مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ هلاك قرية نبال
١. مقدمةٌ وخُطبةُ الحاجة
٢. حادثةُ النِّيبَالِ: اعتداءٌ على بَيتِ
اللهِ
٣. ﴿مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.. استِهانةٌ
بِجَبَرُوتِه
٤. الفَيَضَانُ وَالصَّوَاعِقُ جُنُودُ اللهِ
٥. كَثْرَةُ الفَيَضَانَاتِ مِنْ عَلامَاتِ
السَّاعَةِ
٦. قِصَّةُ عِبْرَةٍ: عَاقِبَةُ المُتَعَدِّينَ
٧. أقوالُ السَّلَفِ في عَذَابِ الاسْتِدْرَاجِ
٨. خاتمةٌ ودَعوةٌ إلى التَّوبةِ والاستِغفارِ
الحَمدُ للهِ الَّذي لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ، يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. أحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأشكُرُهُ، وَأتُوبُ إلَيهِ وَأستَغفِرُهُ،
وَأشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً
عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً
كَثِيراً.
أمَّا بَعدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا
اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأنتُم مُسلِمُونَ.
أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ للهِ تَعَالَى سُنَنَاً
في خَلْقِهِ، وَعَادَاتٍ في أُمَمِهِ، لا تَتَبَدَّلُ وَلا تَتَغَيَّرُ. وَمِنْ تِلْكَ
السُّنَنِ: أنَّهُ مَنْ تَعَدَّى عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ، وَاسْتَهَانَ بِشَعَائِرِهِ،
وَآذَى عِبَادَهُ المُؤمِنِينَ، فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ، سَرِيعُ الحِسَابِ،
وَإِنْ أَمْهَلَ فَلا يُهْمِلُ، وَإِنْ أَنْظَرَ فَلا يُغْفِلُ.
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُرِي اللهُ بِهِ عِبَادَهُ
قُدْرَتَهُ وَجَبَرُوتَهُ: الصَّوَاعِقُ وَالزَّلَازِلُ وَالفَيَضَانَاتُ وَالسُّيُولُ
الجَارِفَةُ، تَكُونُ نَقْمَةً عَلَى الظَّالِمِينَ، وَعِبْرَةً لِلْمُتَّقِينَ، وَآيَةً
لِلْعَالَمِينَ أنَّ اللهَ ﴿لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي
السَّمَاءِ﴾.
---
حادثةُ النِّيبَالِ: اعتداءٌ على بَيتِ
اللهِ
أَيُّهَا الإِخْوَةُ، حَدَثَ قَرِيباً فِي
بِلاَدِ النِّيبَالِ مَا يُقَشْعِرُ لَهُ الجِلْدُ، وَتَقْشَعِرُّ مِنْهُ الجُلُودُ.
فَقَدْ تَعَرَّضَ مَسْجِدٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي مَنْطِقَةِ "سِيرَاهَا"
-وَهُوَ مَسْجِدُ "شَوهَرْوَا جَامِع" في "جُولْبَازَار"- لِاعْتِدَاءٍ
وَحْشِيٍّ، حَيْثُ اقْتَحَمَهُ غُلاةٌ مِنَ الهِنْدُوسِ، فَخَرَّبُوهُ وَأَحْرَقُوهُ،
وَأَتْلَفُوا مَا فِيهِ مِنْ مَصَاحِفَ وَكُتُبِ حَدِيثٍ وَمَادَّةٍ دِينِيَّةٍ، وَذَلِكَ
فِي أواخِرِ شَهْرِ يُولِيُو ٢٠٢٦م.
وَلَمْ يَكْتَفِ الظَّلَمَةُ بِذَلِكَ،
بَلْ تَجَاوَزُوا إِلَى تَهْدِيدِ المُسْلِمِينَ وَالتَّعَدِّي عَلَى أَمْوَالِهِمْ
وَمُمْتَلَكَاتِهِمْ، فَأُحْرِقَتِ المَنَازِلُ وَالمَحَلَّاتُ التِّجَارِيَّةُ وَالمَرْكَبَاتُ،
وقُدِّرَ عَدَدُ المُمْتَلَكَاتِ المُتَضَرِّرَةِ بِأَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ مُنْشَأَةً،
وَسُقِطَ قَتْلَى وَجُرْحَى.
وَإِذَا بِالظَّلَمَةِ يَتَجَاوَزُونَ حُدُودَ
اللهِ إِلَى حَدِّ التَّحَدِّي وَالاسْتِهْزَاءِ، فَقَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ بِغُرُورٍ
وَطُغْيَانٍ: "لَوْ إِلَهُكُمْ قَوِيَّاً لَتَدَخَّلَ!!" كَأَنَّهُمْ يَسْتَعْجِلُونَ
عَذَابَ اللهِ، وَيَسْتَهْزِئُونَ بِقُدْرَتِهِ، وَيَظُنُّونَ أنَّ اللهَ لا يَرَى
وَلا يَسْمَعُ، أَمْ يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ غَافِلٌ عَمَّا يَفْعَلُونَ؟!
---
﴿مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.. استِهانةٌ
بِجَبَرُوتِه
هَذِهِ الكَلِمَاتُ التَّي نَطَقَ بِهَا
الظَّلَمَةُ -وَهِيَ لَا تَصْدُرُ إِلَّا مِمَّنْ مَا قَدَرَ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ-
تُذَكِّرُنَا بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ
جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: ٦٧].
فَكَيْفَ يَجْسُرُ عَبْدٌ ضَعِيفٌ عَلَى
التَّحَدِّي وَالاسْتِهْزَاءِ بِخَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ؟! كَيْفَ يَقُولُ
لِلْمُؤْمِنِينَ: "أَيْنَ إِلَهُكُمْ؟!" وَهُوَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ
كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الَّذِي إِذَا أَرَادَ شَيْئاً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: كُنْ
فَيَكُونُ؟!
إِنَّ هَؤُلَاءِ القَوْمَ -وَمَنْ شَاكَلَهُمْ-
نَسُوا أَوْ تَنَاسَوْا أنَّ اللهَ تَعَالَى يُمْهِلُ وَلا يُهْمِلُ، وَيُنْظِرُ الظَّالِمَ
ثُمَّ يَأْخُذُهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ
رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}
[هود: ١٠٢].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَإِنَّ رَبَّكَ
لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: ١٤].
فَاللهُ تَعَالَى يَتَرَبَّصُ بِالظَّالِمِينَ،
وَيُحْصِي عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهِمْ آثَارَهُمْ، حَتَّى إِذَا
بَلَغُوا المَدَى، وَاسْتَكْمَلُوا الطُّغْيَانَ، جَاءَهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ
لا يَشْعُرُونَ.
---
الفَيَضَانُ وَالصَّوَاعِقُ جُنُودُ اللهِ
وَمَا كَانَ أَسْرَعَ إِجَابَةَ اللهِ لِعِبَادِهِ
المُسْتَضْعَفِينَ، وَمَا كَانَ أَقْرَبَ نَصْرَ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ! فَلَمْ تَمْضِ
سِوَى بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْماً عَلَى جَرِيمَةِ حَرْقِ المَسْجِدِ، حَتَّى أَرْسَلَ
اللهُ عَلَيْهِمْ جُنْداً مِنْ جُنُودِهِ لا يَرَوْنَهُ، فَضَرَبَتِ الفَيَضَانَاتُ
المُدَمِّرَةُ النِّيبَالَ، وَاجْتَاحَتْ سُيُولٌ جَارِفَةٌ جِبَالَ الهِيمَالَيَا
وَالأَوْدِيَةَ، فَجَرَفَتِ القُرَى وَالمُدُنَ وَالجُسُورَ وَالمَبَانِيَ, وَخَلَّفَتْ مَآسِيَ لا تُحْصَى.
فَقَدْ تَجَاوَزَ عَدَدُ القَتْلَى المِئَاتِ،
وَأُصِيبَ الآلافُ بِالجُرُوحِ، وَفُقِدَ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ شَخْصٍ, وَتَشَرَّدَ الآلافُ مِنَ النَّاسِ، وَدُمِّرَتِ
البِنْيَةُ التَّحْتِيَّةُ، وَانْقَطَعَتْ سُبُلُ المَوَاصَلَاتِ.
أَلَيْسَ هَذَا هُوَ الرَّدُّ الإِلَهُيُّ
عَلَى مَنْ قَالَ: "لَوْ إِلَهُكُمْ قَوِيَّاً لَتَدَخَّلَ"؟! أَلَيْسَ هَذَا
هُوَ التَّدَخُّلُ الإِلَهُيُّ العَاجِلُ الَّذِي يُرِي العِبَادَ قُدْرَةَ اللهِ وَجَبَرُوتَهُ؟!
قَالَ تَعَالَى: {وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ
لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} [الكهف: ٥٩].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {فَكُلًّا أَخَذْنَا
بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ
الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا
ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}
[العنكبوت: ٤٠].
إِنَّ الفَيَضَانَاتِ وَالصَّوَاعِقَ وَالسُّيُولَ
الجَارِفَةَ هِيَ جُنُودٌ مِنْ جُنُودِ اللهِ، يُسَلِّطُهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ، إِمَّا عَذَاباً عَاجِلاً، وَإِمَّا تَذْكِرَةً وَعِبْرَةً.
كَثْرَةُ الفَيَضَانَاتِ مِنْ عَلامَاتِ
السَّاعَةِ
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ، إِنَّ كَثْرَةَ
الفَيَضَانَاتِ وَالصَّوَاعِقَ وَالكَوَارِثَ الطَّبِيعِيَّةَ فِي هَذَا الزَّمَانِ
هِيَ مِنْ عَلامَاتِ السَّاعَةِ الصُّغْرَى، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ
صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ قَالَ: "تَكْثُرُ الصَّوَاعِقُ عِنْدَ
اقْتِرَابِ السَّاعَةِ، حَتَّى يَأْتِيَ الرَّجُلُ القَوْمَ، فَيَقُولَ: مَنْ صَعِقَ
قِبَلَكُمُ الغَدَاةَ؟ فَيَقُولُونَ: صَعِقَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ". رَوَاهُ الإِمَامُ
أحمَدُ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: "لَا تَقُومُ
السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ،
وَتَظْهَرَ الفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الهَرْجُ"، وَالهَرْجُ هُوَ القَتْلُ.
فَمَا نَرَاهُ اليَوْمَ مِنْ تَكَاثُرِ
الفَيَضَانَاتِ وَالصَّوَاعِقِ وَالزَّلَازِلِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، إِنَّمَا هُوَ تَحْقِيقٌ
لِخَبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَنَذِيرٌ لِلْبَشَرِ بِاقْتِرَابِ
السَّاعَةِ.
وَلَكِنْ -يَا عِبَادَ اللهِ- إِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ يَغْفُلُونَ عَنْ ذَلِكَ، وَيَظُنُّونَ أنَّ هَذِهِ الكَوَارِثَ مُجَرَّدُ
ظَوَاهِرَ طَبِيعِيَّةٍ لا عِبْرَةَ فِيهَا وَلا عَظَةَ، وَهَذَا مِنْ قَسْوَةِ القُلُوبِ
وَغَلَبَةِ الجَهْلِ عَلَى العُقُولِ.
الخطبة الثانية
الحمد والثناء
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلاةُ
وَالسَّلامُ عَلَى أَشْرَفِ المُرسَلِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ
أَجمَعِينَ.
أمَّا بَعدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا
اللهَ وَاشْكُرُوا نِعْمَتَهُ، وَاحْذَرُوا سَطوَتَهُ وَنِقْمَتَهُ.
قِصَّةُ عِبْرَةٍ: عَاقِبَةُ المُتَعَدِّينَ
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ، لِنَتَذَكَّرْ قِصَّةَ
الأُمَمِ السَّابِقَةِ الَّتِي تَعَدَّتْ عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ، فَجَاءَهَا العَذَابُ
مِنْ حَيْثُ لا تَحْتَسِبُ. فَأَصْحَابُ القَرْيَةِ الَّتِي اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ،
جَعَلَهُمُ اللهُ قِرَدَةً خَاسِئِينَ. وَقَوْمُ لُوطٍ لَمَّا اسْتَهَانُوا بِأَمْرِ
اللهِ وَتَعَدَّوْا حُدُودَهُ، أَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ،
وَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا.
وَفِي سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَا يُؤَكِّدُ هَذِهِ الحَقِيقَةَ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
-رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
"إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"،
ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ
ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}.
فَهَذِهِ سُنَّةُ اللهِ فِي الأُمَمِ: الإِمْهَالُ
ثُمَّ الأَخْذُ، الإِنْظَارُ ثُمَّ العِقَابُ. فَمَنْ ظَنَّ أنَّ إِمْهَالَ اللهِ لَهُ
هُوَ رِضًا مِنَ اللهِ عَنْهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً.
وَمَا حَدَثَ فِي النِّيبَالِ -مِنْ حَرْقِ
المَسْجِدِ ثُمَّ الفَيَضَانَاتِ المُدَمِّرَةِ- إِنَّمَا هُوَ صَدًى لِهَذِهِ السُّنَنِ
الإِلَهِیَّةِ، وَعِبْرَةٌ لِأُولِي الأَبْصَارِ.
أقوالُ السَّلَفِ في عَذَابِ الاسْتِدْرَاجِ
وَقَدْ حَذَّرَ السَّلَفُ الصَّالِحُ -رَحِمَهُمُ
اللهُ- مِنَ الاسْتِدْرَاجِ، وَهُوَ أَنْ يُمْهِلَ اللهُ العَبْدَ فِي مَعْصِيَتِهِ،
وَيُزِيدَهُ نِعَماً وَهُوَ يَزْدَادُ طُغْيَاناً، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ أَخَذَهُ
أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.
قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-:
«مَا زَادَ اللهُ عَبْداً نِعْمَةً إِلَّا زَادَ النَّاسَ إِلَيْهِ حَاجَةً، وَمَا
زَادَ اللهُ عَبْداً عِزّاً إِلَّا زَادَ النَّاسَ إِلَيْهِ ذُلّاً، وَمَا زَادَ عَبْداً
عِلْماً إِلَّا زَادَ النَّاسَ إِلَيْهِ فَقْراً». وَقَالَ أَيْضاً: «إِيَّاكُمْ وَالِاسْتِدْرَاجَ،
فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَهْوَنَ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَنْ يَسْتَدْرِجَ ابْنَ
آدَمَ».
وَقَالَ ابْنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ -رَحِمَهُ
اللهُ-: «الِاسْتِدْرَاجُ هُوَ: أَنْ يُمْهِلَ اللهُ العَبْدَ فِي ذُنُوبِهِ، وَيُزِيدَهُ
نِعْماً، وَيُجْرِيَ عَلَيْهِ أَقْوَاتَهُ وَأَرْزَاقَهُ، حَتَّى يَظُنَّ أنَّهُ عَلَى
خَيْرٍ، وَهُوَ عَلَى شَرٍّ، وَأَنَّهُ يُحِبُّهُ وَهُوَ يَمْقُتُهُ».
فَمَنْ رَأَى نِعَمَ اللهِ تَتَوَالَى عَلَيْهِ
وَهُوَ فِي مَعْصِيَةٍ، فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجاً مِنَ اللهِ
لَهُ. وَمَنْ رَأَى عَذَابَ اللهِ يَحِلُّ بِقَوْمٍ ظَالِمِينَ، فَلْيَعْتَبِرْ وَلْيَتَّعِظْ،
وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بِهِ مَا حَلَّ بِهِمْ.
خاتمةٌ ودَعوةٌ إلى التَّوبةِ والاستِغفارِ
فَيَا عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ وَاحْذَرُوا
مَعَاصِيَهُ، وَلا تَغْتَرُّوا بِإِمْهَالِهِ، وَلا تَأْمَنُوا مَكْرَهُ، فَإِنَّهُ
لا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا القَوْمُ الخَاسِرُونَ.
وَاعْلَمُوا أنَّ مَا حَدَثَ فِي النِّيبَالِ
لَيْسَ حَادِثاً عَابِراً، بَلْ هُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَعِبْرَةٌ لِلْعَالَمِينَ،
وَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. فَمَنْ تَعَدَّى عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ وَشَعَائِرِهِ،
وَآذَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ، فَلْيَنْتَظِرْ عَذَابَ اللهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ
الآخِرَةِ، أَوْ عَذَابَ الآخِرَةِ وَهُوَ أَشَدُّ وَأَبْقَى.
قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:
٧-٨].
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَتُوبُوا
إِلَيْهِ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَتُوبُ
عَلَى مَنْ تَابَ، وَيَغْفِرُ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ.
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ
عَلَيهِ فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ العَافِيَةَ
وَالمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ احْفَظْنَا بِحِفْظِكَ وَاكْلَأْنَا
بِرِعَايَتِكَ، اللَّهُمَّ تَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِنَا وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا،
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَنَا وَارْحَمْنَا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ
وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغْيِ،
يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَاذكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ
عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ
العَالَمِينَ.