recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة نَبِيُّ الرَّحْمَةِ الشيخ محمدالسنهوري

  نَبِيُّ الرَّحْمَةِ


رحمة الله تعالى بالنبي وإرساله رحمة للعالمين.

  مظاهر الرحمة في شخصية النبي .

  رحمته بالأطفال والضعفاء والفقراء وأصحابه.

  رحمته حتى بمن أساء إليه وخالفه.

  كيف نقتدي بنبي الرحمة في واقعنا المعاصر؟

 

الحمد لله رب  العالمين، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق رحمةً للعالمين، نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإن تقوى الله خير زاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا   يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: 70-71].

أيها المسلمون، حديثنا اليوم عن شخصية عظيمة، عن نبي كريم، عن رحمة أرسلها الله تعالى إلى البشرية كلها، عن سيدنا محمد ، الذي قال الله تعالى في وصفه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. 

تأملوا يا عباد الله هذا التعبير العظيم: ﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، فلم يقل الله سبحانه رحمة للمؤمنين وحدهم، وإنما قال: لِلْعَالَمِينَ؛ لأن رحمته شملت الإنسان والحيوان، والقريب والبعيد، والصغير والكبير، والضعيف والقوي، بل وحتى من خالفه وآذاه.❤ 

وقد امتن الله تعالى على المؤمنين ببعثة النبي فقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: 164].

وقال سبحانه في وصف رحمته ورأفته بأمته: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. 

أيها الأحبة، إن من أعظم صفات نبينا الرحمة، وما أحوجنا اليوم إلى أن نتعلم من رحمته كيف نتعامل مع الناس، وكيف تكون الرحمة خلقًا وسلوكًا لا مجرد كلمة نقولها

لقد كان النبي رحيمًا بالأطفال؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قبّل الحسن بن علي رضي الله عنهما، فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فقال رسول الله : «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» متفق عليه. 

وكان يرحم الطفل حتى وهو في الصلاة؛ فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي، كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» رواه البخاري.

الله أكبر! هذه هي الرحمة التي تراعي مشاعر الأم، وتسمع بكاء الطفل، وتراعي ظروف الناس

وكان رحيمًا بالضعفاء والمساكين، فقال: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» متفق عليه.

وكان رحيمًا بالخدم، فقال أنس رضي الله عنه، وقد خدم النبي عشر سنين: «مَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ لِمَ فَعَلْتَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ أَلَا فَعَلْتَهُ» متفق عليه 

فأي رحمة أعظم من هذه؟ عشر سنوات يخدمه أنس رضي الله عنه، فلم يكن النبي فظًّا ولا غليظًا، ولم يكن يجرح مشاعره، ولم يكن يهينه أمام الناس 

ولذلك قال الله تعالى في حقه : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

عباد الله، ومن أعظم صور رحمته رحمته بأمته وحرصه عليها

كان يخشى أن يشق على أمته، وكان يقول: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» متفق عليه.

وكان إذا علم أن أمرًا قد يشق على الناس تركه خشية المشقة عليهم.

بل انظروا إلى قلبه وهو يدعو لمن آذاه! لما آذته قريش، ولما اشتد عليه الأذى، جاءه ملك الجبال وقال له: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين، فلم ينتقم لنفسه ، وإنما قال: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» متفق عليه. 

الله أكبر! هكذا تكون الرحمة.

وفي يوم فتح مكة، وقد أصبح الذين آذوه وأخرجوه وحاربوه بين يديه، لم يجعل فتحه وسيلة للانتقام، وإنما قال لهم: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ». 

أيها المسلمون، الرحمة في الإسلام ليست ضعفًا، وليست عجزًا، وليست تنازلًا عن الحق، وإنما الرحمة قوة أخلاقية عظيمة، تجعل الإنسان قادرًا على العفو عندما يستطيع الانتقام، وقادرًا على الحلم عندما يستطيع الغضب.

وقد أخبرنا النبي أن الرحمة سبب لرحمة الله، فقال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» رواه الترمذي.

وقال : «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» متفق عليه

فيا عباد الله، أين رحمتنا في بيوتنا؟ أين الرحمة بين الزوج وزوجته؟ أين الرحمة بين الآباء والأبناء؟ أين الرحمة بين الإخوة والأقارب؟ أين الرحمة في التعامل مع الفقير والمحتاج؟ أين الرحمة في الشارع والعمل والسوق؟ 

قد يصلي الإنسان كثيرًا، ويقرأ القرآن كثيرًا، ثم يكون قاسي القلب مع أهله، شديدًا على أولاده، مؤذيًا لجاره، ساخرًا من الضعيف، جارحًا للمحتاج، فكيف يدّعي أنه يتأسى بنبي الرحمة ؟

إن الاقتداء بالنبي ليس أن نكثر من الكلام عن محبته فقط، وإنما أن تظهر محبته في أخلاقنا ومعاملاتنا.

قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. 

فإذا أردنا أن نحيي سنة النبي في بيوتنا فلنحيِ الرحمة؛ وإذا أردنا أن نقتدي به في مجتمعنا فلنرحم الضعيف، ونوقر الكبير، ونحسن إلى الصغير، ونرفق بالمريض، ونساعد المحتاج، ونستر المخطئ، ونعفو عند المقدرة، ونبتعد عن ال سخرية والإهانة والتنمر والغلظة

ومن رحمته بالحيوان أنه أخبر عن امرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت، وأخبر عن رجل سقى كلبًا فغفر الله له، ثم قال : «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» متفق عليه.

فإذا كانت رحمة الإسلام قد شملت الحيوان، فكيف بالإنسان الذي كرمه الله تعالى؟

قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. 

أيها الأحبة، إن مجتمعنا اليوم في أشد الحاجة إلى أخلاق الرحمة: رحمة في الأسرة، ورحمة في التربية، ورحمة في التعليم، ورحمة في العمل، ورحمة في البيع والشراء، ورحمة في الخصومة، ورحمة مع كبار السن، ورحمة مع أصحاب الهمم، ورحمة بالفقراء والمحتاجين

ولننظر إلى بيوتنا: كم من كلمة قاسية هدمت قلبًا؟ وكم من إهانة بقي أثرها سنوات؟ وكم من أب يحتاج أن يحتضن ابنه بدل أن يصرخ في وجهه؟ وكم من زوجة تحتاج إلى كلمة طيبة بدل التجريح؟ وكم من زوج يحتاج إلى تقدير بدل كثرة اللوم؟

قال النبي : «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» رواه الترمذي.

فخير الناس ليس أكثرهم صراخًا ولا أكثرهم غضبًا، وإنما خيرهم من كان خيرًا لأهله.

اللهم ارزقنا حب نبيك ، والاقتداء به، والتخلق بأخلاقه، واجعلنا من أهل الرحمة والعفو والإحسان.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد،  عباد الله، اتقوا الله تعالى واعلموا أن من أعظم علامات محبة النبي أن نصدق في اتباعه، وأن نحول أخلاقه من سيرة نقرؤها إلى واقع نعيشه.

إن النبي لم يكن نبي الرحمة في الكلام فقط، بل كان رحمة تمشي بين الناس؛ كان إذا تكلم أحسن، وإذا عاتب رفق، وإذا غضب لم يظلم، وإذا قدر عفا، وإذا أعطي شكر، وإذا منع لم يهِن، وإذا رأى محتاجًا أعانه.

فليكن لكل واحد منا نصيب من هذه الرحمة

ارحم والديك، وارفق بأبنائك، وأحسن إلى زوجتك، وصل رحمك، وأكرم جارك، وارحم الفقير، وساعد المحتاج، ولا تفضح مذنبًا، ولا تسخر من ضعيف، ولا تجعل وسائل التواصل الاجتماعي ميدانًا للتشهير والسب وإيذاء الناس.

واعلموا أن الرحمة لا تعني أن نسكت عن الخطأ، وإنما تعني أن نعالج الخطأ بحكمة، وأن ننصح دون فضيحة، وأن نربي دون إهانة، وأن نختلف دون خصومة وفجور.

وقد قال : «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» رواه مسلم.

فاجعلوا الرفق والرحمة منهجًا في حياتكم. 

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نسألك حب نبيك محمد ، واتباع سنته، والتخلق بأخلاقه.

اللهم اجعلنا رحماء بعبادك، اللهم أصلح بيوتنا، وأصلح أبناءنا وبناتنا، وأصلح مجتمعنا

اللهم ارحم فقرنا، واجبر كسرنا، واشف مرضانا، وارحم موتانا، وأعن محتاجينا.

اللهم اجعل مصرنا آمنة مطمئنة، وسائر بلاد المسلمين.

اللهم احفظ بلادنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ووفق ولاة أمورنا لما فيه الخير والصلاح

اللهم انصر الحق وأهله، وأعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحفظ عبادك من الظلم والعدوان.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

عباد الله،  ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].

فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأقيموا الصلاة.  

google-playkhamsatmostaqltradent