recent
أخبار عاجلة

حول خطبة الجمعة الشيخ محمود عطا

 حول خطبة الجمعة




الخطبة الأولى

​الحمد لله، الحمد لله الذي جعل في تتابع خلقه آياتٍ لأولي الألباب، وشرع لعباده دينًا قويمًا يجمع بين ثبات الأصول وإصلاح المعاش وإعمار التراب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، استعمر الإنسان في الأرض وائتمنه على عمارة الحياة بالحق والعدل والصلاح، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه رحمة للعالمين، ومعلماً ومربياً ومرشداً للأنام، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الأطهار، وصحابته الكرام، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

​أما بعد: فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، فمن اتقى ربه بصُر بحقه، وأحسن العمل في دنياه لزاد آخرته، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

​أيها المسلمون:

هل أراد الإسلام من المسلم أن يعيش في الحياة هامشي الأثر، مستهلكاً لعقول غيره، أم أراد له أن يكون مبادراً، مصلحاً، متقناً في عمارة هذه الأرض؟

إن المتأمل في كتاب الله تعالى يجد نداءً ربانياً واضحاً يوجب استنهاض العقل واستثمار الموارد؛ قال جل وعلا على لسان نبيه صالح عليه السلام: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، أي: طلب منكم عمارتها وإصلاحها وبناءها. وإن عمارة الأرض لا تقوم بالجمود، ولا بالقعود عن مواكبة حاجات الحياة، وإنما تقوم بالعمل النافع، والتدبير الحسن، واستعمال أكفأ الوسائل لدفع الضرر وجلب المصلحة.

​وهنا يُطرح سؤال منهجي مهم: هل كل جديد بدعة؟

الجواب: لا وكلا. لقد وضع لنا رسول الله قاعدة بينة تميز مسالك العمل؛ ففي أمر الدين والعبادات والشعائر، الأصل هو الاتباع؛ قال : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [متفق عليه]، فالصلاة والفرائض وأصول العقائد لا يقبل فيها تبديل ولا اختراع. أما في أمور الدنيا، والوسائل، والعلوم التجريبية، وطرائق الزراعة، والصناعة، والتنظيم، فإن رسول الله قال بياناً لمعالم هذا الباب: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» [رواه مسلم].

​إن ابتكار الوسائل وتطويرها في خدمة المعاش والدعوة ليس من البدعة المذمومة، بل هو داخل في عموم قوله : «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [رواه مسلم].

​معاشر المؤمنين:

إذا نظرتم في السيرة النبوية المطهرة، لم تجدوا منهجاً يكتفي بانتظار الخوارق، بل تجدون قمة التخطيط، والتدبير البشري الواعي، وإيجاد الحلول الصائبة عند تتابع الأزمات.

​تأملوا في يوم الأحزاب؛ أحاطت جيوش الشرك بالمدينة، في ظرف أمني وعسكري خانق؛ مشكلة عسكرية جديدة على أهل يثرب، وخطر وجودي يهدد العباد والبلاد. فماذا كان الموقف؟ لم يجمد النبي على طرائق القتال المعهودة في جزيرة العرب، بل استمع لمشورة صحابي كريم، هو سلمان الفارسي رضي الله عنه، حين عرض أسلوباً دفاعياً عُرف في بلاد فارس: «يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حُوصِرنا خندَقْنا علينا».

فقَبِل النبي الفكرة، وانطلق مع أصحابه بضرب المعاول لتطبيق حل دفاعي غير مسبوق في بيئتهم.

المشكلة كانت حصاراً مستحكماً، والحل كان فكرة دفاعية غير مألوفة، والمبدأ الخالد هو: أن الحكمة ضالة المؤمن، وأن استيراد الخبرة الدنيوية والتكتيكية النافعة وتطبيقها مشروعٌ لإحراز النجاة وحفظ الأمة.

​وانظروا إلى رحلة الهجرة النبوية؛ نبيّ مؤيّد بالوحي، ومحفوظ من ربه، ومع ذلك يضع أعظم خطة بشرية محكمة: يحدد ساعة الخروج، ويغيّر المسار إلى جهة الجنوب بدلاً من الشمال، ويستعين بخبير بالطرق الوعرة، عبد الله بن أريقط، لأمانته وخبرته التخصصية. لم يكن النبي عاجزاً عن التوكل، لكنه يعلمنا أن التوكل الحقيقي هو إعمال العقل، والأخذ بأتقن الأسباب، وحسن توظيف الكفاءات.

​وفي داخل المسجد النبوي الشريف، حين كثر المصلون وبات من الصعب على الخطيب إيصال الصوت والرؤية للمصلين وهو يخطب مستنداً إلى جذع، عُرض عليه أن يُصنع له منبر، فوافق ، وصنع له غلام نجار درجات من خشب، فرقاها ليرى الناس ويسمعهم. إنها مرونة الوسائل متى كان المقصد إبلاغ الخير وإحسان التعليم.

​لقد تنوعت أساليب النبي في إيصال الحق؛ خطّ في الأرض خطوطاً ليوضح معنى الصراط المستقيم، وضرب الأمثال الواقعية، واستخدم السؤال الحواري التفاعلي: «أتدرون من المفلس؟»، كل ذلك لترسيخ الوعي، وتطوير أساليب البيان.

​فيا عباد الله: إن ديننا لا يقدس الجمود، ولا يرضى بالتبعية والكسل، بل يأمرنا بحسن النظر، والأخذ بأسباب التمكين، وإعمال الفكر فيما ينفع الناس ويمكث في الأرض.

​أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

​الخطبة الثانية

​الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

​أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون:

إن استحضار سيرة النبي في إعمال الفكر وإتقان الأسباب يضع أمامنا مبادئ عملية لحياتنا المعاصرة:

​أول هذه المبادئ: أن الإبداع الحقيقي ينطلق من الإحساس بالمسؤولية وفهم الواقع. المسلم لا يقف أمام مشكلات مجتمعه متفرّجاً ولا متذمراً؛ بل يسأل نفسه: كيف أكون جزءاً من الحل؟

​وثانيها: نبذ الجمود في الوسائل المباحة. المبادئ والقيم وثوابت العقيدة والأخلاق لا تتغير ولا تتبدل، لكن وسائط إيصال الخير، وتنمية الاقتصاد، وطرائق التدريس، وأنظمة الإدارة، وتطوير العلوم، أمور تتطور مع تطور الزمان. من الخطأ أن نجعل الوسائل المباحة ديناً جامداً نحارب به كل تحديث نافع.

​وثالثها: توظيف التقنيات الحديثة في خدمة الحق والنفع الإنساني. هذه الفضاءات الرقمية، والوسائل الذكية، وأدوات العصر، يجب ألا نكون فيها مجرد مستهلكين عابثين؛ بل على شبابنا وطلابنا أن يكونوا صُنّاع محتوى نافع، ومطورين لأدوات تنفع الأوطان، وناشرين للعلم والأخلاق والوعي.

​أيها الشباب والطلاب:

أنتم عدة الأمة، لا تركنوا إلى الفراغ والتقليد الأعمى؛ تعلّموا بجد، وامتلكوا زمام المهارات الحديثة، واجعلوا نيتكم خدمة دينكم وأمتكم؛ فالأمة تحتاج إلى الطبيب البارع، والمهندس المبدع، والمبرمج المتقن، كما تحتاج إلى العالم بالشرع.

​أيها المعلمون والمربون وأصحاب المهن:

جددوا في أساليبكم، فالتعليم رسالة، والعمل عبادة إذا صحّت النية، وتحسين بيئات العمل واقتراح الحلول التي تيسر على الناس حوائجهم هو من صميم الصدقة الجارية، ومن حسن التدبير الذي دعا إليه ديننا الحنيف.

​إن الإبداع في ميزان الإسلام ليس طلباً للجديد لمجرد الغرابة، بل هو: كل فكرة نافعة، ومشروعٍ مصلح، وتدبيرٍ رشيد، يخدم الإنسان، ويعمر الأوطان، ويتحرى مرضاة الرحمن، في إطار ما أحل الله من غير بغي ولا طغيان.

​اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

اللهم فقّهنا في ديننا، واجعلنا من عبادك المصلحين، العاملين المتقنين، الذين يعمرون الأرض بالخير والسلام والعدل.

اللهم ألهم شبابنا الرشاد والهمة العالية، واستعملنا جميعاً في طاعتك، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، نافعة لعبادك.

اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين، وأدم علينا نعمة الأمن والإيمان والاستقرار والازدهار.

اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، واشفِ مرضانا، وارحم موتانا، واختم بالصالحات أعمالنا.

​عباد الله:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].

فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. 

google-playkhamsatmostaqltradent