recent
أخبار عاجلة

لماذا لم يقل الله "ولا تَزْنُوا؟


لماذا لم يقل الله 
 "ولا تَزْنُوا؟


 


قال تعالى: "وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا"(الاسراء/32).

لاحظ: لم يقل "لا تفعلوه"، قال :"لا تقتربوا منه". لأن الله يعلم أن هذه الفاحشة لا تبدأ بالفعل، بل تبدأ بنظرة، ثم رسالة، ثم خلوة، ثم موعد، ثم لا يبقى للإنسان ما يرجع إليه. حرّم الله الطريق قبل أن يحرّم النهاية، وسدّ الباب قبل أن يحاسبك على الدخول. هذا وحده كافٍ ليفهم العاقل أن الشريعة لا تطارد الناس، بل تحميهم من أنفسهم.

 أولًا: الزنا ليس "حرية شخصية"… هذا ما ينهار فعلًا

يُقال اليوم: "ما دام برضا الطرفين، فما المشكلة؟"

المشكلة أن الأمر لم يكن يومًا بين طرفين فقط.

 النَّسَب يضيع.  الإسلام جعل حفظ النسل واحدًا من المقاصد الخمس الكبرى للشريعة. حين تُباح الفاحشة يولد أطفال بلا أب معلوم، بلا اسم، بلا ميراث، بلا حضن. جريمة يرتكبها اثنان، ويدفع ثمنها كائن لم يُستشَر ولم يُذنب.

 الأسرة تفقد معناها.  لماذا يتحمّل رجل مسؤولية بيت، ولماذا تحتمل امرأة تعب الحمل والتربية، إذا كان ما يُبنى بالعقد والعهد يُنال بلا التزام؟ الزواج ليس ورقة، إنه ضمان: ضمان أن من أخذ لن يهرب، وأن من أعطت لن تُترك.

الثقة تُقتل. بيوت تنهار على الشك، وأبناء يُحرمون من أسرة، وقلوب لا تُشفى. اسأل أي قاضٍ في محكمة أسرة عن الملفات التي فتحها هذا الباب.

 الصحة. الأمراض المنقولة جنسيًا لم تكن يومًا خرافة وعّاظ؛ هي التي دفعت حتى الحكّام غير المتديّنين إلى المنع، كما سيأتي في تاريخ مصر بعد قليل.

والقلب:" قال : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». ليس نفيًا لأصل الإيمان عند جمهور العلماء، لكنه وصفٌ لحالة: أن نور الإيمان يُرفع عن القلب في تلك اللحظة. ومن جرّب يعرف: أول ما تفقده ليس السمعة، بل الطمأنينة. تنام وأنت تخاف من الصمت.

وقال في الحديث المتفق عليه، حين ذكر السبعَ الموبقات، وحين قيل له: أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك». قيل: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قيل: ثم أي؟ قال: **«أن تُزانيَ حليلة جارك»**. ثالث أعظم الذنوب. بعد الشرك وقتل النفس مباشرة. هذا ترتيب إلهي لا يحتاج تعليقًا.

 ثانيًا: كيف حمى الإسلام المرأة تحديدًا؟

هناك من يصوّر الأمر وكأن التشريع سيف مسلَّط على النساء. الحقيقة عكس ذلك تمامًا:

حرّم الله استغلالها ماديًا: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ — نزلت الآية في زمنٍ كانت فيه الجارية تُؤجَّر لجسدها، فأبطل القرآن التجارة كلها، وجعل المُكرَه بريئًا والمُكرِه هو المجرم. هذه أول وثيقة في التاريخ تُجرّم الاتجار بالجسد باسم السماء.

حرّم المساس بسمعتها: حدّ القذف — ثمانون جلدة ورد الشهادة أبدًا لمن رمى محصنة بلا أربعة شهود. أي أن الإسلام عاقب **الكلام** على العِرض كما عاقب الفعل. لم يترك المرأة فريسة لألسنة الناس.

جعل الشرط الرابع مستحيلًا عملي: لإثبات الزنا شرعًا لا بد من أربعة شهود عدول يرون الفعل نفسه، لا الشبهة ولا الخلوة. أي فقيه يعرف أن هذا الشرط صُمّم ليكون رادعًا لا صيّادًا. الغاية منع إشاعة الفاحشة في العلن، لا التفتيش في البيوت. ولذلك قال : "ادرؤوا الحدود بالشبهات".

أمرها ألّا تفضح نفسها: لما جاء ماعزٌ يعترف، أعرض عنه النبي مرة، ومرتين، وثلاثًا، ولقّنه المخرج. وقال لمن أفشى ستر أخيه: «لو سَتَرْتَه بثوبك لكان خيرًا لك». دين يفتح باب التوبة قبل أن يفتح باب العقوبة.

 ثالثًا: وكيف حمى الرجل؟

غضّ البصر:"قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ" بدأ بالرجال قبل النساء. الخطاب الأول موجّه إليه هو.

حرّم الخلوة: "لا يخلونّ رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» — ليس سوء ظنٍّ بالناس، بل فهمٌ لطبيعة الإنسان.

يسّر الزواج : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج». ثم شدّد على أولياء الأمور: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير». تأمل: **الفتنة والفساد الكبير** نتيجةُ تعقيد الزواج، لا نتيجة الشباب. من يغلق الحلال بالمهور المستحيلة والشروط المتضخمة، شريكٌ في فتح الحرام.

 صان كرامته : حرّم عليه أن يكون سلعة، وحرّم "مهر البغيّ"، ومنع أن يُبنى مالٌ على عِرض.

الشريعة لم تنتصر لجنسٍ على جنس. انتصرت للبيت.

 رابعًا: مصر… حين نزل الوحي على أرض النيل

مصر لم تعرف الطهر ابتداءً من الإسلام — فيها من التديّن الفطري ما هو أقدم. لكن الذي فعله الإسلام أنه **حوّل العفّة من فضيلة فردية إلى نظام عام**: عقيدة، وقانون، وسوق، وشارع، ومحتسِب. ومنذ الفتح، ومصر تُنجب في كل قرن من يقف في وجه الفاحشة. هذه محطات موثّقة، لا حكايات:

  صلاح الدين الأيوبي (القرن ١٢م)

حين استقرّ له الأمر ألغى المكوس والضرائب المخالفة للشريعة — ومن بينها ما كان يُجبى من مواطن الرِّيبة — وأعاد بناء المرجعية السنّية في مصر بالمدارس والأزهر والقضاء. الرجل الذي أعدّ مصر لتحرير القدس بدأ أولًا بتطهير القاهرة. كان يفهم أن الجيش الذي يُهزم في الليل لا ينتصر في النهار.

  الظاهر ركن الدين بيبرس (٦٥٨–٦٧٦هـ)

هذا هو الفصل الأشهر. يذكر المقريزي في "السلوك لمعرفة دول الملوك"  أن بيبرس أبطل "ضمان الحشيش" — أي الضريبة التي كانت الدولة تجنيها من تجارته — ومنع الحانات وبيوت الفساد، وأرسل المراسيم إلى جميع أقطار مصر والشام بمنع الخمر والحشيش، فاشتدّ إنكار المنكر في عهده.

انتبه للنقطة الأهم:  تنازل عن مورد مالي ثابت للدولة . حاكمٌ يرفض أن يأكل جيشه من ثمن الفاحشة، وهو في أشدّ حاجة للمال، وهو يقاتل المغول والصليبيين في وقت واحد.

والشهادة الأقوى ليست من محبّيه، بل من  خصمه . الشاعر ابن دانيال، الرجل الماجن الذي عاش على الملذّات، وصل إلى مصر فوجد بيبرس قد أصدر مرسومه، فكتب يشكو أنه وجد تلك "الرسوم" دارسة، ومواطن الأنس لم تعد آنسة، وأن "غلب أمرُ السلطان جيشَ الشيطان"  — وأن والي القاهرة تولّى إهراق الخمور وإحراق الحشيش وتضييق الخناق على أهل الفجور.

حين يشتكي صاحب الفاحشة نفسُه، فهذه أصدق شهادة نجاح.

    المظفّر بيبرس الجاشنكير (٧٠٨–٧٠٩هـ)

سار على النهج نفسه: أبطل ضمان الحشيش والخمر، وداهم أماكن الرِّيبة في القاهرة، وتتبّع بؤر الفساد حتى أزالها.

 محمد علي باشا — ١٨٣٤م

في يونيو ١٨٣٤ أصدر قرارًا بحظر البغاء والرقص العمومي في القاهرة، وأبعد بيوت الغواني إلى أقاصي الصعيد — إسنا وأسوان — ثم أبطل الضريبة التي كانت تُجبى منهنّ.

ولنكن أمناء: الدافع لم يكن دينيًا خالصًا؛ فقد فزع الوالي من تفشّي الأمراض في صفوف جيشه الجديد.  وهنا الدرس الأعمق:  حتى الحاكم الذي انطلق من حسابات عسكرية بحتة، انتهى إلى الحكم الذي قرّره الشرع قبله بألف ومئتَي سنة. الشريعة لا تصادم الواقع؛ الواقع هو الذي يعود إليها في النهاية.

   ثم جاء الاحتلال… فأعاد ما مُنِع

وهذه أخطر نقطة في الحكاية كلها، وأكثرها تغييبًا:

البغاء الذي طُورد وأُبعد وأُبطلت ضريبته،  قنّنه الإنجليز رسميًا بعد احتلال مصر مباشرة . رخصٌ، وسجلات، وكشوف طبية دورية، ومناطق محدّدة، وقناصل يحمون رعاياهم من أصحاب هذه البيوت. صار للرذيلة ختمٌ حكومي وورقة قانونية.

فلْيقلْ لنا من يزعم أن التشدّد في العِرض "تخلّف": من الذي حرّم الفاحشة في مصر، ومن الذي منحها ترخيصًا؟

 خامسًا: الدرس الذي يجب ألّا يضيع

أثر الوحي في مصر لم يكن في المآذن وحدها، بل في  الضمير العام . جعل الفاحشة شيئًا يُستحيا منه ويُخفى، لا شيئًا يُفاخر به ويُبرَّر. وهذا هو الفرق الحقيقي بين مجتمع مريض ومجتمع معافى: ليس أن الخطأ ينعدم — فالبشر بشر — بل أن  الخطأ يظل خطأً ، لا يُرفع إلى مقام "الحق" ولا يُمنح رخصة.

ويوم يصير الحرام موضة، ويُقال لمن يذكّر بالله "أنت متخلّف"، فاعلم أن أوّل من سيدفع الثمن هي البنت التي صدّقت أن أحدهم يحبّها، والطفل الذي سيسأل يومًا عن اسم أبيه، والشاب الذي سيكتشف بعد فوات الأوان أن اللذة دقائق وأن الندم عمر.

 سادسًا: كلمة لمن وقع

إن كنت قرأت إلى هنا وفي قلبك جرح، فاسمع هذه أيضًا، فهي جزء من الدين لا يقلّ عن سابقه:

"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا".

 جميعًا.  بلا استثناء.

وفي وصف عباد الرحمن:"وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ… وَلَا يَزْنُونَ… " ثم ماذا؟ ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ .

لا يمحوها فقط…  يبدّلها حسنات . أيّ كرم هذا؟

فاستر نفسك، ولا تعترف لبشر، وتُبْ فيما بينك وبين الله، واقطع الطريق من أوله: الرقم، والحساب، والصديق، والباب. ومن ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه.

 وكلمة أخيرة مهمة:  إقامة الحدود شأن الدولة والقضاء وحدهما، لا شأن الأفراد. أما نحن فمأمورون بالستر والنصح والدعاء. من رأى في أهله أو صاحبه زلّة فليكن بابَ توبة، لا سوطَ عقوبة، ولا لسانَ فضيحة.

 اللهم طهّر قلوبنا، واستر عيوبنا، واحفظ بيوتنا وبناتنا وشبابنا، واجعل مصر آمنة مطمئنة، سخاءً رخاءً، وسائر بلاد المسلمين

google-playkhamsatmostaqltradent