أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ .. احْتِرَامُ الرُّمُوزِ
الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ
فَقَدَّرَهُمْ تَقْدِيرًا، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ
بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَتَوْقِيرًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَقْضِي بِالْحَقِّ وَيَحْكُمُ بِالْعَدْلِ وَكَانَ بَصِيرًا،
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَعْظَمُ
النَّاسِ قَدْرًا، وَأَكْمَلُهُمْ خُلُقًا وَفَخْرًا، الإِمَامُ الْمُصْطَفَى، وَالنَّبِيُّ
الْمُجْتَبَى، الْقَائِلُ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: «إِذَا أَتَاكُمْ
كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ»، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى
آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ عَرَفُوا لِلْحَقِّ مَقَامَهُ، وَلِلْفَضْلِ أَعْلَامَهُ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُمْ
وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ أَمْرِهِ
أَرْدَاهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا
قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ
يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ المَجْدَ لا يُبْنَى عَلَى جُرْأَةِ
السُّفَهَاءِ، وَلا تَسْتَقِيمُ الحَضَارَاتُ بِتَطَاوُلِ الأَجْهَلِينَ عَلَى العُلَمَاءِ!
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ المَوَاهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَالشِّيَمِ الإِسْلَامِيَّةِ:
أَنْ يَعْرِفَ المَرْءُ لِذِي الفَضْلِ فَضْلَهُ، وَأَنْ يُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ
بِمِيزَانِ الشَّرْعِ وَالعَقْلِ؛ فَلَيْسَ مِنْ شَرِيعَةِ اللهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ
المُجْتَهِدِ وَالخَامِلِ، وَلا بَيْنَ العَالِمِ وَالجَاهِلِ، وَلا بَيْنَ الصَّادِقِ
وَالْمَاجِنِ.
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ
يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا
يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾، وَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ
مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ
أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى وَاللهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
تَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- كَيْفَ
صَانَ المُنَزَّلُ المَرَاتِبَ، وَرَعَى المَنَاقِبَ؛ فَلَمْ يَسْلُبْ مُتَقَدِّمًا
سَبْقَهُ، وَلا بَخَسَ كَرِيمًا حَقَّهُ. وَانْظُرُوا عِبَادَ اللهِ فِي سِيرَةِ مَنْ
بُعِثَ لِيُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ ﷺ، كَيْفَ كَانَ يَرْعَى أَقْدَارَ النَّاسِ،
حَتَّى مَعَ خُصُومِهِ وَأَعْدَائِهِ!
فَفِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، حِينَ
أُسِرَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحَارِثِ -وَهِيَ ابْنَةُ سَيِّدِ قَوْمِهَا- أَعْتَقَهَا
النَّبِيُّ ﷺ وَتَزَوَّجَهَا، فَأَعْتَقَ الصَّحَابَةُ
أَسْرَى بَنِي المُصْطَلِقِ كُلَّهُمْ وَقَالُوا: "أَصْهَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ!"؛ فَكَانَتْ أَعْظَمَ امْرَأَةٍ
بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا، رَعَى لَهَا كَرَامَتَهَا، وَحَفِظَ لأَبِيهَا مَنْزِلَتَهُ.
وَمَا هِيَ إِلَّا مَشَاهِدُ يَفُوحُ مِنْهَا
عَبِيرُ الأَدَبِ؛ فَهَا هِيَ سَفَّانَةُ بِنْتُ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ تَقِفُ أَسِيرَةً
بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ، فَتَقُولُ: "يَا مُحَمَّدُ، هَلَكَ
الْوَالِدُ، وَوَفَدَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ
أَبِي كَانَ يَفُكُّ العَانِيَ، وَيَحْمِي الذِّمَارَ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُطْعِمُ
الطَّعَامَ"، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا جَارِيَةُ، هَذِهِ صِفَةُ المُؤْمِنِينَ،
أَرْسِلُوهَا؛ فَإِنَّ أَبَاهَا كَانَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ»، ثُمَّ قَالَ
ﷺ قَاعِدَتَهُ الخَالِدَةَ: «ارْحَمُوا عَزِيزَ
قَوْمٍ ذَلَّ، وَغَنِيًّا فَقُرَ، وَعَالِمًا ضَاعَ بَيْنَ جُهَّالٍ».
