نِعْمَةُ الْمَاءِ.. حَيَاةٌ وَنَمَاءٌ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْغَنِيِّ الْكَرِيمِ، نَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَآلَائِهِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى فَضْلِهِ وَعَطَائِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ كَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَى الْإِنْسَانِ لَا يَحُدُّهَا حَدٌّ، وَلَا يُحْصِيهَا عَدٌّ وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِهَا أَحَدٌ؛ فَهِيَ نِعَمٌ عَامَّةٌ سَابِغَةٌ تَامَّةٌ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[النَّحْلِ:18]، وَيَقُولُ تَعَالَى ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً[لُقْمَانَ:20]
وَمِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْإِنْسَانِ
وَأَعْظَمِهَا -وَكُلُّهَا جَلِيلَةٌ وَعَظِيمَةٌ- نِعْمَةٌ هِيَ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ
وَمِنَّةٌ مِنْ أَعْظَمِ الْمِنَنِ وَآيَةٌ مِنْ أَكْبَرِ الْآيَاتِ وَالسُّنَنِ؛ بِهَا
تَدُومُ الْحَيَاةُ وَتَعِيشُ جَمِيعُ الْكَائِنَاتِ؛ فَلَا غِنَى لِمَخْلُوقٍ عَنْهَا،
وَلَا عَيْشَ لَهُمْ بِدُونِهَا، إِنَّهَا النِّعْمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ
- فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَرَبَطَ حَيَاةَ كُلِّ شَيْءٍ بِهَا؛ وَلَقَدْ حَظِيَتْ
هَذِهِ النِّعْمَةُ أَهَمِّيَّةً كَبِيرَةً وَعِنَايَةً بَالِغَةً؛ فَقَدْ ذَكَرَهَا
اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي (63) مَوْضِعًا، وَإِنَّ نِعْمَةً ذُكِرَتْ فِي
الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ 63 مَرَّةً، لَجَدِيرَةٌ بِأَنْ يَقِفَ أَمَامَهَا الْإِنْسَانُ
مُتَفَكِّرًا وَمُتَأَمِّلًا، إِنَّهَا نِعْمَةُ الْمَــاءِ وَكَيْفَ لَا وَالْمَاءُ
مَصْدَرُ الْحَيَاةِ وَأَصْلُ الْخَلْقِ؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ
دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي
عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [النُّورِ: 45] وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ
ﷺ أَنَّهُ قَالَ "كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ
مِنْ مَاءٍ"
وَيَقُولُ -تَعَالَى-: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ
الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ }[الْأَنْبِيَاءِ:30]
فَالْمَاءُ عَصَبُ الْحَيَاةِ؛ وَلَقَدْ
سَطَّرَ التَّارِيخُ أَنَّ حَضَارَاتِ الْبَشَرِ شُيِّدَتْ عَلَى ضِفَافِ الْأَنْهَارِ،
وَقَطَرَاتِ الْأَمْطَارِ، وَسَوَاحِلِ الْبِحَارِ؛ فَقَدْ كَانَ الْبَدْوُ يَرْحَلُونَ
بِأَنْعَامِهِمْ مَوَاقِعَ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ، وَيُقِيمُونَ فِيهَا إِلَى أَنْ تَجِفَّ؛
فَيَرْحَلُونَ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَكَانَتْ مَوَاضِعُ الْمِيَاهِ عَامِرَةً،
كَمَا كَانَتِ الصَّحَارِي الْجَافَّةُ خَالِيَةً؛ إِذْ أَنَّ فِي الْمَاءِ شَرَابَ
الْإِنْسَانِ وَقِوَامَ حَيَاتِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً طَهُورًا _ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا
أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾[الْفُرْقَانِ:48- 49]، وَيَقُولُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:
﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾[الْحِجْرِ: 22].
* أَيُّهَا الْإِخْوَةُ: وَنَحْنُ نَتَحَدَّثُ
عَنْ نِعْمَةِ الْمَاءِ، فَلْيَتَذَكَّرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنَّ هُنَاكَ إِخْوَةً
لَنَا فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ لَا يَجِدُونَ قَطْرَةَ مَاءٍ نَقِيَّةٍ، وَأَنَّ بَعْضَ
الدُّوَلِ تَعِيشُ عَلَى تَحْلِيَةِ مِيَاهِ الْبَحْرِ بِالْمِلْيَارَاتِ. فَكَيْفَ
نَشْكُرُ هَذِهِ النِّعْمَةَ وَنَحْنُ نُسْرِفُ وَنَتْرُكُ الصُّنْبُورَ يَقْطُرُ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ؟
وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ مُجَرَّدَ شَرَابٍ
لِلْكَائِنَاتِ فَقَطْ، بَلْ بِهِ نَبَتَ كُلُّ شَيْءٍ وَمِنْهُ الشَّجَرُ الَّذِي
يَخْرُجُ مِنْهُ الثَّمَرَاتُ وَالْبَرَكَاتُ: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ
بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾[إِبْرَاهِيمَ: 32]، ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى _ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾[طه:
53، 54]، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾[الذَّارِيَاتِ: 22].
وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ
اللهُ- إِذَا نَظَرَ إِلَى السَّحَابِ، يَقُولُ: "فِيهِ وَاللهِ رِزْقُكُمْ وَلَكِنَّكُمْ
تُحْرَمُونَهُ بِخَطَايَاكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ".
فَمِنَ الْمَاءِ يَشْرَبُ الْإِنْسَانُ
وَمِنْهُ يَخْرُجُ الْمَرْعَى، وَبِهِ تُكْسَى الْأَرْضُ بِسَاطًا أَخْضَرَ؛ فَتَبْدُو
لِلنَّاظِرِينَ أَجْمَلَ وَأَنْظَرَ، يَقُولُ اللَّهُ -تَعَالَى-: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ _ يُنْبِتُ
لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[النَّحْلِ:10-11]، وَيَقُولُ تَعَالَى:
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ
فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنْ النَّخْلِ
مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ
مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ
إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[الْأَنْعَامِ:99]
بَلْ إِنَّ الْمَاءَ مَصْدَرُ ابْتِهَاجِ
الْإِنْسَانِ وَسَعَادَتِهِ، وَهُوَ يَرَى اخْضِرَارَ الْأَرْضِ بَعْدَ هُطُولِ الْأَمْطَارِ
وَغِشْيَانِ السُّيُولِ عَلَيْهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾[الْحَجِّ: 63]، وَيَزْدَادُ
ابْتِهَاجًا بِالنَّظَرِ إِلَى رَبِيعِهَا وَحَدَائِقِهَا الْغَنَّاءِ، كَمَا وَصَفَهَا
اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾[النَّمْلِ:
60]- وَجَعَلَ الْمَاءَ طَهَارَةً وَنَقَاءً، بِهِ يَكُونُ الِاغْتِسَالُ وَالْوُضُوءُ
وَالِاسْتِنْجَاءُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ [الْأَنْفَالِ: 11].
وَالْمَاءُ شِفَاءٌ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَعَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ،
فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ"؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْمَاءُ الْبَارِدُ شِفَاءٌ مِنْ أَمْرَاضٍ
مُتَعَدِّدَةٍ، فَلَمَّا أَصَابَتِ الْحُمَّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ أَمَرَ بِسَبْعِ قِرَبٍ
لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لِتُرَاقَ عَلَيْهِ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
((أَيُّمَا أَحَدٍ مِنْكُمْ أَخَذَهُ الْوِرْدُ يَصُبُّ عَلَيْهِ جَرَّةَ مَاءٍ بَارِدٍ))،
قَالَ الْحَضْرَمِيُّ: الْوِرْدُ: الْحُمَّى، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ أَيُّوبَ
عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ
الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ _ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ
﴾ [ص: 41، 42]
بَلِ الْأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَهَمُّ
أَنَّ الْمَاءَ مِنْ دَلَائِلِ وُجُودِ اللَّهِ وَشَوَاهِدِهِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ
اللَّهِ -تَعَالَى- سَوَاءٌ نُزُولُهُ مِنَ السَّمَاءِ أَوِ اخْتِصَاصُهُ بِأَرْضٍ
دُونَ أَرْضٍ، أَوْ خُرُوجُهُ مِنْ بَاطِنِ الْأَرْضِ بِطَعْمٍ مُخْتَلِفٍ رَغْمَ أَنَّهَا
مِنْطَقَةٌ وَاحِدَةٌ إِمَّا عَذْبٌ فُرَاتٌ أَوْ مِلْحٌ أُجَاجٌ، فَفِي ذَلِكَ دَلَائِلُ
عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَوْجَدَهُ وَامْتَنَّ
عَلَى عِبَادِهِ بِهِ، وَدَعَاهُمْ لِلتَّفَكُّرِ فِي إِنْزَالِهِ وَتَكْوِينِهِ، قَالَ
تَعَالَى ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ _ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ
مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ _ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا
تَشْكُرُونَ ﴾ [الْوَاقِعَةِ: 68 - 70] وَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ
الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ
بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[الرُّومِ: 24] وَصَدَقَ
الْقَائِلُ:
فَوَاعَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الإِلَهُ
___ أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الجَاحِدُ
وَلِلَّهِ فِي كُلِّ تَحْرِيكَةٍ ___ وَتَسْكِينَةٍ
أَبَدًا شَاهِدُ
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ __ تَدُلُّ
عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
- عِبَادَ اللَّهِ: هَذَا نَعِيمُ الْإِنْسَانِ
بِالْمَاءِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَمَّا فِي الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْعَمُ
بِهِ فِي الْعَرَصَاتِ وَمَوْقِفِ الْحِسَابِ حِينَ يَشْتَدُّ بِالنَّاسِ الظَّمَأُ
وَالْعَطَشُ؛ فَيُكْرِمُ اللَّهُ الْبَعْضَ بِالْوُرُودِ عَلَى حَوْضِ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ
-صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ-؛ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْتَوِيَ وَلَا يَظْمَأُ
بَعْدَ تِلْكَ الشَّرْبَةِ أَبَدًا، وَتَغْدُو كُلُّ شَرْبَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ لِلَّذَّةِ
لَا مِنْ عَطَشٍ.
وَيُلَازِمُ الْمَاءُ عِبَادَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ
حَتَّى دُخُولِ الْجَنَّةِ؛ فَيَجِدُونَ فِيهَا الْأَنْهَارَ وَالْعُيُونَ الْعَذْبَةَ
ذَاتَ الْحُسْنِ وَالْبَهَاءِ، يَقُولُ رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ
الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾[مُحَمَّدٍ:
15]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾[الْمُرْسَلَاتِ:41].
وَأَخْبَرَ عَنْ بَعْضِ أَصْنَافِ الْمَاءِ
فِي الْجَنَّةِ؛ فَقَالَ: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا
_ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾[الْإِنْسَانِ: 17- 18]، وَقَالَ أَيْضًا:
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾[الْإِنْسَانِ:6].
فَكَانَ جَرَيَانُ الْمَاءِ وَتَدَفُّقُ
الْأَنْهَارِ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ نَعِيمًا آخَرَ وَمَنْظَرًا لَافِتًا وَجَمَالًا
مُفَضَّلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُمْ عَلَى أَرَائِكِهِمْ مُتَّكِئُونَ وَمُتَقَابِلُونَ،
قَالَ اللَّهُ: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا
غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾[الزُّمَرِ: 20].
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ وَإِنَّ مِنْ أَسْرَارِ
الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الْمَاءِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَجْعَلْ
لِلْمَاءِ لَوْنًا، وَلَا طَعْمًا، وَلَا رَائِحَةً، كُلُّ طَعَامٍ وَكُلُّ شَرَابٍ
خَلَقَهُ اللَّهُ، لَهُ لَوْنٌ، وَلَهُ طَعْمٌ، وَلَهُ رَائِحَةٌ، إِلَّا الْمَاءَ؛
وَذَلِكَ لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، لَا يُدْرِكُهَا إِلَّا أَهْلُ الْبَصَائِرِ وَالْأَلْبَابِ؛
فَلَوْ أَنَّ طَعْمَ الْمَاءِ كَانَ حُلْوًا مَثَلًا، لَصَارَ كُلُّ شَيْءٍ خَالَطَهُ
الْمَاءُ حُلْوًا، وَلَصَارَ كُلُّ شَيْءٍ غُسِلَ بِالْمَاءِ حُلْوًا، وَلَصَارَتِ
الْحَيَاةُ كُلُّهَا طَعْمُهَا حُلْوٌ، تَزْهَقُهَا الْأَنْفُسُ، وَتَمُجُّهَا الْأَلْسُنُ،
وَلَا تَسْتَسِيغُهَا الْفِطَرُ السَّلِيمَةُ؛ ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
﴾ [يس: 38]
وَلَوْ تَأَمَّلْنَا فِي أَحْوَالِ مَنِ
ابْتُلُوا بِالْجَدْبِ وَالْقَحْطِ، وَالْجَفَافِ وَالْمَجَاعَةِ، لَعَرَفْنَا قِيمَةَ
الْمَاءِ، وَقَدَّرْنَا هَذِهِ النِّعْمَةَ حَقَّ قَدْرِهَا؛ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ
﴾ [الْمُلْكِ: 30].
وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاسْتِهْلَاكِ الْمِيَاهِ،
نَجِدُ أَنَّ الْإِسْلَامَ كَانَ لَهُ السَّبْقُ فِي إِقْرَارِ مَبَادِئَ تَرْشِيدِ
الِاسْتِهْلَاكِ لِكُلِّ مَا فِي يَدِ الْإِنْسَانِ مِنْ نِعَمٍ وَثَرَوَاتٍ، بِاعْتِبَارِ
أَنَّ الْإِسْرَافَ وَالتَّبْذِيرَ مِنْ أَهَمِّ عَوَامِلِ الْخَلِ وَالِاضْطِرَابِ
فِي مَنْظُومَةِ التَّوَازُنِ الْبِيئِيِّ الْمُحْكَمِ الَّذِي وَهَبَهُ اللَّهُ -
سُبْحَانَهُ - لِلْحَيَاةِ وَالْأَحْيَاءِ فِي هَذَا الْكَوْنِ.
[وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ:
فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَالْمَاءُ حَقٌّ
عَامٌّ لِلْجَمِيعِ لَا يَجُوزُ احْتِكَارُهُ وَلَا الْإِضْرَارُ بِهِ]
وَقَدْ أَقَامَ الْإِسْلَامُ مَنْهَجَهُ
فِي هَذَا الصَّدَدِ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّوَسُّطِ وَالِاعْتِدَالِ فِي كُلِّ تَصَرُّفَاتِ
الْإِنْسَانِ، وَأَقَامَ بِنَاءَهُ كُلَّهُ عَلَى الْوَسَطِيَّةِ وَالتَّوَازُنِ وَالْقَصْدِ.
فَالْإِسْرَافُ يُعْتَبَرُ سَبًا مِنْ أَسْبَابِ تَدَهُورِ الْبِيئَةِ وَاسْتِنْزَافِ
مَوَارِدِهَا، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى إِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَتَدْمِيرِ
الْبِيئَةِ، وَقَدْ نَهَى الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ عَنِ الْإِسْرَافِ فِي أَكْثَرَ مِنْ
مَوْضِعٍ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ} [الْأَعْرَافِ: 31]، وَقَالَ تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا
أَثْمَرَ، وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ} [الْأَنْعَامِ: 141]، وَتَوَعَّدَ الْقُرْآنُ الْمُسْرِفِينَ بِالْهَلَاكِ
فَقَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ
وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 9].
وَدَعَا الْإِسْلَامُ إِلَى الْوَسَطِيَّةِ
وَالِاعْتِدَالِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [الْبَقَرَةِ:
143]، وَقَالَ: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ
بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الْفُرْقَانِ: 67].
فَالْوَسَطِيَّةُ الرَّشِيدَةُ هِيَ مَسْلَكُ
الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَةُ الْإِسْلَامِ لِأَتْبَاعِهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَعُمُومِ
الْأَوْقَاتِ، وَهِيَ خَيْرُ ضَمَانٍ لِحِمَايَةِ التَّوَازُنِ الْبِيئِيِّ فِيمَا
يَتَعَلَّقُ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَوَارِدِ الطَّبِيعِيَّةِ.
وَلِأَهَمِّيَّةِ الْمَاءِ وَضَرُورَتِهِ
لِلْحَيَاةِ وَقَفَتِ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ ضِدَّ الْإِسْرَافِ فِي اسْتِهْلَاكِهِ،
سَوَاءٌ فِي أَغْرَاضِ الشُّرْبِ أَوِ الزِّرَاعَةِ أَوِ الصِّنَاعَةِ، أَوْ حَتَّى
فِي مَجَالِ الْعِبَادَاتِ، وَمِنَ التَّعَالِيمِ وَالْآدَابِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي
وَرَدَتْ فِي هَذَا الشَّأْنِ:
إِنَّ الْإِسْلَامَ دَعَا إِلَى الْمُحَافَظَةِ
عَلَى الْمَاءِ وَعَدَمِ الْإِسْرَافِ فِي اسْتِهْلَاكِهِ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ "كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا
وَتَصَدَّقُوا مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ" رَوَاهُ النَّسَائِيُّ
وَابْنُ مَاجَهْ.
وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْإِسْرَافِ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ
حَتَّى وَلَوْ كَانَ مِنْ أَجْلِ الْوُضُوءِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ
يَتَوَضَّأُ فَقَالَ "مَا هَذَا الْإِسْرَافُ؟"، فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ
إِسْرَافٌ؟، قَالَ "نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ" أَخْرَجَهُ
ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ
إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ"، وَالْإِسْرَافُ يَتَحَقَّقُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ
لِغَيْرِ فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ، كَأَنْ يَزِيدَ فِي الْغَسْلِ عَلَى الثَّلَاثِ، وَقَدِ
اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ لِلْوُضُوءِ
عَلَى الثَّلَاثِ مَكْرُوهٌ، وَأَنَّهُ إِسْرَافٌ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ.
وَأَرْسَى الْإِسْلَامُ قَوَاعِدَ الطِّبِّ
الْوِقَائِيِّ حِمَايَةً لِلنَّفْسِ وَحِمَايَةً لِلْبِيئَةِ، وَمِنْ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَاءِ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ عَنْ التَّبَوُّلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ
فِي قَوْلِهِ ﷺ "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ
الرَّاكِدِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ -، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ هُنَاكَ أَمْرَاضًا كَثِيرَةً تَنْتِجُ
عَنِ الِاسْتِحْمَامِ فِي الْمَاءِ الرَّاقِدِ الَّذِي سَبَقَ التَّبَوُّلُ فِيهِ مِثْلَ
الْكُولِيرَا وَالْبِلْهَارْسِيَا. كَمَا نَهَى ﷺ "أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي"
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَذَلِكَ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى نَظَافَةِ الْمَاءِ مِنَ
الطُّفَيْلِيَّاتِ الَّتِي تَكُونُ مَعَ الْبَوْلِ وَتُؤَدِّي إِلَى تَلَوُّثِ الْمَاءِ.
وَدَعَا ﷺ أَنْ يَتَحَرَّى الْمُسْلِمُ فِي قَضَاءِ
حَاجَتِهِ الْأَمَاكِنَ الْمَعْزُولَةَ حَتَّى تَسْتَقِرَّ الْفَضَلَاتُ الْآدَمِيَّةُ
فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ فَلَا يَتَلَوَّثُ بِهَا مَاءٌ، وَلَا يَتَنَجَّسُ بِهَا طَرِيقٌ
فَقَالَ ﷺ "اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ:
الْبَرَازَ فِي الْمَاءِ وَفِي الظِّلِّ وَفِي طَرِيقِ النَّاسِ" رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ
ﷺ "نَهَى أَنْ يَتَخَلَّى الرَّجُلُ
تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ، وَنَهَى أَنْ يَتَخَلَّى عَلَى ضَفَّةِ نَهَرٍ جَارٍ"
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.
فَالتَّبَرُّزُ أَوِ التَّبَوُّلُ فِي الْمَاءِ
مِنَ السُّلُوكِيَّاتِ الْخَاطِئَةِ الَّتِي يَجِبُ الْبُعْدُ عَنْهَا، وَالْمَعْرُوفُ
أَنَّ تَصْرِيفَ مِيَاهِ الْمَجَارِي فِي الْمِيَاهِ النَّقِيَّةِ لَا يُؤَدِّي إِلَى
تَلْوِيثِهَا بِالطُّفَيْلِيَّاتِ وَالرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ فَحَسْبُ، بَلْ يَتَسَبَّبُ
فِي اسْتِهْلَاكِ الْأُكْسِجِينِ الذَّائِبِ فِي الْمِيَاهِ مِمَّا يُؤَثِّرُ عَلَى
حَيَاةِ الْكَائِنَاتِ الَّتِي تَعِيشُ فِيهِ، كَمَا أَنَّ الْمَوَادَّ الْعُضَوِيَّةَ
الْمَوْجُودَةَ فِي مِيَاهِ الْمَجَارِي تُؤَدِّي إِلَى ازْدِهَارِ أَنْوَاعٍ عَدِيدَةٍ
مِنَ الْبَكْتِيرِيَا وَالطُّفَيْلِيَّاتِ وَالْكَائِنَاتِ الْأُولِيَّةِ الَّتِي تُسَبِّبُ
تَلَوُّثَ الْمَاءِ.
وَعَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ دَعَا رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ إِلَى تَغْطِيَةِ أَوَانِي الْمَاءِ لِحِمَايَتِهِ
مِنَ الْمُلَوِّثَاتِ الَّتِي قَدْ تَنْتَقِلُ إِلَيْهِ مِنَ الْهَوَاءِ أَوِ الْحَشَرَاتِ
النَّاقِلَةِ لِلْجَرَاثِيمِ وَالطُّفَيْلِيَّاتِ وَالْفِئْرَانِ وَالنَّمْلِ وَالْبَعُوضِ،
فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ
اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "غَطُّوا الْإِنَاءَ وَأَوْكُوا
السِّقَاءَ فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ
لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلَّا نَزَلَ فِيهِ
مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَمَعْنَى "أَوْكُوا السِّقَاءَ"
أَيْ ارْبِطُوا فُوَّهَاتِ أَوَانِي الْمَاءِ لِحِمَايَتِهَا مِنَ التَّلَوُّثِ وَالْأَوْبِئَةِ.
بَلْ إِنَّ حِرْصَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ وَسَلَامَتِهِ
بَلَغَتْ حَدًّا أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ إِذْ نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ لِيَحْمِيَهُ
مِنْ نَفْسِ شَارِبِهِ وَرَائِحَةِ فَمِهِ كَيْ لَا يَتَلَوَّثَ، لِأَنَّ الشَّارِبَ
الْأَوَّلَ قَدْ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ كُلَّهُ، وَقَدْ يَحْتَاجُ بَقِيَّتَهُ شَخْصٌ
آخَرُ.
وَبِالْمِثْلِ نَهَى ﷺ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ مُبَاشَرَةً،
وَيَرَى الْمُفَسِّرُونَ وَالْعُلَمَاءُ أَنَّ لِذَلِكَ سَبَبَيْنِ: الْأَوَّلُ عَدَمُ
تَلَوُّثِ مَاءِ السِّقَاءِ بِرَائِحَةِ فَمِ الشَّارِبِ، وَالثَّانِي حِمَايَةُ الشَّارِبِ
مِمَّا قَدْ يَكُونُ فِي السِّقَاءِ مِنْ شَيْءٍ مُخْتَلِطٍ بِالْمَاءِ، فَإِذَا وُضِعَ
الْمَاءُ فِي كَأْسٍ عُلِمَ مَا بِهِ.
وَلَقَدِ الْتَزَمَ الْمُسْلِمُونَ مُنْذُ
فَجْرِ الْإِسْلَامِ بِهَذِهِ التَّعَالِيمِ فَحَرَصُوا عَلَى الْمَاءِ حِرْصًا شَدِيدًا،
كَمَا حَرَصُوا عَلَى بَقَائِهِ نَقِيًّا طَاهِرًا حَتَّى يَتَمَكَّنُوا مِنْ شُرْبِهِ
وَالتَّطَهُّرِ بِهِ فِي صَلَاتِهِمْ وَسَائِرِ عِبَادَاتِهِمُ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى
طَهَارَةٍ، كَمَا حَرَصُوا عَلَى تَوْفِيرِهِ لِلْجَمِيعِ فَلَا يُحْرَمُ مِنْهُ أَحَدٌ،
وَفِي مَرْحَلَةٍ مُبَكِّرَةٍ مِنَ الْإِسْلَامِ اعْتُبِرَ الْمَاءُ ثَرْوَةً يُمْكِنُ
التَّصَدُّقُ بِهَا كَالْمَالِ، وَشَجَّعَ الرَّسُولُ - ﷺ عَلَى ذَلِكَ فِي مُنَاسَبَاتٍ كَثِيرَةٍ
أَشْهَرُهَا قِصَّةُ بِئْرِ رُومَةَ الَّذِي كَانَ تَحْتَ يَدِ يَهُودِيٍّ وَكَانَ
يَمْنَعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَائِهِ، فَقَالَ - ﷺ "مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ
دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ"، فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَاسْمَعُوا لِهَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَظِيمَةِ:
رَجُلٌ سَقَى كَلْبًا يَلْهَثُ مِنَ الْعَطَشِ فِي خُفِّهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ.
فَمَا بَالُكُمْ بِمَنْ سَقَى إِنْسَانًا؟ إِنَّهَا صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ لَا تَنْقَطِعُ؛
وَتَيْسِيرُ الْمَاءِ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى الْإِنْسَانِ، بَلْ
يَمْتَدُّ لِلْحَيَوَانِ حَتَّى لَوْ كَانَ كَلْبًا ضَالًّا، فَقَدْ أَخْبَرَ الرَّسُولُ
ﷺ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي سَقَى كَلْبًا
فِي خُفِّهِ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ.
فَإِنَّ الْمَاءَ فِي مَكَانِ الصَّدَارَةِ
مِنَ النِّعَمِ الَّتِي يُسْأَلُ عَنْهَا الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ مِنَ
النَّعِيمِ الْمَقْصُودِ فِي قَوْلِ اللَّهِ -تَعَالَى-: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ
عَنِ النَّعِيمِ﴾[التَّكَاثُرِ:8]؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا
يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ:
أَلَمْ نَصِحَّ لَكَ بَدَنَكَ وَنُرْوِكَ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ؟" حَدِيثٌ
صَحِيحٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِهِ،
وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِهِ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِهِ، وَجَمِيعِ سَخَطِهِ، أَقُولُ قَوْلِي
هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لي ولكم.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ :
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا
مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى
بِهَدْيِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ، فَقَدْ ضَرَبَ
اللَّهُ بِالْمَاءِ أَمْثَالًا مُتَعَدِّدَةً فِي الْقُرْآنِ، فَلَقَدْ شَبَّهَ اللَّهُ
الدُّنْيَا بِالْمَاءِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ
الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
مُقْتَدِرًا ﴾ [الْكَهْفِ: 45] وَجَوَامِعُ التَّشْبِيهِ بَيْنَهُمَا مُتَعَدِّدَةٌ؛
مِنْهَا: الْمَاءُ لَيْسَ لَهُ قَرَارٌ وَكَذَا الدُّنْيَا، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَاءَ
إِنْ أَمْسَكْتَهُ نَتِنَ وَتَغَيَّرَ وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا لِمَنْ أَمْسَكَهَا بِلِيَّةٍ!
وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَاءَ يَأْتِي قَطْرَةً قَطْرَةً وَيَذْهَبُ دَفْعَةً وَاحِدَةً،
وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا، وَالْمَاءُ طَبْعُهُ النُّقْصَانُ وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا.
وَمِنَ التَّشْبِيهَاتِ أَنْ جَعَلَ اللَّهُ
مِنْ أَدِلَّةِ الْبَعْثِ إِحْيَاءَ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا بِالْمَطَرِ، قَالَ
تَعَالَى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا
عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى
إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فُصِّلَتْ: 39].
وَشَبَّهَ نُورَ الْوَحْيِ وَتَلَقِّي الْقُلُوبِ
لِلْوَحْيِ بِالْمَاءِ وَاسْتِقْبَالِ الْوَادِي لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ أَنْزَلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا
رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ
زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ
فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ
يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [الرَّعْدِ: 17].
فَلَقَدْ شَبَّهَ اللَّهُ الْمَاءَ بِالْوَحْيِ،
وَالْأَوْدِيَةَ بِقُلُوبِ النَّاسِ، فَبِحَسَبِ مَا يَتَّسِعُ الْقَلْبُ يَتَّسِعُ
لِنُورِ الْوَحْيِ، وَكَذَا مَجْرَى الْوَادِي بِحَسَبِ سَعَتِهِ وَعُمْقِهِ يَحْمِلُ
مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ وَيَحْفَظُهُ، ثُمَّ إِنَّهُ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ تَكُونُ شُبُهَاتٌ
وَشَهَوَاتٌ تَنْتَفِخُ وَتَنْتَفِشُ مُحَاوِلَةً إِخْفَاءَ الْحَقِّ كَمَا أَنَّ الْوَادِيَ
إِذَا سَالَ يَحْمِلُ مَعَهُ الْغُثَاءَ فَيَنْتَفِشُ وَتَكُونُ زَبَدًا؛ وَلَكِنْ
لَا يَلْبَثُ الْبَاطِلُ أَنْ يَخْنُسَ وَيَخْتَفِيَ كَالزَّبَدِ يَخْتَفِي وَيَبْقَى
الْمَاءُ وَنَفْعُهُ لِلْأَرْضِ، فَكَمْ حَارَبَ الْإِسْلَامَ مِنْ مُحَارِبٍ وَعَادَاهُ
مِنْ مُعَادٍ؛ وَلَكِنْ صَدَقَ اللَّهُ ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ
بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
﴾ [التَّوْبَةِ: 32].
وَمِنَ التَّشْبِيهَاتِ تَشْبِيهُ رَسُولِ
اللَّهِ ﷺ الْعِلْمَ وَنُورَ الْوَحْيِ، وَتَلَقِّي
النَّاسِ بِالْغَيْثِ، وَتَلَقِّي الْأَرْضِ لَهُ؛ فَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ
بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا
طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ،
وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا
مِنْهَا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ
قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي
دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ
مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ
بِهِ"، فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ هَذَا الْوَحْيِ؟ هَلْ تَعَلَّمْتَ وَعَمِلْتَ وَنَشَرْتَ
دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ أَمِ اقْتَصَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ وَنَفْعِهَا أَوْ أَعْرَضْتَ
عَنْ دِينِ اللَّهِ وَنَسِينَاهُ؟ وَمَنْ نَسِيَ اللَّهَ نَسِيَهُ اللَّهُ.
وَأَخِيرًا عِبَادَ اللَّهِ هَذَا الْمَاءُ
جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَذَابًا لِأُمَمٍ مُكَذِّبِينَ؛ فَغَدَا
طُوفَانًا عَمَّ الْأَرْضَ وَعَلَا قِمَمَ الْجِبَالِ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُ إِلَّا
نُوحٌ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَأَصْحَابُ السَّفِينَةِ.
وَكَانَ لِسَبَأٍ وَأَهْلِهَا الَّذِينَ
كَانُوا فِي نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ، أَرْزَاقُهُمْ وَاسِعَةٌ وَزُرُوعُهُمْ وَافِرَةٌ،
وَثِمَارُهُمْ طَيِّبَةٌ؛ فَأَعْرَضُوا عَنِ الْهُدَى وَلَمْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ بِالْعِبَادَةِ
وَيَشْكُرُوا نِعَمَهُ -كَانَ عِقَابًا عَاجِلًا حِينَ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
سَيْلَ الْعَرِمِ؛ فَانْهَارَ السَّدُّ وَاجْتَاحَ الْمَاءُ بِلَادَهُمْ وَاجْتَثَّ
زُرُوعَهُمْ وَثِمَارَهُمْ وَأَتْلَفَ أَمْوَالَهُمْ وَمَحَاصِيلَهُمْ، فَذَلُّوا بَعْدَ
عِزَّةٍ وَضَعُفُوا بَعْدَ قُوَّةٍ، وَتَفَرَّقُوا بَعْدَ اجْتِمَاعٍ وَإِلْفَةٍ، وَخَافُوا
بَعْدَ أَمْنٍ وَمَنَعَةٍ ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ
عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ
وَرَبٌّ غَفُورٌ _ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ
بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ
قَلِيلٍ _ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾[سَبَأٍ:15-17].
وَلَوْ تَأَمَّلْنَا فِي أَحْوَالِ مَنِ
ابْتُلُوا بِالْجَدْبِ وَالْقَحْطِ، وَالْجَفَافِ وَالْمَجَاعَةِ، لَعَرَفْنَا قِيمَةَ
الْمَاءِ، وَقَدَّرْنَا هَذِهِ النِّعْمَةَ حَقَّ قَدْرِهَا؛ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ
﴾ [الْمُلْكِ: 30].
لِذَلِكَ عَلَيْنَا أَنْ نُحَافِظَ عَلَى
هَذِهِ النِّعْمَةِ "نِعْمَةِ الْمَاءِ"، وَذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ:
أَوَّلًا: بِشُكْرِ اللَّهِ وَبِتَقْوَاهُ،
فَدَوَامُ النِّعْمَةِ مَرْهُونٌ بِشُكْرِ الْمُنْعِمِ - سُبْحَانَهُ -: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: 7].
وَلَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَفِيًّا بِنِعْمَةِ اللَّهِ يُعَظِّمُهَا
وَيَشْكُرُهَا، وَمَا أَكْثَرَ الدَّعَوَاتِ الَّتِي كَانَ يَدْعُو بِهَا رَسُولُ اللَّهِ
ﷺ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ طَعَامِهِ إِذَا طَعِمَ
وَشَرَابِهِ إِذَا شَرِبَ، فَكَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ قَالَ:
"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ".
وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ إِنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ قَالَ:
"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقَانَا عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ
مِلْحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا".
ثَانِيًا: بِرِعَايَتِهَا وَعَدَمِ الْإِسْرَافِ
فِيهَا؛ ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [الْأَعْرَافِ: 31]
وَإِذَا لَمْ نُحَافِظْ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ،
فَإِنَّ ابْتِلَاءَ اللَّهِ لَنَا بِالْمِرْصَادِ، فَقَدْ يَحْبِسُ عَنَّا الْمَطَرَ
وَالْقَطْرَ، أَوْ يُؤَخِّرُهُ عَلَيْنَا، أَوْ يَنْزِعُ بَرَكَتَهُ مِنْهَا، وَقَدْ
ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ اغْتَسَلَ
بِالْقَلِيلِ، وَإِذَا تَوَضَّأَ تَوَضَّأَ بِالنَّزْرِ الْيَسِيرِ؛ فَعَنْ أَنَسٍ
-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ
أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ"، وَالْمُدُّ مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ-،
وَاعْلَمُوا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ وَيَتَّقِيَ
رَبَّهُ، وَإِذَا بَدَأَتِ الْمُحَاسَبَةُ تَأْتِي النَّتَائِجُ الْمُثْمِرَةُ -بِإِذْنِ
اللَّهِ- وَالْمُؤْمِنُ يَتَعَبَّدُ لِلَّهِ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ؛ وَإِنَّ عَدَمَ
الرَّقِيبِ الْبَشَرِيِّ عَلَيْهِ، وَتَوْعِيَةَ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنَ الصِّغَارِ
الَّذِينَ نَشَؤُوا عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ قِيمَةِ هَذِهِ النِّعْمَةِ؛ فَصَارَ الْإِسْرَافُ
فِي الْمَاءِ طَبْعًا لَهُمْ - تَوْعِيَتُهُمْ مِنْ آكَدِ الْأُمُورِ؛ اللَّهُمَّ اسْقِنَا
الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا شُكْرَ نِعْمَتِكَ
وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ؛ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.