recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة خير الناس قدوة وأساسد. سعد أبو العينين

 خير الناس قدوة وأساس

 


الحمد لله رب العالمين، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله. اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فيا عباد الله، إذا أردنا أن نجيب عن السؤال الكبير:

ماذا كسب العالم بميلاد رسول الله ؟

فإننا نستطيع أن نقول:

كسب العالم إنسانًا أعاد للإنسان كرامته، ونبيًّا أعاد للإنسان معنى الرحمة، وقائدًا أعاد تعريف القوة، وقدوةً جعلت الأخلاق واقعًا يُعاش.

أولًا: كسب العالم كرامة الإنسان

لقد جاء رسول الله ليقرر أن قيمة الإنسان لا تُقاس بمظهره، ولا بحجم ثروته، ولا بمكانته الاجتماعية، ولا بقوة منصبه.

قال :

«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

وهذا ليس كلامًا نظريًا، بل هو تحرير للإنسان من المقاييس الزائفة.

كم من إنسان يحتقر غيره لفقره!

وكم من عامل يُعامل وكأنه مجرد يد عاملة!

وكم من موظف يُهان لأنه يعمل تحت سلطة غيره!

وكم من إنسان يُسخر منه بسبب شكله أو لهجته أو مهنته!

لقد جاء محمد ليقرر:

لا تجعل مالك مقياسًا لقيمة الناس، ولا تجعل منصبك مبررًا لإهانتهم.

فإذا دخلت مكتبك وكان تحت إدارتك موظفون، فتذكر أنهم عباد الله.

وإذا تعاملت مع عامل بسيط، فتذكر أن كرامته ليست أقل من كرامتك.

وإذا رأيت فقيرًا، فلا تنظر إليه باستعلاء؛ فقد يكون عند الله أكرم منك.

لقد كسب العالم مع محمد فقه الكرامة الإنسانية.

ثانيًا: كسب العالم ميزانًا جديدًا للقوة

كان يمكن أن يُقال: إن الإنسان القوي هو الذي يغلب، أو يضرب، أو ينتقم، أو يخيف الآخرين.

لكن النبي أعاد تعريف القوة فقال:

«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

فأصبحت القوة في مدرسة النبوة ليست القدرة على البطش، وإنما القدرة على ضبطه.

فاسأل نفسك:

حين تغضب، هل تستطيع أن تتوقف؟

حين تستفزك كلمة من زوجتك، هل تستطيع ألا ترد بما يجرح؟

حين يخطئ ابنك، هل تستطيع أن تعاقبه دون أن تهينه؟

حين تختلف مع شخص في الرأي، هل تستطيع أن ترد دون أن تشتم؟

حين تكون قادرًا على الانتقام، هل تستطيع أن تختار ما هو أصلح؟

هنا يظهر أثر محمد في الإنسان.

فالقوة التي بلا أخلاق خطر، أما القوة التي يحكمها الضمير فهي أمان.

ثالثًا: كسب العالم أخلاقًا جعلها الإسلام جزءًا من العبادة

لم يأتِ النبي ليبني مسجدًا فحسب، وإنما جاء ليبني إنسانًا؛ إنسانًا إذا خرج من المسجد حمل أخلاق المسجد معه إلى السوق والبيت والطريق.

قال الله تعالى:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

وقال :

«إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق».

وهنا ينبغي أن نتوقف طويلًا:

ما قيمة أن يكثر الإنسان من النوافل ثم يؤذي جاره؟

ما قيمة أن يرفع صوته بالدعاء ثم يظلم من يعمل عنده؟

ما قيمة أن يكثر من الصلاة على النبي ثم لا يعرف الرحمة في بيته؟

إن العبادة التي لا تهذب السلوك تستدعي أن نسأل أنفسنا: أين أثرها؟

لقد كسب العالم مع محمد دينًا يجعل الأخلاق اختبارًا حقيقيًا للإيمان.

