أنسِب إلى قدره ما شئت من عِظَم
أولاً: تعظيم النبي ﷺ عبادة واجبة
ثانيًا: صور تعظيم الصحابة للنبي ﷺ
ثالثًا: تعظيم النبي ﷺ باتباع سنته
رابعًا: تعظيم النبي ﷺ بالصلاة والثناء عليه
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خيرته من خلقه،
ونبيه المصطفى، وحبيبه المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان
إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، واعلموا أن أعظم حق أوجبه الله عليكم بعد حقه سبحانه، هو حق نبيكم ﷺ، قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 8-9]. والتعزير: التعظيم والنصر، والتوقير: الإجلال والاحترام .
القصة الافتتاحية: عروة بن مسعود يصف تعظيم الصحابة للنبي ﷺ
أيها المؤمنون، أضرب لكم مثالاً حيًا من مشهد عاشه الصحابة الكرام مع
نبيهم ﷺ، يصفه شاهد عيان من المشركين قبل إسلامه!
لما كان عام الحديبية، وفد عروة بن مسعود الثقفي إلى النبي ﷺ مفاوضًا عن قريش، فلما رجع إلى قريش قال لهم:
"أَيْ قَوْمِ! وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ،
وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا
قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا، وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً
إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا
أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ،
وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ
تَعْظِيمًا لَهُ" [رواه البخاري] .
هذا وصف من لم يؤمن بعد، لكن عينيه رأتا حقيقة الإيمان في قلوب الصحابة! فهذا هو تعظيم الحبيب ﷺ، ليس مجرد كلمات، بل أفعال تترجم حبًا وتقديرًا يفوق كل تصور.
الشرح التفصيلي لكل عنصر
العنصر الأول: تعظيم النبي ﷺ عبادة واجبة
أيها المؤمنون، تعظيم النبي ﷺ ليس أمرًا مستحبًا، بل هو عبادة واجبة، وركن من
أركان الإيمان، بل هو ميزان الإيمان نفسه! .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إِنَّ قِيَامَ الْمَدْحَةِ
وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالتَّعْظِيمِ وَالتَّوْقِيرِ لَهُ، قِيَامُ الدِّينِ كُلِّهِ،
وَسُقُوطُ ذَلِكَ سُقُوطُ الدِّينِ كُلِّهِ" .
والأمر بالتعظيم في القرآن واضح جلي، قال تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 9]، فجعل الإيمان بالله والرسول
مقرونًا بتعظيمه وتوقيره. وليس الإيمان بالرسول مجرد التصديق بوجوده، بل هو محبته وتعظيمه
وإجلاله .
وعن سؤال الصحابة عن حب النبي ﷺ:
سُئِل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ؟ قال: "كَانَ وَاللَّهِ أَحَبَّ إِلَيْنَا
مِنْ أَمْوَالِنَا وَأَوْلَادِنَا، وَآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ
عَلَى الظَّمَأِ" .
وهذا حب يفوق كل محبوبات الدنيا، حتى الماء البارد في شدة العطش! فكيف
بمن يدعي حبه ثم يخالف سنته؟!
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: "وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ
إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ
أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ
مَا أَطَقْتُ، لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ" [رواه مسلم]
.
فانظر إلى هذا الأدب! عمرو بن العاص، الفارس القائد، لا يستطيع أن يملأ
عينيه من النبي ﷺ إجلالًا وتعظيمًا! وهذا هو اللائق بحق سيد الخلق.
العنصر الثاني: صور تعظيم الصحابة للنبي ﷺ
أيها الأحبة، صور تعظيم الصحابة للنبي ﷺ لا تكاد تُحصى، فسيرتهم معه ﷺ كانت تطبيقًا عمليًا لمعنى التعظيم . ومن هذه الصور:
الصورة الأولى: التضحية والفداء في المعارك
في غزوة أحد، أحاط المشركون بالنبي ﷺ، فقال ﷺ: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ،
أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟" فتقدم سبعة من الأنصار، فقاتلوا حتى استشهدوا
عن آخرهم، يدافعون عن نبيهم بأرواحهم .
وكان أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه يحمي النبي ﷺ بنفسه يوم أحد، ويقول: "بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي
يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي
دُونَ نَحْرِكَ" .
الصورة الثانية: الأخذ من شعره ووضوئه تبركًا
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ
ﷺ وَالْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ، وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ،
فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلَّا فِي يَدِ رَجُلٍ" [رواه مسلم]
.
وعند وضوئه ﷺ، كان الصحابة يكادون يقتتلون على ماء وضوئه، يتبركون
به ويتيمنون .
الصورة الثالثة: الأدب في مجلسه
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "كُنَّا إِذَا جَلَسْنَا مَعَ
النَّبِيِّ ﷺ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ"
[رواه البخاري] .
وهذا مثل عربي يضرب لمن يسكت ويخشع، فكانوا جالسين بخشوع وسكينة، لا يتحركون
ولا يرفعون أصواتهم، تعظيمًا له ﷺ.
الصورة الرابعة: قرع الباب بالأظفار
عن أنس رضي الله عنه قال: "إِنَّ أَبْوَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تُقْرَعُ بِالْأَظَافِيرِ" [رواه
البخاري في الأدب المفرد] .
وذلك حرصًا على الأدب، لئلا يحدثوا صوتًا مزعجًا أو يزعجوه ﷺ بتقرع الأبواب بشدة.
الصورة الخامسة: استئذان ابن عباس في الصلاة بجانبه
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: بتُّ عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمتُ عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني
عن يمينه، فلما أقبل على صلاته تأخرتُ، فلما انصرف قال: "مَا شَأْنُك؟"،
قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ حِذَاءَكَ، وَأَنْتَ
رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ؟، قَالَ: فَأَعْجَبْتُهُ، فَدَعَا اللَّهَ
لِي أَنْ يَزِيدَنِي عِلْمًا وَفَهْمًا" [رواه أحمد وصححه الألباني]
.
انظر إلى أدب ابن عباس وهو غلام صغير! يستحي أن يصلي بجانب النبي ﷺ تعظيمًا له، وهذا من فقهه رضي الله عنه.
العنصر الثالث: تعظيم النبي ﷺ باتباع سنته
أيها المؤمنون، أعظم صورة لتعظيم النبي ﷺ هي اتباع سنته والاقتداء بهديه، فمن ادعى حبه وتعظيمه
ثم خالف أمره، فقد كذب في دعواه .
قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ
اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31].
فالاتباع هو ميزان المحبة، وليس بالادعاء المجرد. والمتابعة تستلزم طاعته
فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يُعبد الله إلا بما
شرع .
وقال ﷺ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ"
[رواه مسلم] .
فمن عظَّم النبي ﷺ حق التعظيم، اتَّبع سنته، وعمل بها، ودعا إليها،
وحارب البدع التي تخالفها.
وهذا هو معنى "تعزيره" و"توقيره" في الآية: التعزير
بالنصر والمنعة، والتوقير بالإجلال والاحترام، وذلك لا يكون إلا باتباع ما جاء به
.
وقال الحليمي رحمه الله: "معلوم أنَّ حقوق رسول الله ﷺ أجلَّ وأعظمَ وأكرمَ وألزمَ لنا من حقوق السادات
على مماليكهم، والآباء على أولادهم؛ لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة..."
.
فإذا كان بر الوالدين واجبًا، فكيف بمن كان سببًا في هدايتنا ونجاتنا من النار؟!
العنصر الرابع: تعظيم النبي ﷺ بالصلاة والثناء عليه
أيها الأحبة، من أعظم صور التعظيم الصلاة والسلام على النبي ﷺ، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
[الأحزاب: 56].
وقال ﷺ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا"
[رواه مسلم].
ومن صور التعظيم باللسان:
1. الإكثار من الصلاة والسلام عليه
2. الثناء عليه بما هو أهله من غير غلو
3. التأدب عند ذكره، فلا يُذكر باسمه مجردًا، بل يوصف
بالنبوة أو الرسالة
والبيت الذي اخترناه عنوانًا للخطبة، من قصيدة البردة للإمام البوصيري،
يقول فيه :
وَانْسُبْ إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ
وَانْسُبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمِ
فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ لَهُ
حَدٌّ فَيُعْرِبَ عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ
فهذه الأبيات تعبر عن حقيقة عظيمة، وهي أن فضل النبي ﷺ لا يقدر قدره، ولا يحيط به بشر، فهو ﷺ سيد الخلق وأفضلهم، كما قال ﷺ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ"
[رواه الترمذي].
ولو نظرنا إلى بعض ما أثنى الله به عليه:
· {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]
· {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] - فلا يُذكر
بشر في الدنيا ويُثنى عليه كما يُذكر النبي ﷺ .
فاللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون.
الدعاء
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،
إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،
إنك حميد مجيد.
اللهم إنا نسألك حب نبيك ﷺ، وحب من أحبه، وحب العمل بسنته، وحب لقائه.
اللهم اجعلنا من المتبعين لسنته، المقتدين بهديه، الثابتين على منهاجه،
المتمسكين بحبله المتين.
اللهم زد سيدنا محمدًا شرفًا على شرفه الذي أوليته، وعزًا على عزّه الذي
أعطيته، ونورًا على نوره، وأعلِ مقامه في مقامات المرسلين، ودرجته في درجات النبيين.
اللهم نسألك رضاك ورضاه مع العافية الدائمة، والموت على الكتاب والسنة
والجماعة.
اللهم عظّم في قلوبنا حبه، وألهمنا الأدب معه، ووفقنا لاتباع سنته، واجعلنا
من زواره في الجنة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ملخص النقاط الأساسية
1. تعظيم النبي ﷺ عبادة واجبة، أمر الله بها في القرآن، وهي من شروط
الإيمان.
2. الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أعظم الناس تعظيمًا
للنبي ﷺ، وهذا ظهر في تضحياتهم وأدبهم معه.
3. أعظم صور التعظيم هي اتباع سنته ﷺ والعمل بها، والاقتداء بهديه.
4. الصلاة والسلام عليه والثناء بما هو أهله من صور
التعظيم باللسان.
5. فضل النبي ﷺ لا حدود له، وهو سيد الخلق وأفضلهم، ونسبته إلى
العظمة مهما بلغت فهي دون قدره الحقيقي.