أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ وَاحْتِرَامُ الرُّمُوزِ
أَوَّلًا: أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ.
ثَانِيًا: هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي احْتِرَامِ وَتَوْقِيرِ الْكَبِيرِ
ثَالثا: نَمَاذِجُ مُشَرِّفَةٌ فِي احْتِرَامِ
الرُّمُوزِ وَتَوْقِيرِ الْكِبَارِ.
رابعا: أَدَبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ
مَعَ شَيْخِهِ وَمُعَلِّمِهِ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
خامسا: احْتِرَامُ النَّاسِ لَيْسَ كَلِمَاتٍ
تُقَالُ، بَلْ سُلُوكٌ وَأَخْلَاقٌ وَمُمَارَسَةٌ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِالْعَدْلِ
وَالْإِحْسَانِ، وَدَعَا إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْآدَابِ، وَجَعَلَ
لِكُلِّ إِنْسَانٍ حَقَّهُ، وَلِكُلِّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ، وَلِكُلِّ ذِي مَقَامٍ
مَقَامَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا النَّجَاةَ يَوْمَ نَلْقَاهُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ،
أَرْسَلَهُ رَبُّهُ لِيُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، فَكَانَ أَكْرَمَ النَّاسِ
خُلُقًا، وَأَرْفَقَهُمْ بِالنَّاسِ، وَأَعْرَفَهُمْ لِأَهْلِ الْفَضْلِ أَقْدَارَهُمْ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى
سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ،
فَإِنَّ التَّقْوَى زَادُ الْقُلُوبِ، وَسَبِيلُ النَّجَاةِ، وَمِفْتَاحُ الْفَلَاحِ.
أَوَّلًا: أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ مِنْ أَجْمَلِ مَا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَامُ
أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الْمُجْتَمَعَ جَمْعًا مِنَ الْأَفْرَادِ الْمُتَزَاحِمِينَ،
بَلْ جَعَلَهُ أُسْرَةً مُتَرَاحِمَةً، يَعْرِفُ فِيهَا الصَّغِيرُ حَقَّ الْكَبِيرِ،
وَيَعْرِفُ الْكَبِيرُ حَقَّ الصَّغِيرِ، وَيَعْرِفُ الْجَاهِلُ قَدْرَ الْعَالِمِ،
وَيَعْرِفُ الْمُتَعَلِّمُ فَضْلَ مُعَلِّمِهِ، وَيَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَقْدَارَ أَهْلِ
الْفَضْلِ وَالْخِبْرَةِ وَالسِّنِّ وَالسَّابِقَةِ.
لَيْسَ مِنَ الإِسْلَامِ أَنْ نُسَوِّيَ
بَيْنَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَقَامٍ، فَلِلْعَالِمِ مَنْزِلَتُهُ، وَلِلشَّيْخِ حُرْمَتُهُ،
وَلِصَاحِبِ السَّابِقَةِ فَضْلُهُ، وَلِصَاحِبِ الْخِبْرَةِ قَدْرُهُ، وَلِلشَّابِّ
النَّشِيطِ مَجَالُهُ؛ وَمِنْ حُسْنِ الدِّينِ وَكَمَالِ الْأَدَبِ أَنْ تُنْزِلَ كُلَّ
إِنْسَانٍ مَنْزِلَتَهُ.
وَمِنْ هُنَا جَاءَ الْمَبْدَأُ الْعَظِيمُ:
«أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ».
عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ رَحِمَهُ
اللهُ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مَرَّ بِهَا سَائِلٌ، فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً،
وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ، فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ، فَقِيلَ
لَهَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ».
رواه أبو داود في «سننه»
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ:
مِنَ الْخَلَلِ فِي الْأَخْلَاقِ أَنْ نَضَعَ
النَّاسَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهِمْ؛ فَنَرْفَعَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الرَّفْعَ، وَنُهينَ
مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّكْرِيمَ، وَنَسْتَخِفَّ بِالْكَبِيرِ، وَنَتَطَاوَلَ عَلَى الْعَالِمِ،
وَنَسْخَرَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ، وَنَجْعَلَ الشُّهْرَةَ مِيزَانَ الْمَكَانَةِ،
وَعَدَدَ الْمُتَابِعِينَ مِيزَانَ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ!
وَمَا أَخْطَرَ أَنْ يَفْقِدَ الْمُجْتَمَعُ مِيزَانَ الْأَقْدَارِ
فَإِذَا لَمْ يَعْرِفِ النَّاسُ لِلْكَبِيرِ
كِبَرَهُ، وَلِلْعَالِمِ عِلْمَهُ، وَلِلْمُعَلِّمِ فَضْلَهُ، وَلِصَاحِبِ التَّجْرِبَةِ
تَجْرِبَتَهُ، وَلِصَاحِبِ السَّابِقَةِ سَابِقَتَهُ؛ اضْطَرَبَتِ الْمَوَازِينُ، وَضَاعَتِ
الْآدَابُ.
تَوْقِيرُ الْكَبِيرِ مِنْ سُنَنِ النَّبِيِّ ﷺ
عِبَادَ اللَّهِ:
لَقَدْ أَرْسَى النَّبِيُّ ﷺ قَاعِدَةً عَظِيمَةً فِي الْمُجْتَمَعِ
الْمُسْلِمِ، فَقَالَ:
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا،
وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا».
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
تَأَمَّلُوا قَوْلَهُ ﷺ: «يُوَقِّرُ كَبِيرَنَا».
لَمْ يَقُلْ: يُوَقِّرُ الْمُثَقَّفَ فَقَطْ،
وَلَا الْغَنِيَّ فَقَطْ، وَلَا صَاحِبَ الْمَنْصِبِ فَقَطْ؛ بَلْ جَعَلَ لِلسِّنِّ
حَقًّا، وَلِلتَّجْرِبَةِ حَقًّا، وَلِلسَّابِقَةِ حَقًّا.
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُكْرِمُ أَهْلَ الْفَضْلِ،
وَيَعْرِفُ لِلنَّاسِ أَقْدَارَهُمْ.
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَمُسْلِمٌ فِي قِصَّةِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ:
«إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ»
فَوَقَعَ فِي نَفْسِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا
النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَا أَنْ يَتَكَلَّمَ لِوُجُودِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا.
ثُمَّ قَالَ عُمَرُ لِابْنِهِ: لَأَنْ تَكُونَ
قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
فَانْظُرُوا إِلَى الْأَدَبِ
شَابٌّ عِنْدَهُ الْعِلْمُ، وَأَمَامَهُ
كِبَارُ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ أَدَبٍ.
وَلَمَّا كَانَ ابْنُ عُمَرَ أَعْرَفَ بِالْجَوَابِ
فِي نَفْسِهِ، لَمْ يَجْعَلْ مَعْرِفَتَهُ ذَرِيعَةً لِلتَّقَدُّمِ عَلَى مَنْ هُمْ
أَكْبَرُ مِنْهُ.
وَاحْتِرَامُ الْعَالِمِ وَالْمُعَلِّمِ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا نَرَاهُ فِي زَمَانِنَا
أَنْ يَتَكَلَّمَ الْجَاهِلُ فِي الْعِلْمِ كَأَنَّهُ عَالِمٌ، وَأَنْ يُصْبِحَ مَنْ
يَمْلِكُ هَاتِفًا وَحِسَابًا عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ مُفْتِيًا فِي الدِّينِ،
وَأَنْ يُسَوِّيَ النَّاسُ بَيْنَ مَنْ أَفْنَى عُمْرَهُ فِي الْعِلْمِ وَالطَّلَبِ
وَالتَّحْقِيقِ، وَبَيْنَ مَنْ سَمِعَ مَقْطَعًا قَصِيرًا فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَحَاطَ
بِالْمَسْأَلَةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ
لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٤٣].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ
لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٩].
فَلَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ نُسَوِّيَ
بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا بَيْنَ صَاحِبِ الْخِبْرَةِ وَمَنْ لَا
خِبْرَةَ لَهُ.
وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الْعَالِمَ
مَعْصُومٌ، أَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْمَنْصِبِ لَا يُنَاقَشُ، أَوْ أَنَّ الرَّمْزَ لَا
يُنْقَدُ.
لَا.
إِنَّمَا الْإِسْلَامُ يُعَلِّمُنَا أَدَبَ
الِاخْتِلَافِ، وَعَدْلَ النَّقْدِ، وَحِفْظَ الْمَقَامِ.
فَنَقُولُ: أَخْطَأَ فُلَانٌ، مِنْ غَيْرِ
أَنْ نَقُولَ: فُلَانٌ لَا قِيمَةَ لَهُ.
وَنَرُدُّ الْقَوْلَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ
نَسُبَّ صَاحِبَهُ.
وَنَنْقُدُ الْفِكْرَةَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ
نَهْدِمَ صَاحِبَهَا.
وَهَذَا مِنْ عَظِيمِ الْأَدَبِ.
احْتِرَامُ الرُّمُوزِ
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ الْمُجْتَمَعَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ
رُمُوزِهِ.
فَفِي الْمَجْتَمَعِ رُمُوزٌ دِينِيَّةٌ،
وَعِلْمِيَّةٌ، وَوَطَنِيَّةٌ، وَاجْتِمَاعِيَّةٌ، وَأَهْلُ خِبْرَةٍ وَسَابِقَةٍ وَعَطَاءٍ.
وَاحْتِرَامُ هَؤُلَاءِ لَا يَعْنِي تَقْدِيسَهُمْ،
وَلَا رَفْعَهُمْ فَوْقَ النَّقْدِ، وَلَا اتِّبَاعَهُمْ فِي الْخَطَإِ؛ وَلَكِنَّهُ
يَعْنِي أَنْ نَعْرِفَ لَهُمْ قَدْرَهُمْ، وَأَنْ نَحْفَظَ لَهُمْ سَابِقَتَهُمْ، وَأَنْ
نَتَكَلَّمَ عَنْهُمْ بِالْأَدَبِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
وَاحْتِرَامُ الرُّمُوزِ يَبْدَأُ مِنَ الْبَيْتِ.
عَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ أَنْ يَقُولُوا
لِأَبِيهِمْ: يَا أَبِي.
وَلِأُمِّهِمْ: يَا أُمِّي.
وَلِمُعَلِّمِهِمْ: يَا أُسْتَاذِي.
وَلِكَبِيرِهِمْ: يَا عَمِّي أَوْ يَا شَيْخِي
أَوْ يَا حَاجِّي، بِمَا يَلِيقُ بِالْعُرْفِ وَالْأَدَبِ.
عَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ أَنْ يَقُومُوا
لِمَنْ يَسْتَحِقُّ التَّكْرِيمَ، وَأَنْ يُوَسِّعُوا لِلْكَبِيرِ، وَأَنْ يَسْمَعُوا
لِلْعَالِمِ، وَأَنْ يَحْفَظُوا لِأَهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ.
فَإِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي لَا تُكْرِمُ
كِبَارَهَا، وَلَا تَحْفَظُ لِعُلَمَائِهَا مَكَانَتَهُمْ، وَلَا تُقَدِّرُ أَهْلَ
الْخِبْرَةِ وَالْعَطَاءِ، سَتَفْقِدُ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ ذَاكِرَتِهَا وَهُوِيَّتِهَا.
وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنْ نُقَدِّسَ الْأَشْخَاصَ،
أَوْ نَتْرُكَ النَّقْدَ الْعِلْمِيَّ، أَوْ نَسْكُتَ عَنِ الْخَطَأِ؛ بَلْ نَضَعُ
الْأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا.
فَإِذَا كَانَ النَّقْدُ عِلْمِيًّا فَلْيَكُنْ
عِلْمِيًّا، وَإِذَا كَانَ النُّصْحُ فَلْيَكُنْ بِأَدَبٍ، وَإِذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ
فَلْيَكُنْ بِإِنْصَافٍ.
وَمِنْ سُوءِ الْأَخْلَاقِ أَنْ يَسْعَى الْإِنْسَانُ إِلَى إِسْقَاطِ كُلِّ مَنْ سَبَقَهُ؛ فَكَأَنَّهُ لَا يَرَى فِي الْأَرْضِ إِلَّا نَفْسَهُ
وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَقُولَ الشَّابُّ:
«أَنَا أَتَعَلَّمُ مِمَّنْ سَبَقَنِي».
وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَقُولَ الْمُتَعَلِّمُ
لِمُعَلِّمِهِ: «جَزَاكَ اللَّهُ عَنِّي خَيْرًا».
وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَقُولَ الصَّغِيرُ
لِلْكَبِيرِ: «تَفَضَّلْ يَا عَمِّي، أَنْتَ أَوْلَى».
وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَقُولَ مَنْ وَصَلَ
إِلَى مَكَانَةٍ: «مَا كُنْتُ لَأَصِلَ لَوْلَا اللَّهُ، ثُمَّ مَنْ عَلَّمُونِي وَأَخَذُوا
بِيَدِي».
يَا شَبَابَ الْأُمَّةِ
أَيُّهَا الشَّبَابُ:
أَنْتُمْ أَمَلُ الْأُمَّةِ، وَلَكِنْ لَا
تَجْعَلُوا قُوَّةَ الشَّبَابِ سَبَبًا لِاحْتِقَارِ الْكِبَارِ.
فَالْكَبِيرُ الَّذِي تَرَاهُ الْيَوْمَ
ضَعِيفًا فِي الْجَسَدِ، قَدْ يَكُونُ أَمْضَى عُمْرَهُ فِي خِدْمَةِ أَهْلِهِ وَبَلَدِهِ
وَمُجْتَمَعِهِ.
وَالْعَالِمُ الَّذِي تَرَاهُ جَالِسًا
فِي مَكَانٍ مُتَوَاضِعٍ، قَدْ يَكُونُ قَدْ أَفْنَى سِنِينَ عُمُرِهِ فِي الْكُتُبِ
وَالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ.
فَلَا تَزِنِ النَّاسَ بِمَظْهَرِهِمْ،
وَلَا بِعَدَدِ مُتَابِعِيهِمْ، وَلَا بِشُهْرَتِهِمْ، وَلَا بِمَا يَمْلِكُونَ.
بَلْ اعْرِفْ لِكُلِّ إِنْسَانٍ حَقَّهُ،
وَلِكُلِّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ.
وَتَذَكَّرْ دَائِمًا:
لَيْسَ مِنَ الْأَدَبِ أَنْ تَرْفَعَ نَفْسَكَ
بِإِهَانَةِ غَيْرِكَ.
وَلَا مِنَ الْقُوَّةِ أَنْ تُسْقِطَ كَبِيرًا؛
بَلِ الْقُوَّةُ أَنْ تَكُونَ مُحْتَرِمًا وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَى الْإِسَاءَةِ.
ثَانِيًا: هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي احْتِرَامِ وَتَوْقِيرِ الْكَبِيرِ
أولا/ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَوْقِيرِ الْكِبَارِ
جاء شيخٌ يريد أن يبايع النبي ﷺ، فأفسح له القومُ، فقال ﷺ:
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا،
وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا».
وهو حديثٌ حسنٌ، رواه الترمذي وأحمد.
وهذا أصلٌ عظيم: أن توقير الكبير ليس مجرد
عادة
اجتماعية، بل خُلُقٌ من أخلاق الإسلام.
ثانيا/النبي ﷺ يقدِّم الأكبرَ سنًّا
قال عبد الرحمن بن سهل رضي الله عنه، وكان
أصغرَ القوم، في قصة القسامة، فأراد أن يتكلم، فقال له النبي ﷺ:
«كَبِّرْ كَبِّرْ».
أي: ليتكلم الأكبر سنًّا.
فقال عبد الرحمن: يا رسول الله، رأيتَ هذا
الحقَّ لي، فتكلمتُ.
فهذا الموقف من أوضح الأدلة على ترتيب الناس
في المجالس وإعطاء الأكبر حقه في الكلام والتقديم.
ثَالثا: نَمَاذِجُ مُشَرِّفَةٌ فِي احْتِرَامِ الرُّمُوزِ وَتَوْقِيرِ الْكِبَارِ.
أَوَّلًا/ قصةُ أبي بكرٍ مع رجلٍ كبير
لما جاء أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه بأبيه
أبي قحافة إلى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، وكان شيخًا كبيرًا، قال النبي
ﷺ لأبي بكر:
«هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ
حَتَّى آتِيَهُ».
فقال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحقُّ أن
يأتيك.
فأكرم النبي ﷺ أبا قحافة، ومسح على صدره، ودعاه إلى الإسلام،
فأسلم.
وهنا درسٌ بديع: النبي ﷺ لم ينظر إلى الرجل باعتباره مجرد والدٍ
لأبي بكر، بل نظر إلى سنِّه وحقِّه في الإكرام.
ثانيا/ زيدُ بن ثابتٍ مع أبي بكرٍ
لما احتيج إلى جمع القرآن بعد استشهاد عدد
من القراء في اليمامة، اختار أبو بكر رضي الله عنه زيد بن ثابت لهذه المهمة، وقال له:
«إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، لَا نَتَّهِمُكَ».
وهنا معنى مهم جدًا: توقيرُ الكبير لا يعني
إلغاءَ دور الشاب، واحترامُ الشاب لا يعني إسقاطَ مكانة الكبير.
فالإسلام يعطي كلَّ إنسانٍ منزلته بحسب
العلم، والخبرة، والأمانة، والسن، والفضل.
ثَالِثًا/ عبدُ الرحمن بن عوف وأهلُ الفضل
في غزوة بدرٍ وما بعدها كان النبي ﷺ يقدِّم أصحابَ السابقة والفضل، ويعرف لكل
واحدٍ قدره.
ومن أعظم ما يظهر ذلك في قوله ﷺ عن أهل بدر:
«لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ
فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ».
وهذا ليس إذنًا بالمعصية، وإنما بيانٌ لعظيم
فضلهم ومكانتهم.
فمن الأدب أن تعرف لأهل السابقة سابقتهم،
ولأهل العلم علمهم، ولأهل السن سنهم، ولأهل الفضل
رابعا/ توقيرُ أهلِ القرآن والعلم
قال رسول الله ﷺ:
«إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللهِ إِكْرَامَ ذِي
الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي
عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ».
رواه أبو داود، وحسنه أهل العلم.
لاحظوا كيف جمع الحديث بين:
الكبير في السن
حامل القرآن
صاحب السلطة العادل
والمعنى: أن للمجتمع المسلم مراتبَ وحقوقًا،
وليس الناسُ سواءً في كل مقام.
رابعا: أَدَبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ مَعَ شَيْخِهِ وَمُعَلِّمِهِ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
نَعَم، ومن أجمل ما يُروى في أدب الإمام
الشافعي رحمه الله مع شيخه الإمام مالك رحمه الله أن الشافعي كان شديد التعظيم له،
حريصًا على الأدب معه، حتى قال الإمام الشافعي:
«كُنْتُ أَصْفَحُ الْوَرَقَةَ بَيْنَ يَدَيْ
مَالِكٍ صَفْحًا رَفِيقًا؛ هَيْبَةً لَهُ، لِئَلَّا يَسْمَعَ وَقْعَهَا».
وهذه العبارة تُظهر أدب طالب العلم مع شيخه؛
فلم يكن الشافعي يتعامل مع الإمام مالك على أنه مجرد ناقلٍ للعلم، بل كان يرى أن للعالِم
هيبةً وحقًّا وأدبًا.
ومن أشهر ما نُقل عن الشافعي في تعظيمه
للإمام مالك أنه قال:
«إِذَا ذُكِرَ الْعُلَمَاءُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ،
وَمَا أَحَدٌ أَمَنُّ عَلَيَّ مِنْ مَالِكٍ».
وكان الإمام مالك من أعظم شيوخ الشافعي،
فقد لازمه في المدينة، وقرأ عليه الموطأ، وانتفع بعلمه وفقهه وأدبه.
والعبرة الجميلة
لم يكن الإمام الشافعي رحمه الله يرى أن
بلوغه منزلةً عظيمة في العلم يُسقط عنه أدب التلميذ مع شيخه؛ بل كلما ازداد علمًا ازداد
أدبًا وتواضعًا.
إِنَّ الْعِلْمَ بِلَا أَدَبٍ قَدْ يَرْفَعُ
صَاحِبَهُ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، وَلَكِنَّ الْأَدَبَ مَعَ الْعِلْمِ هُوَ الَّذِي
يَرْفَعُ صَاحِبَهُ عِنْدَ اللهِ.
فَهَذَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، مَعَ عُلُوِّ قَدْرِهِ وَرِفْعَةِ مَنْزِلَتِهِ، كَانَ يَتَأَدَّبُ مَعَ شَيْخِهِ مَالِكٍ، حَتَّى لَا يُسْمِعَهُ صَوْتَ تَقْلِيبِ الصَّحِيفَةِ
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ
اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ،
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
خامسا: احْتِرَامُ النَّاسِ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ سُلُوكٌ وَأَخْلَاقٌ وَمُمَارَسَةٌ.
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ احْتِرَامَ النَّاسِ لَيْسَ كَلِمَاتٍ
تُقَالُ، بَلْ هُوَ سُلُوكٌ يَظْهَرُ فِي الْمَجَالِسِ، وَفِي الْأُسَرِ، وَفِي الْمَدَارِسِ،
وَفِي الْمَسَاجِدِ، وَفِي مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ.
فَمِنَ الِاحْتِرَامِ أَنْ تَسْتَمِعَ إِلَى
مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْكَ.
وَمِنَ الِاحْتِرَامِ أَنْ تَفْسَحَ لِغَيْرِكَ.
وَمِنَ الِاحْتِرَامِ أَنْ تَذْكُرَ مَحَاسِنَ
مَنْ سَبَقَكَ.
وَمِنَ الِاحْتِرَامِ أَنْ تَتَأَدَّبَ
مَعَ مُعَلِّمِكَ وَشَيْخِكَ.
وَمِنَ الِاحْتِرَامِ أَلَّا تَجْعَلَ مَنَصَّاتِ
التَّوَاصُلِ مَكَانًا لِلسُّخْرِيَةِ وَالتَّشْهِيرِ وَإِسْقَاطِ النَّاسِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ
قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ
عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ، وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا
بِالْأَلْقَابِ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١١].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الْحُجُرَاتِ:
١٢].
فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَاحْفَظُوا
مَقَامَاتِ النَّاسِ، وَعَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ أَنَّ الْأَدَبَ لَيْسَ ضَعْفًا، وَأَنَّ
التَّوَاضُعَ لَيْسَ هَوَانًا، وَأَنَّ احْتِرَامَ الْكَبِيرِ لَيْسَ تَخَلُّفًا، وَأَنَّ
تَوْقِيرَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ لَيْسَ تَقْدِيسًا.
يَا عِبَادَ اللَّهِ:
نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ نُعِيدَ إِلَى
بُيُوتِنَا وَمَجَالِسِنَا وَمُجْتَمَعِنَا أَخْلَاقَ الِاحْتِرَامِ.
أَنْ نُعَلِّمَ أَبْنَاءَنَا أَنْ يَقُومُوا
لِكَبِيرِ السِّنِّ إِكْرَامًا.
أَنْ نُعَلِّمَهُمْ أَنْ يُحْسِنُوا الِاسْتِمَاعَ
إِلَى الْمُعَلِّمِ.
أَنْ نُعَلِّمَهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا لِأَهْلِ
الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ مَقَامَهُمْ.
أَنْ نُعَلِّمَهُمْ أَنْ يَخْتَلِفُوا بِأَدَبٍ.
أَنْ نُعَلِّمَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا الْخَطَأَ
بِالْحُجَّةِ، لَا بِالسُّخْرِيَةِ وَالْإِهَانَةِ.
فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ، بَنَيْنَا جِيلًا
يَعْرِفُ قَدْرَ نَفْسِهِ، وَيَعْرِفُ قَدْرَ غَيْرِهِ.
اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْأَخْلَاقِ.
اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا الْأَدَبَ، وَارْزُقْنَا
التَّوَاضُعَ، وَاجْعَلْنَا مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، مِغْلَاقًا لِلشَّرِّ.
اللَّهُمَّ أَكْرِمْ كِبَارَنَا، وَارْحَمْ
صِغَارَنَا، وَوَفِّقْ شَبَابَنَا، وَبَارِكْ فِي عُلَمَائِنَا وَمُعَلِّمِينَا وَأَهْلِ
الْفَضْلِ مِنَّا.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ بُيُوتَنَا، وَأَصْلِحْ
أَخْلَاقَنَا، وَأَصْلِحْ مُجْتَمَعَنَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَعْرِفُونَ
لِلنَّاسِ أَقْدَارَهُمْ، وَيَضَعُونَ الْأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا.
اللَّهُمَّ انْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَعِزَّ
الْمُسْلِمِينَ، وَاحْفَظْ مِصْرَ وَأَهْلَهَا، وَأَمِّنْهَا وَأَهْلَهَا، وَوَفِّقْ
وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى
سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