حق الطريق
الحمد لله الذي شرع لنا الدين الحنيف، وأكمل
لنا النعم، وأرشدنا إلى صراطه المستقيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان
إلى يوم الدين. أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، وأطيعوه، فإن من
اتقى الله وقاه وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه.
القصة
عباد الله، أبدأ معكم بقصة من قصص الصحابة
الكرام، تذكرنا بعظمة هذا الدين وشموله:
روى الإمام مسلم في صحيحه عن عائذ بن عمرو
المزني رضي الله عنه، أنه دخل على عبيد الله بن زياد -وكان أميرًا جائرًا- فقال له:
"إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن
تكون منهم". فقال له عبيد الله: اجلس، فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد! فقال الصحابي
الجليل بردٍّ بليغٍ يدل على مكانة الصحابة: "وهل كانت لهم نخالة؟! إنما كانت النخالة
بعدهم، وفي غيرهم"
.
هذا الصحابي الجليل لم يتردد في الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر أمام أمير جائر، وهذا هو ديدن الصحابة الكرام، وهذا من أعظم حقوق
الطريق التي سنتحدث عنها اليوم.
العناصر الإجمالية
أيها الإخوة المؤمنون، إن حق الطريق له
عناصر عظيمة، أوجزها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف، وسنتناولها بالشرح
والتفصيل:
أولاً: غض البصر
ثانيًا: كف الأذى
ثالثًا: رد السلام
رابعًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
خامسًا: إرشاد السبيل وإزالة الأذى
فهيا بنا أيها الأحبة نستعرض هذه الحقوق بالدليل من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين.
أولاً: غض البصر
عباد الله، إن أول حق للطريق هو غض البصر،
وقد أمر الله به في محكم كتابه فقال: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ
وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا
يَصْنَعُونَ} [النور: 30]، وقال تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}
[النور: 31]
.
وهذا الأمر يشمل الرجال والنساء على حد
سواء، فغض البصر هو كفه ومنعه من الاسترسال في النظر إلى ما لا يحل . وقد سأل جرير
بن عبد الله رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة، فأمره أن يصرف بصره
. ومعنى ذلك أن الإنسان إذا وقع بصره على ما لا يحل من غير قصد، فعليه أن يصرفه فورًا،
ولا يستمر في النظر
.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"تعمد النظر يورث القلب علاقة يتعذب بها الإنسان، وإن قويت حتى صارت غراماً وعشقاً
زاد العذاب الأليم" . فغض البصر يحمي القلب والروح، ويقي الإنسان من الفتن.
ثانيًا: كف الأذى
أيها المسلمون، ومن حقوق الطريق العظيمة:
كف الأذى عن المارة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عبدالله
بن عمرو: "المسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده" .
وكف الأذى يشمل كل ما يؤذي الناس في أبدانهم
أو أعراضهم، سواء بالقول أو بالفعل . وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من إيذاء المسلمين
في طرقهم، فقال: "من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليهم لعنتهم" .
ومن كف الأذى أيضًا: إماطة الأذى عن الطريق،
وهي من شعب الإيمان، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة،
فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" . وقال عليه الصلاة
والسلام: "بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر
له"
.
وهنا يحضرنا قول الصحابي الجليل أبي موسى
الأشعري رضي الله عنه حين بعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة، فقال: "بعثني إليكم
عمر ابن الخطاب، أعلمكم كتاب ربكم، وسنتكم، وأنظف طرقكم" . وهذا يدل على اهتمام
الصحابة بنظافة الطرق وإزالة الأذى عنها.
ثالثًا: رد السلام
ومن حقوق الطريق: رد السلام على من يسلم
عليك من المارة، قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا
أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء: 86] .
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم رد السلام
حقًا من حقوق المسلم على أخيه، فقال: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وتشميت
العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز" .
والمسلم الحريص على أداء حق الطريق لا يقتصر
رده للسلام على من يعرف، بل يرد على كل من سلم عليه، امتثالاً لأمر النبي صلى الله
عليه وسلم حين قال: "أفشوا السلام بينكم" ، وقال: "تقرأ السلام على
من عرفت ومن لم تعرف"
.
رابعًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
عباد الله، هذا هو الباب العظيم الذي به
كانت أمتنا خير الأمم، قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:
110]
.
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها" .
وقد قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه خطيبًا
في الناس فقال: "أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:
105]، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
'إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب' " .
فمن جلس في الطريق فعليه أن يأمر بالمعروف
وينهى عن المنكر، وأن يحذر منكرات الناس، فهذا من أعظم حقوق الطريق التي أوجبها النبي
صلى الله عليه وسلم
.
خامسًا: إرشاد السبيل وإزالة الأذى
ومن حقوق الطريق أيضًا: إرشاد السائل عن
الطريق وهدايته، ودلالة الضال، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من حق الطريق،
ففي رواية الحديث عند أبي داود: "وإرشاد السبيل" .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"دل الطريق صدقة" . فمن استرشدك في طريق فدله عليه، ومن ضل فأرشده، ومن احتاج
إلى مساعدة فأعنه، فهذا من تمام إعطاء الطريق حقه.
وكذلك من حق الطريق إزالة الأذى عنه، كما سبق بيانه، وهي من الصدقات التي يتقرب بها العبد إلى ربه.
خاتمة الخطبة
عباد الله، هذا هو ديننا العظيم، دين النظافة
والنظام والأخلاق، دين يحفظ للحقوق مكانتها، ويوجه المسلم إلى أداء الواجبات في كل
مكان وزمان
.
وما أجمل ما قاله الشيخ ابن باز رحمه الله:
"ترك المجلس في الطريق أولى وأبعد عن الشر، لكن إذا كان ولا بد فالواجب على من
جلس في الطريق أن يُعطي الطريق حقه"
.
فاتقوا الله عباد الله، وأدوا حقوق الطريق
التي أوجبها عليكم نبيكم صلى الله عليه وسلم، واعلموا أن الأمة التي تحافظ على حقوق
الطريق هي أمة راقية متحضرة.
الدعاء
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.
اللهم أصلح أحوالنا، ووفقنا لأداء حقوق
الطريق.
اللهم اجعلنا من غاضِّي أبصارهم، وكافِّي
أذاهم، ورادي السلام، وآمري بالمعروف وناهي عن المنكر.
اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا
بالصالحين.
اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا ولجميع
المسلمين الأحياء منهم والأموات.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
وقنا عذاب النار.
وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على
المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
والحمد لله رب العالمين عرض أقل