recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة وَانْسُبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمٍ فضائل النبي ﷺ وخصائصه ومكانته محمد أبوالنصر

 وَانْسُبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمٍ


 

فضائل النبي وخصائصه ومكانته

 الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، وحجة على الخلائق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد:

 الحديث عن سيدنا محمد حديثٌ عن أعظم شخصية عرفتها البشرية، وأزكى نفس خلقها الله تعالى، وأشرف رسول بعثه الله إلى الخلق أجمعين. وإن المتأمل في سيرة هذا النبي الكريم ليقف مشدوهًا أمام عظمةٍ لا يحيط بها وصف، وفضلٍ لا يدركه حدّ، ومكانةٍ لا تساويها مكانة. فإذا أراد الإنسان أن يصف قدره وقف حائرًا، لا يدري ماذا يقول، فإن فضائله وخصائصه ومناقبه قد بلغت من الكثرة والتنوع مبلغًا يعجز معه البيان، ويقصر دونه اللسان.

وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام البوصيري رحمه الله في بردته حين قال:

«وانْسُبْ إلى ذَاتِهِ ما شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ ... وَانْسُبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمِ

فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللهِ لَيْسَ لَهُ ... حَدٌّ فَيُعْرِبَ عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ» <ديوان البوصيري، ص 8>

فهذا البيت العظيم يجسد حقيقة كبرى، وهي أن فضل رسول الله لا يمكن أن يحاط به، ولا أن يعبر عنه، مهما اجتهد المجتهدون، وتكلم المتكلمون.

وإننا في هذه المحاضرة  لنقف مع شيء من هذه الفضائل والخصائص التي اختص الله بها نبيه ، متوخين في ذلك المنهج العلمي الدقيق، والاستدلال الصحيح من الكتاب والسنة، مع العناية بالنقول العلمية الموثقة، وبيان ما تيسر من الأحكام والمعاني، سائلين الله تعالى التوفيق والسداد.

وسيكون حديثنا عن هذه الفضائل من خلال العناصر التالية:

  العنصر الأول: مكانة النبي عند ربه تعالى.

  العنصر الثاني: خصائص النبي العامة التي فضله الله بها على سائر الأنبياء.

  العنصر الثالث: خصائص النبي المتعلقة بأمته ورسالته.

  العنصر الرابع: خصائص النبي في ذاته وصفاته الخَلقية والخُلقية.

 العنصر الخامس: خصائص النبي في الآخرة ومقام الشفاعة العظمى.

  العنصر السادس: محبة النبي : حقيقتها وعلاماتها وثمراتها.

  العنصر السابع: واجب الأمة تجاه نبيها .

نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

  العنصر الأول: مكانة النبي عند ربه تعالى

إن أعظم ما يتجلى به فضل النبي هو تلك المكانة العلية التي جعلها الله تعالى له عنده سبحانه، فقد اختاره الله تعالى من بين خلقه، واصطفاه من بين عباده، وقربه إليه، واتخذه خليلًا، وأقامه مقامًا لم يقمه أحدًا من العالمين.

  أولًا: الاصطفاء الإلهي للنبي

إن اصطفاء الله تعالى لنبيه محمد لم يكن أمرًا عارضًا في تاريخ البشرية، بل هو اصطفاء أزلي قديم، تجلى في اختياره من خير الخلق نسبًا، وأشرفهم بيتًا، وأزكاهم عنصرًا.

فعن وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ:

«إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» <رواه مسلم>

فهذا الحديث الشريف يبين لنا سلسلة الاصطفاء الإلهي المتصلة، فقد اصطفى الله تعالى من ولد إسماعيل عليه السلام قبيلة كنانة، ثم اصطفى من كنانة قريشًا، ثم اصطفى من قريش بني هاشم، ثم اصطفى محمدًا من بني هاشم. فهو خلاصة الخلاصة، وصفوة الصفوة، وزبدة الزبدة، اصطفاه الله تعالى اصطفاءً متتابعًا متدرجًا، حتى بلغ به الغاية في الشرف والنسب.

وقد جاءت رواية أخرى تبين هذا المعنى بصورة أوضح، فعن الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

«إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ فِرَقِهِمْ، وَخَيْرِ الْفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ تَخَيَّرَ الْقَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ قَبِيلَةٍ، ثُمَّ تَخَيَّرَ الْبُيُوتَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا» <رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن، وأحمد>

فالنبي هو خيار من خيار، لم يأتِ من نسبٍ عادي، بل من نسبٍ اصطفاه الله تعالى على علم، واختاره على بصيرة، وطهره من أدناس الجاهلية وأوضارها.

وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: 219] قول ابن عباس رضي الله عنهما: «ما زال النبي يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه» <تفسير ابن كثير، دار طيبة، ج 6، ص 165>

فنسب النبي كله طاهر مطهر، من آدم عليه السلام إلى أبيه عبد الله، لم يصبه سفاح الجاهلية أبدًا، فقد قال :

«خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ، وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ، لَمْ يُصِبْنِي سِفَاحُ الْجَاهِلِيَّةِ» <رواه البيهقي في دلائل النبوة، وأبو نعيم في الحلية، وقال الألباني: صحيح لغيره>

وهذا من كمال اصطفاء الله تعالى له، وتمام عنايته به قبل مولده .

  ثانيًا: اتخاذ الله تعالى لنبيه خليلًا

من أعظم مراتب المحبة التي بلغها النبي عند ربه تعالى أنه اتخذه خليلًا، والخلة هي المرتبة العليا من مراتب المحبة، وقد بلغها نبيان كريمان من البشر: إبراهيم عليه السلام، ومحمد .

فعن جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ:

«إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهَ قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ» <صحيح مسلم (1/ 377 - 378 رقم 532)>

ففي هذا الحديث الشريف يعلن النبي أنه قد اتخذه الله خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، وهذا يدل على عظم منزلة النبي عند ربه، ورفيع مقامه، وسمو قدره.

  ثالثًا: إقامة الله تعالى نبيه مقام ذاته في البيعة

من أعظم الدلائل على مكانة النبي عند ربه أن الله تعالى أقامه في البيعة مقام ذاته، فجعل مبايعة النبي مبايعة لله تعالى، وهذا تشريف عظيم لم يقع لغيره من البشر.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10]

فالآية الكريمة صريحة في أن بيعة النبي هي بيعة لله تعالى، وأن يد الله فوق أيديهم، وهذا تعظيم لأمر النبي ومبايعته، ورفع لشأنه ومقامه.

وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله سبب هذه البيعة، فقال: «والسبب في ذلك أن النبي بعث عثمان ليعلم قريشًا أنه إنما جاء معتمرًا لا محاربًا، ففي غيبة عثمان شاع عندهم أن المشركين تعرضوا لحرب المسلمين فاستعد المسلمون للقتال وبايعهم النبي حينئذ تحت الشجرة على أن لا يفروا وذلك في غيبة عثمان، وقيل: بل جاء الخبر بأن عثمان قتل فكان ذلك سبب البيعة» <فتح الباري 7/59، ص/448، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام 2/315، تاريخ الأمم والملوك 2/631، دلائل النبوة البيهقي 4/134، البداية والنهاية لابن كثير 4/189، الجامع لأحكام القرآن 16/276>

وقد بايع النبي جميع الصحابة الذين كانوا معه بالحديبية لما أشيع أن عثمان قد قتل، ولم يتخلف عن تلك البيعة إلا الجد بن قيس فإنه اختبأ تحت بطن بعيره <صحيح مسلم 3/83>

  رابعًا: جعل الله تعالى نبيه إمامًا للأنبياء في الدنيا

من مظاهر تشريف الله تعالى لنبيه محمد أن جعله إمامًا لجميع الأنبياء عليهم السلام في الدنيا، فقد أمّهم جميعًا في بيت المقدس ليلة الإسراء والمعراج، فصلى بهم النبي إمامًا، وكان ذلك تكريمًا له وتشريفًا، وإعلانًا لمقامه الرفيع عند الله تعالى.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

«وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي: نَفْسَهُ -، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ» <رواه مسلم (168)، والبخاري (3394)، والترمذي (3829)>

فها هو النبي يؤم الأنبياء في صلاتهم، وهذا تشريف عظيم، حيث إن النبي قد تقدم على جميع الأنبياء والمرسلين، وصلى بهم إمامًا، وقد كان هذا من خصائصه ، إذ لم يصل نبيّ خلف نبيّ بعده إلا في هذا الموطن العظيم.

  العنصر الثاني: خصائص النبي العامة التي فضله الله بها على سائر الأنبياء

إن الله تعالى قد فضل نبيه محمدًا بجملة من الخصائص العامة التي لم يعطها لأحد من النبيين عليهم السلام، وهذه الخصائص تدل على عظم مكانته، ورفعة درجته، وسمو منزلته عند ربه تعالى.

  أولًا: الخصائص الست الجامعة

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

«فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» <وأخرجه مسلم (523) (5) في أول كتاب المساجد، والترمذي 4/123 في السير: باب ما جاء في الغنيمة>

فلنقف مع هذه الخصائص الست وقفة تحليلية:

 الخاصية الأولى: جوامع الكلم

إن الله تعالى قد أعطى نبيه جوامع الكلم، ومعنى ذلك أنه أوتي الفصاحة والبلاغة، وأنه يتكلم بالكلام القليل الذي يحتمل معانٍ كثيرة، فيكون كلامه شافيًا وافيًا، لا يحتاج معه إلى إطناب ولا إسهاب.

وقد قال الإمام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: «وقيل: جوامع الكلم: القرآن، واشتهر أنه كان يتكلم بجوامع الكلم، وهي الألفاظ القليلة الدالة على معانٍ كثيرة، وهذا هو المعروف في كتب الحديث» <شرح النووي على صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، ج 5، ص 9>

وهكذا فكلام النبي إذا سمعته يملأ القلب والعقل، ويغني عن كثير من الكلام، وقد قال : «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ» <رواه البخاري>

  الخاصية الثانية: النصر بالرعب

من خصائص النبي أن الله تعالى نصره بالرعب، وذلك بأن يقذف الله تعالى الرعب في قلوب أعدائه من مسيرة شهر، فينهزمون قبل اللقاء، ويفرون من غير قتال.

وهذا من أعظم النصر الذي أعطيه النبي ، فقد قال : «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» <رواه البخاري>

والرعب الذي يقذفه الله في قلوب الأعداء هو نصر عزيز غير مؤونته، إذا امتلأت قلوب الأعداء رعبًا وهيبةً من النبي وأتباعه، فانكفوا عن القتال، وتركوا المقاومة، وسلّموا الأمر لله ولرسوله.

  الخاصية الثالثة: إحلال الغنائم

إن الله تعالى قد أحل لنبيه الغنائم، ولم تحل لنبي قبله، فكانت هذه من الخصائص العظيمة التي خص الله بها هذه الأمة وأكرمها بها.

قال ابن حجر رحمه الله: «وكان من قبلهم يجمعون غنائمهم فتنزل نار من السماء فتأكلها، فكانت الغنائم محرمة عليهم، فأحلها الله لهذه الأمة؛ وذلك لشرف نبيهم وبركته» <فتح الباري، دار المعرفة، ج 6، ص 190>

  الخاصية الرابعة: جعل الأرض مسجدًا وطهورًا

إن من أعظم الخصائص التي خص الله بها النبي وأمته أن جعل الأرض كلها مسجدًا وطهورًا، فيجوز للمسلم أن يصلي في أي مكان من الأرض إذا أدركته الصلاة، ويجوز له أن يتيمم بالصعيد الطيب إذا لم يجد الماء أو عجز عن استعماله.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6]

وهذا التوسيع على الأمة من كرامتها على الله تعالى، وتشريف لها ولنبيها .

  الخاصية الخامسة: إرساله إلى الخلق كافة

لقد أرسل الله تعالى نبيه محمدًا إلى الخلق كافة، إلى الإنس والجن، وإلى الأحمر والأسود، وإلى العرب والعجم، فكانت رسالته عامة شاملة، لا تختص بقوم دون قوم، ولا بزمن دون زمن.

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28]

وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158]

وأما غيره من الأنبياء فكان يبعث كل نبي إلى قومه خاصة، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: 65]، وقال: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: 73]، وأما نبينا فأرسله الله إلى الناس كافة.

 الخاصية السادسة: الختم بالرسالة

من أعظم خصائص النبي أنه خاتم النبيين، فلا نبي بعده أبدًا إلى يوم القيامة، وهذا ثابت بالقرآن الكريم والسنة المتواترة وإجماع الأمة.

قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 40]

وهذه الآية صريحة في أن النبي خاتم النبيين، أي: آخرهم وأكملهم وأفضلهم، فإن الخاتم هو ما يُختم به الشيء فيكتمل، فكان النبي خاتمًا للنبوة، أي: به ختمت واكتملت.

  ثانيًا: تفضيل النبي على جميع الأنبياء والمرسلين

إن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن النبي أفضل الأنبياء والمرسلين عليهم السلام جميعًا، وأنه سيد ولد آدم، وصاحب الوسيلة والمقام المحمود، وقد دل على ذلك الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة.

قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 253]

وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله :

«أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» <رواه مسلم>

وفي حديث آخر:

«أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» <متفق عليه>

فالنبي هو سيد الأولين والآخرين، وقد أجمع العلماء على تفضيله على جميع الخلق، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

  ثالثًا: شفاعة النبي لأهل الموقف

من أعظم الخصائص التي خص الله بها نبيه محمدًا الشفاعة العظمى يوم القيامة، وهي المقام المحمود الذي وعده الله تعالى إياه، فقد جعل الله تعالى الشفاعة العظمى لنبيه ، وهو أول شافع وأول مشفع.

قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]

قال الإمام القرطبي رحمه الله: «قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا} اختلف في المقام المحمود على أربعة أقوال: الأول - وهو أصحها -: الشفاعة للناس يوم القيامة، قاله حذيفة بن اليمان. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثًا، كل أمة تتبع نبيها، تقول: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود» <الجامع لأحكام القرآن، ج 10، ص 309>

فهذا المقام المحمود يحمده عليه كل الخلق، لأنه سبب فك الأزمة، وانفضاض الناس من الموقف للحساب، وله عليه الصلاة والسلام في هذا الموطن شفاعات متعددة:

  شفاعة في استفتاح باب الجنة: فهو أول من يشفع فيفتح له، فيدخل المؤمنون.

  شفاعة في تقديم من لا حساب عليه لدخول الجنة: حيث يشفع في سبعين ألفًا من أمته يدخلون الجنة بغير حساب.

  شفاعة في ناس من الموحدين عندهم معاصٍ وذنوب، استحقوا دخول النار ألا يدخلوها.

  شفاعة في ناس موحدين دخلوا النار أن يخرجوا منها.

  شفاعة في رفع درجات ناس في الجنة.

 شفاعة في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب.

وهذه الشفاعات كلها من خصائص النبي ، وقد أعطاه الله تعالى إياها تكريمًا له  وتشريفاً

 العنصر الثالث: خصائص النبي المتعلقة بأمته ورسالته

إن للنبي خصائص عظيمة متعلقة بأمته ورسالته، وهذه الخصائص تدل على عظم منزلته، وكريم مقامه عند الله تعالى، ورفعة شأن أمته بسببه .

  أولًا: شهادة النبي على أمته

من خصائص النبي أنه شهيد على أمته، يشهد لهم بالإيمان والتوحيد، ويشهد عليهم بما عملوا من خير أو شر.

قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

فالنبي شهيد على أمته يوم القيامة، وهذه شهادة عظيمة من النبي .

  ثانيًا: قرن الله تعالى بين اسمه واسم النبي في الشهادة والأذان

من تشريف الله تعالى لنبيه محمد أنه قرن اسمه الشريف باسمه تعالى في الشهادتين، فلا يصح إسلام المرء إلا إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وقرن اسمه باسمه في الأذان، فلا يُذكر الله تعالى إلا ذُكر معه اسم نبيه .

قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لا يُذكر الله إلا ذُكر معه» <تفسير ابن كثير، ج 8، ص 425>

  ثالثًا: أخذ الميثاق على الأنبياء بالإيمان به

من أعظم الخصائص التي خص الله بها نبيه محمدًا أنه أخذ الميثاق على جميع الأنبياء بأن يؤمنوا به وينصروه إذا أدركوه.

قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]

فهذه الآية صريحة في أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد وينصروه، وهذا من عظيم شرفه ورفيع مقامه.

  رابعًا: خيرة الله تعالى لنبيه عند مرضه

من كرامة النبي على ربه أن الله تعالى خيره عند مرضه بين البقاء في الدنيا والانتقال إلى الرفيق الأعلى، فاختار النبي الرفيق الأعلى.

عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ:

«مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}؛ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ» <أخرجه البخاري (4435) و (4586)، ومسلم (2444) (86)، والنسائي في "الكبرى" (10867)>

فالنبي قد خيره الله تعالى بين البقاء في الدنيا والانتقال إلى الرفيق الأعلى، فاختار الرفيق الأعلى، وهذا من تشريف الله تعالى لنبيه، وإكرامه له، إذ خيره بين شيئين، فاختار ما عند الله.

  العنصر الرابع: خصائص النبي في ذاته وصفاته الخَلقية والخُلقية

إن الله تعالى قد جمع لنبيه محمد صفات الجمال والكمال البشري، وكريم الصفات والأخلاق والأفعال، حتى أبهرت سيرته القريب والبعيد، وتملكت هيبته العدو والصديق، فكان صاحب هيبة تعلوه، ووقار يحيط به، وكان الذي يراه لأول وهلة يرى عليه المهابة والوقار، والذي يخالطه يرى تواضعه ورحمته، ويعرف مكارم وعظم أخلاقه.

  أولًا: كمال الخَلق الظاهر

كان النبي أحسن الناس وجهًا، وأجملهم خِلقة، وأبهاهم منظرًا، وأحلاهم على العيون، وقد شهد بذلك الصحابة رضي الله عنهم، ووصفوه بأدق الأوصاف.

