recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة صنائعُ المعروفِ تقي مصارع السُّوءِ جمع وترتيب ثروت سويف إمام وخطيب

 خطبة الجمعة صنائعُ المعروفِ تقي مصارع السُّوءِ 

 


أولا : صنائع المعروف توجيه رباني و نبوي ( الإحسان)

ثانياً : أبواب الإحسان كثيرة

ثالثاً : لا تبطلوا صداقتكم بالمن والأذي

 

الحمد لله الواحد القهار الذي اصطفى لمحبته الأخيار، ورزقهم الإحسان في القول والعمل آناء الليل وأطراف النهار

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مقلب القلوب والأبصار يخلق ما يشاء ويختار وكل شيء عنده بمقدار

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأطهار، وعلى جميع أصحابه الأخيار، ومن سار على نهجهم ما أظلم الليل وأضاء النهار.

أما بعد

فلقد جاءَت المدرسةُ النبويّة وفي توجيهاتِها المحاسنُ التي لا تتناهى والمبادِئ المثلَى التي لا تُجَارى، كيف وهي مدرسةُ سيّد الثقلين والمبعوثِ رحمةً للخلق أجمعين؟! مدرسةٌ ما أحلَى أن نطيِّبَ الأسماع بتوجيهاتها وأن نطيِّب الأوقاتَ بالعيش معها.

أولا : صنائع المعروف توجيه رباني و نبوي ( الإحسان)

صنائع المعروف وما أدراك ما صنائع المعروف؟ التي يخط بها العبد الصالح في دواوين الصالحات تلك الحسنات العظيمة.

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعهد عجوزًا كبيرةً عمياءَ في بعض نواحي المدينة بالليل، فيسقي لها ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها، فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة؛ كيلا يُسبق إليها، فرصده عمر، فإذا هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي يأتيها وهو يومئذ خليفة؛ (تاريخ الخلفاء؛ للسيوطي، ص 75).

وان منْ أجملِ واعظم تلك التوجيهات قول النبي في الحديث الطبراني في المعجم الاوسط عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ، وَالصَّدَقَةُ خَفِيًّا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ زِيَادَةٌ فِي الْعُمُرِ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَأَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ»

صنائع المعروف وما أدراك ما صنائع المعروف؟ التي غفر الله بها الذنوب، وستر بها العيوب وفرج بها الهموم والغموم والكروب، فيا لله من أقوام عاملوا الله جل وعلا بهذه الأعمال الصالحة، خرجوا وقد ملئت دواوين أعمالهم بالحسنات الباقية، إنه الأجر الذي يتقدم الإنسان إلى الدار الآخرة، إنها مزارع الآخرة التي يحصدها الإنسان في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.

تقولُ السيدة خديجةُ رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم -: (( كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ )) . رواه البخاري من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

فانظُرْ كيف استدلَّتْ بمحاسنِ الأفعالِ على حُسْنِ العواقبِ، وكَرَمِ البدايةِ على جلالِة النهايةِ.

وان من نعمة الله على عبده أن يشرح صدره للطاعة، ويكمل ذلك عليه بنعمة مكارم الأخلاق، فيصير للخيرات سباقاً، ولطاعة ربه ورحمته تواقاً ومشتاقاً، حتى يص ير مفتاحاً من مفاتيح الخيرات، وسبباً من أسباب الرحمات، مستجمعاً لصنائع المعروف التي تفرج هموم المسلمين، وتعين الفقراء والمساكين.

عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه ( اصنعِ المعروفَ في أهلِه وفي غيرِ أهلِه فإن أصبتَ أهلَه فهو أهلُه وإن لم تُصِبْ أهلَه فأنت من أهلِه )

 اذا أتاك المهموم أو صاحب الحاجة أو المغموم فاعلم أن له فضلاً عليك يوم اختارك من بين الناس لهمه وغمه.

ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما : ما سألني صاحب حاجة حاجته إلا اعتقدت الفضل له أن اختارني من بين الناس . اختارك من بين الناس لحزنه، واختارك من بين الناس لهمه وغمه، فأعطه من الحنان وأعطه من الرحمة والإحسان فوق ما يرجوه منك.

فإذا رزق الله الإنسان إخلاص العمل ورزقه قلباً رقيقاً بعباد الله رحيماً رفيقاً؛ تهيأت له أبواب الخيرات وتيسرت له سبل المكرمات جعلنا الله وإياكم منهم.

وفي كتاب «المنتظم» لابنِ الجوزي، و «الفَرَجِ بعد الشِّدَّةِ» للتنوخي  قصة رغيف الخبز

وهي أن رجلاً من الصالحين عرض له وزير فاجر -وزير من وزراء بني العباس- فحكم عليه بعذاب مهين، فلما كان الوزير ينام في الليل قبل أن ينفذ هذا الحكم كان ينتفض خائفاً من المنام، فينام وإذا بامرأة تشير أمامه في المنام بقطعة خبز، وإذا بهذا الرجل الذي حكم عليه الوزير جالس هناك، كلما أراد الوزير أن يعمد إليه وإذا بهذه المرأة تمنع الوزير بقرص من الرغيف، وبعد ثلاث ليال ما كان ينام فيها، استدعى الرجل وقال: أسألك بالله! قال: لماذا؟ قال: رأيت رؤيا أريدك أن تخبرني بها؟ قال: قلي، قال: بعدما حكمت عليك وأودعتك السجن وأردت أن أنفذ عليك العقوبة رأيت كأن عجوزاً تحول بيني وبينك برغيف وكأنك جالس هناك، قال: أما وقد سألتني فوالله ما نمت ليلة إلا وقرص خبز عند رأسي كانت تصنعه أمي وتجعله عند رأسي، فإذا أتى الصباح تصدقت به على المساكين، فلما كبرت وحضر أمي الموت، قالت: يا بني! لا تترك الوصية، قلت: ماذا؟ قالت: هذا الرغيف لا تتركه أبداً، اصنع رغيفاً واجعله عند رأسك وأعطه المساكين، فإن الله يمنعك [[فإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء]] قال: فوالله ما مرت عليَّ ليلة وأردت أن أنام إلا ووضعت هذا الرغيف عند رأسي وأعطيه المساكين، قال الوزير: والله لا تمسك مني عقوبة أبداً، ثم عفا عنه. وقد ذكرها ابن كثير لمن أراد أن يعود إليها: [[فصنائع المعروف تقي مصارع السوء]

ثانياً : ابواب الإحسان كثيرة

أيها الأحبة في الله: إن دروب الخير كثيرةٌ وحوائجُ الناس متنوعة: إطعامُ جائع وكِسوةُ عاري وعيادةُ مريض وتعليمُ جاهل وإنظارُ معسر وإعانةُ عاجز وإسعافُ منقطع، تطردُ عن أخيك همًا وتزيلُ عنه غمًا، تكفُل يتيمًا وتواسي أرملة، تُكرمُ عزيزَ قوم ذلّ وتشكرُ على الإحسان وتغفرُ الإساءة، تسعى في شفاعة حسنة تفكّ بها أسيرًا وتحقن به دمًا وتجُرُّ بها معروفًا وإحسانًا، وشهادةُ حق تردُّ وتحفظُ بها حقًا لمظلوم. كلُّ ذلك تكافلٌ في المنافع وتضامنٌ في التخفيف من المتاعب، تنفيسٌ للكروب ودفعٌ للخطوب، وتصبيرٌ في المضائق وتأمينٌ عند المخاوف، وإصلاحٌ بين المتخاصمين، وهدايةٌ لابن السبيل، فإن كنتَ لا تملكُ هذا ولا هذا فادفع بكلمة طيبة وإلا فكفَّ أذاك عن الناس، فإنه صدقةٌ منك على نفسك.

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبَهم…فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ

والشحيحُ البخيلُ كالحُ الوجه، يعيشُ في الدنيا عيشةَ الفقراء، ويحاسَبُ يوم القيامة حسابَ الأغنياء، فلا تكن ـ أيها الموسِرُ القادرُ ـ خازنًا لغيرك.

لذلك أيها الأحبة في الله! كل مؤمن صالح ينظر في كتاب الله أو يقرأ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد تلك الأبواب أمام عينيه مفتحة، يجد أمام عينيه الخيرات مؤهلة، تلك الخيرات وتلك الرحمات التي ندب الله إليها الصالحين والصالحات، فقال في كتابه: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148].

قضاء حوائج الناس

معاشر الإخوة: إن الله برحمته حين خلق المعروف خلق له أهلاً، فحبَّبه إليهم، وحبَّب إليهم إسداءه، وجَّههم إليه كما وجَّه الماء إلى الأرض الميتة فتحيا به ويحيا به أهلها، وإن الله إذا أراد بعبده خيراً جعل قضاء حوائج الناس على يديه، ومن كثرت نعم الله عليه كثر تعلق الناس به، فإن قام بما يجب عليه لله فيها فقد شكرها وحافظ عليها، وإن قصَّر وملَّ وتبرَّم فقد عرَّضها للزوال ثم انصرفت وجوه الناس عنه.

وقد ورد في الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ " شعب الايمان

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَأَسْبَغَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ إِلَيْهِ فَتَبَرَّمَ، فَقَدْ عَرَّضَ تِلْكَ النِّعْمَةَ للزَّوَالِ» المعجم الاوسط

 وإن في دين الله - يا عباد الله - شرائع محكمةً لتحقيق التواصل والترابط، تربي النفوس على الخير، وترشد إلى بذل المساعدات وصنائع المعروف.

ففي الخبر الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ » مسلم

ولعِظَم الأمر ودقَّتِه – أيها الإخوة – فقد قال أهل العلم: إن تفريج الكروب أعظم من تنفيسها؛ إذ التفريج إزالتها، أما التنفيس فهو تخفيفها، والجزاء من جنس العمل، فمن فرج كربة أخيه فرج الله كربته، والتنفيس جزاؤه تنفيس مثله.

التيسير

والتيسير على المعسر في الدنيا جزاؤه التيسير من عسر يوم القيامة، وحسبك في يومٍ قال فيه ربُّ العزة: فذلك يومئذٍ يومٌ عسير على الكافرين غير يسير [المدثر:9-10].

وفي صحيح مسلم عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ، فَقَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ»،

وروي البخاري عن هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ "

والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً. وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعباده. وصنائع المعروف تقي مصارع السوء.

ولقد قال بعض الحكماء: أعظم المصائب أن تقدر على المعروف ثم لا تصنعه.

الصدقة تطفئ الخطيئة

نعم أيها الإخوة: كل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة.

والصدقة تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، والمال إن لم تصنع به معروفاً أو تقضي به حاجة وتدخر لك به أجراً فما هو إلا لوارث أو لحادث. وصنائع البر والإحسان تُستعبد بها القلوب

كان عليّ بن الحسَين رضي الله عنه وعن أبيه وعن جدّه يحمِل الخبزَ باللّيل على ظهرِه يتتبّع به المساكين في الظلمَة ويقول: "إنّ الصّدقةَ في سوادِ اللّيل تطفِئ غضَبَ الربّ"  قال محمد بن إسحاق رحمه الله: "كان ناسٌ مِن أهل المدينةِ يعيشون لا يدرون من أينَ كان معاشُهم، فلمّا مات عليّ بن الحسين فقَدوا ذلك الذي كانوا يُؤتَونَ بالليل فعلِموا أنه منه، ولهذا قيل: كان يعول مائةَ أهل بيتٍ من المدينة" وعن شعبةَ رحمه الله قال: "لما توفِّي الزبير لقِيَ حكيم بنُ حزام عبدَ الله بن الزّبير فقال: كم ترك أخي من الدّين؟ فقال: ألفَ ألفٍ، قال: عليَّ منها خمسمائة ألف.

أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: ((تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة))

والشحيح البخيل كالح الوجه يعيش في الدنيا عيشة الفقراء ويحاسب يوم القيامة حساب الأغنياء، فلا تكن أيها الموسر القادر خازناً لغيرك.‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

حكاية

صنائع المعروف تقي مصارع السوء

يذكر أن رجل يسمى ابن جدعان -:

تصدق بأحب ماله إليه وكانت ناقة إلى جار فقير الحال له سبع بنات ...

فرح الجار الفقير فكان يشرب هو و بناته من لبنها و لما جاء الصيف بجفافه وقحطه تشققت الأرض خرج ابن جدعان مع البدو يرتحلون يبحثون عن الماء والكلأ في الدحول و هي حفر في الأرض توصل إلى محابس مائية و دخل إلى أحدها ليُحضر الماء حتى يشرب وأولاده الثلاثة خارج الدحل ينتظرون فضاع تحت الدحل ولم يعرف الخروج ...

وانتظر أبناؤه يومًا ويومين وثلاثة حتى يأسوا قالوا -:

لعل ثعبانًا لدغه ومات … لعله تاه تحت الأرض وهلك … فذهبوا إلى البيت وقسموا الميراث فقام أوسطهم وقال أتذكرون ناقة أبي التي أعطاها لجاره إن جارنا هذا لا يستحقها ّ.ّ..

فأخذوا بعيرًا أجربًا ليعطوه للجار بدل الناقة فقال الجار -: إن أباكم أهداها لي ... أتعشى وأتغدى من لبنها ...

فاللبن يُغني عن الطعام والشراب كما يُخبر النبي فقالوا -: أعد لنا الناقة خيرٌ لك وخذ هذا الجمل قال -:

أشكوكم إلى أبيكم ...

قالوا -: اشكِ إليه فإنه قد ما ...

قال -: مات ...

كيف مات ؟؟؟؟؟ ولما لا أدري ؟؟؟؟؟

قالوا -: دخل دِحلاً في الصحراء ولم يخرج ...

قال -: اذهبوا بي إلى هذا الدحل ثم خذوا الناقة وافعلوا ما شئتم ولا أريد جملكم ...

فذهبوا به إلى المكان الذي دخل فيه صاحبه الوفي وأحضر حبلاً وأشعل شعلةً ونزل يزحف حتى وصل إلى مكان يحبوا فيه ...

وإذا به يسمع أنين الرجل فوضع يده فإذا هو حي يتنفس بعد أسبوع من الضياع ...

حمله خارج الدحل وأعطاه التمر وسقاه وحمله على ظهره وجاء به إلى داره ...

ودبت الحياة في الرجل من جديد وأولاده لا يعلمون ...

قال -: أخبرني بالله عليك أسبوعًا تحت الأرض وأنت لم تمت

قال -: سأحدثك حديثًا عجبًا بعد ثلاثة أيام فقدت الأمل

و سلمت أمري إلى الله وإذا بي أحس بلبن يتدفق على لساني فاعتدلت فإذا بإناء في الظلام لا أراه يقترب من فمي فأرتوي ثم يذهب كل يوم ثلاث مرات ولكن منذ يومين انقطع لا أدري ما سبب انقطاعه ؟؟؟؟؟

يقول -: فقلت له لو تعلم سبب انقطاعه لتعجبت ...

ظن أولادك أنك مت و سحبوا الناقة التي كان يسقيك الله منها ...

والمسلم في ظل صدقته وكما قال -:

(صنائع المعروف تقي مصارع السوء) ...

لو علم المتصدق حقّ العلم وتصور أن صدقته تقع في يد الله قبل يد الفقير لكانت لذّة المعطي أكبر من لذة الآخذ ..

أيها الإخوة الأحباب: إن صفو العيش لا يدوم، وإن متاعب الحياة وأرزاءها ليست حكراً على قومٍ دون قوم، وإن حساب الآخرة لعسير، وخذلان المسلم شيء عظيم.

والمسلمون هانوا أفراداً وهانوا أمماً حين ضعفت فيهم أواصر الأخوة، ووهت فيهم حبال المودة. عندما تستحكم الأنانيات وتستغلق المسالك على أصحاب الضوائق.

بل إن بعض غلاظ الأكباد وقساة القلوب ينظرون إلى الضعيف والمحتاج وكأنه قذى في العين.. يزلقونه بأبصارهم في نظرات كلها اشمئزاز واحتقار. ألا يعتبر هؤلاء بأقوام دار عليهم الزمان وعَدَت عليهم العوادي، واجتاحتهم صروف الليالي... فاستدار عزهم ذلاً، وغناهم فقراً، ونعيمهم جحيماً؟‍‍‍‍‍‍‍‍.

فاتقوا الله رحمكم الله وأصلحوا ذات بينكم، ولتكن النفوس سخية، والأيدي بالخير ندية، واستمسكوا بعرى السماحة وسارعوا إلى سداد عوز المعوزين، ومن بذل اليوم قليلاً جناه غداً كثيراً.. تجارة مع الله رابحة، وقرض لله حسن مردود إليه أضعافاً مضاعفة.. إنفاق بالليل والنهار والسر والعلن: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُم عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:274].

ولما سئل نبينا عن أحب الناس إلى الله وأحبِّ الأعمال إلى الله، روى ابن عمرَ رضي الله عنهما أنّ رجلاً جاء إلى النبيّ فقال: يا رسولَ الله، أيُّ الناسِ أحبّ إلى الله؟ وأيّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله؟ فقال رسولُ الله : ((أحبُّ الناسِ إلى الله تعالى أنفعُهم للنّاس، وأحبّ الأعمال إلى الله سرورٌ يدخِله إلى مسلمٍ أو يكشِف عنه كربةً أو تقضِي عنه دينًا أو تطرُد عنه جوعًا، ولأن أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ أحبّ إليّ مِن أن أعتكِفَ في هذا المسجد ـ يعني مسجدَ المدينة ـ شهرًا، ومن كفَّ غضبَه سترَ الله عورته، ومن كظمَ غيظَه ولو شاء أن يمضيَه أمضاه ملأَ الله قلبَه رجاءً يومَ القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى تتهيّأ له أثبتَ الله قدمَه يوم تزول الأقدام، وإنَّ سوءَ الخلُق ليفسِد الدّين كما يفسِد الخلُّ العسل)) حديث رواه الطبرانيّ في الكبير وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج وغيرهما، وسنده حسن عند المحقّقين من المحدّثين

الحِرص بقدرِ الإمكان على عونِ المسلم في تنفيسِ كربَتِه أو قضاءِ دينِه أو طَرد جوعِه، قال : ((أطعِموا الجائعَ، وعودوا المريضَ، وفكّوا العاني)) رواه البخاري ويقول : ((ألا رجلٌ يمنَح أهلَ بيتٍ ناقةً تغدو بعُسّ ـ أي: قدحٍ كبير ـ وتروح بعسٍّ، إنَّ أجرها لعظيم)) متفق عليه.

وخيرُ عبادِ الله أنفعهم لهم…رواه من الأصحاب كلُّ فقيه

وإن إله العرش جلّ جلالُه…يُعينُ الفتى ما دامَ عون أخيه

المسلمون اليوم هانوا أفرادًا وهانوا أُممًا، حين ضعفت فيهم أواصِرُ الأخوة، ووهتْ فيهم حبالُ المودة، استحكمتْ فيهم الأنانيات، وساد حب الذات، فوقعت الآفات، ومحقت البركات، ((وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)).

أيها الإخوة المؤمنون، ليس للمعروف حدّ، بل لا يقتصر بذل المعروف على بني آدم، فحتى البهائم والحيوان في بذل المعروف لها أجر، فالرحمة في ديننا شملت البهائم حتى القطط والكلاب، قال رسول الله : ((دخلت امرأة النار في هرّة؛ حبستها لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض))، وفي صحيح مسلم: ((إن امرأة بغيًا رأت كلبًا في يوم حار يطيف في بئر قد أدلَعَ لسانه من العطش، فنزعت له موقها ـ أي: خفها ـ فسقته فغُفر لها)).

فيا عباد الله، إن كانت الرحمة وبذل المعروف لكلب من امرأةٍ بغي أوجب لها ما أوجب، ألا تكون الرحمة وبذل المعروف والإحسان للمسلمين أعظم وأنفع؟! فالمعروف وصنائع المعروف تثمر حتى مع البهائم العجماوات.

يذكر الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عند حديثه عن الإمام القدوة العالم الجليل شيخ الإسلام في زمانه سفيان الثوري رحمه الله قال: يقول أبو منصور: بات سفيان الثوري في هذا البيت، وكان هنا بُلبل لابني، فقال سفيان: ما بال هذا محبوسًا؟! لو خُلّي عنه، قال: فقلت: هو لابني وهو يهبه لك، قال سفيان: لا، ولكن أعطيه دينارًا، قال: فأعطاه دينارًا وأخذ البلبل وخلّى عنه. يقول أبو منصور: فكان البلبل يذهب يرعى فيجيء بالعشي ـ آخر النهار ـ فيكون في ناحية البيت، فلمّا مات سفيان الثوري تبع البلبل معنا جنازته ـ سبحان الله العظيم ـ فكان البلبل يضطرب على قبره، ثم اختلف بعد ليالٍ إلى قبره، فكان ربما بات عند القبر، وربما رجع إلى البيت، ثم وجدوه ميتًا عند قبر سفيان الثوري رحمه الله، فدفن عنده.

هكذا يصنع المعروف مع الطير والبهائم فكيف مع بني الإنسان؟! كيف مع إخواننا المسلم

البر لا يبلي والذنب لا ينسى والديان لا يموت اعمل ما شئت كما تدين تدان وبالكيل الذي تكيل به يكتال لك والتائب من الذنب كمن لا ذنب له

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم رب العرش العظيم لي ولكم

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفي لا سيما سيدنا محمد المصطفي صلى الله عليه وسلم

أما بعد

فإذا أحسن أحدكم لأحد أو تصدق بصدقة فلتكن خالصة لوجه الله ولا تشعر اخاك بأنه ضعيف أو محتاج

فَالْمَعْرُوفُ لَا يُجَمَّلُ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: تَصْغِيرُهُ وَتَعْجِيلُهُ وَسَتْرُهُ، قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ شُبْرُمَةَ: فَعَلْتَ بِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، وَأَعْطَيْتَ فُلَانًا كَذَا وَكَذَا فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِي الْمَعْرُوفِ إِذَا أُحْصِيَ.

فَحَافِظُوا عَلَى إِحْسَانِكُمْ بِالْكِتْمَانِ وَالْخَفَاءِ وَرَاعُوا مَشَاعِرَ إِخْوَانِكُمْ عِنْدَ الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ.

ثالثاً: لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى

عباد الله : إِنَّ الْمَنَّ خَصْلَةٌ ذَمِيمَةٌ وَخَلَّةٌ لَئِيمَةٌ يَتَعَرَّضُ مَنْ تَلَبَّسَ بِهَا لِبُطْلَانِ مَعْرُوفِهِ وَمَحْقِ أَجْرِ بَذْلِهِ وَعَطَائِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: )قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ( [البقرة:263-264] فَالْمَنُّ كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَالْمَانُّ مُتَوَعَّدٌ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى» [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ].

قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ مَنَّ بِمَعْرُوفِهِ سَقَطَ شُكْرُهُ، وَمَنْ أُعْجِبَ بِعَمَلِهِ حَبِطَ أَجْرُهُ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-:

لَا تَحْمِلَنَّ لِمَنْ يَمُـــــنُّ        مِنَ الْأَنَامِ عَلَيْــكَ مِنَّـــهْ

وَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ حَظَّهَـــا        وَاصْبِرْ فَإِنَ الصَّبْرَ جُنَّهْ

مِنَنُ الرِّجَالِ عَلَى الْقُلُو       بِ أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ الْأَسِنَّهْ

فَلْيَحْذَرْ صَاحِبُ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَنِّ؛ فَإِنَّهُ مُفْسِدٌ لِلْعَمَلِ، وَمُوغِرٌ لِلصَّدْرِ وَمُحْبِطٌ لِلْأَجْرِ.

وَالْعَرَبُ تَمْدَحُ مَنْ يَنْسَى الْمَعْرُوفَ وَلَا يَذْكُرُهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

يَنْسَى الَّذِي كَانَ مِنْ مَعْرُوفِهِ أَبَدًا      إِلَى الرِّجَالِ وَلَا يَنْسَى الَّذِي يَعِدُ

قَالَ رَجُلٌ لِمُسْلِمِ بْنِ قُرَيْشٍ: لَا تَنْسَ حَاجَتِي أَيُّهَا الْأَميرُ، فَقَالَ: لَنْ أَنْسَاهَا إِلَّا إِذَا قَضَيْتُهَا.

هذا وصلوا وسلموا تسليما كثيرا على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ

  

 

google-playkhamsatmostaqltradent