معالجة ظاهرة التلوث والاستنزاف البيئي
عمارة الأرض في حياة النبي ﷺ وأثره في معالجة ظاهرة التلوث والاستنزاف
البيئي
الحمد لله الذي استخلف الإنسان في الأرض
ليعمرها، ونهاه عن الإفساد فيها بعد إصلاحها، والصلاة والسلام على نبي الرحمة، الذي
شملت رحمته الإنسان والحيوان والنبات والجماد، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
#فإن قضية "البيئة" ليست ترفاً
فكرياً في ميزان الإسلام، بل هي صميم عقيدة الاستخلاف وعمارة الأرض.
وفي زماننا المعاصر، طغت النزعة المادية
الجشعة، فظهرت ظاهرة "التلوث والاستنزاف البيئي"، حيث قُطعت الغابات، ولُوثت
البحار، وأُسرف في استهلاك المياه، وانقرضت أنواع من الحيوانات بسبب الصيد الجائر.
#وأمام هذه الكارثة البيئية التي تهدد كوكب
الأرض، يبرز "خُلُق عمارة الأرض والمحافظة على البيئة" في الهدي النبوي كمنهج
حياة متكامل، يضبط علاقة الإنسان بالكون، ويحول الحفاظ على البيئة من مجرد قوانين وضعية
إلى عبادة يُتقرب بها إلى الله.
المحور الأول: تجليات خُلُق عمارة الأرض
والمحافظة على البيئة في حياة النبي ﷺ
#كان النبي ﷺ أول رائد للبيئة في التاريخ البشري، وقد
وضع تشريعات عملية لحماية الموارد الطبيعية، تجلت في صور عظيمة، منها:
١.التشجير وزيادة الرقعة الخضراء:
جعل النبي ﷺ زراعة الأشجار عملاً مستمراً يدر الأجر
حتى بعد الموت.
#فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي
ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا،
أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا
كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» [أخرجه البخاري برقم (2320)، ومسلم برقم (1553)].
٢. ترشيد استهلاك المياه (حتى في العبادة):
نهى النبي ﷺ عن الإسراف في الماء ولو كان الإنسان على
نهر جارٍ.
#فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ:
«مَا هَذَا السَّرَفُ؟» فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ
كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ» [أخرجه أحمد في المسند برقم (7065)، وابن ماجه برقم
(425)، وقال الإمام النووي: إسناده جيد].
٣.حماية مصادر المياه من التلوث:
حافظ النبي ﷺ على نقاء المياه ومنع تنجيسها أو تلويثها.
#فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ»
[أخرجه مسلم في صحيحه برقم (281)].
٤.إنشاء المحميات الطبيعية (الأحرام):
#سبق النبي ﷺ العالم في فكرة "المحميات الطبيعية"
التي يُمنع فيها الصيد وقطع الشجر.
#فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي
ﷺ قال: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ
فَجَعَلَهَا حَرَمًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا،
أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا تُخْبَطَ
فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا لِعَلْفٍ» [أخرجه مسلم برقم (1374)].
٥. الرفق بالحيوان وحماية التنوع البيولوجي:
جعل النبي ﷺ الرحمة بالحيوان سبباً لدخول الجنة، والقسوة
عليه سبباً لدخول النار.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن
النبي ﷺ قال: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ
سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا
سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ»
[أخرجه البخاري برقم (3482)، ومسلم برقم (2242)]. 5.
٦. إماطة الأذى عن الطرقات والأماكن العامة:
اعتبر النبي ﷺ نظافة البيئة العامة شعبة من شعب الإيمان.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ
شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ
الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» [أخرجه مسلم برقم (35)].
المحور الثاني: القصة (موقف النبي ﷺ مع طائر الحُمَّرَة وقرية النمل)
#عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ،
فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً (طائر صغير يشبه العصفور) مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا،
فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ (أي ترفرف بجناحيها وتقترب من الأرض حزناً
على فراخها).
فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟
رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا».
وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا،
فَقَالَ: «مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟» قُلْنَا: نَحْنُ. قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ
يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ». [أخرجه أبو داود في سننه برقم
(2675)، وقال الإمام النووي في رياض الصالحين: إسناده صحيح].
الفوائد المستنبطة من القصة:
١.الرحمة الشاملة: تتجلى رحمة النبي ﷺ في اهتمامه بحزن طائر صغير، مما يؤكد أن
الإسلام يحترم مشاعر الكائنات الحية ولا يستهين بها.
٢.حماية الحياة الفطرية: أمره ﷺ برد الفراخ إلى أمها هو حماية صريحة للتكاثر
الحيواني ومنع للعبث بالحياة الفطرية في بيئتها الطبيعية.
٣.دور القائد في الرقابة البيئية: لم يتجاهل
النبي ﷺ الموقف رغم كونه في سفر ومشقة، بل تدخل
فوراً لإنكار العبث بالبيئة وتصحيح الخطأ.
٤. تحريم إتلاف المواطن الطبيعية: إنكاره ﷺ لتحريق قرية النمل هو أصل في تحريم تدمير
مواطن الحشرات والحيوانات لغير حاجة أو ضرورة قصوى.
٥. النهي عن التعذيب بالنار: إرساء قاعدة شرعية
تمنع استخدام النار في إبادة الكائنات، لما في ذلك من قسوة وتجاوز لحدود الله.
٦. التربية العملية للصحابة: استثمر النبي
ﷺ الموقف ليربي أصحابه والأمة من بعدهم على
أن الكون كله محراب للرحمة، وأن المسلم مؤتمن على كل روح فيه.
المحور الثالث: القضية المعاصرة (ظاهرة
التلوث والاستنزاف البيئي)
#تعاني الأرض اليوم من أزمات بيئية خانقة
بسبب جشع الإنسان، وتتجلى هذه الظاهرة في:
١.الاحتباس الحراري وتغير المناخ: نتيجة الإفراط
في الانبعاثات الكربونية وعوادم المصانع، مما أدى إلى اختلال نظام البيئة وذوبان الجليد.
٢.التصحر وقطع الغابات: الاعتداء الجائر على
المساحات الخضراء لتحويلها إلى غابات أسمنتية، مما يقلل نسبة الأكسجين ويدمر بيئة الحيوانات.
٣. تلوث البحار والأنهار: إلقاء النفايات البلاستيكية
والكيميائية في المسطحات المائية، مما يهدد الثروة السمكية ويسمم مصادر الشرب.
٤. الإسراف المائي: الهدر الهائل للمياه العذبة
في الاستخدامات المنزلية والزراعية والصناعية، متجاهلين أزمة شح المياه العالمية.
٥. الصيد الجائر للترفيه: قتل الحيوانات والطيور
النادرة لمجرد التسلية والتباهي، مما أدى إلى انقراض أنواع كثيرة واختلال التوازن البيئي.
٦. تراكم النفايات وعدم تدويرها: إلقاء القمامة
في الشوارع والمتنزهات العامة، وعدم استغلال الموارد بإعادة تدويرها، مما يشوه المنظر
العام وينشر الأوبئة.
المحور الرابع: المعالجة النبوية لظاهرة
التلوث والاستنزاف البيئي
وضع الهدي النبوي حلولاً استباقية لحماية
البيئة، وعالج هذه الظاهرة من خلال:
١. النهي عن تلويث أماكن الظل والمرافق العامة:
#حذر النبي ﷺ من تلويث الأماكن التي ينتفع بها الناس
في بيئتهم. #فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ:
الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ (مصادر المياه)، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ»
[أخرجه أبو داود برقم (26)، وابن ماجه برقم (328)، وحسنه المنذري].
٢.استدامة العمل البيئي حتى في أحلك الظروف:
أمر النبي ﷺ بالزراعة وعمارة الأرض حتى لو قامت القيامة.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ
أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ (نخلة صغيرة)، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا
فَلْيَغْرِسْهَا» [أخرجه أحمد في المسند برقم (12902)، والبخاري في الأدب المفرد برقم
(479)، وصحح إسناده ابن حجر].
٣.إحياء الأراضي الميتة (الاستصلاح الزراعي):
شجع النبي ﷺ على استصلاح الأراضي البور وتخضيرها. فعن
جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ
لَهُ» [أخرجه الترمذي برقم (1378)، وأبو داود برقم (3073)، وقال الترمذي: حسن صحيح].
٤.النهي عن قتل الحيوانات عبثاً:
حرم الإسلام الصيد لمجرد التسلية دون نية
الانتفاع. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ إِنْسَانٍ قَتَلَ عُصْفُورًا
فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، إِلَّا سَأَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا»
[أخرجه النسائي برقم (4349)، وأحمد برقم (6551)، وصحح إسناده المنذري].
٥.الحث على الاقتصاد في الموارد (عدم إضاعة
المال):
نهى النبي ﷺ عن إتلاف الموارد والممتلكات التي يمكن
الانتفاع بها. فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ: «نَهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ
السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ» [أخرجه البخاري برقم (2408)، ومسلم برقم
(593)]. وإتلاف الموارد البيئية هو من أشد صور إضاعة المال.
٠٠٠٠٠٠٠
٦.اعتبار الرفق بالحيوان باباً للمغفرة:
كما أن القسوة سبب للنار، جعل النبي ﷺ سقي الحيوان ورعايته سبباً لمغفرة الذنوب.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة الرجل الذي سقى كلباً يلهث من العطش، قال النبي
ﷺ: «فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ».
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: «فِي
كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» [أخرجه البخاري برقم (2363)، ومسلم برقم (2244)].
المحور الخامس: الواجب العملي
#يتبين مما سبق أن المحافظة على البيئة في
الإسلام ليست مجرد سلوك مدني، بل هي عبادة وقربة إلى الله، وأن المسلم هو الحارس الأمين
على هذا الكوكب. ولمواجهة ظاهرة التلوث، نوصي بما يلي:
١.التوعية البيئية في المساجد والمدارس: ربط
قضايا البيئة (كالنظافة، وترشيد المياه، والتشجير) بالنصوص الشرعية، لتتحول من مجرد
إرشادات إلى عقيدة راسخة في نفوس الأجيال.
٠٠٠٠٠٠
٢.إطلاق مبادرات التشجير المجتمعية: تبني
المؤسسات الخيرية والأفراد لمشاريع زراعة الأشجار المثمرة وأشجار الظل في الشوارع وحول
المساجد كصدقة جارية.
٠٠٠٠٠٠
٣.تركيب أدوات ترشيد المياه: إلزام المساجد
والمؤسسات والمنازل بتركيب صنابير مرشدة للمياه، تطبيقاً للسنة النبوية في عدم الإسراف.
٠٠٠٠٠٠٠٠
٤.تغليظ العقوبات على الملوثين: تفعيل القوانين
التي تعاقب المصانع والأفراد الذين يلقون المخلفات في الأنهار أو يقطعون الأشجار بغير
حق.
٠٠٠٠٠٠٠
٥.دعم جمعيات الرفق بالحيوان: تشجيع المبادرات
التي تعتني بالحيوانات الضالة وتوفر لها الطعام والشراب والمأوى، احتساباً للأجر في
"كل كبد رطبة".
٠٠٠٠٠٠
٦. نشر ثقافة إعادة التدوير: توعية الأسر بعدم
الإسراف في الاستهلاك، وفصل القمامة، وإعادة تدوير المواد البلاستيكية والورقية حفاظاً
على موارد الأرض.
٠٠٠٠٠
وأخيرا
مسك الختام (أبيات شعرية):
لله در القائل حين لخص هذا المعنى البديع
في ضرورة رعاية الأرض وحفظ مواردها والرحمة بما فيها، فقال:
وَالأَرْضُ رَبُّ الكَوْنِ أَوْدَعَ سِرَّهَا
... فِيهَا الحَيَاةُ وَفِيهَا نَبْتٌ يُزْهِرُ
فَاحْفَظْ مَوَارِدَهَا وَلا تَكُ مُسْرِفاً ...
إِنَّ الفَسَادَ بِبَرِّهَا لا يُعْذَرُ
وَارْحَمْ ضَعِيفَ الطَّيْرِ فِي أَوْكَارِهِ ...
يَرْحَمْكَ مَنْ بَرَأَ الوُجُودَ وَيُقْدِرُ
والحمد لله أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه