبر المذكور في مقاصد سورة العصر يشمل جميع أنواع الصبر، إلا أن أخص أنواع الصبر المراد من السورة، هو الصبر على الأذى في الدعوة.
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله: “الصبر حبس النفس على طاعة الله، وحبسها عن معصية الله، وحبسها عن التسخط من أقدار الله؛ فيحبس النفس عن التسخط والتضجر والملل، ويكون دائمًا نشيطًا في الدعوة إلى دين الله وإن أُوذِي؛ لأن أذية الداعين إلى الخير من طبيعة البشر إلا من هدى الله قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤].
وكلما قويت الأذية قرب النصر، وليس النصر مختصًّا بأن يُنصَر الإنسان في حياته ويرى أثر دعوته قد تحقق، بل النصر يكون ولو بعد موته؛ بأن يجعل الله في قلوب الخلق قبولًا لما دعا إليه وأخذًا به وتمسكًا به، فإن هذا يُعتبر نصرًا لهذا الداعية وإن كان ميتًا، فعلى الداعية أن يكون صابرًا على دعوته مستمرًّا فيها، صابرًا على ما يعترضه هو من الأذى.
وهاهم الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- أوذوا بالقول وبالفعل قال الله -تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] وقال -عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]، ولكن على الداعية أن يقابل ذلك بالصبر.
وانظر إلى قول الله -عز وجل- لرسوله ﷺ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً﴾ [الإنسان: ٢٣] كان من المنتظر أن يُقال فاشكر نعمة ربك، ولكنه -عز وجل- قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٤] وفي هذا إشارة إلى أن كل من قام بهذا القرآن فلا بد أن يناله ما يناله مما يحتاج إلى صبر.
وانظر إلى حال النبي ﷺ حين ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (البخاري: 3477)، فعلى الداعية أن يكون صابرًا محتسبًا” (شرح الأصول الثلاثة: 9، 10).
لماذا عطف الله التواصي بالصبر على التواصي الحق؟
عطف الله -عز وجلّ- التواصي بالصبر على التواصي بالحق، وقدّم الحقَّ على الصبر، ولعل السر في ذلك هو كما قال الإمام ابن عاشور: “التَّواصِي بِالصَّبْرِ عُطِفَ عَلى التَّواصِي بِالحَقِّ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ تَحَمُّلُ مَشَقَّةِ إقامَةِ الحَقِّ وما يَعْتَرِضُ المُسْلِمَ مِن أذًى في نَفْسِهِ في إقامَةِ بَعْضِ الحَقِّ” (التحرير والتنوير: 30/ 533 باختصار).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله: “بالتواصي بالحق إقامة الحق، والاستقامة على الطريق المستقيم، وبالتواصي بالصبر يستطيعون مواصلة سيرهم على هذا الصراط، ويتخطون كل عقبات تواجههم” (أضواء البيان: 9/ 96، 97).
ومن القيم المستفادة من قوله -تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾؛ ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن هذين المقصدين من مقاصد سورة العصر:
“لا بُدَّ مِن التَّواصي بالحَقِّ والصَّبرِ؛ إذ إنَّ أهلَ الفَسادِ والباطِلِ لا يقومُ باطِلُهم إلَّا بصبرٍ عليه أيضًا، لكِنِ المؤمنونَ يَتواصَونَ بالحَقِّ والصَّبرِ، وأولئك يتواصَونَ بالصَّبرِ على باطِلِهم، كما قال قائِلُهم: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: 6]، فالتَّواصي بالحَقِّ بدونِ الصَّبر -كما يفعَلُه الَّذين يقولونَ: آمَنَّا باللهِ، فإذا أُوذِيَ أحَدُهم في اللهِ جَعَل فِتنةَ النَّاسِ كعذابِ اللهِ، والَّذين يَعبُدونَ اللهَ على حَرْفٍ، فإنْ أصاب أحَدَهم خيرٌ اطمأَنَّ به، وإنْ أصابَتْه فتنةٌ انقَلَب على وجْهِه خَسِرَ الدُّنيا والآخرةَ- والتَّواصي بالصَّبرِ بدونِ الحَقِّ: كِلاهما مُوجِبٌ للخُسرانِ” (جامع الرسائل: 2/ 394).
فهذا هو المقصد الرابع من مقاصد سورة العصر.
وإذا نظرنا نظرةً عامّةً إلى مقاصد سورة العصر، نجد أنها تشمل حياة المسلم كلها، وترشده لجميع ما يحتاجه في طريقه إلى الله، وفي سبيل الفوز بالجنة والنجاة من النار، كما أن مقاصد سورة العصر هي بمثابة المنارة التي يستضيء بها كل من كان همُّه أن تنتصر الأمة، وأن تكون كلمة الله هي العليا
قال الإمام ابن القيم عن مقاصد سورة العصر الأربع: “..وباستكمالِها يحصل للشخص غاية الكمال؛ إحداها: معرفة الحق، الثانية: عمله به، الثالثة: تعليمه من لا يحسنه، الرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه” (مفتاح دار السعادة: 1/ 82).
وقال الشيخ السعدي عن مقاصد سورة العصر الأربع: “فبالأمرين الأولين يكمِّل الإنسانُ نفسَه، وبالأمرين الأخيرَين يكمِّل غيرَه، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلِم من الخسار، وفاز بالربح العظيم” (تفسير السعدي: 1103).
وختامًا: فإن من إعجاز القرآن، أنه لا يخلَق ولا يبلى على كثرة الرد والتكرار؛ فكلُّ ما ذكرناه من أقوال العلماء واستنباطاتهم هو فقط في بيان مقاصد آيةٍ واحدة من سورة العصر، ونحن مع ذلك لم ننقل جميع تفاسير العلماء وما فتح الله به عليهم في الآية من الفوائد والعِبَر؛ لأن المقام لا يتسع لطول المقال، فسبحان الله العظيم منزل الكتاب الحكيم.