الإبداع والابتكار في العهد النبوي
٢) الأساليب التعليمية النبوية المبتكرة
٣) النبي ﷺ وتبني الأفكار المبتكرة من الصحابة
٤) اكتشاف المواهب واستثمار الطاقات
٥) بمناسبة العام الدراسي الجديد
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول
الله، وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه، أما بعد؛
فإن المتأمل في الهدي النبوي يجد أن النبي
ﷺ أنشأ جيلًا يقرأ، ويتعلم، ويفكر، ويسأل،
ويجتهد، ويبادر، ويبحث عن الوسائل التي تحقق المقاصد وتحفظ المصالح، ولذلك ظهرت في
عصر النبوة صور متعددة من الإبداع في التعليم، والإدارة، والدعوة، والدفاع، وحل المشكلات،
واستثمار الطاقات، ولم يكن ذلك بعيدًا عن روح الإسلام التي جعلت العلم مفتاح التقدم،
والعقل أداة للاجتهاد، والتجربة سبيلًا إلى اكتشاف الأنفع والأصلح، وإليك بيان كيف
شجّع النبي ﷺ على الإبداع والابتكار، وكيف يمكن تحويل
هذا الهدي النبوي إلى منهج عملي في واقعنا المعاصر.
إعمال العقل وإطلاق طاقات التفكير
الإبداع يبدأ من عقلٍ لا يكتفي بتكرار المألوف،
وإنما من عقل يتأمل ويسأل، ويبحث عن الأفضل، وقد أقام القرآن الكريم دعوته على إعمال
العقل والنظر والتدبر، ودرَّب النبي ﷺ أصحابه على السؤال والمناقشة والاجتهاد.
قال تعالى: ﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ﴾
[محمد: ٢٤]، وقال سبحانه: ﴿قُلۡ هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِیرُۚ أَفَلَا
تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَءَایَٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣].
ولم يكتفِ القرآن بإباحة التفكر بل جعله
عبادةً وصفةً لأولي الألباب، كما في قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِینَ یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِیَٰمࣰا وَقُعُودࣰا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَیَتَفَكَّرُونَ
فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا
فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا مِّنۡهُۚ﴾ [الجاثية: ١٣]، وهي آية تدفع
الإنسان إلى النظر في الكون، والإبداع في استحداث وسائل الانتفاع بكل ما خلق الله فيه.
ومن أروع النماذج القرآنية للابتكار الهندسي
والتقني: قصة ذي القرنين في بناء السد، حين طلب من القوم مواد الصنعة وابتكر طريقة
صهر المعادن: ﴿ءَاتُونِی زُبَرَ ٱلۡحَدِیدِۖ ... ءَاتُونِیۤ أُفۡرِغۡ عَلَیۡهِ قِطۡرࣰا﴾ [الكهف: ٩٦]، فهذه معالجة تقنية مبتكرة
لم تُذكر تفاصيلها إلا بوحي التجربة والعقل الذي أودعه الله فيه.
ومنها صنعة داود عليه السلام: ﴿وَعَلَّمۡنَٰهُ
صَنۡعَةَ لَبُوسࣲ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ﴾
[الأنبياء: ٨٠]، ﴿وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِیدَ * أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتࣲ وَقَدِّرۡ فِی ٱلسَّرۡدِۖ﴾ [سبأ:
١٠-١١]، أي: اجعل الدروع واسعة، وأحسن تقدير حَلَقها، وهذا توجيهٌ إلى الدقة الحرفية
والابتكار في الصناعة الدفاعية.
وقصة سليمان في نقل عرش بلقيس، حيث تبارى
أهل مجلسه في اقتراح الحلول، فقال ﴿ٱلَّذِی عِندَهُۥ عِلۡمࣱ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِیكَ بِهِۦ
قَبۡلَ أَن یَرۡتَدَّ إِلَیۡكَ طَرۡفُكَۚ﴾ [النمل: ٤٠] وفيها مشهد تنافسي مشروع بين
أصحاب الأفكار.
وخطة يوسف -عليه السلام- الاقتصادية، حين
سُئل عن تأويل الرؤيا، لم يكتفِ بالتفسير، بل ابتكر خطة تنموية متكاملة لإدارة الأزمة:
زراعة سبع سنين متتالية، وترك الحصاد في سنبله لحفظه من التلف، ثم استهلاك مدروس في
سنوات الجدب. هذا نموذج قرآني رفيع للتخطيط الابتكاري القائم على اجتهاد بشري لم يرد
فيه نص سابق بالتفصيل.
وسفينة نوح: ﴿وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡیُنِنَا
وَوَحۡیِنَا﴾ [هود: ٣٧]، وكانت أول سفينة تُصنع، ففيها إرساءُ مبدأ الابتكار التقني
حين تدعو الحاجة إليه.
ولما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، قال
له: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي
كِتَابِ اللَّهِ؟» قال: فبسنة رسول الله ﷺ، قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ في سُنَّةِ رَسُولِ
اللَّهِ وَلَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فقال ﷺ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ
رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرضِي رَسُولَ اللَّهِ». [رواه أبو داود].
وقد اشتهر هذا الحديث في كتب الأصول دالًّا
على مشروعية الاجتهاد وإعمال النظر فيما لا نص فيه.
الأساليب التعليمية النبوية المبتكرة
كان النبي ﷺ مُعلِّمًا مبدعًا في وسائل التعليم، كما
كان داعيًا إلى الإبداع، ومن أبرز الأساليب النبوية التعليمية:
١- التنويع في طرق العرض: فتارة يعلّم بالقصة،
فالقصة أمر محبب للناس، وتترك أثرها في النفوس، ومن هنا جاءت القصة كثيراً في القرآن،
وأخبر تبارك و- تعالى - عن شأن كتابه فقال: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك
هذا القرآن} {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى} وأمر نبيه
- صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال: {واقصص القصص لعلهم يتفكرون} ولهذا فقد سلك النبي
- صلى الله عليه وسلم - هذا المنهج واستخدم هذا الأسلوب.
شاب من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم
- وهو خباب بن الأرت رضي الله عنه ـ يبلغ به الأذى والشدة كل مبلغ فيأتي للنبي - صلى
الله عليه وسلم - شاكياً له ما أصابه فيقول رضي الله عنه: أتيت النبي - صلى الله عليه
وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة - وقد لقينا من المشركين شدة - فقلت: ألا تدعو
الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: « لقد كان كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد مادون عظامه
من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما
يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما
يخاف إلا الله » [رواه البخاري (3852]
وحفظت لنا السنة النبوية العديد من المواقف
التي يحكي فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - قصة من القصص، فمن ذلك: قصة الثلاثة الذين
آواهم المبيت إلى الغار، وقصة الذي قتل مائة نفس، وقصة الأعمى والأبرص والأقرع، وقصة
أصحاب الأخدود... وغيرها كثير.
٢- ضرب الأمثال :
للمثل أثر بالغ في إيصال المعنى إلى العقل
والقلب ، ذلك أنه يقدم الأمر المعنوي في صورة حِسية فيربطه بالواقع ، ويقربه إلى الذهن
، فضلا عن أن للمثل بمختلف صوره بلاغة تأخذ بمجامع القلوب ، وتستهوي العقول ، ولذلك
استكثر القرآن الكريم من ضرب الأمثال ، وذكر حكمة ذلك في آيات كثيرة ، فقال الله تعالى
: { وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ
}(العنكبوت:43)
..
وعلى هذا المنهج الكريم سار النبي - صلى
الله عليه وسلم - ، فاستكثر من ضرب الأمثال ، حتى قال عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه
ـ : " عقلت عن رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ ألف مثل " .. وقد أُلِفت
كتب متعددة في الأمثال في الحديث النبوي ..
ومن هذه الأحاديث قوله ـ صلى الله عليه
و سلم ـ : ( مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن
يُحْذيك (يعطيك) ، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما
أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد ريحا خبيثة )(البخاري) .
٣ـ
التعبير بحركة اليد والرسم
:
مثل تشبيكه - صلى الله عليه وسلم - بين
أصابعه وهو يبين طبيعة العلاقة بين المؤمن وأخيه ، فعن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله
عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا
ـ وشبك بين أصابعه ـ )(البخاري)
.
أما التعبير بالرسم ، فقد خط رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - على الأرض خطوطا توضيحية ليلفت نظر وتركيز الصحابة ، ثم أخذ
في شرح مفردات تلك الخطوط ، وبيان المقصود منها ، فعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله
عنه ـ قال : ( خَطَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطا بيده ، ثم قال : هذا سبيل
الله مستقيما ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ، ثم قال : وهذه السبل ، ليس منها سبيل
إلا عليه شيطان يدعو إليه ، ثم قرأ : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ
وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ
بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }(الأنعام : 153) )(ابن حبان) .