فقد كان على رضي الله عنه إذا نعت رسول الله قال:

«مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ» <الترمذي (3638)، ومصنف ابن أبي شيبة (3180)، وشعب الإيمان للبيهقي (1350)>

وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال:

«وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ. وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ. وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ. لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ. وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» <المسند 4/ 203. ورجاله رجال الصحيح، عدا حبيب، وهو ثقة. ومن طريق شعبة أخرجه الترمذي 4/ 436 (2227) وقال: حسن غريب صحيح، وابن أبي عاصم في السنة 2/ 745 (1110) وصححه الألباني - الصحيحة 3/ 145 (1155)>

فها هو عمرو بن العاص يعبر عن عظيم هيبة النبي في قلبه، وأنه لم يكن يستطيع أن يملأ عينيه منه إجلالًا له، وأنه لو سئل أن يصفه ما أطاق ذلك، لعظم شأنه وجلالة قدره.

وعن زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت:

«وَكَانَ رَسُولُ اللهِ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ» <أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين، ولو كانوا مشركين، ح (45)، (2/ 694). وأخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الزكاة، باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحَجر، ح (1466)، (1/ 121)>

قال الطيبي: «(وكان قد ألقيت عليه المهابة) كان هي التي تفيد الاستمرار، ومن ثم كان أصحابه في مجلسه كأن على رءوسهم الطير، وذلك عزة منه لا كِبْر وسوء خلق، وإن تلك العزة ألبسها الله تعالى إياه صلوات الله عليه لا من تلقاء نفسه».

وعن قيلة بنت مخرمة الغنوية: أنها رأت رسول الله في المسجد وهو قاعد القرفصاء، قالت: «فلما رأيت رسول الله المتخشع أُرعدت من الفرَق» (الخوف والفزع).

قال البيضاوي: «والمعنى: أنه عليه الصلاة والسلام مع اشتهاره بالتخشع، لما رأيته هبته بحيث أُرعدت من الفرَق، وهذا غاية في المهابة، ودليل على أن مهابته أمر سماوي ليس بالتصنع».

وقال الطيبي: «وهو مبالغة لكمال التخشع فيه وإلقاء رداء الهيبة عليه».

وفي «مسند أبي يعلى» عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «إن كان لتأتي عليَّ السنة أريد أن أسأل رسول الله عن شيء، فأتهيب منه».

قال ابن القيم رحمه الله: «والفرق بين المهابة والكِبر: أن المهابة أثر من آثار امتلاء القلب بعظمة الله ومحبته وإجلاله، فإذا امتلأ القلب بذلك، حلّ فيه النور ونزلت عليه السكينة، وأُلبس رداء الهيبة، فاكتسى وجهه الحلاوة والمهابة، فأخذ بمجامع القلوب محبة ومهابة، فحنت إليه الأفئدة، وقرّت به العيون، وأنست به القلوب، فكلامه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، وعمله نور، وإن سكت، علاه الوقار، وإن تكلم أخذ بالقلوب والأسماع. وأما الكِبْر فأثر من آثار العجب والبغي من قلب قد امتلأ بالجهل والظلم، ترحلت منه العبودية ونزل عليه المقت، فنظره إلى الناس شزر، ومشيه بينهم تبختر، ومعاملته لهم معاملة الاستيثار لا الإيثار، ولا الإنصاف، ذاهب بنفسه تيها، لا يبدأ من لقيه بالسلام، وإن رد عليه رأى أنه قد بالغ في الإنعام عليه، لا ينطلق لهم وجهه، ولا يسعهم خلقه، ولا يرى لأحد عليه حقا، ويرى حقوقه على الناس، ولا يرى فضلهم عليه، ويرى فضله عليهم، ولا يزداد من الله إلا بعدا، ولا من الناس إلا صغارا وبغضا».

  ثانيًا: كمال الخُلُق الباطن

إن الله تعالى قد وصف نبيه بأعظم وصف للخلق الحسن، فقال:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

فالخلق العظيم يشمل جميع الصفات الحسنة، والأخلاق الفاضلة، والخصال الحميدة، وقد كان النبي متحليًا بها جميعها، متخليًا عن أضدادها، فكان أحلم الناس، وأشجع الناس، وأعدل الناس، وأعف الناس، وأسخى الناس، وأجود الناس، وأعقل الناس، وأشد الناس حياءً، وأجمل الناس خلقًا وخُلقًا وصوتًا وبهاءً.

وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها عن خُلُق النبي فقالت:

«كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» <رواه مسلم>

أي: أن النبي كان متخلقًا بأخلاق القرآن، فكل ما أمر به القرآن فعله، وكل ما نهى عنه تركه، وكان خلقه العمل بالقرآن، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه.

  ثالثًا: من خصائص النبي : رؤيته من خلفه في الصلاة

من الخصائص العجيبة التي خص الله بها نبيه محمدًا أنه كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه، وهذه من المعجزات الحسية التي انخرقت فيها العادة للنبي .

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

«هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا؟ فَوَاللهِ، مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا سُجُودُكُمْ! إِنِّي لَأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي» <رواه البخاري- انظر الفتح 2 (741). ومسلم برقم (424)>

وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ذَاتَ يَوْمٍ، وَقَدِ انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْنَا فَقَالَ:

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالْقُعُودِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِي، وَايْمُ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ» <وأخرجه مسلم (426) (113)، وأبو يعلى (3957) و (3963)، وابن خزيمة (1602) و (1716)>

قال ابن حجر رحمه الله: «والصواب المختار أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به انخرقت له فيه العادة. وعلى هذا عمل المصنف - البخاري - فأخرج هذا الحديث في علامات النبوة، وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره» <فتح الباري 1 /514>

ونحو ذلك قال الزين بن المنير: «لا حاجة إلى تأويلها، لأنه في معنى تعطيل لفظ الشارع من غير ضرورة».

وقال القرطبي: «بل حملها على ظاهرها أولى، لأن فيه زيادة في كرامة النبي » <فتح الباري 2 /207>

ومن المعلوم أن هذا الأمر مقيد بالصلاة كما هو واضح من نص الحديثين، ولم يرد في السنة ما يشير إلى أنه كان كذلك خارج الصلاة. قال ابن حجر: «وظاهر الحديث أن ذلك يختص بحالة الصلاة» <فتح الباري 1 /515>

  رابعًا: إسلام قرين النبي من الجن

من خصائص النبي العجيبة أن الله تعالى قد أيده في إسلام قرينه من الجن، فقرينه من الجن قد أسلم، وصار لا يأمره إلا بخير.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله :

«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ» قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» <وأخرجه مسلم (2814) (69)، وابن خزيمة (658)، والبيهقي في "دلائل النبوة" 7/100>

قال أهل العلم: «في هذا الخبر دليل على أن شيطان المصطفى أسلم، حتى لم يأمره إلا بخير، لا أنه كان يسلم منه، وإن كان كافرًا. انتهى. والحاصل: أن قرينه أسلم؛ معجزة له حتى لا يكون صاحبه إلا مسلمًا، وإن كان طبيعة الشيطان الكفر، إلا أن هذا من خوارق العادة؛ إكرامًا من الله سبحانه وتعالى لنبيه وتبجيلًا له، وتفضيلًا، قال الله عز وجل: {وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]، وقال تعالى: {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا} [الإسراء: 87]، والله تعالى أعلم» <البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج، ج 43، ص 504>

وهذه الخاصية العظيمة تدل على عظيم منزلة النبي عند الله تعالى، إذ خصه دون سائر الناس بذلك.

  خامسًا: حادث شق صدر النبي

من خصائص النبي أن الله تعالى قد طهر باطنه من حظ الشيطان، وذلك حين شق جبريل عليه السلام صدره الشريف وغسل قلبه بالماء، فكان ذلك من علامات اصطفائه وتطهيره.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه:

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ» <رواه مسلم>

فهذه الحادثة تدل على أن الله تعالى قد طهر نبيه من كل ما يمكن أن يكون للشيطان فيه حظ، فأصبح معصومًا من الشيطان، محفوظًا بحفظ الله تعالى.

  العنصر الخامس: خصائص النبي في الآخرة ومقام الشفاعة العظمى

إن الله تعالى قد خص نبيه محمدًا بخصائص عظيمة في الآخرة، لا يشاركه فيها أحد من الخلق، وهذه الخصائص تدل على علو مقامه، وعظيم منزلته عند الله تعالى.

  أولًا: الوسيلة والمقام المحمود

من أعظم الخصائص التي أعطاها الله تعالى لنبيه الوسيلةُ والمقام المحمود، فقد جعل الله تعالى لنبيه الوسيلةَ، وهي أعلى درجة في الجنة، لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأعطاه المقامَ المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، وهو مقام الشفاعة العظمى.

عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

«مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، إِلَّا حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» <أخرجه البخاري في "صحيحه" (614) و (4719)، وفي "خلق أفعال العباد" (142)، وابن ماجه (722)، والترمذي (211)>

ففي هذا الحديث الشريف حثٌّ من النبي لأمته على سؤال الله تعالى له الوسيلة، وهي منزلة عظيمة في الجنة، وقد أخبر أن من سأل الله له الوسيلة حلت له الشفاعة يوم القيامة، فإذا أردت - يا عبد الله - أن تنال شفاعة رسول الله فسل الله الوسيلة لرسول الله .

 ثانيًا: الشفاعات الخاصة بالنبي

إن للنبي شفاعات متعددة يوم القيامة، وقد سبق بيان بعضها، ومنها:

  الشفاعة العظمى: في أهل الموقف لفصل القضاء بينهم.

  الشفاعة في استفتاح باب الجنة.

  الشفاعة في تقديم من لا حساب عليه لدخول الجنة.

  الشفاعة في ناس من الموحدين عندهم معاصٍ وذنوب، استحقوا دخول النار ألا يدخلوها.

  الشفاعة في ناس موحدين دخلوا النار أن يخرجوا منها.

  الشفاعة في رفع درجات ناس في الجنة.

 الشفاعة في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب.

وهذه الشفاعات كلها من خصوصيات النبي ، وقد أعطاه الله تعالى إياها تكريمًا له وتشريفًا.

  ثالثًا: كون النبي لبنة التمام وزينة الأنبياء

من الخصائص العظيمة للنبي أنه لبنة التمام وزينة الأنبياء، فهو أشرفهم وأجملهم، وبعثته ختمت الرسالات، وتممت البناء الذي بدأه الأنبياء.

عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

«مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا، فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنَهَا، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَكَانَ مَنْ دَخَلَهَا وَنَظَرَ إِلَيْهَا قَالَ: مَا أَحْسَنَهَا إِلَّا مَوْضِعَ هَذِهِ اللَّبِنَةِ! فَأَنَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ، خُتِمَ بِيَ الْأَنْبِيَاءُ» <البخاري (3534)، ومسلم (2287) (3)، والترمذي (2862)>

فالنبي هو هذه اللبنة التي تممت البناء، وهو زينة الأنبياء، وهو خاتمهم، وهو أشرفهم وأفضلهم.

  العنصر السادس: محبة النبي : حقيقتها وعلاماتها وثمراتها

إن محبة النبي من أعظم المطلوبات، وأوجب الواجبات، وأساس من أسس الإيمان الذي لا يقوم إلا به، فالذي لا يحب النبي أكثر من نفسه وماله وولده والناس أجمعين، فإن إيمانه ناقص، وهو على خطر عظيم.

  أولًا: وجوب محبة النبي

إن محبة النبي واجبة على كل مسلم، ولا يصح إيمان المرء إلا بها، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة.

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24]

ففي هذه الآية وعيد شديد لمن قدم شيئًا من هذه المذكورات على محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله، وقد جعل الله تعالى تقديم محبته ومحبة رسوله على هذه الأمور شرطًا في الهداية، وجعل من لم يفعل ذلك من الفاسقين الذين لا يهديهم الله.

وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» <صحيح مسلم (44)، صحيح البخاري (14)>

قال الإمام النووي رحمه الله: «من استكمل الإيمان علم أن حق النبي آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأن به استُنقذنا من النار، وهُدينا من الضلال» <شرح النووي على صحيح مسلم، ج 2، ص 16>

  ثانيًا: حقيقة محبة النبي

إن محبة النبي ليست مجرد كلمات تقال، ولا مشاعر تمر في القلوب فقط، بل هي اتباع لسنته، واقتداء بهديه، وتأدب بآدابه، وعمل بأخلاقه.

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]

 «هذه الآية فيها وجوب محبة الله، وعلاماتها، ونتيجتها، وثمراتها، فقال {قل إن كنتم تحبون الله} أي: ادعيتم هذه المرتبة العالية، والرتبة التي ليس فوقها رتبة فلا يكفي فيها مجرد الدعوى، بل لا بد من الصدق فيها، وعلامة الصدق اتباع رسوله في جميع أحواله في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن، فمن اتبع الرسول دل على صدق دعواه محبة الله تعالى، وأحبه الله وغفر له ذنبه، ورحمه وسدده في جميع حركاته وسكناته» <تفسير السعدي، مؤسسة الرسالة، ج 1، ص 128>

فالمحبة الحقيقية هي التي تظهر آثارها في السلوك والعمل، وتكون دافعًا للطاعة والاتباع، لا مجرد مشاعر جياشة في القلب لا تثمر عملًا.

  ثالثًا: علامات صدق محبة النبي

لمحبة النبي علامات تدل على صدقها، ومن أبرز هذه العلامات:

  العلامة الأولى: اتباع النبي في جميع أحواله

فمن علامات صدق محبة النبي أن يتبع الإنسان سنة النبي في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن، وقد سبق بيان ذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]

 العلامة الثانية: طاعة الرسول

فمن علامات صدق محبة النبي طاعته في كل ما أمر به، واجتناب كل ما نهى عنه.

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71]

وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: 80]

وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7]

ولقد أحسن من قال:

«تَعْصِي الإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا مُحَالٌ فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ

لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ ... إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ أَحَبَّ مُطِيعُ» <لباب الأدب للثعالبي، ص 183>

 العلامة الثالثة: تقديم محبته على النفس والناس أجمعين

فمن علامات صدق محبة النبي أن يكون النبي أحب إلى الإنسان من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين.

عن عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ رضي الله عنه، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ : «لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ» فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ، وَاللهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ : «الْآنَ يَا عُمَرُ» <صحيح البخاري (6632)>

قال ابن حجر رحمه الله: «وقوف عمر أول مرة واستثناؤه نفسه إنما اتفق حتى لا يبلغ ذلك منه فيحلف بالله كاذبًا فلما قال له ما قال تقرر في نفسه أنه أحب إليه من نفسه فحلف. حب الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد حب الاختيار إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه. قلت فعلى هذا فجواب عمر أولًا كان بحسب الطبع ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والآخرة فأخبر بما اقتضاه الاختيار ولذلك حصل الجواب بقوله الآن يا عمر أي الآن عرفت فنطقت بما يجب» <فتح الباري، ج 11، ص 528>

  العلامة الرابعة: كثرة الصلاة والسلام على النبي

فمن علامات صدق محبة النبي كثرة الصلاة والسلام عليه، واللهج بذكره، وتمني رؤيته.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

  العلامة الخامسة: الذب عن سنته وحمايتها

فمن علامات صدق محبة النبي أن يذب الإنسان عن سنة النبي ، ويحميها من التحريف والتبديل، ويدافع عنها ضد أعدائها، ويرد عنها شبه المبطلين وتأويل الجاهلين.

  رابعًا: ثمرات محبة النبي

إن لمحبة النبي ثمرات عظيمة، وفوائد جليلة، ومن أبرز هذه الثمرات:

  الثمرة الأولى: محبة الله تعالى

فمحبة النبي طريق إلى محبة الله تعالى، فمن أحب النبي واتبعه، أحبه الله تعالى.

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]

 الثمرة الثانية: مغفرة الذنوب

فمحبة النبي واتباعه سبب لمغفرة الذنوب، كما في الآية السابقة.

  الثمرة الثالثة: معية النبي في الجنة

فمن أحب النبي كان معه في الجنة، وقد ورد عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ:

بَيْنَمَا أَنَا وَرَسُولُ اللهِ خَارِجَيْنِ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَلَقِينَا رَجُلًا عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ : «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟» قَالَ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: «فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا، بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحًا أَشَدَّ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ : «فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِأَعْمَالِهِمْ. <صحيح مسلم (2639) صحيح البخاري (7153)>

فها هو أنس رضي الله عنه يخبر أن الصحابة رضي الله عنهم ما فرحوا بعد الإسلام فرحًا أشد من فرحهم بقول النبي : «فإنك مع من أحببت»، فهذه بشارة عظيمة لمن أحب النبي أن يكون معه في الجنة.

  الثمرة الرابعة: حلاوة الإيمان

فمحبة النبي تجعل الإنسان يجد حلاوة الإيمان ولذته، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

«ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» <متفق عليه>

  العنصر السابع: واجب الأمة تجاه نبيها

إن للأمة الإسلامية تجاه نبيها واجبات عظيمة، ينبغي أن تكون حاضرة في قلوب المسلمين، ومن أبرز هذه الواجبات:

  أولًا: الإيمان به وطاعته

فأول واجبات الأمة تجاه نبيها الإيمانُ به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر.

قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: 8]

وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7]

 ثانيًا: الاقتداء به في جميع الأحوال

فمن واجبات الأمة تجاه نبيها الاقتداءُ به في جميع الأحوال، والتأسي به في سائر الشؤون.

قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

فالآية الكريمة تقدم النبي أسوةً حسنةً، والأسوة شيء يدخل الحياة، لا شيء يبقى في الكتب.

فالأب الذي يقرأ عن رحمة النبي ، ثم ينتبه إلى طريقة كلامه مع أبنائه، وإلى أثر غضبه في نفوسهم، قد بدأ يأخذ من السيرة نصيبه.

 والزوج الذي يسمع قول النبي : «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» <رواه الترمذي> ثم يسأل نفسه: هل أهل بيتي يرون فيَّ هذا الخير الذي أتحدث عنه؟ فقد بدأ الحديث يتحول إلى محاسبة.

والتاجر حين تكون أمامه صفقة يربح منها بالغش، فيختار الأمانة وهو يعلم ما يفوته من مال؛ هنا يظهر أثر النبي . والموظف حين لا يكون هناك من يراقبه فيتقن عمله، والمسؤول حين يستطيع أن يظلم فلا يظلم، والجار حين يملك القدرة على إيذاء جاره فيكف أذاه، والشاب حين تفتح له الشهوة بابها فيغلقه خوفًا من الله؛ هؤلاء هم الذين يخبروننا ماذا صنعت الرسالة في الإنسان.

لأن أخلاق النبي لا تُختبر في اللحظة التي يتحدث فيها الناس عنها، بل في اللحظة التي يكون فيها الإنسان قادرًا على مخالفتها ولا يراه أحد.

  ثالثًا: احترام النبي وتوقيره وتعظيمه

فمن واجبات الأمة تجاه نبيها احترامُه وتوقيره وتعظيمه، وعدم رفع الصوت فوق صوته، وعدم التقدم بين يديه، وعدم الاستهانة بسنته أو الاستخفاف بها.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1]

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]

 رابعًا: نصرة النبي والذب عنه

فمن واجبات الأمة تجاه نبيها نصرتُه والذبُّ عنه، وردُّ الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام حول شخصه الكريم وسنته المطهرة.

قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157]

 خامسًا: نشر سنته وتعليمها للناس

فمن واجبات الأمة تجاه نبيها نشرُ سنته وتعليمها للناس، والعمل بها، والدعوة إليها.

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]

 سادسًا: التخلق بأخلاق النبي

فمن واجبات الأمة تجاه نبيها التخلقُ بأخلاقه، والسير على دربه، ليكون المسلمون قدوة حسنة في العالمين.

فقد سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله فقالت: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» <رواه مسلم>

فإذا كان خلق النبي القرآن، فمن واجب أمته أن تكون أخلاقها كذلك، حتى تكون أمة القرآن بحق، وأمة النبي بصدق.

  الخاتمة

 أيها الإخوة الكرام:

ها قد طفنا في رياض الشريعة ، وقطفنا من بستان الفضائل النبوية زهراتها، ووقفنا على بعض خصائص النبي التي اختصه الله بها عن سائر الخلق، وأشرفنَا على معاني الاصطفاء والتكريم، وشاهدنا شيئًا من عظمة محبته ووجوبها — حقٌّ علينا أن نقف وقفة تأملٍ ومراجعةٍ للنفس، ومساءلةٍ للقلب: أين نحن من هذه المعاني السامية؟ وأين موقعنا من هذه المضامين الغالية؟

لقد رأينا كيف أن الله تعالى أقام نبيَّه محمدًا مقامَ ذاته في البيعة والطاعة، واتخذه خليلًا من دون العالمين، وجعله إمامًا للأنبياء وخاتمًا للمرسلين، وأعطاه من الخصائص ما لم يعطِ أحدًا من النبيين: فجوامعُ الكلم له، والنصرُ بالرعب مقرونٌ باسمه، والغنائمُ حِلٌّ لأمته، والأرضُ كلها له مسجدٌ وطهور، ورسالتُه عامةٌ خالدة، ومقامُه المحمودُ يومَ القيامة مقامٌ لا ينازعه فيه أحد.

فإذا تقرر هذا كله، فلنعلمْ أن هذه الفضائلَ العظام والمناقبَ الجسامَ ليست مجردَ حقائقَ تاريخيةٍ تُروى، ولا سِيَرًا عطرةً تُتلى وتُنسى، وإنما هي أمانةٌ عظيمةٌ ومسؤوليةٌ جليلةٌ في أعناقنا، إذ إن النبي بعثه الله ليكون أسوةً حسنةً وقدوةً عملية، لا لتكون سيرته مجرد سجلٍّ يُقرأ، بل ليكون هديُه منهجًا يُتَّبع، وخلقُه ميزانًا يُحتكم إليه، وشرعتُه طريقًا يُسلك في كل صغيرةٍ وكبيرة.

وإننا لَنعلمُ أن محبةَ النبي الحقيقيةَ ليست كلماتٍ تُرددها الألسن، ولا قصائدَ تُنشدها المنابر، ولا احتفالاتٍ تُقام في المواسم، بل هي أمانةُ اتباع، وصدقُ امتثال، وإحسانُ اقتداء، وتقديمُ أمره على كل أمر، وحبُّه على كل حب، وإلا كانت دعوى المحبة دعوى عاطلة، وادعاءً بلا دليل.

فلنَجعلْ من هذه الفضائلِ التي سمعناها نبراسًا يُضيء لنا الطريق، ولنَصُغْ من هذه الخصائصِ العظيمةِ برنامجَ عملٍ ننطلق به في حياتنا، فيكونَ النبيُّ حاضرًا في بيوتنا برحمته، وفي معاملاتنا بصدقه، وفي أخلاقنا بحلمه، وفي مسؤولياتنا بعدله، وفي أفراحنا وأتراحنا بشكره وصبره. فذلكم هو الثمرةُ الحقيقيةُ لهذا الحديث، وذلكم هو المقصودُ الأسمى من تذكيرنا بهذه الفضائل.

ألا وإن أعظمَ ما يسرُّ به النبيُّ في أمته أن يرى أثرَ هديه في سلوكهم، وظهورَ سنته في حياتهم، وتحققَ أخلاقه في واقعهم، فإنه قد قال في الحديث الصحيح: «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي فَعُمِلَ بِهَا بَعْدِي كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ» <أخرجه ابن ماجه (210) والترمذي (2677) وقال: حسن صحيح، وابن حبان (41)>

 وختامًا، فإن الواجبَ على كل مسلمٍ عرفَ فضلَ نبيِّه أن يجعلَ من هذا العلمِ عملًا، ومن هذه المعرفةِ سلوكًا، فإن العلمَ إذا لم يثمر عملًا كان حجةً على صاحبه، وإن المعرفةَ إذا لم تُحْدِث تغييرًا كانت وبالًا على صاحبها، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

وبعد، فإن ما ذكرناه في هذه المحاضرة  إنما هو غيض من فيض، وقليل من كثير، وشذرة من ذهب، ونقطة من بحر، ففضل النبي وعظمته ومنزلته لا يمكن أن تستوعبها الكتب، ولا أن تحيط بها المؤلفات، وإنما حسبنا في هذا المقام أن نقف عند شيء من هذه الفضائل، ونعيش مع بعض هذه الخصائص، علّنا بذلك نعرف قدر نبينا ، ونزداد له حبًا، وبه اقتداء، ولسنته اتباعًا.

فالنبي هو سيد ولد آدم، وخير الخلق أجمعين، وخاتم النبيين، وسيد المرسلين، وقائد الغر المحجلين، وصاحب الشفاعة العظمى يوم الدين، اتخذه الله خليلًا، وأقامه مقام ذاته في البيعة، وأعطاه الوسيلة والمقام المحمود، وجعله لبنة التمام وزينة الأنبياء، وخصه بخصائص لم يعطها لأحد من النبيين.

وإن من الواجب علينا أن نعرف هذه الفضائل، وأن نؤدي حق النبي علينا، وذلك بالإيمان به وطاعته، والاقتداء بهديه وسنته، وتوقيره وتعظيمه، ونصرته والذب عنه، ونشر سنته وتعليمها للناس، والتخلق بأخلاقه الكريمة.

 الدعاء 

نسأل الله تعالى أن يرزقنا حبَّه وحبَّ نبيِّه ، وحبَّ كل عملٍ يقرِّبنا إلى حبه، وأن يجعلَ سريرتَنا خيرًا من علانيتنا، وأن يطهِّرَ قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنه سميعٌ قريبٌ مجيب

كما نسأله  أن يجعلنا من المتبعين لسنة نبيه ، المقتفين لأثره، المتمسكين بهديه، وأن يرزقنا شفاعته يوم القيامة، وأن يجعلنا من أهل الوسيلة والمقام المحمود .

اللهم إنا نسألك حبَّك، وحبَّ نبيك محمد ، وحبَّ كل عملٍ يقرِّبنا إلى حبه، وحبَّ كلِّ من أحبَّه، وبغضَ كل عملٍ يباعدنا عن حبه، وبغضَ كلِّ من أبغضه.

اللهم ثبتنا على طاعتك، ووفقنا لاتباع سنة نبيك في أقوالنا وأفعالنا وسرنا وعلانيتنا، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

اللهم ارزقنا شفاعةَ نبيك محمدٍ يوم القيامة، وأوردنا حوضَه، واسقنا من يده الشريفة شربةً هنيئةً مريئةً لا نظمأ بعدها أبدًا، واجعلنا من المرافقين له في الفردوس الأعلى، ومن الجالسين في مجلسه، ومن الآمنين في ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك.

اللهم اجعل القرآنَ العظيمَ ربيعَ قلوبنا، ونورَ صدورنا، وجلاءَ أحزاننا، وذهابَ همومنا وغمومنا، وسائقَنا وقائدَنا إلى جنات النعيم، واجعله لنا في الدنيا قرينًا، وفي القبر مؤنسًا، وعلى الصراط نورًا، وفي الجنة رفيعًا، ومن النار حجابًا وستيرًا.

اللهم أحيِ فينا سننَ نبيك ، وأمتنا على ملته، واحشرنا في زمرته، واجعلنا من أوليائه وحزبه، وارضَ عنا كما رضيت عن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.

اللهم أصلح لنا نياتنا، وطهِّر قلوبنا، وزكِّ نفوسنا، وجمِّل أخلاقنا، ويسِّر أمورنا، وفرِّج همومنا، واكشف كروبنا، واقضِ عنا ديوننا، واشفِ مرضانا، وارحم موتانا، واجعل خيرَ أعمالنا خواتيمها، وخيرَ أيامنا يومَ لقائك.

اللهم اجعلنا ممن صفا لله قلبه، وخلص له عمله، وصدق له في السر والعلن، واجعلنا من الصادقين في محبة نبيك ، العاملين بسنته، المقتفين لآثاره، المتمسكين بهديه إلى يوم نلقاك.

اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلهم هداةً مهتدين، لا ضالين ولا مضلين، واجمع كلمتنا على الحق والهدى، وألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور.

اللهم اشدد بهممنا عزائمنا، وارفع بالقرآن درجاتنا، وثبت بالإيمان قلوبنا، وأعنَّا على طاعتك، وأوزعنا شكر نعمتك، وارزقنا مرافقة نبيك في أعلى جنانك.

اللهم إنا نسألك إيمانًا كاملًا، ويقينًا صادقًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وعملًا متقبلًا، ورزقًا حلالًا طيبًا، وذنبًا مغفورًا، وعيشًا هنيئًا.

اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، ولا تفضحنا بين خلقك، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارضَ عنا، وكن لنا ولا تكن علينا.

اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعًا مرحومًا، وتفرقنا من بعده تفرقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًا ولا محرومًا ولا مطرودًا يا أرحم الراحمين.

اللهم انصرنا على أنفسنا الأمارة بالسوء، وثبتنا على الصراط المستقيم، وأحسن خاتمتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

اللهم تقبل منا صالح أعمالنا، وتجاوز عن سيئاتنا، واغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولمن له حق علينا ولجميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

اللهم اجعلنا من ورثة جنة النعيم، ومن الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون، وارزقنا النظر إلى وجهك الكريم من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين، صلاةً دائمةً بدوام ملكك، لا تنقطع أبدًا، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن زوجاته أمهات المؤمنين، وعن آله وصحبه وأتباعه أجمعين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

  

google-playkhamsatmostaqltradent