الإِبْدَاعُ وَالِابْتِكَارُ فِي العَهْدِ النَّبَوِيِّ
فَلْسَفَةُ التَّجْدِيدِ وَسِرُّ النُّهُوضِ
فِي ضَوْءِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ
وَمَعَهَا: بِدَايَةُ العَامِ الدِّرَاسِيِّ الجَدِيدِ.. رِحْلَةُ بِنَاءِ الإِنْسَانِ وَصَنْعَةِ المُسْتَقْبَلِ
الإِبْدَاعُ وَالِابْتِكَارُ فِي العَهْدِ
النَّبَوِيِّ
فَلْسَفَةُ التَّجْدِيدِ وَسِرُّ النُّهُوضِ
فِي ضَوْءِ السِّيرَةِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ
وَعَلَّمَهُ الْبَيَانَ، وَفَضَّلَهُ بِالْعَقْلِ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَجَعَلَ
التَّفَكُّرَ سَبِيلًا إِلَىٰ مَعْرِفَتِهِ، وَجَعَلَ الْإِبْدَاعَ وَالِابْتِكَارَ
سُنَّةً فِي كَوْنِهِ، وَمِنْهَاجًا فِي شَرْعِهِ، وَطَرِيقًا لِعِمَارَةِ أَرْضِهِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
الَّذِي فَتَحَ لِلْعَقْلِ آفَاقَهُ، وَلِلرُّوحِ مَمَالِكَهُ، وَلِلْحَيَاةِ أَبْوَابَهَا،
وَجَعَلَ الْإِبْدَاعَ سُنَّةً فِي دَعْوَتِهِ، فَكَانَ يَسْتَشِيرُ أَصْحَابَهُ، وَيَقْبَلُ
آرَاءَهُمْ، وَيُشَجِّعُ مَوَاهِبَهُمْ، وَيُطَوِّرُ أَسَالِيبَ الدَّعْوَةِ وَالْقِيَادَةِ
بِمَا يُنَاسِبُ الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ.
صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ
وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ، الَّذِينَ كَانُوا نَمَاذِجَ حَيَّةً لِلْإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ.
أَمَّا بَعْدُ
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي
بِتَقْوَى اللَّهِ، فَهِيَ الْعِمَادُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ عِمَارَةُ الْعُقُولِ،
وَالرَّوَافِدُ الَّذِي تَسْقِي بِهِ مَوَاهِبُ النُّفُوسِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ
الإِبْدَاعَ وَالِابْتِكَارَ فِي العَهْدِ النَّبَوِيِّ لَيْسَا مُجَرَّدَ حَادِثَيْنِ
عَرَضِيَّيْنِ، بَلْ هُمَا نَظَرِيَّةُ التَّجْدِيدِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَفَلْسَفَةُ
النُّهُوضِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَسِرُّ انْتِشَارِ الإِسْلَامِ وَقِيَامِ دَوْلَتِهِ
فِي أَقَلِّ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً.
فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُ بِالجُمُودِ فِي شَيْءٍ، وَلَا
يَرْضَىٰ بِالتَّكْرَارِ بِدُونِ تَطْوِيرٍ، وَلَا يَكُفُّ عَنْ تَحْرِيكِ العُقُولِ
وَتَوْجِيهِ المَوَاهِبِ نَحْوَ مَا يَنْفَعُ الدِّينَ وَالدُّنْيَا.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ الكِرَامُ،
إِنَّ الحَدِيثَ عَنِ الإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ
فِي العَهْدِ النَّبَوِيِّ هُوَ حَدِيثٌ عَنْ رُوحِ الإِسْلَامِ الحَقِيقِيَّةِ، وَعَنْ
فَلْسَفَةِ التَّحَرُّرِ مِنَ الجُمُودِ، وَعَنْ سُنَّةِ التَّجْدِيدِ وَالتَّطْوِيرِ،
وَعَنْ مِنْهَجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِدَارَةِ الدَّوْلَةِ وَبِنَاءِ المُجْتَمَعِ.
فَالْإِسْلَامُ دِينُ الحَيَاةِ لَا دِينُ
المَوْتِ، وَدِينُ الحَرَكَةِ لَا دِينُ الجُمُودِ، وَدِينُ التَّطْوِيرِ لَا دِينُ
التَّكْرَارِ.
وَإِلَيْكُمْ هَٰذِهِ الأَبْعَادَ العَشْرَةَ
الجَوْهَرِيَّةَ فِي فَلْسَفَةِ الإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ فِي العَهْدِ النَّبَوِيِّ:
البُعْدُ الأَوَّلُ: الإِبْدَاعُ جَوْهَرُ
الخِلَافَةِ وَسِرُّ عِمَارَةِ الأَرْضِ
لَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإِنْسَانَ خَلِيفَةً
فِي الأَرْضِ، جَعَلَ مِنْ شَرَائِطِ الخِلَافَةِ الإِبْدَاعَ وَالِابْتِكَارَ، فَلَا
يَسْتَقِيمُ عُمْرَانُ الأَرْضِ بِدُونِ تَجْدِيدِ الوَسَائِلِ وَتَطْوِيرِ الأَسَالِيبِ.
قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. فَالْخَلِيفَةُ
هُوَ مَنْ يَخْلُفُ اللَّهَ فِي عِمَارَةِ الأَرْضِ، وَعِمَارَتُهَا تَقْتَضِي الإِبْدَاعَ
وَالِابْتِكَارَ فِي كُلِّ مَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَيُحْسِنُ حَيَاتَهُمْ.
وَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:
١٥]. فَتَذْلِيلُ الأَرْضِ يَعْنِي التَّسَخِيرَ لَهَا بِالإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ
فِي اسْتِغْلَالِ مَوَارِدِهَا وَعِمَارَتِهَا.
وَفِي الآيَةِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى
أَنَّ الإِبْدَاعَ هُوَ مَا مَيَّزَ اللَّهُ بِهِ بَنِي آدَمَ عَلَى المَلَائِكَةِ،
فَحِينَ قَالَتِ المَلَائِكَةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ
الدِّمَاءَ﴾، عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا، وَهَذَا تَعْلِيمٌ إِلَهُيٌّ
لِلْإِنْسَانِ مَنَاهِجَ الإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ لِيَكُونَ أَهْلًا لِلْخِلَافَةِ.
وَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ
مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:
٣٤]. فَهَذِهِ النِّعَمُ تَسْتَدْعِي العُقُولَ الْمُبْدِعَةَ لِاسْتِثْمَارِهَا وَتَطْوِيرِ
وَسَائِلِ الانْتِفَاعِ بِهَا.
وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ أَنَّ الإِبْدَاعَ
فِي العِمَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَالِاخْتِرَاعِ هُوَ تَحْقِيقٌ لِمَقْصُودِ الخِلَافَةِ،
وَمُجَاهَدَةٌ فِي سَبِيلِ تَطْوِيرِ الحَيَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ.
البُعْدُ الثَّانِي: القُرْآنُ الكَرِيمُ
يَفْتَحُ أَبْوَابَ العَقْلِ وَيُحَرِّضُ عَلَى التَّفَكُّرِ
لَقَدِ اعْتَمَدَ القُرْآنُ الكَرِيمُ فِي
دَعْوَتِهِ عَلَىٰ إِعْمَالِ العَقْلِ وَالنَّظَرِ وَالتَّدَبُّرِ، فَجَعَلَ التَّفْكِيرَ
عِبَادَةً، وَجَعَلَ التَّأَمُّلَ سَبِيلًا إِلَىٰ الإِيمَانِ.
قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ
الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. وَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ
لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣]. وَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
[آل عمران: ١٩٠].
فَهَٰذِهِ الآيَاتُ وَأَمْثَالُهَا تُحَرِّضُ
العُقُولَ عَلَىٰ التَّأَمُّلِ، وَتَدْعُوهَا إِلَىٰ النَّظَرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ
فِي الآفَاقِ وَالأَنْفُسِ، وَتُشَجِّعُهَا عَلَىٰ طَلَبِ المَعْرِفَةِ وَالاِكْتِشَافِ.
وَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ
ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١]. وَهَذَا أَمْرٌ
بِالسَّفَرِ وَالتَّنَقُّلِ لِمُشَاهَدَةِ آثَارِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ وَالِاسْتِفَادَةِ
مِنْ تَجَارِبِهِمْ، وَهَذَا مَبْدَأٌ إِبْدَاعِيٌّ فِي التَّعَلُّمِ وَالتَّطْوِيرِ.
وَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ
إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ
كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧-٢٠]. فَهَذَا تَحْرِيضٌ
عَلَىٰ النَّظَرِ فِي المَخْلُوقَاتِ وَاسْتِخْلَاصِ العِبَرِ وَالقَوَانِينِ وَالسُّنَنِ
الإِلَهِيَّةِ فِيهَا.
وَمِنْ هُنَا نَعْرِفُ أَنَّ الإِسْلَامَ
قَدْ أَسَّسَ مَنْهَجًا عِلْمِيًّا قَائِمًا عَلَىٰ المُلَاحَظَةِ وَالتَّأَمُّلِ وَالِاسْتِنْبَاطِ،
وَهَذَا هُوَ أَسَاسُ الإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ العِلْمِيِّ.
البُعْدُ الثَّالِثُ: نَمَاذِجُ إِبْدَاعِيَّةٌ
قُرْآنِيَّةٌ فِي التَّخْطِيطِ وَالهَنْدَسَةِ وَالإِدَارَةِ
لَمْ يَقْتَصِرِ القُرْآنُ عَلَىٰ الأَمْرِ
بِالتَّفَكُّرِ، بَلْ قَدَّمَ نَمَاذِجَ إِبْدَاعِيَّةً عَمَلِيَّةً تُعَلِّمُنَا كَيْفَ
نُوظِّفُ العَقْلَ فِي حَلِّ المَشَاكِلِ وَتَطْوِيرِ الحَيَاةِ:
أَوَّلًا: نَمُوذَجُ ذِي الْقَرْنَيْنِ
وَصَنْعَةُ السَّدِّ
قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ
ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ
نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦].
فَهَٰذِهِ آيَةٌ تُصَوِّرُ لَنَا عَمَلِيَّةً
هَنْدَسِيَّةً مُبْتَكِرَةً، تَجْمَعُ بَيْنَ صَهْرِ المَعَادِنِ وَبِنَاءِ السُّدُودِ،
وَتَدُلُّ عَلَىٰ أَنَّ الإِبْدَاعَ فِي الصِّنَاعَةِ مَشْرُوعٌ وَمَطْلُوبٌ. وَفِي
هَذِهِ القِصَّةِ عِبَرٌ كَثِيرَةٌ: أَنَّ الإِبْدَاعَ يَقْتَضِي التَّخْطِيطَ المُحْكَمَ
وَالمَرَاحِلَ المُنَظَّمَةَ، وَأَنَّ اسْتِخْدَامَ التِّقْنِيَّاتِ المُتَقَدِّمَةِ
كَانَ مَشْرُوعًا.
ثَانِيًا: نَمُوذَجُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
وَصَنْعَةُ الدُّرُوعِ
قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
* أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠-١١].
فَهَٰذَا تَوْجِيهٌ إِلَىٰ الدِّقَّةِ الصِّنَاعِيَّةِ
وَالإِتْقَانِ الحِرَفِيِّ، وَتَأْكِيدٌ عَلَىٰ أَنَّ الإِبْدَاعَ فِي الصِّنَاعَاتِ
الدِّفَاعِيَّةِ هُوَ وَسِيلَةٌ لِلْحِفَاظِ عَلَىٰ الأُمَّةِ. "وَأَلَنَّا لَهُ
الْحَدِيدَ" تُشِيرُ إِلَىٰ تَطْوِيرِ تِقْنِيَّةِ صَهْرِ الحَدِيدِ، وَ"اعْمَلْ
سَابِغَاتٍ" تُشِيرُ إِلَىٰ الدُّرُوعِ الكَامِلَةِ، وَ"وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ"
تُشِيرُ إِلَىٰ الدِّقَّةِ فِي الصِّنَاعَةِ.
ثَالِثًا: نَمُوذَجُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
وَخُطَّتُهُ الاِقْتِصَادِيَّةُ
حِينَ قَدَّمَ خُطَّةً إِسْتِرَاتِيجِيَّةً
لإِنْقَاذِ مِصْرَ مِنَ المَجَاعَةِ، قَالَ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا
حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف:
٤٧].
فَكَانَتْ خُطَّةً إِبْدَاعِيَّةً فِي إِدَارَةِ
المَوَارِدِ وَالتَّخْطِيطِ لِلْمُسْتَقْبَلِ، تَشْمَلُ: التَّخْطِيطَ طَوِيلَ المَدَى،
وَإِدَارَةَ المَوَارِدِ بِحِكْمَةٍ، وَتَرْشِيدَ الاِسْتِهْلَاكِ، وَالتَّخْزِينَ
وَالتَّدْخِينَ للطَّعَامِ.
وَفِي هَذِهِ الخُطَّةِ أُسُسُ الإِدَارَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ الحَدِيثَةِ، مِنْ تَخْطِيطٍ وَمُوَازَنَةٍ وَتَخْزِينٍ وَتَرْشِيدٍ.
البُعْدُ الرَّابِعُ: النَّبِيُّ ﷺ يُشَجِّعُ عَلَى الإِبْدَاعِ وَيَسْتَثْمِرُ
المَوَاهِبَ
لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَقْتَصِرُ عَلَىٰ الأَمْرِ بِالتَّفَكُّرِ
فَقَطْ، بَلْ كَانَ يُشَجِّعُ أَصْحَابَهُ عَلَىٰ الإِبْدَاعِ، وَيَطْلُبُ آرَاءَهُمْ،
وَيَسْتَثْمِرُ مَوَاهِبَهُمْ فِي خِدْمَةِ الدَّعْوَةِ وَالدَّوْلَةِ.
قَالَ ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً
حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ
مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). فَفِي هَٰذَا الحَدِيثِ تَشْجِيعٌ عَلَىٰ
الإِبْدَاعِ فِي عَمَلِ الخَيْرِ.
نَمَاذِجُ إِبْدَاعِيَّةٌ مِنْ سِيرَتِهِ
ﷺ:
أَوَّلًا: صَنْعَةُ المِنْبَرِ النَّبَوِيِّ:
حِينَ شَقَّ عَلَىٰ النَّبِيِّ ﷺ القِيَامُ عَلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ،
جَاءَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ وَقَالَ: «أَلَا أَعْمَلُ لَكَ مِنْبَرًا كَمَا رَأَيْتُ
يُصْنَعُ بِالشَّامِ؟» فَشَاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ غُلَامَ العَبَّاسِ
بِصِنَاعَتِهِ. فَفِي هَٰذِهِ القِصَّةِ: إِبْدَاعٌ فِكْرِيٌّ مِنْ تَمِيمٍ، وَإِبْدَاعٌ
حِرَفِيٌّ مِنَ الغُلَامِ، وَشُورَىٰ نَبَوِيَّةٌ تَقَبَّلَتِ الفِكْرَةَ، وَانْفِتَاحٌ
عَلَىٰ ثَقَافَاتِ الأُمَمِ الأُخْرَىٰ.
ثَانِيًا: فِدَاءُ أَسْرَىٰ بَدْرٍ بِالتَّعْلِيمِ:
بَعْدَ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ، أَسَرَ المُسْلِمُونَ سَبْعِينَ أَسِيرًا، وَأَمَرَ النَّبِيُّ
ﷺ مَنْ لَا فِدْيَةَ لَهُ أَنْ يُعَلِّمَ
عَشْرَةً مِنْ صِبْيَانِ المُسْلِمِينَ القِرَاءَةَ وَالكِتَابَةَ، فَكَانَ ذَٰلِكَ
أَوَّلَ مَشْرُوعٍ تَعْلِيمِيٍّ فِي الإِسْلَامِ، وَفِيهِ تَحْوِيلُ الأَسْرَى مِنْ
عِبْءٍ إِلَىٰ مَوْرِدٍ تَعْلِيمِيٍّ، وَتَقْدِيمُ العِلْمِ عَلَىٰ المَالِ فِي الفِدَاءِ.
ثَالِثًا: الخَنْدَقُ: فِي غَزْوَةِ الخَنْدَقِ، قَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ فِكْرَةَ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، وَهِيَ فِكْرَةٌ لَمْ تَكُنْ مَأْلُوفَةً عِنْدَ العَرَبِ، وَكَانَ ذَٰلِكَ دَلِيلًا عَلَىٰ انْفِتَاحِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَىٰ كُلِّ جَدِيدٍ نَافِعٍ، وَتَشْجِيعِهِ لِلِابْتِكَارِ فِي أُسْلُوبِ القِتَالِ.
البُعْدُ الخَامِسُ: الفَرْقُ بَيْنَ الإِبْدَاعِ
المَحْمُودِ وَالِابْتِدَاعِ المَذْمُومِ
مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ نُمَيِّزَ بَيْنَ
الإِبْدَاعِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَالِابْتِدَاعِ فِي أُمُورِ الدِّينِ.
فَالإِبْدَاعُ المَحْمُودُ هُوَ: إِيجَادُ
النَّافِعِ الجَدِيدِ الَّذِي يُوَافِقُ الشَّرْعَ وَيَخْدُمُ النَّاسَ، وَهُوَ مَا
يُسَمَّى فِي عِلْمِ الأُصُولِ بِـ "المَصَالِحِ المُرْسَلَةِ" أَوْ
"الِاسْتِحْسَانِ".
أَمَّا الِابْتِدَاعُ المَذْمُومُ فَهُوَ:
اخْتِرَاعُ عِبَادَةٍ جَدِيدَةٍ تُخَالِفُ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، أَوْ إِدْخَالُ مَا لَيْسَ مِنَ الدِّينِ
فِي الدِّينِ.
قَالَ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا
لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وَقَالَ: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ
الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ).
وَلَا يَجُوزُ الخَلْطُ بَيْنَ مَنْ يُبْدِعُ
طَرِيقًا عِلْمِيًّا جَدِيدًا، أَوْ آلةً هَنْدَسِيَّةً نَافِعَةً، وَبَيْنَ مَنْ يُحْدِثُ
فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. فَالأَوَّلُ يَبْنِي، وَالثَّانِي يُفْسِدُ.
وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "لَيْسَ فِي المُبَاحَاتِ بِدْعَةٌ، إِنَّمَا البِدْعَةُ فِي المُحَرَّمَاتِ وَالمَفْرُوضَاتِ". وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: "البِدْعَةُ فِي الشَّرْعِ: إِحْدَاثُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ العِبَادَاتِ وَالأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ".
البُعْدُ السَّادِسُ: الإِبْدَاعُ وَالِابْتِكَارُ
سَبِيلُ قِيَامِ الأُمَمِ وَانْتِشَارِ الإِسْلَامِ
لَقَدْ كَانَتْ أُمَّةُ الإِسْلَامِ قَائِدَةً
لِلْعَالَمِ فِي عُلُومِهَا وَصِنَاعَاتِهَا وَاخْتِرَاعَاتِهَا، حِينَ تَمَسَّكَتْ
بِمَنْهَجِ الإِبْدَاعِ الَّذِي أَسَّسَهُ النَّبِيُّ ﷺ.
فَأَخْرَجَتِ ابْنَ الهَيْثَمِ فِي البَصَرِيَّاتِ،
وَالخَوَارِزْمِيَّ فِي الجَبْرِ، وَابْنَ النَّفِيسِ فِي الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ،
وَابْنَ سِينَا فِي الطِّبِّ، وَجَابِرَ بْنَ حَيَّانَ فِي الكِيمْيَاءِ، وَالبِيرُونِيَّ
فِي الفَلَكِ، وَالكِنْدِيَّ فِي الفَلْسَفَةِ.
فَكُلُّ هَٰؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْرُزُوا
لَوْلَا أَنَّ الإِسْلَامَ نَبَذَ الجُمُودَ، وَفَتَحَ أَبْوَابَ العَقْلِ، وَشَجَّعَ
الإِبْدَاعَ وَالِابْتِكَارَ، وَجَعَلَ طَلَبَ العِلْمِ فَرِيضَةً عَلَىٰ كُلِّ مُسْلِمٍ.