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
قَالَتْ أُمُّنَا أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ
رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ».
وَأَوْلَى النَّاسِ بِالإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ،
وَأَحَقُّهُمْ بِالتَّوْقِيرِ وَالتَّقْدِيمِ: النَّبِيُّ الأَكْرَمُ ﷺ؛ فَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعْظِيمَهُ دِينًا،
وَتَوْقِيرَهُ فَرْضًا مَبِينًا، فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا
وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. نَبِيٌّ أَدَّبَ اللهُ الأُمَّةَ فِي خِطَابِهِ،
وَنَهَاهُمْ عَنْ سُوءِ الأَدَبِ فِي جَنَابِهِ، فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿لا تَجْعَلُوا
دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾. كَانَ الصَّحَابَةُ
رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ إِذَا جَلَسُوا حَوْلَهُ، كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِهِمُ
الطَّيْرُ سَكِينَةً وَهَيْبَةً.
يَقُولُ عَمْرُو بْنُ العَاصِ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ: «وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ
ﷺ، وَلا أَعْظَمَ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا
كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ
أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ!». وَانْظُرُوا
إِلَى انْعِكَاسِ هَذَا التَّعْظِيمِ فِي قُلُوبِ أَصْحَابِهِ؛ فَهَا هُوَ عُرْوَةُ
بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَرْجِعُ إِلَى قُرَيْشٍ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ
وَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ قَدْ أَسْلَمَ، فَيَقُولُ صَادِقًا: «أَيْ قَوْمِ، وَاللهِ لَقَدْ
وَفَدْتُ عَلَى المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللهِ
مَا رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ كَمَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ
مُحَمَّدًا! وَاللهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ
فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا
تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَلا يَسْقُطُ مِنْ شَعَرِهِ شَيْءٌ
إِلَّا أَخَذُوهُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ
إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ!».
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ مَقَامِ النُّبُوَّةِ
مَنْزِلَةُ صَحَابَتِهِ الكِرَامِ، الأَبْرَارِ الأَعْلَامِ؛ أَعْظَمُ الأُمَّةِ قَدْرًا
بَعْدَ نَبِيِّهَا، الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَاقْتَطَفُوا
الهِدَايَةَ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ، فَعَرَفُوا لِأَهْلِ الفَضْلِ قَدْرَهُمْ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
«إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ
لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ بَعْدَ
قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ
وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ». امْتَدَحَهُمُ المَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ
فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ
عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا
مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، وَأَبْلَغَ
الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ
وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا
عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ
مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ».
وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -وَهُوَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ- يُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ
بِالدِّينِ وَالسَّبْقِ! جَاءَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَأَبُو سُفْيَانَ -وَهُمَا
مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ- فَوَقَفَا بِبَابِهِ، فَأَذِنَ عُمَرُ
لِبِلَالٍ وَصُهَيْبٍ وَعَمَّارٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَبْلَهُمَا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ
غَاضِبًا: «لَمْ أَرَ كَالَيَوْمِ قَطُّ! يُؤْذَنُ لِهَؤُلَاءِ العَبِيدِ وَنَجْلِسُ
بِالبَابِ؟!»، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَكَانَ أَعْقَلَهُمَا: «أَيُّهَا القَوْمُ،
إِنَّمَا أُتِيتُمْ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِكُمْ؛ دُعِيَ القَوْمُ إِلَى الإِسْلَامِ فَأَسْرَعُوا
وَأَبْطَأْتُمْ، فَكَيْفَ بِكُمْ إِذَا دُعُوا يَوْمَ القِيَامَةِ وَتُرِكْتُمْ؟!».
هَكَذَا صَانَ الصَّحَابَةُ مَقَامَ السَّابِقِينَ وَأَنْزَلُوهُمْ مَنَازِلَهُمْ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ مِنْ تَوْقِيرِ الرُّمُوزِ وَإِنْزَالِ
النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ: إِجْلَالَ العُلَمَاءِ وَالمَشَايِخِ وَحَمَلَةِ القُرْآنِ
وَالمُعَلِّمِينَ؛ فَهُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَمَشَاعِلُ الضِّيَاءِ، وَحُرَّاسُ
الشَّرِيعَةِ، وَقَادَةُ السَّفِينَةِ. يَقُولُ المَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَرْفَعِ
اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللهِ إِكْرَامَ
ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ، وَحَامِلِ القُرْآنِ غَيْرِ الغَالِي فِيهِ وَالجَافِي
عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المُقْسِطِ».
وَهَا هُوَ حَبْرُ الأُمَّةِ عَبْدُ اللهِ
بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَقَرَابَتِهِ مِنَ
النَّبِيِّ ﷺ، يَأْخُذُ بِرِكَابِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ يَرْكَبُ دَابَّتَهُ، فَيَقُولُ لَهُ زَيْدٌ: «تَنَحَّ
يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ!»، فَيُجِيبُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَدَبِ العُلَمَاءِ:
«هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا وَكُبَرَائِنَا!»، فَيَقْبِضُ زَيْدٌ
عَلَى يَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُقَبِّلُهَا وَيَقُولُ: «وَهَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ
بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا!».
وَتَأَمَّلُوا أَدَبَ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ:
كَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لِلإِمَامِ الشَّافِعِيِّ
كُلَّ لَيْلَةٍ! فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ: "يَا أَبَتِ، أَيُّ رَجُلٍ
كَانَ الشَّافِعِيُّ حَتَّى تَدْعُوَ لَهُ كُلَّ هَذَا الدُّعَاءِ؟"، فَقَالَ
الإِمَامُ أَحْمَدُ: "يَا بُنَيَّ، كَانَ الشَّافِعِيُّ كَالشَّمْسِ لِلدُّنْيَا،
وَكَالعَافِيَةِ لِلنَّاسِ، فَهَلْ لِهَاتَيْنِ مِنْ خَلَفٍ أَوْ عَنْهُمَا مِنْ عِوَضٍ؟!".
وَهَذَا الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ عَنْ حُرْمَةِ أُسْتَاذِهِ الإِمَامِ مَالِكٍ:
«كُنْتُ أَتَصَفَّحُ الوَرَقَ بَيْنَ يَدَيْ مَالِكٍ صَفْحًا رَفِيقًا هَيْبَةً لَهُ
لِئَلَّا يَسْمَعَ وَقْعَهُ!». فَأَيْنَ هَذَا الأَدَبُ الرَّفِيعُ مِمَّنْ يَسْتَخِفُّونَ
اليَوْمَ بِأَهْلِ العِلْمِ، وَيَطْعَنُونَ فِي هَيْبَتِهِمْ، وَيَخُوضُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ
مَعَ الخَائِضِينَ؟!
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
وَمِنْ جَمِيلِ هَذَا الخُلُقِ العَظِيمِ:
إِجْلَالُ كِبَارِ السِّنِّ، وَرِعَايَةُ أَهْلِ الشَّيْبَةِ؛ فَالشَّيْخُ الكَبِيرُ
فِي القَوْمِ لَهُ حَقُّ السَّبْقِ وَالتَّوْقِيرِ، فَقَدْ أَبْلَى عُمُرَهُ فِي الطَّاعَةِ،
وَلَهُ مِنْ هَيْبَةِ الزَّمَانِ مَا يَفْرِضُ احْتِرَامَهُ. لَمَّا جَاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ
يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَبْطَأَ القَوْمُ أَنْ يُوَسِّعُوا
لَهُ، قَالَ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا،
وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا».
فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَحْتَرِمَ كَبِيرَ
السِّنِّ عَمَلًا بِقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ: «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلَامِ
كُتِبَتْ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ، وَحُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، وَرُفِعَتْ لَهُ
بِهَا دَرَجَةٌ»، وَقَالَ ﷺ أَيْضًا: «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِكُمْ؟»،
قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا،
وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالًا».
وَفِي يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، حِينَ أَقْبَلَ
الصَّدِيقُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُودُ أَبَاهُ أَبَا قُحَافَةَ -وَكَانَ
شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ بَصَرُهُ، وَاحْدَوْدَبَ ظَهْرُهُ، وَابيَضَّ شَعَرُهُ
كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا- لِيُسْلِمَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَقْعُدْ مُنْتَظِرًا قُدُومَهُ كَمَلِكٍ
مُنْتَصِرٍ، بَلْ قَالَ بِأَدَبٍ جَمٍّ وَتَوَاضُعٍ رَفِيعٍ: «هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ
فِي بَيْتِهِ حَتَّى آتِيَهُ أَنَا فِي بَيْتِهِ؟!». اللهُ أَكْبَرُ! رَسُولُ اللهِ
قَائِدُ الأُمَّةِ يَرَى أَنَّ مِنْ حَقِّ الكَبِيرِ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ لَا أَنْ
يُؤْتَى بِهِ، تَوْقِيرًا وَإِجْلَالًا لِشَيْبَتِهِ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ حَقًّا بَعْدَ
اللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَحَقَّهُمْ بِالإِجْلَالِ وَالتَّوَاضُعِ: الوَالِدَانِ؛ اللَّذَانِ
جَعَلَ اللهُ بِرَّهُمَا مَقْرُونًا بِتَوْحِيدِهِ فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَقَضَى
رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ
عِنْدَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا
وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. الذُّرْوَةُ الَّتِي لا تُدْرَكُ،
وَالمَنْزِلَةُ الَّتِي لا تُجَارَى: مَنْزِلَةُ الوَالِدَيْنِ؛ فَهُمَا سَبَبُ الوُجُودِ،
وَأَحَقُّ النَّاسِ بِالجُودِ.
جَاءَ رَجُلٌ يَمْشِي طَائِفًا بِالكَعْبَةِ
حَامِلًا أُمَّهُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَرَأَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا،
فَقَالَ: «يَا ابْنَ عُمَرَ، أَتَرَانِي وَفَّيْتُهَا حَقَّهَا؟!»، قَالَ: «لا، وَلا
بِزَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ زَفَرَاتِ الوِلادَةِ! وَلَكِنَّكَ أَحْسَنْتَ، وَاللهُ
يُثِيبُكَ عَلَى القَلِيلِ كَثِيرًا!».
فَأَيْنَ نَحْنُ -عِبَادَ اللهِ- مِنْ هَذِهِ
المَنَازِلِ؟ أَيْنَ أَدَبُنَا مَعَ نَبِيِّنَا؟ أَيْنَ أَدَبُنَا مَعَ كِبَارِنَا
وَعُلَمَائِنَا وَمَشَايِخِنَا وَوُلَاةِ أَمْرِنَا؟ أَيْنَ أَدَبُنَا مَعَ آبَائِنَا
وَأُمَّهَاتِنَا؟!
وَلِلهِ دَرُّ القَائِلِ:
إِنَّ الكَبِيرَ إِذَا حَفِظْتَ مَقَامَهُ
... جَاءَتْكَ مِنْهُ مَهَابَةٌ وَنَوَالُ
وَإِذَا صَنَعْتَ لِذِي الفَضِيلَةِ قَدْرَهُ
... سَادَتْ بِكَ الأَخْلَاقُ وَالأَفْعَالُ
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ
العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا
إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ
أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا سَرْمَدًا.. أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّنَا
نَعِيشُ زَمَنًا حَرِجًا، انْفَتَحَتْ فِيهِ أَبْوَابُ السِّجَالِ، وَانْكَشَفَتْ فِيهِ
سُتُورُ الحَيَاءِ عَبْرَ القَنَوَاتِ وَالْمَنَصَّاتِ الْمَفْتُوحَةِ؛ فَصَارَ كُلُّ
مَنْ مَلَكَ لِسَانًا يَهْذُو، وَكُلُّ مَنْ خَطَّ بِقَلَمٍ يَطْعَنُ! فَتَجَرَّأَ
الصَّبِيُّ عَلَى الشَّيْخِ الكَبِيرِ، وَسَخِرَ الجَاهِلُ مِنَ العَالِمِ النَّحْرِيرِ،
وَتَطَاوَلَ التِّلْمِيذُ عَلَى الأُسْتَاذِ، وَالوَلَدُ عَلَى الوَالِدِ، فِي مَوْجَةٍ
خَبِيثَةٍ تَسْتَهْدِفُ هَدْمَ القُدْوَاتِ وَتَحْطِيمَ الرُّمُوزِ!
فَاعْلَمُوا يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، أَنَّ
الرَّمْزَ لَيْسَ شَخْصًا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، كَلَّا وَحَاشَا؛ فَلَا مَعْصُومَ
بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَكِنَّ الرَّمْزَ هُوَ العُنْوَانُ
الَّذِي يُمَثِّلُ المَبْدَأَ، وَالحِصْنُ الَّذِي يَحْمِي القِيَمَ. فَإِذَا أُسْقِطَ
العَالِمُ، فَمَنْ يَحْمِي الشَّرِيعَةَ؟ وَإِذَا أُسْقِطَ المُعَلِّمُ، فَمَنْ يَبْنِي
العُقُولَ؟ وَإِذَا أُسْقِطَ الأَبُ، فَمَنْ يَحْمِي الأُسْرَةَ؟ وَإِذَا أُسْقِطَ
صَاحِبُ السَّابِقَةِ فِي الخَيْرِ، فَمَنْ يَبْقَى لِلأَجْيَالِ قُدْوَةً؟!
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ
حَسَنٍ: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا،
وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ». فَنَفَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المُسْتَخِفِّ بِأَهْلِ الفَضْلِ
كَمَالَ الانْتِمَاءِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ!
فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا الْيَوْمَ:
أَنْ نُعِيدَ لِلْمَجَالِسِ هَيْبَتَهَا،
وَلِلْكُبَرَاءِ مَكَانَتَهُمْ.
أَنْ نَكُفَّ أَلْسِنَتَنَا عَنْ ذَمِّ
أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ.
أَنْ نُرَبِّيَ الأَبْنَاءَ فِي الْبُيُوتِ
وَالْمَدَارِسِ عَلَى التَّوْقِيرِ وَالاحْتِرَامِ؛ فَلَا يُنَادَى الْكَبِيرُ بِاسْمِهِ،
وَلَا يُقَاطَعُ الْعَالِمُ فِي كَلَامِهِ، وَلَا يُتَطَاوَلُ عَلَى مَنْ شَابَتْ لِحْيَتُهُ
فِي الإِسْلَامِ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ احْتِرَامَ الرُّمُوزِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ
لَا يَعْنِي أَنْ نُعْطِيَ أَحَدًا قَدَاسَةً لَيْسَتْ لَهُ، وَإِنَّمَا يَعْنِي أَنْ
نَحْفَظَ لِلْمُجْتَمَعِ مِيزَانَهُ الْأَخْلَاقِيَّ، وَأَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ قَدْرَ
مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّقْدِيرَ، وَأَنْ نَضَعَ كُلَّ إِنْسَانٍ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي
يَلِيقُ بِهِ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَصُونُوا
أَلْسِنَتَكُمْ، وَرَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى إِجْلَالِ الْكُبَرَاءِ وَاحْتِرَامِ
الْعُلَمَاءِ؛ فَلْنَحْتَرِمْ كَبِيرَنَا، وَلْنَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَلْنُوَقِّرْ
عَالِمَنَا، وَلْنُكْرِمْ مُعَلِّمَنَا، وَلْنَبَرَّ وَالِدَيْنَا، وَلْنَحْفَظْ لِأَهْلِ
الْخِبْرَةِ وَالسَّبْقِ فِضْلَهُمْ، وَلْنَحْتَرِمْ مَنْ يَقُومُ عَلَى مَصَالِحِ
النَّاسِ، وَلْنُكُفَّ أَلْسِنَتَنَا وَأَيْدِيَنَا عَنْ كُلِّ مَا يَجْرَحُ كَرَامَةَ
إِنْسَانٍ، وَعَمِّرُوا مُجْتَمَعَكُمْ بِأَدَبِ الإِسْلَامِ؛ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ.
وَتَذَكَّرُوا دَائِمًا قَوْلَ النَّبِيِّ
ﷺ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ
مِنْ سَخَطِ اللهِ، لا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ».