recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الرشوة واثرها فى إفساد المجتمع الشيخ علاءالشال

  الرشوة واثرها فى إفساد المجتمع   

 

 


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد، فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

القصة الافتتاحية من عهد الصحابة

 

أيها المسلمون، أتحدث إليكم اليوم عن آفة خطيرة تهدد كيان المجتمع، وتفتت نسيجه، وتعمق فيه الجور والظلم، إنها آفة الرشوة.

وما أجمل أن نبدأ قصتنا من عهد النبوة، حين استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يُقال له ابن اللتبية على الصدقات. فلما قدم من عمله قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "هذا لكم، وهذا أهدي إليّ". فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "ما بال العامل نبعثه فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إليّ؟ أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى تنظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر" .

ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، وقال: "اللهم هل بلغت" .

هذه القصة العظيمة تبين لنا خطورة استغلال المنصب، وأن من يتناول شيئاً من المال بغير حق فإنه سيحمله يوم القيامة شهيداً على خيانته.

عناصر الخطبة

 

أيها الإخوة الكرام، حديثنا اليوم عن الرشوة يدور حول عدة عناصر:

 أولاً: تعريف الرشوة وحكمها في الإسلام.

 ثانياً: الأدلة على تحريمها من الكتاب والسنة.

 ثالثاً: أنواع الرشوة وأشكالها.

 رابعاً: الآثار المدمرة للرشوة على المجتمع.

 خامساً: الفرق بين الرشوة والهدية.

 سادساً: حالات الضرورة التي قد تجيز دفع الرشوة.

 

أولاً: تعريف الرشوة وحكمها

 

الرشوة هي ما يُعطى لإبطال حق، أو لإحقاق باطل. وهي المال أو المنفعة التي يقدمها شخص إلى موظف أو حاكم ليحصل على ما لا يستحقه، أو يتجاوز به على حقوق الآخرين .

والرشوة حرام بإجماع الأمة، وهي من كبائر الذنوب، وقد أجمع العلماء على تحريمها لما فيها من إفساد للقلوب وإضاعة للحقوق.

ثانياً: الأدلة على تحريمها من الكتاب والسنة

 

أيها المؤمنون، لقد نطق القرآن الكريم محذراً من هذه الجريمة النكراء، فقال تعالى: "وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" [البقرة: 188] .

قال المفسرون: "لا تدلوا بأموالكم إلى الحكام، أي لا تصانعوهم بها ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حقاً لغيركم وأنتم تعلمون" .

ومن أعظم ما ورد في تحريمها من السنة النبوية، ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم" . وفي رواية: "والرائش" أي الساعي بينهما .

وهذا اللعن دليل على أن الرشوة من كبائر الذنوب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلعن إلا على ذنب عظيم.

ثالثاً: أنواع الرشوة وأشكالها

 

أيها المسلمون، الرشوة ليست نوعاً واحداً، بل تتعدد أشكالها وصورها:

 النوع الأول: ما يُدفع للحصول على حق ليس للراشي، كأن يدفعها ليحصل على وظيفة لا يستحقها، أو ليتجاوز على حقوق الآخرين في المزايدات أو المناقصات. وهذا أشد الأنواع جرماً .

 النوع الثاني: ما يُدفع لتفويت حق على صاحبه، كأن يدفعها ظالماً ليأخذ مال غيره، أو ليفوّت عليه منصباً كان يستحقه .

 النوع الثالث: ما يُدفع للوصول إلى منصب أو عمل معين، مع عدم الأهلية لهذا العمل .

 النوع الرابع: ما يأخذه الموظف لقاء تسهيل معاملة هي من صميم عمله، أو لقاء التغاضي عن مخالفة، وهذا داخل في عموم التحريم.

 رابعاً: الآثار المدمرة للرشوة على المجتمع

أيها الإخوة، إن الرشوة إذا فشت في المجتمع كانت سبباً في هلاكه ودماره، ومن آثارها الوخيمة:

 أولاً: أنها تغضب الله وتجلب اللعنة على فاعليها، فقد ورد في الحديث: "لا يدخل الجنة  ثانياً: أنها تمحق البركة من المال والرزق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يأخذ مالاً بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالاً بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع"  ثالثاً: أنها سبب في ضياع الحقوق، وظلم الضعفاء، حيث يأخذ القوي حقه بالرشوة، ويُحرم الضعيف من حقه.

 رابعاً: أنها تُفقد الأمانة، وتُفسد الإدارة، وتُعطي غير الكفء مناصب لا يستحقها.

 خامساً: أنها سبب في انتشار الفساد المالي والإداري، وتدمير الموارد المالية للدولة .

 سادساً: إنها تمنع استجابة الدعاء. قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرجل الذي يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يقول: "يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟" .

خامساً: الفرق بين الرشوة والهدية

 قد يختلط الأمر على بعض الناس فيظن أن الهدية مثل الرشوة أو العكس، ولكن الفرق واضح بينهما:

الهدية قصدها استجلاب المودة والمحبة، والبر والإحسان، وهي مشروعة بين الناس . أما الرشوة فقصدها التوصل إلى إبطال حق، أو إحقاق باطل، أو الحصول على منفعة بغير وجه حق .

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الالتباس حين قال: "من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له عليها هدية فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا" .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "الرشوة في الحكم كفر، وهي بين الناس سحت" . وعنه أيضاً: "السحت أن تطلب لأخيك الحاجة فتقضى فيهدى إليك هدية فتقبلها منه" .

سادساً: حالات الضرورة

 

أيها الإخوة، أجاز جمهور العلماء -في حالات الضرورة القصوى- دفع الرشوة لرد حق مظلوم، أو لدفع ظلم واقع، وذلك إذا تيقن الشخص أنه لا يستطيع الوصول إلى حقه إلا بهذه الوسيلة، والإثم هنا يقع على الآخذ دون المعطي، لأن الضرورات تبيح المحظورات، ولكن بقدر الضرورة فقط .

قال الذهبي رحمه الله: "إنما تلحق اللعنة الراشي إذا قصد بها أذية مسلم، أو ينال بها ما لا يستحق. أما إذا أعطى ليتوصل إلى حق له ويدفع عن نفسه ظلماً فإنه غير داخل في اللعنة" .

ولكن يجب أن ننتبه إلى أن هذا رخصة في أضيق الحدود، ولا يجوز التوسع فيها لتشمل كل مصلحة يريدها الإنسان، بل تقدر بقدر الضرورة .

ختام الخطبة

 

أيها المسلمون، لقد سمعتم عن عقوبة الراشي والمرتشي والرائش في الآخرة، وهي اللعن والطرد من رحمة الله. وسمعتم عن مفاسدها في المجتمع، فهل في ذلك زاجر لكل مؤمن يخشى الله ويخاف عقابه؟ .

كيف يرضي مسلم أن يعرض نفسه لغضب الله وعقوبته؟ بل كيف يرضي أن يخون دينه وأمانته؟ هل يليق بمؤمن يعرف الله ويوقن باليوم الآخر أن يسعى في فساد المجتمع وإبادته؟ .

فالرشوة تطمس الحق، وتحجب العدل، وتكون سبباً في ضياع الحقوق، وإعطاء من لا يستحق ما ليس له، وتقلب الحقائق، وتقدم غير الكفء على الكفء، وتخفض المجد، وتنفع الغني القادر وتضر الفقير المحتاج .

فاتقوا الله عباد الله، واحذروا الرشوة بكل صورها وأشكالها، وتذكروا أن الله سائلكم عن كل صغيرة وكبيرة، وأنكم ستقفون بين يديه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.

أما بعد:

أيها الإخوة المؤمنون، إن الرشوة ليست مجرد جريمة أخلاقية فحسب، بل هي جريمة في حق الوطن والأمة، فهي تهدم أركان الدولة، وتفكك أواصر المجتمع، وتجعل العدل أسيراً في يد الظالمين.

وإن الشريعة الإسلامية التي جاءت لتحقيق العدل والمساواة بين الناس، وتقرير مبدأ التكافؤ في الفرص، لا يمكن أن تقبل بهذه الآفة التي تجعل المال هو الحاكم، والقوي هو المقدم ولو كان ظالماً، والضعيف هو المؤخر ولو كان محقاً.

واعلموا أن أكل المال بالباطل ومنه الرشوة، يحرم صاحبه من بركة الرزق، ويجعله في ضنك من العيش، مهما كثر ماله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن يأخذ مالاً بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالاً بغير حقه، فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع" .

وفي الحديث الآخر: "من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة، لقي الله وهو عليه غضبان" [رواه مسلم].

فعلى كل مسلم أن يتقي الله في نفسه وأهله ومجتمعه، وأن يحرص على المال الحلال، فإنه زاد التقوى، وبه يتحقق الإخلاص في العمل، والصدق في المعاملة.

واعلموا أن الله سبحانه وتعالى هو الرقيب على أعمالكم، فلا تخفى عليه خافية، {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19].

الدعاء

 

اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، ونعوذ بك من الرشوة وأكل أموال الناس بالباطل.

اللهم بارك لنا في أرزاقنا، وطهر لنا أموالنا، واجعلها حلالاً طيباً، وبارك لنا فيها، ولا تجعل علينا ظلماً ولا جوراً.

اللهم أصلح ولاة أمرنا، واجعلهم رحمةً لعبادك، ووفقهم للعدل والإحسان، واهدهم سبيل الرشاد، وأعز بالإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين.

اللهم وفقنا للتوبة النصوح، واجعلنا من عبادك الصالحين المصلحين، الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعلنا من الذين يخشونك في السر والعلن.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent