رجل من قريتي المرحوم الأستاذ محمود جوهر
شخصيتنا اليوم من جيل العظماء جيل نفتخر به إلى وقتنا هذا جيل الطيبين الحكماء أستاذي ومعلمي وأفتخر
رجل من قريتي ، كأنما خرج من زمنٍ لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة الشعبية وفي الحكايات التي تُروى على ضوء القمر.
رجل يعد رائداً للتعليم في المنطقة في وقت كانت مدرسة أبوزيادة الابتدائية هي الوحيدة بالمنطقة حتي أن كبار السن من قري الشباسية وشابه والكرادوة والجمايلة وأبو العينين وعزبة ثابت والنجار وعبدالاه والقذاذ والشركة والعمدة ونويش وعزبة الباب وعويرة ..وغيرها من البلاد يقولون نحن تعلمنا في مدرسة أبوزيادة
وكان يحترمه الجميع ويجله الجميع ولايزالون يذكرونه بكل خير بل يتردد اسمه عبر الأجيال وعلي مر العصور ..
قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا
كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي
يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا
سُبحانَكَ اللَهُمَّ خَيرَ مُعَلِّمٍ
عَلَّمتَ بِالقَلَمِ القُرونَ الأولى
رحمة الله عليه تربطه صلة مصاهرة بالشيخ يوسف ناجي بليح، وقد نال هذه المكانة الكريمة بفضل علمه الرفيع، وأدبه الجم، وذوقه الرفيع، وحسن خلقه واحترامه للجميع ..
كان لي معه ذكريات وذكريات فكنت أحترمه وأجله وأوقره ، فالاحترام المتبادل والتقدير هما أساس الأنسانيّة والأخلاق العالية التي تبقى خالدة في الذاكرة رغم مرور الزمن وتغير الأحوال.
هو من شجعني علي مواجهة الجمهور منذ الصغر فكان يختارني لإلقاء كلمة الصباح ولتحية العلم في طابور الصباح وكان وقتها نشيد ينتهي بتحيا جمهورية مصر العربية ..
علمنا وغرس في جيلنا الثقة والشجاعة وكان ينزل معنا لفناء المدرسة في الفسحة وكانت تتعدي الساعة ويقسمنا لأربع فرق يومياً فكانت بمثابة دورة مدرسية يومية ..
كان مثالاً للمدرس القنوع المحترم فكما نطلب منه أن يعطينا دروس تقوية بعد المدرسة وهذه الدروس لم تكن خصوصية بل تقوية وكانت ليلية قبل دخول الكهرباء للقرية فكان يوقد لنا الكولب ونسهر حتي الساعة الحادية عشر في الشتاء وكانت دروس التقوية هذه للجميع من سنة أولي ابتدائي حتي السادسة ..
كان يحصل من كل تلميذ علي جنيه واحد فقط طوال فترة الدراسة ومن لايقدر علي دفع المبلغ فلايطالبه بشيء بل كان يقول يافلان احضر ولاتطالب أبوك بفلوس ..
ومن لايستطيع فلايتخلف عن دروس التقوية ..
كان هدفه من هذا هو تقوية أواصر المحبة بينه وبين الطلبة وتحفيزهم علي المذاكرة بدلاً من اللعب والعبث واضاعة الوقت ..
أذكر له أنه كان يعشق الكورة وكان محباً للنادي الأهلي فكان يأخذني معه لجمعية الشباسية لنشاهد المباريات بالتلفزيون الوحيد في المنطقة والذي كان يدار بالبطارية ..
كان رحمة الله عليه حريصاُ علي غرس روح المحبة والاحترام بين الطلبة فاحترم نفسه واحترم الجميع واحترمه الجميع فكنا إذا قابلنه في شارع من بعيد نذهب إلي الشارع الأخر ووفي اليوم التالي للدراسة ينظر النا بابتسامته الجميلة كي يشعرك أنه رأك ويحترمك ويقدر احترامك له .. مع أنه كان متواضعاً فكنا اذا قمنا له عند دخوله الفصل يمنعنا من القيام ويقول جلوس ولاتفعلوا ذلك ومع ذلك لم يكن أحد يجرأ أن يجلس عند دخوله الفصل ..
ظل رحمة الله عليه رمزاً للتربية العريقة والأخلاق الرفيعة، حيث أمضى عقودا طويلة من عمره في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي صانعا للأجيال، وغارسا للقيم الأصيلة في نفوس طلابه من حب للأدب، واحترام للصغير والكبير، وبر بالآباء والأمهات، ليترك أثرا لا يُنسى في ذاكرة كل من تعلم على يديه.
ترك رحمة الله عليه أثراً بالغاً في نفوس الجميع كما قال القائل ..
ربى الأجيال على الاحترام المتبادل وتوقير الكبير.والأخلاق العالية: نشر حب الأدب وفضائل البر بالوالدين. ترك بصمة خالدة و ذكريات طيبة وعميقة في قلوب وعقود طلابه. وكان نعم المعلم في المجتمع وفي بناء الأجيال الصالحة وتوجيههم نحو السلوك القويم.وتقديم القدوة الحسنة في الصبر والإخلاص بالعمل.وترسيخ الهوية والأخلاق الحميدة في نفوس الناشئة.إن أمثال هؤلاء المعلمين يستحقون كل التقدير والوفاء لرسالتهم العظيمة التي تجاوزت التعليم إلى بناء الإنسان.
يَا شَامِخاً عَبْرَ العُقُودِ مَنَارَا
صَنَعَ الرِّجَالَ وَأَلْهَمَ الأَفْكَارَا
سِتُّونَ مَرَّتْ وَالسَّبْعُونَ تَزِيدُهَا
عِلْماً نَقِيّاً يَجْلَبُ الأَنْوَارَ
اوَثَمَانُونَ وَالتِّسْعُونَ تَبْنِي جِيلَنَا
نَهْجاً قَوِيماً يَكْسِرُ الأَسْتَارَا
أَخْرَجْتَ أَجْيَالاً تَفِيضُ طَهَارَةً
تَرْعَى الأَدِيبَ وَتُكْرِمُ الأَخْيَارَا
يَمْشُونَ فِي الدُّنْيَا بِحُسْنِ تَأَدُّبٍ
وَبِرَاحَةِ الأَبَوَيْنِ صَارُوا بَارَّا
تَوْقِيرُهُمْ لِلْكَهْلِ نَقْشُ عَقِيدَةٍ
مِمَّا غَرَسْتَ بِقَلْبِهِمْ أَنْهَارَا
شُكْراً لِمَنْ جَعَلَ الحَيَاةَ كَرِيمَةً
وَأَضَاءَ فِي لَيْلِ الجُهُودِ نَهَارَا
وأخيراً هذا غيض من فيض وقليل من كثير عن هذا الرجل الذي علم أجيالاً ترك أثراً كبيراً في أجيال،وكان له دور في تعليم وتوجيه أجيال،علمونا وتعلمنا منهم البذل والعطاء والتضحية والاقدام ..
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إن التشبه بالرجال فلاح
لأن التشبه بهم يجلب الفلاح والنجاح، و أن السير في طريقهم
والتحلي بأخلاقهم هو
سبيل للرقي الروحي والأخلاقي،وهذا ماقصدناه أن نحمي سير
رجال منا سمعنا عنهم ولم نراهم ..
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الذنوب والخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم ارحمه واغفر له واجعل الفردوس الأعلى ، واجمعنا به في جنات النعيم..
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل