الحسد والبغضاء داء الأمم من قبلنا
قال تعالي:"وَوَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"(البقرة/ 109﴾.
تمنى كثير من أهل الكتاب أن ترتدوا عن دين الإسلام وتعودوا إلى الكفر وأن يرجعوكم بعد إيمانكم كفارًا كما كنتم من قبلُ تعبدون الأصنام؛ .حسداً من عند أنفسهم: الدافع لهذا التمني هو الحقد والحسد بسبب ما أنعم الله به على المسلمين
بسبب الحقد الذي امتلأت به نفوسهم من بعد ما تبيَّن لهم صدق نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، فتجاوزوا عمَّا كان منهم من إساءة وخطأ، واصفحوا عن جهلهم، حتى يأتي الله بحكمه فيهم بقتالهم (وقد جاء ووقع)، وسيعاقبهم لسوء أفعالهم. إن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.
.من بعد ما تبين
لهم الحق: وقع هذا الحسد والتمني رغم علمهم اليقين بأن النبي محمداً حق وأن الإسلام
هو الدين الصحيح
وعن الزبير بن العوام قال رسول الله صلي
الله عليه وسلم:" دبَّ إليكُم داءُ الأمَمِ قبلَكم الحسَدُ والبغضاءُ هيَ الحالِقَةُ
لا أقولُ تحلِقُ الشَّعَرَ ولكن تحلِقُ الدِّينَ والَّذي نفسي بيدِهِ لا تدخُلوا الجنَّةَ
حتَّى تؤمِنوا ولا تؤمِنوا حتَّى تحابُّوا أفلا أنبِّئُكُم بما يثبِّتُ ذاكُم لكم أفشوا
السَّلامَ بينكُم "(الترمذي واللفظ له، وأحمد ).
الحسد والبغضاء هما داء الأمم الخطير الذي
حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم ووصفه بأنه "الحالقة" التي تحلق الدين
لا الشعر.
بعد وفاة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، تزوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه مِن خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية من بني حنيفة، فولدت له ولداً سمّاه: محمدًا، فهو (محمد بن علي ).
غير أن الناس أرادوا التفريق بينه وبين
ذرية فاطمة رضي الله عنها، فسموه:محمد بن الحنفية، واشتُهر بها.
نشأ محمد بن الحنفية نشأة أبيه فروسيةً
وبطولة وشدة وشكيمة ،فكان أبوه يقحمه في الشدائد والمعارك، فقال له بعضهم يومًا : لِمَ
يُقحمك أبوك في مواطن لا يُقحم فيها أخويك: الحسن والحسين؟فكان جوابه عجبًا من الفصاحة
الهاشمية، قال: لأن أخَوَيّ هما عينا أبي وأنا يده ، فهو يقي عينيه بيديه ..
فتأمل كيف تجاوز حظ نفسه؟
وكيف فضّل أخويه؟
وكيف التمس العذر لأبيه؟
وكيف لم يسقط في مستنقع النميمة؟
تأمل عبارته وإيجازها وإعجازها.
فى يوم من الأيام وقع بينه وبين أخيه الحسن خلاف فكتب إليه
: أما بعد ، فإن الله تعالى فضّلك عليّ ، فأمك فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلَّم ، وأمي امرأة من بني حنيفة ، وجدك لأمك رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوة
خلقه، وجدي لأمي جعفر بن قيس ، فإذا جاءك كتابي هذا فتعال إليّ وصالحني حتى يكون لك
الفضل عليَّ في كل شيء.
فلما بلغ كتابه أخاه الحسن رضي الله عنه
بادر إلى بيته ، ثم قال له: والله لا أعود إلى شيء تكرهه أبدا.
قوم أصحاب عقول كبيرة ، وأصحاب نفوس عظيمة
، كمْ من إنسان كَبُر جسمه وكبر وضعه، لكن نفسه تبقى دون المستوى الذي بلغه جسمه وبلغه
وضعه.
أُسلِّم أن هناك نفوسا ضعيفة توجد في أوساطنا،
تؤذيك مهما قدمت لها من معروف ، تنتقصك كلما زدتها.
أُسلِّم بأن هناك نفوسا في أوساطنا لا تعرف
لها موضع رضاً لتتبعه،ولا موضع سخط لتحضره.
هذه النفوس تنطلق في الأغلب الأعم من داء
عضال يسيطر على معظم النفوس الإنسانية.
داء الحسد لا يسلم منه إلا من اصطفاهم الله
تعالى.
ولذلك قالوا: ما خلا جسد من حسد ، لكن اللئيم
يُبديه ، والكريم يُخفيه.
هذه عبارة دقيقة ، نقلت عن بعض أهل العلم
المتقدمين ، وفيها سبر عميق لأغوار النفس البشرية ، وطبيعتها المعقدة والمركبة والتي
تجمع ما بين خيوط ومشاعر متقابلة، وغالبا ما يضايقها تميز الآخرين عليها في أي أمر
ذي مطمع ، لأن هذا التميز يشعرها بالنقص والتقصير ، ويستفز مكامن الأنانية فيها.
قِيلَ لِلحَسَنِ البَصْرِيِّ: أَيَحْسُدُ
المُؤْمِن؟ قَالَ:وَمَا أَنْسَاكَ إِخْوَةَ يُوسُف لَا أَبَا لَكْ؟
إِخْوَةُ يُوسُف مِنَ المُؤمِنِينَ بِلَا
خِلَافٍ؛ وَمَعَ ذَلِكَ حَسَدُوا أَخَاهُم؛ لِمَا فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَزَايَا
وَخِصَال، وَلِمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ الَّتِي كَانَ يَسْتَشْرِفُهَا
يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَكَانَ مُحِبًّا لَهُ مُقَرِّبًا لَهُ؛فَحَسَدُوهُ
وَهُمْ أَبْنَاءُ نَبِي كُلُّهُم أَوْلَادُ نَبِي بنِ نَبِي بنِ نَبِي. يَعقُوب بنِ
إِسْحَاق بنِ إِبرَاهِيم.
هَؤُلَاءِ أَبْنَاؤُهُ؛ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ
يَسْلَمُوا مِنْ هَذَا الخُلُقِ الرَّذِيل، وَأَخَذُوا أَخَاهُم بَعْدَ أَنْ احْتَالُوا
عَلَى أَبِيهِم، ثُمَّ تَآمَرُوا عَلَى قَتْلِهِ، ثُمَّ أَشْفَقُوا عَلَيْهِ فَأَلْقَوْهُ
فِي الجُبِّ، ثُمَّ تَنَحَّوْا نَاحِيَةً حَتَّى جَاءَت السَّيَّارَةُ القَافِلَةُ
فَاسْتُخْرِج، ثُمَّ كَذَبُوا عَلَى أَبِيهِم لمَّا جَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ
كَذِبٍ.
كلُّ العداواتِ قد تُرْجى مَوَدَّتُهَا
إلاَّ عداوةَ من عَادَاكَ عن حَسَدِ.
وكل أداويه على قدر دائه
سوى حاسدى فهى التى لا أنالها
وكيف يداوى المرء حاسد نعمة
إذا كان لا يرضيه إلا زوالها.
خبرنى بالله عليك ماذا فعل آدم بإبليس؟
ماذا فعل هابيل لقابيل؟
ماذا فعل يوسف لإخوته؟
ماذا فعلت عائشة رضي الله عنها حين اتهمها
البعض بارتكاب الفاحشة؟
ما الذي يستدعي قطيعة بين أولى الأرحام
؟
ما الذي يستدعي قطيعة بين أهل العلم ؟
ما الذي يستدعي قطيعة بين الزملاء في العمل
؟
وأجيبك فأقول: إنه الخوف من المزاحمة، والمزاحمة
على مصلحة دنيوية زائلة.
ولذلك قالوا: عدو الرجل من يعمل عمله.
وهذا المقال موثوق على أولي المهنة إذا
كانوا متجاورين يعملون في مكان واحد، أو كانوا من إنشاء واحد، أما إذا كانوا متباعدين
غير متباعدين، فالحسد بينهم يكون بينهم أو نادرا.
قال يحيى بن سعيد: من أراد أن يبين عمله
ويظهر علمه، فليجلس في غير مجلس رهطه.
وقال رجل لخالد بن صفوان : إني أحبك قال:
وما يمنعك من ذلك ولست لك بجار ولا أخ ولا ابن عم؟يريد ان الحسد موكّل بالأدنى فالأدنى.
وقال بعض الحكماء: لا تصاحب من هو فوقك
فيتكبر عليك، ولا من هو مثلك فيحسدك، ولا من هو دونك فيحتقرك.
الحسد موكل بالأقرب فالأقرب.
أبو جهل كان قريباً لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ، ولم يكتف بما فعله طيلة حياته ، وهو في الرمق الأخير بعد أن سقط جريحا
، صعد عبدالله بن مسعود على صدره وقال له: أما أخزاك الله يا عدو الله ؟ فسأله أبو
جهل: لمن الغلبة اليوم؟ قال: لله ولرسوله وللمؤمنين ، قال له: إذا أبلغ محمدا أنى أُبغضه
حيا وميتا.
في الناس اليوم من يسلكون مسلك أبو جهل.
ماذا نفعل مع هؤلاء؟ هل نُسعِّر العداوات؟
هل نزيد الخصومات ؟
ينبغى أن نحفظ سمعتنا وكرامتنا ، وأن نصون ودنا، وأن نزيل الخصومات،وأن نطهر القلب ونخلصه من الشوائب التي تقف حجر عثرة أمام نورانيته،فيكون مفتاحا للخيرِ، مغلاقا للشرِ.
عباد الله :"كيف لقلبٍ مؤمنٍ اعتاد
الإيمان والذكر، أن ينطوي على هذه الأسقام فيعيش هانئًا بريئا ..؟!
كلا.. إنّ عاقبته وخيمة ، ونهايته سيئة،
لأن
هذين الدائين من أسوأ الأدواء ومن أنكى البلايا والأسقام ...!
حسدٌ لا يزيدُ صاحبَه إلا ألمًا وحسرة،
و بغضاء تُجهمُ الوجه والعمل ، وتَسودُّ منها الأخلاق ، إلى أن تنتهي إلى حالة رديّة،
من فقدان الدين وذُبول الاستقامة ..!
وإنّ من آثار هذينِ المرضين : قسوةَ القلب
واسوداده، المورث للنكسة والهلاك، وفي الحديث :( ألا وإنّ في الجسد مضغةً، إذا صلُحت
صلح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله، ألا وهي القلب
ومن آثارها : الاعتراضُ على قضاء الله وتدبيره،ِ
وتفريقُ المسلمين، وفتح أبواب التقاطع والأذيات ، وهو مما يتنافى وإخوةَ الإيمان .
قال تعالى :{ إنما المؤمنون إخوة } .
ومثلُ ذلك يمزقُ التآخي ، وينشرُ الجفاء،
وقال عز وجل : { والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهم أولياء بعض }. وهذه الولايةُ تقتضي المحبةَ
والنصرة والتأييد ، لا الحسدَ والبغضاء والقطيعة .!!
وإنّ مثلَ هذه المساوئ ليفرحُ بها الأعداء
، ويزينها الشيطان حيث التفكيك والتشرذم المرهق للقوى والعزائم، حتى يُفتحَ الباب للعدو
المستعمرين وقد قال تعالى :
{ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهبَ ريحكم }.
إي قوتكم..!
فتذهب القوة والتعاون والتعاضد... وتتلاشى
كل معاني الاجتماع والترابط...!
والبديلُ حينها التنازع، ولن يكون ثمةَ
تنازعٌ حتى يسبقَه حسدٌ وبغضاء..!
وقد صحّ حديث { إنّ الشيطان يئسَ أن يعبدَه المصلون في جزيرة العرب ، ولكن في التحريش بينهم }.
ثم أرشدَ صلى الله عليه وسلم إلى ما يُشيعُ
المحبةَ بين المسلمين ، ويثبّت أفنان المودة بينهم ، ويزيل كل أسباب الجفاءِ والبغضاء
{ أفشوا السلام بينكم }. وفي فشوهِ حبٌ وتصالح ، وتوادٌ وتعارف ، وتقاربٌ وتواضع ،
وهذا ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع المسلم ، وبه تقوى الرابطة ، ويصلح الناس ، وتزول
كلُّ أسباب العداوة .
اللهم طهّر قلوبَنا ، واغفر ذنوبَنا ، واستر عيوبنا ...
أقول قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائر
المسلمين ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ...
الحمدُ لله رب العالمين ، وصلّى اللهُ وسلم
وبارك على خاتم النبيين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين :
أما بعد :
أيها الإخوة الفضلاء :
إنّ من نعمة الله تعالى علينا في هذه البلاد
المباركة، أن جمعَ فُرقتنا ، ووحدّ كلمتَنا ، وجمعَ شتاتنا ، وأنعمَ علينا بنعمٍ كثيرة،
... نعمةِ الأمن والإيمان، ونعمةِ الوحدة والاجتماع ، ونعمةِ التآخي والتقارب ، ونعمة
التواصل والتعاضد، ونعمة الرزق والخيرات .
{ وأسبغَ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنة }. والواجبُ
علينا حفظُها ورعايتها باستعمالها في الطاعة، وتجنب المعاصي، وشكران مسديها، وتعميقِ
الجماعة ، ونبذ التباغض وشق عصا الطاعة .
فما أفلحت الأممُ إلا بتوحدها وترابطها
، وما هُزمت إلا بتفرقها وتنازعها.
وبلادنا بحمد الله، فخرُ المسلمين والعرب
بدينها وعزها وقيادتها، والحرمِ الآمن، والاجتماع المتين، والقيادة الحازمة... مهوى
الأفئدة، ومهبط الوحي، وبلد المختار عليه الصلاة والسلام .
فحافظوا على هذه الوَحدة، وتجنبوا أسبابَ
الفرقة والتنازع ...{ واعتصموا بحبلِ الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا نعمةَ الله عليكم
إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبِكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا}.
للهم طهر قلوبنا من النفاق ومن الغل ومن الحقد ومن الحسد يارب العالمين.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يارب العالمين.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
اللهم صل على محمد وعلى آلِ محمد