recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة التنمر.. جريمة تهدم الإنسان والمجتمع الشيخ محمودعطا

 التنمر.. جريمة تهدم الإنسان والمجتمع

 


​الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه على كثير ممن خلق تفضيلًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل المسلمين إخوة متحابين ومتراحمين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله رحمة للعالمين، وكان ألين الناس جانبًا، وأطيبهم معشرًا، وأكرمهم خلقًا، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

​أما بعد، فيا عباد الله:

​دعوني أبدأ معكم بهذه الواقعة التي تتكرر في كثير من البيوت:

​طفل عاد من مدرسته متألمًا، ينزوي في غرفته، ويرفض الطعام، ويكره الذهاب إلى المدرسة. لم يُضرَب بآلة، ولم يُسلب ماله، لكنه قُهر بكلمة! كلمة سخرت من شكله، أو تهكمت على لهجته، أو استهزأت بملابسه. كلمة واحدة كسرته من الداخل، وجعلته يرى العالم بيئة معادية.

​هذا الطفل لم يكن ضحية حادث سير، بل كان ضحية لسلوك عدواني متكرر، سلوك يتجاهله البعض ويسميه "مزاحًا"، بينما هو في الحقيقة جناية على النفس والكرامة.

تعريف_التنمر_وأنواعه

​إن هذا السلوك المعاصر يسمى في لغتنا التربوية والنفسية "التنمر"، وهو في حقيقته الشرعية والنفسية: سلوك عدواني متعمد ومتكرر، يستغل فيه الفرد أو المجموعة فارق القوة –سواء كانت بدنية أو اجتماعية أو رقمية– لإلحاق الأذى المادي أو المعنوي بغيره.

​والتنمر ليس صورة واحدة، بل له أشكال متعددة تفتك بالمجتمع:

التنمر_اللفظي:

 كالسب، والشتم، والتنابز بالألقاب، والسخرية من الشكل أو الخلقة.

التنمر_الجسدي:

كالضرب، والدفع، والاعتداء المباشر، أو إتلاف الممتلكات الشخصية.

التنمر_النفسي:

كالإحراج المتعمد أمام الآخرين، والتهديد، ونشر الشائعات الكاذبة.

التنمر_الاجتماعي:

 كالعزل، والإبعاد المتعمد للشخص من المجموعات، والإعراض عنه لكسر خاطره.

 التنمر_الإلكتروني:

 وهو أشدها في عصرنا؛ عبر إرسال الرسائل المسيئة، أو نشر الصور والمقاطع للإهانة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

موقف_الإسلام_والأدلة_الشرعية

​أيها المسلمون:

إن الشريعة الإسلامية الغراء، بنهجها الأزهري الوسطي الذي يضع "بناء الإنسان" في مقدمة المقاصد، حرمت كل صور الأذى والعدوان، وجرمت التنمر قبل أن تعرفه القواميس الحديثة.

​استمعوا إلى القران الكريم وهو يؤسس لأدبيات التعامل البشري، يقول الله تعالى:

​﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة الحجرات: 11].

​تأملوا كيف جعل الله لمز الآخرين كأنه لمز للنفس: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ لأن المجتمع المسلم كَالجَسَدِ الواحد، إذا آذيت أخاك فقد جرحت نفسك!

​وينبهنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الميزان الدقيق لحقيقة الإسلام، فيقول:

​«المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [رواه البخاري ومسلم].

​ويقول صلى الله عليه وسلم موضحًا خطورة الاستهانة بالآخرين: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ» [رواه مسلم].

​وفي خطبة الوداع، أعلنها النبي صلى الله عليه وسلم حرية وكرامة حاسمة: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [رواه البخاري ومسلم].

 التحليل_النفسي_والاجتماعي

​عباد الله:

إذا غصنا في التحليل النفسي لشخصية المتنمر، نجد أنه ليس إنسانًا قويًا كما يظن الناس، بل هو في الغالب شخص يعاني من خلل نفسي، وشعور بقلة التقدير الذاتي، فيسعى لتغطية نقصه بالسيطرة على الآخرين وإيذائهم. وقد يكون المتنمر نفسه ضحية لتفكك أُسري، أو إهانات تلقاها في بيته فصار يفرغها في زملائه.

​أما الضحية، فإن أثر التنمر عليه يكون تدميريًا:

​يفقد ثقته بنفسه وبالآخرين.

​يعاني من القلق الدائم والخوف المنكفئ.

​قد يتراجع مستواه الدراسي أو الوظيفي.

​وقد ينتهي به الأمر إلى اكتئاب حاد يدفعه للتفكير في التخلص من حياته.

​وأما المتنمر نفسه، فإن اعتاد هذا السلوك، تتلبد مشاعره، ويفقد قدرته على التكيف الاجتماعي السليم، ويتحول مع الوقت إلى شخصية عدوانية تجني على نفسها وعلى مجتمعها.

 ربط_الموضوع_بمقاصدالشريعة

​إن حفظ كرامة الإنسان أصلٌ في ديننا، والتنمر يتصادم مباشرة مع مقاصد الشريعة الإسلامية:

​حفظ النفس: لأن التنمر يهدد السلامة النفسية والجسدية للمظلوم، وقد يؤدي للتهلكة.

 حفظ_العقل:

 لأن الضغوط النفسية الهائلة تشوش فكر الإنسان وتسلبه راحة باله وسكينة عقله.

 حفظ_الكرامة:

فالإنسان مكرم بذاته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

 حفظ_المجتمع:

 لأن التماسك الاجتماعي يتهاوى حين تنتشر الضغائن والأحقاد بدل المحبة والتآخي.

 أمثلة_معاصرة_من_الواقع

​إننا نرى صورًا محزنة للتنمر في واقعنا اليوم:

 في_المدارس_والجامعات:

 التندر على الطالب المجتهد، أو السخرية من صاحب الإعاقة، أو عزل زميل بسب ظروفه المادية.

 في_بيئات_العمل:

 الهمز واللمز والتقليل من جهود الزملاء لتهميشهم أو استبعادهم.

 في_الشاشات_ووسائل_التواصل:

 سيل من التعليقات الساخرة والجارحة تحت كتابات أو صور الأشخاص، وظن البعض أن الشاشة الفاصلة بينهما تحميهم من إثم الكلمة، ونُسوا أن اللسان والأنامل سيتكلمان يوم القيامة!

​أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة_الثانية

​الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

​أيها المسلمون:

إن بناء الإنسان وتزكية روح المجتمع يستلزمان الانتقال من التشخيص إلى العلاج، ومن الفهم إلى العمل.

 خمس_رسائل_تربوية_عملية

​إليكم خمس رسائل تربوية يجدر بنا تطبيقها فور خروجنا من هذا الجمع المبارك:

 الكلمة_أمانة: قبل أن تنطق أو تكتب، اسأل نفسك: هل هذه الكلمة تجبر أم تكسر؟

#البيت_هو_المصنع_الأول: علّم ولدك أن القوة في نصرة الضعيف والرحمة به، وليست في التعالي عليه.

 كن_شجاعًا_ولا_تكن_مشاهدًا_صامتًا: إذا رأيت متمرًا يتطاول على غيره، فلا تضحك ولا تشجع، بل انصره بكلمة حق أو بإبلاغ المختصين.

 احترام_التنوع: زرع القناعة بأن اختلاف الأشكال، والألوان، واللهجات، والقدرات هو آية من آيات الله وليس مجالًا للتهكم.

 جبر_الخواطر_عبادة: كلمة طيبة لزميل مكسور الخاطر قد تنقذ حياته وتعيد له الأمل.

 منظومة_الحلول_الشاملة

​ولكي نقضي على هذه الظاهرة، لا بد من تكامل أدوار المؤسسات جميعًا:

 دور_الفرد: بالرقابة الذاتية على اللسان والجوارح.

#دور_الأسرة: بالتربية على الحوار، وإشاعة الحب داخل البيت، ومتابعة الأبناء بوعي دون إهمال أو قسوة.

 دور_المدرسة_والمؤسسات_التعليمية: بتفعيل لوائح الانضباط الحازمة، وتوفير الدعم النفسي للطلاب، وتنشيط الأنشطة الجماعية.

 دور_المسجد: بالتوعية المستمرة، وغرس قيم الأخوة، والتواضع، وجبر الخواطر.

 دور_الإعلام_ووسائل_التواصل: بصناعة محتوى يرفع القيمة الإنسانية، وحظر الحسابات المسيئة، ونشر ثقافة الأمان الرقمي.

​وقفة إيمانية

​تفكروا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [رواه البخاري].

​فكم من كلمة طيّبة أحيت أملًا، وكم من كلمة جائرة قتلت روحًا!

​اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

​اللهم أصلح قلوبنا، وأحسن أخلاقنا، واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

​اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأجرِ الخاطر والجبر على أيدينا.

​اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام.

​اللهم احفظ أبناءنا وبناتنا من كل مكروه وسوء، واجعلهم هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين.

​اللهم احمِ مجتمعاتنا من الفتن والشرور، واجعل مصر وبلاد المسلمين أمنًا أمانًا، رخاءً سخاءً، وسائر بلاد العالمين.

​عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأقم الصلاة.  

 

google-playkhamsatmostaqltradent