وَلَقَدْ كَانَ الإِبْدَاعُ العِلْمِيُّ فِي الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ مُرْتَبِطًا بِالقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
البُعْدُ السَّابِعُ: الإِبْدَاعُ فِي القِيَادَةِ
وَالإِدَارَةِ النَّبَوِيَّةِ
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَائِدًا مُبْدِعًا فِي إِدَارَةِ الدَّوْلَةِ،
فَقَدْ أَسَّسَ دَوْلَةً مِنْ لَا شَيْءٍ فِي أَقَلِّ مِنْ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، وَذَٰلِكَ
بِالإِبْدَاعِ فِي:
أَوَّلًا: تَنْظِيمِ الجَيْشِ: أَبْدَعَ
النَّبِيُّ ﷺ فِي تَنْظِيمِ الجَيْشِ الإِسْلَامِيِّ،
فَجَعَلَ لِلْجَيْشِ رَايَاتٍ وَأَلْوِيَةً تُمَيِّزُ الفِرَقَ، وَنَظَّمَ القِيَادَةَ
فِي المَعَارِكِ، وَأَبْدَعَ فِي أُسْلُوبِ المَكْمَنَاتِ وَالطَّوَارِقِ وَالاسْتِخْبَارَاتِ.
ثَانِيًا: إِدَارَةِ المَالِ: أَبْدَعَ
النَّبِيُّ ﷺ فِي نِظَامِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ
وَالغَنَائِمِ، وَأَقَامَ بَيْتَ المَالِ لِيُوَزِّعَ الثَّرْوَةَ عَلَىٰ المُسْلِمِينَ
بِعَدْلٍ.
ثَالِثًا: تَأْلِيفِ القُلُوبِ: أَبْدَعَ
النَّبِيُّ ﷺ فِي تَأْلِيفِ قُلُوبِ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ،
فَكَانَ يُعْطِي المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ لِيُثَبِّتَ إِيمَانَهُمْ.
رَابِعًا: وَضْعِ الدَّسَاتِيرِ: كَتَبَ
النَّبِيُّ ﷺ صَحِيفَةَ المَدِينَةِ الَّتِي ضَمِنَتْ
حُقُوقَ الجَمِيعِ، وَكَانَتْ أَوَّلَ دُسْتُورٍ مَكْتُوبٍ فِي الإِسْلَامِ.
خَامِسًا: إِقَامَةُ الأَسْوَاقِ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ سُوقًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي المَدِينَةِ، وَنَظَّمَ التِّجَارَةَ وَالبُيُوعَ، وَمَنَعَ الغِشَّ وَالِاحْتِكَارَ.
البُعْدُ الثَّامِنُ: الإِبْدَاعُ فِي الدَّعْوَةِ
وَالتَّبْلِيغِ وَمُعَالَجَةِ الأَزِمَاتِ
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبْدِعُ فِي طُرُقِ الدَّعْوَةِ وَالتَّبْلِيغِ،
فَلَمْ يَكْتَفِ بِأُسْلُوبٍ وَاحِدٍ، بَلْ تَنَوَّعَتْ أَسَالِيبُهُ حَسَبَ المَقَامِ
وَالمَخَاطَبِينَ:
· الدَّعْوَةُ بِالحِكْمَةِ: قَالَ تَعَالَىٰ:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:
١٢٥].
· التَّنَوُّعُ فِي الأَسَالِيبِ: كَانَ يَخْطُبُ،
وَيُحَاوِرُ، وَيُجَادِلُ، وَيَضْرِبُ الأَمْثَالَ، وَيَرْوِي القِصَصَ.
· مُرَاعَاةُ الأَحْوَالِ: كَانَ يُحَدِّثُ
النَّاسَ عَلَىٰ قَدْرِ عُقُولِهِمْ، وَيَقُولُ: «إِنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالًا».
وَفِي مُعَالَجَةِ الأَزِمَاتِ:
· أَزْمَةُ الهِجْرَةِ: أَبْدَعَ فِي التَّخْطِيطِ
لِلْهِجْرَةِ بِاسْتِخْدَامِ عِدَّةِ أَشْخَاصٍ بِمَهَامَّ مُخْتَلِفَةٍ.
· أَزْمَةُ أُحُدٍ: أَبْدَعَ فِي إِعَادَةِ
المَعْنَوِيَّاتِ بِالخُرُوجِ إِلَىٰ حَمْرَاءِ الأَسَدِ.
· أَزْمَةُ الخَنْدَقِ: أَبْدَعَ فِي حَلِّ
الأَزْمَةِ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ.
· أَزْمَةُ الحُدَيْبِيَةِ: أَبْدَعَ فِي عَقْدِ هُدْنَةٍ ظَاهِرُهَا يَسَارٌ وَبَاطِنُهَا فَتْحٌ.
البُعْدُ التَّاسِعُ: الإِبْدَاعُ فِي التَّرْبِيَةِ
وَتَكْوِينِ الشَّخْصِيَّةِ وَالتَّعْلِيمِ
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبْدِعُ فِي تَرْبِيَةِ الأَصْحَابِ وَتَكْوِينِ
شَخْصِيَّاتِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ يُرَبِّي بِالكَلَامِ فَقَطْ، بَلْ بِالقُدْوَةِ وَالحَالِ
وَالمَوْقِفِ:
· التَّرْبِيَةُ بِالقُدْوَةِ: قَالَ تَعَالَىٰ:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
· التَّشْجِيعُ وَالتَّعْزِيزُ: كَقَوْلِهِ
لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ».
· مُرَاعَاةُ الفَرْقِ الفَرْدِيَّةِ: كَانَ
يُوَكِّلُ إِلَىٰ كُلِّ وَاحِدٍ مَا يُنَاسِبُهُ، وَيَقُولُ: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ
الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ».
وَفِي التَّعْلِيمِ:
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا» (رَوَاهُ
ابْنُ مَاجَهْ). وَكَانَ يُعَلِّمُ بِالجُمْلَةِ وَالتَّفْرِيدِ، وَبِالقَوْلِ وَالعَمَلِ،
وَبِالحَفْظِ وَالتَّلَقِّي.
وَقَالَ ﷺ: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَىٰ كُلِّ
مُسْلِمٍ» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ). وَقَالَ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ
عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
وَفِي السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ:
· الشُّورَىٰ: قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
· الحُرِّيَّةُ وَالعَدْلُ: قَالَ ﷺ: «النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ».
· حِفْظُ المَالِ وَالعِرْضِ: قَالَ ﷺ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ».
خَاتِمَةُ الخُطْبَةِ الأُولَىٰ
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ الكِرَامُ،
إِنَّ الإِبْدَاعَ وَالِابْتِكَارَ فِي
العَهْدِ النَّبَوِيِّ لَيْسَا مُجَرَّدَ حَدِيثٍ تَارِيخِيٍّ، بَلْ هُمَا مَنْهَجُ
حَيَاةٍ، وَرُوحُ الإِسْلَامِ، وَسِرُّ نُهُوضِ الأُمَمِ، وَعُنْوَانُ التَّمَاسُكِ
وَالتَّطَوُّرِ فِي ظِلِّ الشَّرِيعَةِ.
لَقَدْ وَضَعَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ أُسُسَ الإِبْدَاعِ فِي العَقِيدَةِ وَالعِبَادَةِ
وَالمُعَامَلَةِ وَالإِدَارَةِ وَالقِيَادَةِ وَالحَرْبِ وَالسِّيَاسَةِ وَالتَّرْبِيَةِ
وَالتَّعْلِيمِ، فَكَانَ قُدْوَةً فِي كُلِّ ذَلِكَ.
فَلْنُحْيِي فِي نُفُوسِنَا رُوحَ الإِبْدَاعِ،
وَلْنُشَجِّعْ مَوَاهِبَنَا، وَلْنُوظِّفِ العَقْلَ فِيمَا يَنْفَعُ الدِّينَ وَالدُّنْيَا،
وَلْنَكُنْ أُمَّةً مُبْدِعَةً مُبْتَكِرَةً، تَأْخُذُ بِأَسْبَابِ العِلْمِ وَالتَّقَدُّمِ،
مَعَ التَّمَسُّكِ بِثَوَابِتِ الشَّرِيعَةِ وَأُصُولِ الإِيمَانِ.
وَلْنَعْلَمْ أَنَّ الجُمُودَ وَالتَّكْرَارَ
هُمَا سَبَبُ التَّأَخُّرِ وَالانْحِطَاطِ، وَأَنَّ الإِبْدَاعَ وَالتَّطْوِيرَ هُمَا
سَبَبُ النَّهْضَةِ وَالارْتِقَاءِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
بِدَايَةُ العَامِ الدِّرَاسِيِّ الجَدِيدِ
رِحْلَةُ بِنَاءِ الإِنْسَانِ وَصَنْعَةِ المُسْتَقْبَلِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ،
عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَجَعَلَ العِلْمَ سَبِيلًا إِلَىٰ مَعْرِفَتِهِ،
وَرَفَعَ دَرَجَاتِ العَالِمِينَ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي
أُرْسِلَ مُعَلِّمًا، فَقَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ).
أَمَّا بَعْدُ
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي
بِتَقْوَى اللَّهِ، فَهِيَ زَادُ العَالِمِينَ، وَعِمَادُ المُعَلِّمِينَ، وَمَفْزَعُ
الطَّالِبِينَ. فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَبْنَائِكُمْ وَطُلَّابِكُمْ، وَاعْلَمُوا
أَنَّ العِلْمَ هُوَ أَسَاسُ بِنَاءِ الأُمَمِ، وَمِفْتَاحُ النَّهْضَةِ وَالتَّقَدُّمِ،
وَسِرُّ الإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ.
نَحْنُ اليَوْمَ نَسْتَقْبِلُ عَامًا دِرَاسِيًّا
جَدِيدًا، وَهُوَ فُرْصَةٌ ذَهَبِيَّةٌ لِنُجَدِّدَ العَزْمَ، وَنُعَلِّيَ الهِمَّةَ،
وَنَسْعَىٰ فِي سَبِيلِ العِلْمِ بِإِخْلَاصٍ وَجِدٍّ.
وَإِلَيْكُمْ هَذِهِ المَقَارِبَ العَشْرَةَ
فِي اسْتِقْبَالِ العَامِ الدِّرَاسِيِّ:
---
أَوَّلًا: العِلْمُ عِبَادَةٌ وَطَلَبُهُ
فَرِيضَةٌ
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَىٰ كُلِّ
مُسْلِمٍ» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ). فَالعِلْمُ لَيْسَ رِفَاهِيَةً، بَلْ فَرِيضَةٌ
وَاجِبَةٌ، وَهِيَ سَبِيلُ التَّقَرُّبِ إِلَىٰ اللَّهِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ.
وَقَالَ ﷺ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ
عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). فَالطَّالِبُ
فِي سَبِيلِ العِلْمِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وَقَالَ:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:
٩].
فَطَلَبُ العِلْمِ هُوَ أَحَدُ أَفْضَلِ
القُرُبَاتِ إِلَىٰ اللَّهِ، وَهُوَ سَبِيلُ الفَلَاحِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
---
ثَانِيًا: المُعَلِّمُ صَانِعُ الأَجْيَالِ
وَبَانِي المُسْتَقْبَلِ
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ
كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). فَالمُعَلِّمُ هُوَ الَّذِي
يَبْنِي الأُمَّةَ، وَيُشَكِّلُ مَضَامِيرَهَا، وَيَرْسُمُ مُسْتَقْبَلَهَا.
وَقَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ فِي
الْبَحْرِ يُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَىٰ عَظِيمِ مَكَانَةِ المُعَلِّمِ.
وَالمُعَلِّمُ فِي الإِسْلَامِ لَيْسَ مُجَرَّدَ
نَاقِلٍ لِلْمَعْلُومَاتِ، بَلْ هُوَ مُرَبٍّ وَمُوَجِّهٌ وَقَائِدٌ، وَعَلَيْهِ أَنْ
يَتَقَوَّى اللَّهَ، وَيُخْلِصَ النِّيَّةَ، وَيَكُونَ قُدْوَةً حَسَنَةً.
---
ثَالِثًا: الطَّالِبُ هُوَ المُسْتَقْبَلُ
اعْلَمُوا أَنَّ الطَّالِبَ اليَوْمَ هُوَ
القَائِدُ غَدًا، وَالمُبْدِعُ غَدًا، وَالمُخْتَرِعُ غَدًا، وَالطَّبِيبُ غَدًا، وَالمُهَنْدِسُ
غَدًا، وَالمُعَلِّمُ غَدًا.
فَالطَّالِبُ هُوَ الثَّرْوَةُ الحَقِيقِيَّةُ
لِلأُمَّةِ، وَهُوَ رَأْسُ المَالِ الحَقِيقِيُّ لَهَا، وَبِهِ تَزْدَهِرُ الحَضَارَاتُ
وَتَقُومُ الدُّوَلُ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَرْجِعَ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). فَعَلَى الطَّالِبِ
أَنْ يُحْسِنَ الظَّنَّ بِنَفْسِهِ، وَيَثِقَ بِقُدْرَاتِهِ، وَيَسْعَىٰ بِجِدٍّ.
فَاسْتَثْمِرُوا أَوْقَاتَكُمْ، وَوَجِّهُوا
مَوَاهِبَكُمْ، وَشَجِّعُوا إِبْدَاعَكُمْ، وَكُونُوا أُمَّةً قَارِئَةً مُتَعَلِّمَةً.
---
رَابِعًا: التَّعْلِيمُ هُوَ الجِهَادُ
الأَكْبَرُ
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَرْجِعَ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). فَالعِلْمُ جِهَادٌ،
وَطَلَبُهُ عِبَادَةٌ، وَتَعْلِيمُهُ زَكَاةٌ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَتَعَلَّمُوا
لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ» (رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ). وَالتَّعْلِيمُ
هُوَ جِهَادُ النَّفْسِ وَمُجَاهَدَةُ الجَهْلِ وَالتَّخَلُّفِ، وَهُوَ السِّلَاحُ
الأَقْوَى لِمُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيَاتِ.
وَلَقَدْ كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُونَ
يُسَافِرُونَ المَسَافَاتِ الطَّوِيلَةَ لِطَلَبِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ، وَيَبْذُلُونَ
الأَمْوَالَ الطَّائِلَةَ لِشِرَاءِ الكُتُبِ.
فَالْيَوْمَ نَحْنُ فِي زَمَنٍ تَوَفَّرَتْ
فِيهِ سُبُلُ العِلْمِ، فَلْنَسْتَثْمِرْ هَذِهِ الفُرَصَ.
خَامِسًا: قِصَّةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فَكَانَ يُشَجِّعُ الصِّغَارَ عَلَىٰ طَلَبِ العِلْمِ، وَيَرْعَى
مَوَاهِبَهُمْ.
وَقَدْ نَشَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَىٰ هَذَا
الدُّعَاءِ، فَصَارَ أَحَدَ أَكْبَرِ العُلَمَاءِ وَالمُفَسِّرِينَ، وَكَانَ يُسَمَّى
"حَبْرَ الأُمَّةِ".
وَقَالَ ﷺ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا
حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّىٰ يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). وَقَالَ:
«مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
سَادِسًا: التَّعْلِيمُ بَيْنَ الرُّوحِ
وَالمَادَّةِ
الإِسْلَامُ يَدْعُو إِلَىٰ التَّعْلِيمِ
المُتَكَامِلِ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَالعِلْمِ الدُّنْيَوِيِّ،
وَبَيْنَ الرُّوحِ وَالمَادَّةِ، وَبَيْنَ العَقْلِ وَالقَلْبِ.
قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ
اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:
٧٧]. فَهَذَا أَمْرٌ بِالتَّوَازُنِ.
وَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ
يَجْمَعُونَ بَيْنَ العِبَادَةِ وَطَلَبِ العِلْمِ، وَبَيْنَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ
وَالعِلْمِ الدُّنْيَوِيِّ، كَالْبُخَارِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ سِينَا.
فَلَا نُفْرِطُ فِي العِلْمِ الدُّنْيَوِيِّ
عَلَىٰ حِسَابِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَلَا العَكْسَ.
سَابِعًا: فَضْلُ المُعَلِّمِ وَالعَالِمِ
فِي الإِسْلَامِ
لَقَدْ أَكْثَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الحَثِّ عَلَىٰ تَعْظِيمِ العُلَمَاءِ:
· قَالَ ﷺ: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).
· قَالَ ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ
فِي الدِّينِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
· قَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... يُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» (رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ).
وَعَلَى المُعَلِّمِينَ أَنْ يَتَحَلَّوْا
بِالأَخْلَاقِ الرَّفِيعَةِ، وَيَكُونُوا قُدْوَةً حَسَنَةً.
ثَامِنًا: وَاجِبُ المُجْتَمَعِ نَحْوَ
التَّعْلِيمِ
لَا يَقْتَصِرُ أَمْرُ التَّعْلِيمِ عَلَى
الفَرْدِ أَوِ الأُسْرَةِ، بَلْ هُوَ مَسْؤُولِيَّةُ المُجْتَمَعِ كُلِّهِ. فَعَلَى
المُجْتَمَعِ أَنْ:
· يَدْعَمَ المُؤَسَّسَاتِ التَّعْلِيمِيَّةَ
مَالِيًّا وَمَعْنَوِيًّا.
· يُوَظِّفَ الكَفَاءَاتِ فِي مَجَالِ التَّعْلِيمِ.
· يُشَجِّعَ الإِبْدَاعَ فِي المَنَاهِجِ.
· يُكَرِّمَ المُعَلِّمِينَ وَالمُتَمَيِّزِينَ.
· يُوَاجِهَ التَّحَدِّيَاتِ كَالْفَقْرِ
وَالجَهْلِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
تَاسِعًا: بَيْنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ
العِلْمُ بِدُونِ عَمَلٍ كَالشَّجَرِ بِدُونِ
ثَمَرٍ، وَالعَمَلُ بِدُونِ عِلْمٍ كَالسَّفِينَةِ بِدُونِ رُبَّانٍ.
قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ
تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢-٣].
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ» (رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ).
فَعَلَيْنَا أَنْ نَعْمَلَ بِمَا نَعْلَمُ،
وَنَنْتَفِعَ بِمَا نَتَعَلَّمُ.
عَاشِرًا: التَّعْلِيمُ وَالإِبْدَاعُ
لَا يَكُونُ التَّعْلِيمُ نَاجِحًا إِلَّا
إِذَا شَجَّعَ عَلَىٰ الإِبْدَاعِ وَالِابْتِكَارِ، وَفَتَحَ أَبْوَابَ التَّفَكُّرِ
وَالتَّأَمُّلِ.
وَالتَّعْلِيمُ فِي الإِسْلَامِ يُرَبِّي
العُقُولَ عَلَىٰ التَّفْكِيرِ النَّاقِدِ، وَيُشَجِّعُ عَلَىٰ طَرْحِ الأَسْئِلَةِ
وَالبَحْثِ عَنِ الأَجْوِبَةِ.
وَهَكَذَا نَصِلُ إِلَىٰ أَنَّ الإِبْدَاعَ
وَالِابْتِكَارَ فِي العَهْدِ النَّبَوِيِّ، وَبِدَايَةَ العَامِ الدِّرَاسِيِّ، هُمَا
مَوْضُوعَانِ مُتَكَامِلَانِ يُعَبِّرَانِ عَنْ فَلْسَفَةِ الإِسْلَامِ فِي البِنَاءِ
وَالنُّهُوضِ.
فَالنَّبِيُّ ﷺ أَسَّسَ مَدَارِسَ العِلْمِ بِصَنْعَةِ
المِنْبَرِ، وَأَسَّسَ مَشْرُوعَ التَّعْلِيمِ بِفِدَاءِ الأَسْرَىٰ، وَشَجَّعَ الإِبْدَاعَ
بِفِكْرَةِ الخَنْدَقِ، فَكَانَ قُدْوَةً فِي الإِبْدَاعِ وَالتَّعْلِيمِ مَعًا.
الدُّعَاءُ الخَاتَمُ
اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا العَامَ عَامَ
خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ وَعِلْمٍ نَافِعٍ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَوْلَادِنَا
وَطُلَّابِنَا، وَوَفِّقْهُمْ لِطَلَبِ العِلْمِ وَالإِتْقَانِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ
وَيُعَلِّمُونَ، وَيَنْتَفِعُونَ وَيَنْفَعُونَ.
اللَّهُمَّ وَفِّقِ المُعَلِّمِينَ وَالمُعَلِّمَاتِ،
وَارْزُقْهُمُ الصَّبْرَ وَالأَجْرَ وَالعَافِيَةَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَنَا وَسَائِرَ
بِلَادِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ،
وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ.
اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً
وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَىٰ
سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ العَالَمِينَ.
وَقُومُوا إِلَى الصَّلَاةِ، يَرْحَمُكُمُ
اللَّهُ.