٤ـ وتارة
يستخدم النبي الحوار والنقاش:
وخير مثال على ذلك موقفه - صلى الله عليه
وسلم - مع الأنصار في غزوة حنين بعد قسمته للغنائم، فقد أعطى - صلى الله عليه وسلم
- المؤلفة قلوبهم وترك الأنصار، فبلغه أنهم وجدوا في أنفسهم، فدعاهم - صلى الله عليه
وسلم -، وكان بينهم وبينه هذا الحوار الذي يرويه عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- فيقول:
لما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة
قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال:
»يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟
وعالة فأغناكم الله بي؟ « كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمن، قال: »ما يمنعكم
أن تجيبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ « قال كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله
أمن قال: » لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا، أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون
بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو
سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم
ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض« [رواه البخاري (4330) ومسلم
(1061)] ففي هذا الموقف استخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الحوار معهم، فوجه لهم
سؤالاً وانتظر منهم الإجابة، بل حين لم يجيبوا لقنهم الإجابة قائلاً: (ولو شئتم لقلتم
ولصدقتم وصُدقتم
…).
٥- إثارة الأسئلة قبل الجواب: لتحريك الأذهان
واستنطاق الاجتهاد، وتحفيز الصحابة على استخراج الجواب بأنفسهم.
والمواقف النبوية الدالة على أسلوبه في
تعليمه لأصحابه بالسؤال كثيرة، منها:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وهي مَثَلُ المسلم،
حَدِّثوني ما هي؟! فوقع الناس في شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة، قال عبد الله:
فاستحييت، فقالوا: يا رسول الله أخبرنا بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي
النخلة، قال عبد الله: فحدَّثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتها أحب إليّ
من أن يكون لي كذا وكذا) رواه البخاري. وفي هذا الموقف والسؤال من النبي صلى الله عليه
وسلم لأصحابه فوائد كثيرة منها:
ـ حُسْن تعليمه لهم، حيث ألقى عليهم المعنى
والمعلومة المراد تعليمهم إياها، على هيئة سؤال ليجعلهم يفكرون لمعرفة الإجابة، فإذا
عجزوا عن الإجابة كانوا أشد اشتياقاً لمعرفة الجواب، وهذا يحقق فائدة اكتساب العلم،
وترسيخ المعنى على أفضل وجه، بالإضافة إلى دفع الملل عن المتعلم، الذي قد يحدث إذا
كان أسلوب التعليم يسير على وتيرة واحدة، إضافة إلى ما يحققه هذا أسلوب السؤال من إدخال
النشاط والسرور والبهجة في نفوس المتعلمين.
٦- التدريج في التعليم (تعليمه ﷺ الشرائع بالتدريج) مقدماً الأهم فالأهم
، ومعلماً شيئاً فشيئاً ، ليكون أقرب تناولاً ، وأثبت على الفؤاد حفظاً وفهماً ، من
ذلك ما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه ” كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن
حتى يعرف معانيهن ، والعمل بهن
.
ومن تطبيقاته في أساليب المربين ما قاله
ابن شهاب ” ولا تأخذ العلم جملة ، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة ، ولكن الشيء
بعد الشيء مع الأيام والليالي
“.
ـ رعاية الفروق الفردية في المتعلمين
فقد كان النبي ﷺ شديد المراعاة للفروق الفردية بين المتعلمين
من المخاطبين والسائلين ، فكان يخاطب كل واحد بقدر فهمه ، وبما يلائم منزلته ، من ذلك
قوله لرجل : ” لا تغضب ” وكررها ثلاثاً ، وأمره لآخر وقد جاء يبايعه على الجهاد والهجرة
أن يبقى مع والديه ، ويحسن صحبتهما ، وطلبه من أحدهم وقد سأله ما أكثر ما يخافه عليه
، أن يمسك عليه لسانه
!!
هذه الأساليب في ذاتها دليل عملي على أن
الإبداع عند النبي ﷺ لم يكن مجرد كلام نظري، بل كان منهج حياته
في التعليم والقيادة.
النبي ﷺ وتبني الأفكار المبتكرة من الصحابة
كان النبي ﷺ يتيح لأصحابه أن يبحثوا عن الوسائل المناسبة،
وأن يقدموا الحلول الجديدة التي تحقق المصلحة.
ففي غزوة بدر أشار الحباب بن المنذر رضي
الله عنه على النبي ﷺ بموقع آخر لنزول الجيش، حين سأل النبيَّ:
«أرأيت هذا المنزلَ، أمنزل أنزلكَهُ اللهُ ليس لنا أن نتقدمَه ولا نتأخر عنه، أم هو
الرأي والحرب والمكيدة؟» فقال ﷺ: «بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ»،
فأشار عليه الحُباب بالمكان الذي رآه أصلح، فأخذ النبي ﷺ برأيه.
ولما اجتمعت الأحزاب لحصار المدينة في غزوة
الخندق، أشار سلمان الفارسي -رضي الله عنه- بحفر الخندق، وهي وسيلة دفاعية لم تكن مألوفة
عند العرب، فأخذ النبي ﷺ بهذه الفكرة.
وهنا يظهر بوضوح أن الإبداع قد يكون في
استيراد فكرة نافعة من تجربة حضارية أخرى، ثم توظيفها بما يناسب الواقع، وفي القرآن
الكريم يقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فالآية لم تحدد صورة واحدة
للقوة، وإنما فتحت المجال أمام كل ما يستطيع المسلمون إعداده من أسباب القوة في كل
عصر، وهذا من أوسع أبواب الاجتهاد الحضاري؛ فوسائل القوة تتغير بتغير الزمان، وتتطور
بتطور العلوم والمعارف.
ومشورة أم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية:
حين تأخر الصحابة عن الاستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في الحلق والنحر، فأشارت
بحلٍّ عملي حكيم، فعمل به النبي ﷺ فزال به الإشكال.
وصناعة المنبر: لمّا اقترحت امرأة من الأنصار
أن يُصنع للنبي منبر بدل الوقوف على الجذع، استجاب ﷺ وأمر بصنعه فقد ورد في صَحيحِ البُخاريِّ مِن حَديثِ جابرِ بنِ عبدِ
اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما: «أنَّ امْرَأَةً مِنَ الأنْصَارِ قالَتْ لِرَسولِ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا رَسولَ اللَّهِ، ألَا أجْعَلُ لكَ شيئًا تَقْعُدُ عليه؟
فإنَّ لي غُلَامًا نَجَّارًا قالَ: إنْ شِئْتِ..».
واتخاذ خاتم لختم الرسائل: لما قيل للنبي
ﷺ إن الملوك لا يقرؤون كتابًا إلا بخاتم،
بادر إلى اتخاذ خاتم فضة نُقش عليه "محمد رسول الله"، استجابة عملية سريعة
لمقتضى التواصل الدبلوماسي المستحدث.
واتخاذ الكُتّاب، وإرسال الرسل إلى الملوك،
ومكاتبة القبائل، وتنظيم الوفود، واختيار السفراء وكلها صور تؤكد مرونة الوسائل وتنوعها
بحسب المقام والحاجة.
اكتشاف المواهب واستثمار الطاقات
من أعظم مظاهر التنشئة النبوية أن النبي
ﷺ لم يتعامل مع أصحابه على أنهم نسخ متشابهة،
بل عرف مواهبهم، وأدرك اختلاف قدراتهم، ووضع كل واحد منهم في المجال الذي يستطيع أن
يقدم فيه أفضل ما عنده.
وكان ﷺ يشجّع أصحابه على تنمية مواهبهم وإظهار
قدراتهم، ومن ذلك ما ظهر في تلاوة القرآن الكريم، فأثنى النبي ﷺ على قراءة عبد الله بن مسعود -رضي الله
عنه- فقال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ
عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ». [رواه أحمد].
ويظهر في ذلك تقدير النبي ﷺ لتميز سيدنا ابن مسعود -رضي الله عنه-
في قراءة القرآن، وتشجيعه على الاستمرار في موهبته وتنميتها.
ولما سمع النبي ﷺ قراءة أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-
قال: «لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ».
وفي هذا الحديث إشادة بجمال صوت أبي موسى
وحسن تلاوته، وتشجيع له على توظيف موهبته في تلاوة القرآن الكريم.
وطلب النبي ﷺ من زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أن يتعلم
لغة اليهود، فتعلمها في مدة وجيزة، وأصبح يقرأ للنبي ﷺ كتبهم ويكتب لهم، وهذا نموذج بالغ الأهمية
في اكتشاف الموهبة اللغوية وتوظيفها لخدمة المجتمع والدعوة.
كما استثمر النبي ﷺ قدرة خالد بن الوليد العسكرية، وبرز خالد
في ميادين القيادة والتخطيط العسكري، حتى صار من أبرز قادة المسلمين.
وكان ﷺ يحدد مواطن التميز والكفاءة، فيقول ﷺ عن معاذ بن جبل: «وَأَعْلَمُ أُمَّتِي
بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» [رواه الترمذي].
ويقول ﷺ عن أبي عبيدة بن الجراح «إِنَّ لِكُلِّ
أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ
الْجَرَّاحِ» [متفق عليه].
ولا يخفى أن النبي ﷺ ولَّى أسامة بن زيد قيادة جيش مع وجود
كبار الصحابة، في رسالة واضحة إلى أن الكفاءة والقدرة يمكن أن تفتح للإنسان أبواب المسؤولية،
ولو كان صغير السِّنِّ.
الخطبة الثانية :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد ،،،،
بمناسبة العام الدراسي الجديد:
أولاً : أهمية التعليم والإقبال عليه بوصفه
أساس الإبداع
لا إبداع بلا علم، ولا ابتكار بلا تعلم،
ولا تقدم بلا عقول تتزود بالمعرفة، فالوحي قد بدأ بكلمة عظيمة: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ
ٱلَّذِی خَلَقَ﴾ [العلق: ١].
وأكد القرآن أهمية العلم ومكانة أصحابه
فقال تعالى: ﴿یَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَٱلَّذِینَ أُوتُوا۟
ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتࣲۚ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال سبحانه: ﴿قُلۡ هَلۡ
یَسۡتَوِی ٱلَّذِینَ یَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَۗ﴾ [الزمر: ٩]، فالعلم
في منظور الإسلام ليس ترفًا، وإنما هو طريق الرفعة، وأداة بناء الإنسان، ومفتاح اكتشاف
سنن الكون وتسخيرها في الخير.
وقد جعل النبي ﷺ التعليم مشروعًا مستمرًا، فقال ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعلَّم الْقُرْآن وَعَلَّمَهُ»
[رواه البخاري]، وقال ﷺ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ
عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» [رواه أبو داود]، وهذا
يجعل الإقبال على التعلم عبادة وقيمة حضارية في الوقت نفسه.
ومن أبلغ المواقف الدالة على تقدير التعليم
أن النبي ﷺ جعل تعليم بعض المسلمين القراءة والكتابة
وسيلة لفداء بعض أسرى بدر.
ولم يكن المسجد في عهد النبي ﷺ مكانًا للعبادة فحسب، بل كان مركزًا للتعليم
والتربية والتوجيه، وكان النبي ﷺ يعلّم أصحابه فيه ويرعاهم.
ولما طلبت النساء من النبي ﷺ أن يجعل لهن يومًا يتعلمن فيه، استجاب
لهن وخصص لهن وقتًا للتعليم.
وهذا يؤكد أن التعليم حق إنساني وحاجة مجتمعية،
وأن بناء المجتمع المبدع لا يستثني فئة من التعلم والمعرفة.
وكان الصحابة رضي الله عنهم يتنافسون في
التعلم والسؤال، ومن ذلك ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن تعاونه مع جار له من
الأنصار في طلب العلم، فكان أحدهما يحضر مجلس النبي ﷺ يومًا، والآخر يحضر في اليوم التالي، ثم
يتبادلان ما سمعاه.
ثانياً : كيف نطبق الهدي النبوي في واقعنا
المعاصر؟
إذا كان النبي ﷺ قد أنشأ جيلًا يتعلم ويفكر ويبادر ويشاور
ويبتكر، فإن الوفاء لهذا الهدي اليوم يكون بتحويله إلى ثقافة وممارسات وصناعة مؤسسات.
في الأسرة: تشجيع الطفل على السؤال بدل
إسكات أسئلته، واحترام محاولاته وأفكاره ولو كانت بسيطة، وعدم السخرية من الخطأ، بل
تحويل الخطأ إلى فرصة للتعلم، واكتشاف مواهبه مبكرًا وتنميتها.
في المدرسة والجامعة: الانتقال من التعليم
القائم على الحفظ وحده إلى التعليم القائم على الفهم والتحليل وحل المشكلات، وتشجيع
البحث والتجربة والمشروعات العلمية، وإنشاء مسابقات للابتكار والاختراع، وربط التعليم
بقضايا المجتمع وحاجاته.
في المؤسسات: إنشاء بيئة تسمح للموظف باقتراح
الحلول، ومكافأة المبادرات الناجحة، والاستفادة من اختلاف الخبرات والتخصصات.
في المجال العلمي والتقني: الاستثمار في
البحث العلمي، وتشجيع الشباب على العلوم والتقنية، والاستفادة الواعية من الذكاء الاصطناعي
والتقنيات الحديثة، وتوجيه الابتكار إلى حل مشكلات الإنسان والمجتمع.
وصلِّ اللهم على محمد وآله وصحبه، وسلم
تسليمًا كثيرًا.