رابعًا: كسب العالم ميزانًا يجعل الرحمة قوة لا ضعفًا

الرحمة في التصور النبوي ليست عاطفة عابرة، ولا ضعفًا أمام الناس، ولا تنازلًا عن الحق.

الرحمة أن تعرف كيف تضع الحق في موضعه دون أن تتحول إلى قسوة، وأن ترفض الخطأ دون أن تحطم صاحبه، وأن تكون حازمًا دون أن تكون فظًّا، وأن تكون قويًا دون أن تكون متكبرًا.

قال تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.

فلقد كسب العالم نموذجًا يثبت أن لين القلب لا يعني ضعف الموقف، وأن الحزم لا يحتاج إلى قسوة.

خامسًا: كسب العالم مجتمعًا يرى الضعيف جزءًا من قوته

في ميزان النبوة لا يُقاس تقدم المجتمع بعدد الأغنياء والأقوياء فحسب، وإنما بمدى حماية من لا يستطيع حماية نفسه.

قال :

«هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم».

فاليتيم ليس عبئًا.

والمسن ليس عبئًا.

والفقير ليس عبئًا.

وصاحب الحاجة ليس شخصًا زائدًا في المجتمع.

فاسأل نفسك:

من الضعيف الذي يقع في دائرة قدرتك؟

هل هو موظف يخشى أن يطالب بحقه؟

هل هو قريب كبير في السن يحتاج إلى من يسأل عنه؟

هل هو جار لا يجد ما يكفيه؟

هل هو شاب أخطأ ويحتاج إلى من يأخذ بيده؟

الرحمة تبدأ حين ترى من لا يراه الناس.

سادسًا: كسب العالم أمل العودة بعد الخطأ

من أعظم ما جاء به محمد أنه لم يحول الخطأ إلى هوية أبدية.

فالإنسان قد يذنب، لكنه ليس الذنب نفسه.

وقد يسقط، لكنه ليس سقوطه.

وقد يضل، لكنه يستطيع أن يعود.

كم من شاب يقول في داخله: لقد أفسدت حياتي، فلا فائدة من الإصلاح!

وكم من إنسان يحمل ذنبًا قديمًا ويظن أن الله لن يقبله!

وكم أب أغلق باب الحوار مع ابنه لأنه أخطأ مرة!

وكم مجتمع يصنع من المخطئ شخصًا منبوذًا إلى الأبد!

أما القرآن فيقول:

﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾.

ومن هنا نفهم قول النبي :

«إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه».

لقد علّم النبي الأمة أن التدين لا يعني أن يهلك الإنسان نفسه، أو يعيش أسير جلد الذات، أو يحمل نفسه ما لا تطيق.

ومن الرحمة بالنفس أن تعرف حدودها، وأن تستريح حين تحتاج إلى الراحة، وأن تتوب إذا أخطأت، وأن تبدأ من جديد إذا تعثرت.

سابعًا: النبي قدوة في بيته

انظروا إلى معاملته لأهل بيته.

سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن رسول الله في بيته، فقالت:

«كان في مهنة أهله».

وقال :

«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».

فالبيت هو المكان الذي تسقط فيه الأقنعة.

قد تكون لطيفًا أمام الناس، حسن الكلام مع الغرباء، مبتسمًا في العمل، ثم تعود إلى البيت فتتحول إلى شخص آخر.

لكن النبي جعل معيار الخيرية داخل البيت.

فيا من يريد أن يعرف: هل اقترب من أخلاق محمد ؟

لا يسأل الناس عنه، بل يسأل أهل بيته:

كيف تتحدث مع زوجتك؟

كيف تعامل أبناءك؟

ماذا تفعل حين تفقد أعصابك؟

هل تساعد في البيت؟

هل تعتذر إذا أخطأت؟

هل تستطيع أن تقول لابنك: أحبك؟

إن الرحمة النبوية تبدأ من أقرب دائرة إليك.

وكان النبي إذا سمع بكاء الصبي في الصلاة خففها مراعاة لأمه.

فالطفل لا يحتاج إلى الطعام والملبس والتعليم فقط، بل يحتاج إلى أب يشعره بأنه محبوب، وأم تمنحه الأمان، ومعلم لا يحطم ثقته بنفسه.

فلا تجعلوا التربية مشروعًا لتخويف الأطفال.

ولا تجعلوا كل خطأ كارثة.

ولا تجعلوا المقارنة وسيلة دائمة لتحطيمهم.

فالطفل الذي يسمع طوال الوقت أنه فاشل قد يكبر وهو يصدق ذلك.

أما الطفل الذي يتربى على الرحمة، فيتعلم أن الخطأ يمكن إصلاحه، وأن المحاولة تستحق التشجيع، وأن البيت مكان آمن.

ثامنًا: رحمته بالمرأة والأسرة

حين قال النبي :

«استوصوا بالنساء خيرًا»،

لم تكن الرحمة بالمرأة كلمات تُقال في الاحتفالات، وإنما كانت سلوكًا يوميًا يحفظ حقها، ويصون كرامتها، ويراعي تعبها.

القوامة مسؤولية وليست رخصة للقهر.

والحوار بين الزوجين ليس معركة لإثبات من ينتصر، وإنما محاولة لإنقاذ البيت.

ومن أراد أن يعرف أخلاقه، فلينظر كيف يتعامل مع من يعيش معه كل يوم.

تاسعًا: صحح السلوك ولا تحطم الإنسان

حين بال الأعرابي في مسجد النبي ، همَّ الصحابة به، فقال النبي :

«دعوه»،

ثم عالج الموقف بالتعليم.

فهو لم يرضَ بالخطأ، لكنه لم يحول المخطئ إلى مادة للسخرية.

وهذه قاعدة عظيمة في التربية والدعوة:

صحح السلوك، ولا تحطم الإنسان.

إذا سألك شخص سؤالًا بسيطًا، فلا تضحك عليه.

إذا أخطأ في عبادة، فلا تفضحه.

إذا لم يعرف حكمًا، فلا تجعله يشعر أنه أقل منك.

فربما كان سؤاله البسيط بداية رحلة عظيمة مع الله.

وحين أخطأ الرجل في صلاته، لم يكتفِ النبي بأن يقول له: أخطأت، وإنما علّمه.

فالجاهل يحتاج إلى تعليم، لا إلى إهانة.

عاشرًا: رحمته بالإنسان والحيوان

حين أخبر النبي عن امرأة عُذبت في هرة حبستها، وأخبر عن رجل سقى كلبًا فغفر الله له، قال :

«في كل كبد رطبة أجر».

هكذا يتربى المسلم على أن الرحمة ليست انتقائية.

فمن رحم الإنسان لا يليق به أن يعذب الحيوان.

ومن عرف حرمة الروح لا يعبث بالمخلوقات.

لقد وسعت الرحمة المحمدية الحياة من حول الإنسان، فلم تجعل القوة مبررًا للإيذاء.

الحادي عشر: رحمته حتى مع من أساء إليه

انظروا إلى رحمته بالمخالف وبمن أساء إليه.

حين ذهب إلى الطائف فأوذي، ثم جاءه ملك الجبال وعرض عليه أن يهلكهم، فقال :

«بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا».

إنها قمة نادرة من الرحمة:

أن تتألم من إنسان، ثم تتمنى أن يصلح بدلًا من أن تتمنى هلاكه.

وهذا لا يعني ترك الحقوق أو الرضا بالظلم، وإنما يعني ألا يتحول الألم إلى حقد دائم.

كم من خصومات عائلية عمرها سنوات بسبب كلمة!

وكم من صديقين افترقا بسبب موقف!

وكم من إخوة لا يتكلمون لأن كل واحد ينتظر من الآخر أن يبدأ!

وكم من خصومة على وسائل التواصل تحولت إلى عداوة حقيقية!

وهنا نحتاج إلى السؤال:

هل نستطيع أن ننتصر على الخصومة دون أن نخسر الإنسان؟

تلك هي الرحمة حين تصبح خلقًا.

النبي قائدًا ومربيًا وقدوة

لقد كان رسول الله قدوة عملية للمسلمين؛ فما نهى عن شيء إلا كان أبعد الناس عنه، وما أمر بشيء إلا كان أسرع الناس إلى القيام به.

ولهذا أثّر في القلوب بمواقفه قبل ألفاظه، وبأفعاله قبل مواعظه.

وقد شهد بذلك جُلَنْدَى ملك عُمان حين بلغه أن رسول الله يدعوه إلى الإسلام، فقال في وصفه:

إنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له، وإنه يغلب فلا يبطر، ويُغلب فلا يضجر، ويفي بالعهد، وينجز الموعود.

ثم قال:

أشهد أنه نبي.

إنها شهادة تدل على أن صاحب الرسالة لا يمكن أن يأمر الناس بالخير ثم يكون أبعد الناس عنه.

أن يروا الخير قبل أن يسمعوا عنه.

القدوة بالفعل أبلغ من آلاف المواعظ

انظروا إلى موقف النبي في صلح الحديبية.

لما فرغ من قضية الصلح قال لأصحابه:

«قوموا فانحروا ثم احلقوا».

فلم يقم منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات.

فدخل على أم سلمة رضي الله عنها، فذكر لها ما لقي من الناس، فأشارت عليه أن يخرج فيفعل ذلك بنفسه دون أن يكلم أحدًا.

فخرج النبي ، فنحر هديه، ودعا حالقه فحلق.

فلما رأى الصحابة ما صنع رسول الله ، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا.

لم يحتج النبي إلى خطبة طويلة، ولا إلى عتاب شديد.

تحدث بالفعل، فاستجابوا.

وهنا درس عظيم:

قد تتحدث مع ابنك ساعة عن الصدق، لكنه إذا رآك تكذب فلن يتعلم الصدق من كلامك.

وقد تنصح الناس بالأمانة، ثم يروك تتحايل على الحقوق.

وقد تدعو إلى الرحمة، ثم يرون القسوة في بيتك.

إن الناس يتعلمون بدرجة كبيرة مما يرونه فينا.

النبي قائدًا في ساعة الخطر

وفي غزوة حنين، حين اضطربت الصفوف واشتد البأس، وتراجع بعض المسلمين أمام هجوم العدو، لم يكن النبي قائدًا يقف بعيدًا عن الخطر ويطلب من جنوده الثبات.

بل كان هو أول من ثبت.

وكان العباس رضي الله عنه شاهد عيان على ذلك، يقول:

«شهدت مع رسول الله يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله فلم نفارقه».

فلما اشتد القتال، نزل رسول الله ودعا واستنصر، وكان من كلامه:

«أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب».

ثم قال للعباس رضي الله عنه:

«يا عباس، نادِ أصحاب السمرة».

وكان العباس رجلًا صيّتًا، فنادى بأعلى صوته:

«أين أصحاب السمرة؟»

فما كان منهم إلا أن رجعوا إلى رسول الله .

وهنا انظروا إلى القائد المربي.

لم يكن النبي يطلب من الناس الشجاعة وهو بعيد عن الخطر، بل كان هو أول من يواجه الخطر.

شجاعة النبي كانت تربية للأمة

وقد وصف البراء بن عازب رضي الله عنه شجاعة النبي فقال:

«كنا والله إذا اشتد البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به».

وفي غزوة الخندق، لم يكن النبي جالسًا يأمر أصحابه بالحفر وحمل التراب، بل كان يعمل معهم ويحمل التراب بنفسه.

وهكذا كان يبني الأمة بالفعل قبل القول:

كان أول من يعمل، وأول من يصبر، وأول من يثبت، وأول من يتحمل.

ولهذا دخلت كلماته إلى القلوب؛ لأن أفعاله كانت تشهد لها.

لماذا نحتاج اليوم إلى القدوة الصالحة؟

إن الأمة اليوم في حاجة شديدة إلى أن تعود إلى مدرسة محمد .

نحتاج إلى صدقه في زمن كثرت فيه الأكاذيب.

نحتاج إلى أمانته في زمن ضاعت فيه الأمانة.

نحتاج إلى رحمته في زمن قست فيه القلوب.

نحتاج إلى عفوه في زمن كثرت فيه الخصومات.

نحتاج إلى صبره في زمن استعجل فيه الناس النتائج.

نحتاج إلى تواضعه في زمن أصبح بعض الناس لا يرى إلا نفسه.

لقد تغيرت وسائل الزمان، لكن لم تتغير حاجة الإنسان إلى القيم.

نحن نعيش في عالم متسارع، تكاثرت فيه المعلومات، وسهل فيه التواصل، وتطورت فيه التقنية، لكن الإنسان ما زال يبحث عن الرحمة والعدل والأمانة والسماحة والحكمة وحسن الخلق.

ولهذا نحن في حاجة إلى القدوة.

فالناس لا يحتاجون فقط إلى من يقول لهم: ماذا تفعلون؟

بل يحتاجون إلى من يريهم:

كيف يفعلون.

القدوة وأثرها في تربية الأجيال

لقد فقد كثير من شبابنا وفتياتنا القدوات الحسنة والمثل الأعلى، وراح بعضهم يبحث عن القدوة في المشاهير وأصحاب التفاهات، فانتشرت التفاهة، وضاعت بعض القيم والمبادئ والأخلاق.

ومن هنا ينبغي أن نكثر من الحديث عن القدوة، وأن نعيد للقدوة الصالحة مكانتها في بيوتنا ومدارسنا ومجتمعاتنا.

فبالقدوة تستصلح البيوت أو تفسد.

وبالقدوة تُبنى الأجيال أو تضيع.

وبالقدوة تحيا الأمم أو تنتكس.

وبالقدوة يستقيم السلوك أو ينحرف.

وإذا أردتم التأثير الحقيقي والتغيير العميق، فاصنعوا القدوات.

قدموا للناس نماذج حية يرون فيها الخير ماشيًا على الأرض.

ازرعوا القدوات الصالحة، تحصدوا أجيالًا صالحة.

أما إذا غابت القدوات الصالحة، فلا تتعجبوا حين تتصدر القدوات الفاسدة، وتتحكم في عقول الشباب الوجوه الملمعة، وأشباه الرجال، وسفهاء الأحلام.

إذا فقدت القدوات في باب العمل، فانتظر جيلًا كسولًا.

وإذا غابت قدوات الأمانة، فارتقب جيلًا يضيع الحقوق.

وإذا غابت القدوة في العلم، فسيتخذ الناس رؤوسًا جهالًا.

إن غياب القدوة الصالحة نتيجة حتمية لظهور القدوات الفاسدة.

وما أعظم مصيبة أمة تركت أبناءها بلا قدوات صالحة، ثم تركتهم فريسة لمن يتحكم في عقولهم ويصوغ اهتماماتهم.

لماذا اختار الله لنا إنسانًا قدوة؟

لأن الإنسان لا يتعلم بالقوانين وحدها، بل يحتاج إلى نموذج حي يرى فيه القيم وهي تتحول إلى واقع.

لم يُرِد الله للإسلام أن يكون مجموعة من الأوامر نقرؤها ثم نغلق الكتاب، بل أراده منهج حياة يُرى ويُعاش.

لو قيل للإنسان: كن صادقًا، لسأل: كيف أكون صادقًا عندما يكون الصدق ثقيلًا عليّ؟

ولو قيل له: ارحم، لسأل: كيف أرحم من أساء إليّ؟

ولو قيل له: اصبر، لسأل: كيف أصبر وأنا في شدة؟

فجاء النبي ليجيب عن هذه الأسئلة بحياته قبل كلامه.

قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.

لم يقل: في رسول الله معلومات حسنة، ولا أفكار حسنة، وإنما قال:

﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.

أي: قدوة تراها أمامك، ثم تسير على خطاها.

الاقتداء بالنبي ممكن

نقتدي بالنبي لأن النبي بشر، حتى نعلم أن الاقتداء به ممكن.

قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾.

فهو بشر يجوع ويتعب ويحزن، ويمشي في الأسواق، ويعيش مع أهله وأصحابه، ومع ذلك بلغ أرفع مقامات العبودية والأخلاق.

ولو كانت القدوة مَلَكًا، لقال الإنسان: أنا بشر ولا أستطيع.

ولكن حين كانت القدوة بشرًا، سقطت حجة العجز.

فالنبي لم يكن نموذجًا مستحيلًا، بل كان نموذجًا بشريًا يمكن أن نسير في طريقه.

الأسوة ليست إعجابًا

قد يعجب الإنسان بشخصية عظيمة، ويتحدث عنها ويمدحها، ولكن الإعجاب ليس هو الاقتداء.

الإعجاب أن تحب صفة الصدق في النبي .

أما الاقتداء، فهو أن تكون صادقًا حين يكون الصدق ثقيلًا عليك.

الإعجاب أن تحب رحمته .

أما الاقتداء، فهو أن ترحم من لا تنتظر منه منفعة.

الإعجاب أن تمدح عفوه .

أما الاقتداء، فهو أن تعفو وأنت قادر على الرد.

الإعجاب أن تتحدث عن تواضعه .

أما الاقتداء، فهو أن تتواضع لمن هو أقل منك مكانة أو قدرة.

ولهذا قال الله تعالى:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.

فالمحبة الحقيقية ليست مجرد كلام، وإنما اتباع وسلوك وأثر يظهر في الحياة.

القدوة في العبادة

كان النبي أسوة حسنة في عبادته وخشوعه.

فإذا وقف بين يدي الله وقف بقلبه وجوارحه.

قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.

فيا من تصلي وقلبك في الدنيا وجسدك في المسجد، أعد إلى الصلاة روحها.

إذا كبرت فاستشعر أن الله أكبر من كل شيء.

وإذا قرأت الفاتحة فاستشعر أنك تناجي ربك.

وإذا ركعت فاستشعر أنك تخضع لعظمة الملك.

وأنت ساجد، فاعلم أنك أقرب ما تكون من ربك.

قال :

«أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء».

هذا هو هدي النبي في العبادة:

إخلاص، ومتابعة، وخشوع، ومداومة، واعتدال، وحضور قلب.

فأين نحن من هذا الهدي؟

نصلي، فهل نخشع؟

نقرأ القرآن، فهل نتدبر؟

نذكر الله، فهل تحيا قلوبنا بذكره؟

نصوم، فهل تتقي جوارحنا المعاصي؟

نؤدي العبادات، فهل تغيرت أخلاقنا ومعاملاتنا؟

إن العبادة الصحيحة لا تبقى في المسجد، بل تخرج معك إلى بيتك وسوقك وعملك ومعاملاتك.

فإذا صليت فلا تظلم.

وإذا صمت فلا تكذب.

وإذا قرأت القرآن فلا تأكل أموال الناس بالباطل.

وإذا أكثرت من الذكر فلا تؤذِ عباد الله بلسانك.

فمن أعظم ثمرات العبادة أن تصلح العبد من داخله وخارجه.

ماذا ينبغي أن يكسب العالم منا؟

إذا كان العالم قد كسب محمدًا ، فماذا ينبغي أن يكسب العالم منا؟

هذه هي النقطة التي ينبغي أن نختم عندها.

نحن لا نستطيع أن نقدم رسول الله للعالم بالكلام وحده.

العالم يحتاج إلى أن يرى المسلم الصادق، والأمين، والرحيم، والعادل، والوفي، والمتواضع.

إذا رأى الناس مسلمًا يحفظ حق العامل، فقد رأوا أثرًا من أخلاق الإسلام.

وإذا رأوا أبًا يربي ابنه بالرحمة، فقد رأوا شيئًا من الهدي النبوي.

وإذا رأوا تاجرًا يرفض الغش مع قدرته عليه، فقد رأوا شيئًا من أمانة محمد .

وإذا رأوا إنسانًا يعفو حين يقدر، فقد رأوا شيئًا من خلق النبي .

وإذا رأوا مسلمًا يختلف بأدب، فقد رأوا أن الإسلام لا يحتاج إلى إسقاط الإنسان حتى ننتصر للفكرة.

إن أعظم دعوة في زماننا أن تكون أخلاق المسلم برهانًا صامتًا على جمال الإسلام.

كم من كلمة دعوية سمعها الناس ثم نسوها، لكن موقفًا رحيمًا قد يبقى في قلب إنسان سنوات.

وكم من شخص لم تقنعه الكلمات، لكنه اقتنع حين رأى مسلمًا أمينًا حين يستطيع الغش، وعادلًا حين يستطيع الظلم، وحليمًا حين يستطيع الانتقام.

والسؤال الذي لا ينبغي أن نهرب منه:

ماذا تغير فينا؟

هل أصبح الأب أكثر رحمة؟

هل أصبحت الأم أكثر صبرًا؟

هل أصبح الزوج ألين؟

هل أصبحت الزوجة أرفق؟

هل أصبح الابن أبرَّ؟

هل أصبح الموظف أكثر أمانة؟

هل أصبح التاجر أكثر صدقًا؟

هل أصبح صاحب السلطة أكثر عدلًا؟

هل أصبح الداعية أكثر حكمة؟

هل أصبح المختلف معنا أكثر أمانًا من ألسنتنا؟

هل أصبح الضعيف يجد فينا سندًا؟

هل أصبح المخطئ يجد عندنا بابًا للإصلاح؟

إذا لم نجد شيئًا من ذلك، فربما سمعنا عن محمد ، لكننا لم نأخذ محمدًا إلى حياتنا.

محمد وُلد مرة في التاريخ، لكن أخلاقه ينبغي أن تولد فينا كل يوم.

تولد حين نملك غيظنا ونحلم.

وتولد حين نعتذر.

وتولد حين نصل رحمًا مقطوعة.

وتولد حين نفتح بابنا لمحتاج.

وتولد حين نحسن إلى والدينا.

وتولد حين نحفظ كرامة أهلنا.

وتولد حين نحفظ لزوجاتنا كرامتهن.

وتولد حين نمنع ألسنتنا من جرح إنسان.

وتولد حين نقول كلمة حق دون ظلم.

وتولد حين نختار العفو ونحن قادرون على الانتقام.

فإذا أردنا أن نحتفل برسول الله حقًا، فلنجعل في كل بيت من بيوتنا خُلُقًا جديدًا، وفي كل علاقة رحمة جديدة، وفي كل عمل أمانة جديدة، وفي كل خصومة مساحة للعفو.

قال الله تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.

اللهم ارزقنا حب نبيك ، واتباع سنته، والتخلق بأخلاقه، والاقتداء بهديه.

اللهم اجعل صلاتنا عليه محبةً صادقة، واجعل محبتنا له اتباعًا صادقًا، واجعل سيرته نورًا في بيوتنا، وأخلاقه حياةً في معاملاتنا، ورحمته منهجًا في حياتنا.

اللهم أصلح أبناءنا وبناتنا، واحفظ شبابنا من الفتن، وارزقهم القدوة الصالحة، واجعلنا وإياهم هداةً مهتدين.

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عرض أقل

Virus shoes store

google-playkhamsatmostaqltradent