وانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ مِن عِظَمِ
١- مولد النور ، وآيات عند مولده - ﷺ .
٢- وجوب محبته - ﷺ .
٣- كيف نحتفل بمولده - ﷺ .
الحمدُ للهِ الذي خصنَا بخيرِ رسلهِ، وأنزلَ
علينَا أكرمَ كتبهِ، وشرعَ لنَا أكملَ شرائعهِ، أحمدهُ سبحانهُ وأشكرهُ، لا أحصي ثناءً
عليهِ، أكملَ لنَا الدينَ، وأتمَّ علينَا النعمةَ، فقالَ جلَّ منْ قائلٍ كريمٍ: ﴿ الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ
دِينًا ﴾ [المائدة: 3]،
وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك
له،
أنتَ إلهَ الخلقِ ربي وخالقي،
بذلكَ ما عمرتُ في الناسِ أشهدُ
تَعَالَيْتَ رَبَّ الناسِ عن قَوْل مَن
دَعا
سِوَاكَ إلهاً، أنْتَ أعْلَى وَأمْجَدُ
لكَ الخلقُ والنعماءُ، والأمرُ كلهُ،
فإيّاكَ نَسْتَهْدي، وإيّاكَ نَعْبُدُ
وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله ،
وصفيه من خلقه وخليله،
أغَرُّ، عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّة ِ خَاتَمٌ
مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ ويُشْهَدُ
وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيّ إلى اسمهِ،
إذا قَالَ في الخَمْسِ المُؤذِّنُ أشْهَدُ
وشقّ لهُ منِ اسمهِ ليجلهُ،
فذو العرشِ محمودٌ، وهذا محمدُ
نَبيٌّ أتَانَا بَعْدَ يَأسٍ وَفَتْرَة
ٍ
منَ الرسلِ، والأوثانِ في الأرضِ تعبدُ
فَأمْسَى سِرَاجاً مُسْتَنيراً وَهَادِياً،
يَلُوحُ كما لاحَ الصّقِيلُ المُهَنَّدُ
وأنذرنا ناراً، وبشرَ جنة ً،
وعلمنا الإسلامَ، فاللهَ نحمدُ
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه
وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
وبعد. . .
- يقول الله تعالي : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ
عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ
آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ
مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران: 164]،
وقال تعالي : (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ
مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ
رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة: 128].
لقد كانت مكة خاصة والدنيا عامة في شهر
ربيع الأول من عام الفيل على موعد مع أمر عظيم كان له تأثيره في مسيرة البشرية كلها،
وسيظل يشرق بنوره على الكون كله، إنه ميلاد النبي محمد ـ ﷺ - الذي كان مولده ميلاد أمة سعدت بميلادها
الأمم، إذ هدى الله به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وفتح الله به أعينًا عميًا،
وقلوبًا غُلفًا، إنه رسول الله ـ ﷺ ـ خليل الرحمن، وصفوة الأنام، أعظم الناس
أخلاقًا، وأصدقهم حديثًا، وأحسنهم وأكثرهم عفوًا، خير من وطئ الثرى، سيد ولد آدم، أول
من تنشق عنه الأرض، وأول من تُفتح له الجنة، قال عنه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ:
" ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله ـ ﷺ
ـ كأن الشمس تجري في وجهه "، وسئل البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ:
" أكان وجه رسول الله ـ ﷺ
ـ مثل السيف؟، قال: لا، بل مثل القمر " .
وقالت أم معبد في بعض ما وصفته به:
" أجمل الناس من بعيد، وأحلاهم وأحسنهم من قريب "،
وفي حديث ابن أبي هالة: " يتلألأ وجهه
تلألؤ القمر ليلة البدر
" .
وقال عنه حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ :
وأفضل منك لم تر عيني ..
وأحسن منك لم تلد النساء
خُلِقْتَ مبرءا من كل عيب ..
كأنك خُلِقْتَ كما تشاء
إن ميلاد نبينا وحبيبنا ـ ﷺ
ـ هو أهم حدث في تاريخ البشرية منذ أن خلق الله الكون، إلى أن يرث الأرض ومن
عليها، وقد وُلِدَ ـ ﷺ
ـ يوم الاثنين بلا خلاف، والأكثرون على أنه لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع
الأول، والمُجْمَع عليه أنه ـ ﷺ
ـ وُلِدَ عام الفيل، وكانت ولادته في دار أبي طالب بشعب بني هاشم .
فعن قيس بن مخرمة ـ رضي الله عنه ـ قال:
( ولدت أنا ورسول الله - عام الفيل ) رواه
البيهقي،
وعن أبي قتادة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول
الله ـ ﷺ ـ سُئِل عن صوم يوم الاثنين، فقال: ( ذاك
يوم وُلِدْتُ فيه، ويوم بُعِثْتُ ـ أو أنزل عليَّ فيه ) رواه مسلم .
وقال ابن عبد البَرِّ: " وُلِدَ ـ
ﷺ
ـ بَعْدَ قُدومِ الفِيلِ بِشَهْرٍ، وقيل بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وقيل بِخَمْسِينَ
يوما
" .
* أحداث سبقت مولد النبي ـ ﷺ
ـ
:
الأمور العظيمة يسبقها من الإشارات والأحداث
ما يكون مؤذنا بقربها، وعلامة على وقوعها، ولم يطرق البشرية حدث أعظم من ميلاد النبي
ـ
ﷺ
ـ، الذي ساق الله على يديه الخير للبشرية بأسرها، وقد سبق مولده ـ ﷺ ـ أحداث عظيمة سجلت في السيرة النبوية
وفي تاريخ البشرية، ومنها
:
ـ حادثة عام الفيل، الذي ولد فيه النبي
ـ ﷺ ـ .
وهذه الحادثة مشهورة ثابتة بالكتاب والسنة:
قال الله تعالى: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ . أَلَمْ
يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ . وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ
. تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ
. فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ }( سورة الفيل من الآية 1: 5 ) .
قال الماوردي: " آيات الملك باهرة،
وشواهد النبوة ظاهرة، تشهد مباديها بالعواقب، فلا يلتبس فيها كذب بصدق، ولا منتحل بحق,
وبحسب قوتها وانتشارها يكون بشائرها وإنذارها، ولما دنا مولد رسول الله ـ ﷺ
ـ تعاطرت آيات نبوته، وظهرت آيات بركته، فكان من أعظمها شأنًا وأشهرها عيانًا
وبيانًا أصحاب الفيل
" .
وقال ابن كثير: " هذه من النعم التي
امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم
الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم آنافهم وخيب سعيهم وأضل عملهم، وردهم
بشرِّ خيبة، وكانوا قوماً نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالاً مما كان عليه قريش من
عبادة الأصنام، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله - ﷺ
- فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال ".
- وفي ليلة مولده ـ ﷺ ـ رأت أمه نوراً خرج منها أضاء لها قصور
الشام، فقد روى ابن هشام في السيرة النبوية، وابن كثير في البداية والنهاية، وصححه
الألباني: " جاء نفر من الصحابة - رضي الله عنهم - إلى رسول الله -ﷺ - فقالوا: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك،
قال: ( نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأتْ أمي حين حملت بي أنه خرج منها
نور أضاء لها قصور الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر ) .
قال ابن رجب: " وخروج هذا النور عند
وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض وأزال به ظلمة الشرك منها،
كما قال تعالى: { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ
اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ
إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }(المائدة الآية:
15 : 16)، وقال تعالى: { فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا
النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(الأعراف الآية:157)
وعن حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ قال:
( والله، إني لغلام يفعةٌ ، ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كلَّ ما سمعت، إذ سمعت يهودياً
يصرخ بأعلى صوته على أطمةً (حصن ) بيثرب: يا معشر يهود! حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا
له: ويلك مالك؟، قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به ) رواه البيهقي وصححه الألباني .
(٢)- إخوة الإيمان والإسلام : إن من أصول دين
الإسلام : محبة النبي- ﷺ - فلا يتذوق العبد حلاوة الإيمان إلا بتمام
محبته - ﷺ .
ففي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه، أن النبي
-ﷺ - قال: ((ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد حلاوة
الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله،
وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذَفَ في النار)).
• بل لا يصل العبد إلى كمال الإيمان إلا بتمام
محبته - ﷺ .
ففي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه،
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده، ووالده،
والناس أجمعين)).
• ومحبته - ﷺ-
من مؤهلات مرافقته يوم القيامة.
فقد روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه، قال:
((جاء رجل إلى رسول الله - فقال: يا رسول الله، متى قيام الساعة؟ فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: ماذا أعددتَ لها؟ قال: يا رسول الله، ما أعددتُ لها كبيرَ صلاةٍ ولا صوم،
إلا أني أحب الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع مَن أَحبَّ، وأنت
مع من أحببتَ؛ يقول أنس: فما رأيت فرح المسلمون بعد الإسلام فرحهم بهذا)).
لقد
أحبه أصحابهُ - رضيَ اللهُ عنهمْ - حبًّا ما سمعَ التاريخُ بمثلهِ. سئلَ عليٌّ
بنُ أبي طالبٍ - رضيَ اللهُ عنهُ - كيفَ كانَ حبكمْ لرسولِ اللهِ - ﷺ - فقالَ: (كانَ واللهِ أحبَّ إلينا منْ
أموالنا وأولادنا وأبنائنا وأمهاتنا ومنَ الماءِ الباردِ على الظمإِ).
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتفقَّد
ويقيس إيمانه؛ فيقول: ((يا رسول الله، لَأَنت أحبُّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له
عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إليَّ من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن
يا عمر))؛ أي: الآن يتحقق الإيمان ويتم.
قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ - رحمهُ
اللهُ -: وأما السببُ في وجوبِ محبتهِ - ﷺ - وتعظيمهِ أكثرَ منْ أيِّ شخصٍ؛. فلأنَّ
أعظمَ الخيرِ في الدنيا والآخرة لا يحصلُ لنا إلا على يدِ النبيِّ - ﷺ - بالإيمانِ بهِ واتباعهِ، وذلكَ أنهُ
لا نجاةَ لأحدٍ منْ عذابِ اللهِ، ولا وصولَ لهُ إلى رحمةِ اللهِ إلا بواسطةِ الرسولِ؛
بالإيمانِ بهِ ومحبتهِ وموالاتهِ واتباعهِ.) اهـ (مجموع الفتاوى 27 ).
أقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ الله العظيمَ
الجليلَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية :
(٣)- الحمدُ لله على إحسانِه، والشكرُ له على
توفيقِه وامتِنانِه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنِه، وأشهدُ
أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، الداعِي إلى رِضوانه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه
وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
وبعد. . .
- يقول الله تعالي : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ
وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [سورة الأحزاب:21].
إنَّ محبةَ الرسولِ - ﷺ - ليستْ مجردَ كلماتٍ ومدائحَ تُلقى منْ
فترةٍ لأخرى ، والإحتفاء به
-
ﷺ ، لا يقتصر علي يوم أو شهر مولده بل ينبغي
أن يكون دائما و موصولاً ، وأن يترجم عمليا . فمحبته عملٌ واستقامةٌ واقتداءٌ، وبذلٌ
وتضحيةٌ لهذا الدينِ؛ وهيَ - كذلكَ - محبةٌ وشوقٌ وحنينٌ، وحبٌّ لهذا الرسولِ الكريمِ
-ﷺ
- وتقتضي هذهِ المحبةُ طاعتهُ وتعظـيمهُ، والتحـاكمُ إلى شريعتهِ، وإتباعِ هديهِ
وسـنتهِ،
والتخلق بأخلاقه وتوقـيرهِ، والدفاعِ عنه،
ونصرتهِ حـيًا وميتًا، والثـناءِ عليهِ بما هوَ أهلهُ.
- فمن علامات ودلائل محبته -ﷺ - توقيره حيًّا وميتًا، وتوقير سُنَّته
-ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ
شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ
وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفتح: 8، 9].
وأثنى الله تعالى عليهم فقال : ﴿ فَالَّذِينَ
آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ
أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157].
- ومنها طاعته فيما أمر ونهى عنه وزجر، والاستجابة
والامتثال لِشَرْعِهِ؛ فقد أوجب الله تعالى علينا طاعته- ﷺ :
قال الله تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ
الْمُبِينُ ﴾ [التغابن: 12].
وأخبر الله تعالى أن طاعة النبي - ﷺ-
هي طاعة لله تعالى، فهما قرينتان؛ فقال تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ
أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ [النساء:
80].
- ومنها ؛ التخلق بأخلاقه - ﷺ .
قال تعالى مادحاً وواصفاً خُلق نبيه الكريم
صلى الله عليه وسلم (( وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ )) [ القلم 4 ]
عن عطاء رضي الله عنه قال: قلت لعبد الله
بن عمرو أخبرني عن صفة رسول الله - ﷺ - في التوراة، قال: أجل والله إنه لموصوف
في التوراة بصفته في القرآن يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً
وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ ولا
غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله
حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا
صمًا وقلوبًا غلفًا - رواه البخاري
سأل سعد بن هشام ، أم المؤمنين عائشة ـ
رضي الله عنها ـ عن خلق النبي ـﷺ -؟ قالت له: ( ألست تقرأ القرآن؟، قال:
بلى، قالت: فإن خلق النبي ـ ﷺ ـ كان القرآن ) ( صحيح مسلم )
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: ومعنى
هذا أنه - ﷺ-
صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجيةً له وخلقاً .... فمهما أمره القرآن فعله
ومهما نهاه عنه تركه، هذا ما جبله الله عليه من الخُلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة
والصفح والحلم وكل خُلقٍ جميل.أ.هـ
وعن أنس رضي الله عنه قال" كان النبي-ﷺ-
أحسن الناس خلقًا" - الحديث رواه الشيخان
وأبو داود والترمذي.
وعن صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت
"ما رأيت أحسن خلقًا من رسول الله- ﷺ- " - رواه الطبراني في الأوسط بإسناد
حسن.
ويقول عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما
ـ:( لم يكن النبي ـ ﷺ
ـ فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن من خياركم أحسنكم
أخلاقا ) (متفق عليه).
- ومن دلائل محبَّته: تمنِّي رؤيته - ﷺ - والشوق إلى لقائِه، وسؤال الله اللَّحاق
به على الإيمان، وأن يجمَعَ الله بينه وبين حبيبِه ونبيِّه - ﷺ - في مُستقَر رحمته.
أخرج مسلمٌ في "صحيحه" عن أبي
هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - ﷺ
- قال: «مِن أشدِّ أمَّتي لي حبًّا: ناسٌ يَكونونَ بَعدي، يودُّ أحدُهُم لَو
رآني بأَهْلِهِ ومالِهِ».
- ومنْ علاماتِ حبهِ - ﷺ -: كثرةُ الصلاةِ والسلامِ عليهِ في كلِّ
وقتٍ وحينٍ،
وفي يوم الجمعة خاصة ففي ذلكَ الراحةُ والطمأنينةُ
والأجرُ والثوابُ، وهوَ دليلٌ على هذا الحبِّ.
عن أوس بن أوس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال،
قال رَسُول اللَّهِ ﷺ: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا
عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي) فقالوا: يا رَسُول اللَّهِ وكيف تعرض صلاتنا
عليك وقد أَرِمْت (قال: يقول بَلِيْتَ) قال: (إن اللَّه حرم على الأرض أجساد الأنبياء)
رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد صحيح.
فاللهمَّ صلِّ وسلمْ وباركْ على نبينا محمدٍ،
وارضَ اللهمَّ عنْ خلفائهِ الراشدينَ، وآلِ بيتهِ الطاهرينَ وعنْ الصحابةِ أجمعينَ،
وعنِ التابعينَ، ومنْ تبعهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، وعنا معهمْ بمنكَ وفضلك ورحمتكَ
يا أرحمَ الراحمينَ.
اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي
هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا،
وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً
لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ
كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، وَنَعُوذُ
بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ
نَعْلَمْ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين .