الرِّفْقُ.. بِنَاءٌ لِلْإِنْسَانِ وَعُمْرَانٌ لِلْأَوْطَانِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْأَخْلَاقَ
مِنَ الدِّينِ، وَأَعْلَى بِهَا شَأْنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَرَفَعَ بِمَكَارِمِهَا أَقْوَامًا
فَكَانُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ القائلِ في مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ:
(يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) – البقرة: ١٨٥، وَأَشْهَدُ
أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ مِنْ
خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، القائلُ كما في حديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا
– قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟
قَالَ: (الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ) – رواه أحمد، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ
وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَعْلَامِ،
مَصَابِيحِ الظَّلَامِ، خَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الدَّوَامِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ
لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَالْتِزَامٍ. أَمَّا بَعْدُ …. أمَّا بَعْدُ: فَأَوْصِيَكُمْ وَنَفْسِي
أَيُّهَا الْأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تَقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(
بِأَبِي وَأُمِّي أَنْتَ يَا خَيْرَ الْوَرَى****
وَصَلَاةُ رَبِّي وَالسَّلَامُ مُعَطَّرًا.
يَا رَبِّ صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى****
أَزْكَى الْأَنَامِ وَخَيْرُ مَنْ وَطِئَ الثَّرَى.
يَا رَبِّ صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ****تِعْدَادَ
حَبَّاتِ الرِّمَالِ وَأَكْثَرَا
عَبادَ اللهِ: (﴿الرِّفْقُ.. بِنَاءٌ لِلْإِنْسَانِ
وَعُمْرَانٌ لِلْأَوْطَانِ ﴾ عُنْوانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوانُ خُطْبَتِنَا.
عَناصِرُ اللِّقَاءِ:
أوَّلًا: الرِّفْقَ الرِّفْقَ، عِبَادَ
اللَّهِ.
ثَانِيًا: الرِّفْقُ مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ
المَوَاطِنِ.
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: القَسْوَةُ لَيْسَتْ
وَسِيلَةً نَاجِحَةً لِلتَّرْبِيَةِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَحْوَجَنَا فِي
هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ ﴿ الرِّفْقِ..
بِنَاءٌ لِلْإِنْسَانِ وَعُمْرَانٌ لِلْأَوْطَانِ ﴾ ، وَخَاصَّةً مَا أَحْوَجَنَا إِلَى
الرِّفْقِ وَاللِّينِ فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ مَظَاهِرُ الْعُنْفِ وَالْقَسْوَةِ
وَالْغِلْظَةِ وَالْجَفَاءِ، فِي الْبُيُوتِ وَالشَّوَارِعِ وَالْأَسْوَاقِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ
وَالْمَلَاعِبِ وَالْأَنْدِيَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ،
وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا انْتَشَرَ فِيهِ التَّشَدُّدُ وَالْغُلُوُّ وَالتَّنَطُّعُ
بِصُورَةٍ مُخْزِيَةٍ، وَانْعَدَمَ الرِّفْقُ وَاللِّينُ وَالْيُسْرُ بَيْنَ النَّاسِ،
وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. وَخَاصَّةً وَالتَّشَدُّدُ وَالْغُلُوُّ
مَرَضٌ عُضَالٌ، وَشَرٌّ وَوَبَالٌ، دَاءٌ يُفَرِّقُ الْقُلُوبَ، وَيُوغِرُ الصُّدُورَ،
وَيُذَكِّي نَارَ الْفِتَنِ. وَخَاصَّةً وَالرِّفْقُ مِنْ أَسْمَى الْقِيَمِ الْإِنْسَانِيَّةِ
الَّتِي تَسْمُو بِالْأَخْلَاقِ، وَتُشِيعُ الْمَحَبَّةَ وَالرَّحْمَةَ بَيْنَ النَّاسِ.
فَهُوَ لَيْسَ ضَعْفًا أَوْ تَهَاوُنًا، بَلْ قُوَّةٌ فِي ضَبْطِ النَّفْسِ، وَحِكْمَةٌ
فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْآخَرِينَ، وَأُسْلُوبٌ رَاقٍ يَعْكِسُ نُبْلَ الشَّخْصِيَّةِ
وَحُسْنَ التَّرْبِيَةِ, وَخَاصَّةً وَ إِنَّ نَشْرَ ثَقَافَةِ الرِّفْقِ مَسْؤُولِيَّةٌ
مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْأُسْرَةِ، وَالْمُؤَسَّسَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ، وَوَسَائِلِ
الْإِعْلَامِ، وَجَمِيعِ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ،
وَالْمُعَامَلَةَ الْحَسَنَةَ، وَالتَّسَامُحَ، كُلَّهَا صُوَرٌ مِنْ صُوَرِ الرِّفْقِ
الَّتِي تَتْرُكُ أَثَرًا عَظِيمًا فِي النُّفُوسِ، وَخَاصَّةً يَبْقَى الرِّفْقُ أَسَاسًا
لِبِنَاءِ الْإِنْسَانِ الصَّالِحِ، وَطَرِيقًا إِلَى مُجْتَمَعٍ مُتَمَاسِكٍ، وَوَطَنٍ
مُزْدَهِرٍ يَنْعَمُ بِالْأَمْنِ وَالسَّلَامِ. فَإِذَا صَلُحَ الْإِنْسَانُ بِالرِّفْقِ،
صَلُحَ الْمُجْتَمَعُ، وَعَمُرَتِ الْأَوْطَانُ.
وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
وَلَمْ أَرَ مِثْلَ الرِّفْقِ فِي لِينِهِ
**** أَخْرَجَ لِلْعَذْرَاءِ مِنْ خِدْرِهَا
مَنْ يَسْتَعِنْ بِالرِّفْقِ فِي أَمْرِهِ
**** قَدْ يُخْرِجِ الْحَيَّةَ مِنْ جُحْرِهَا
أوَّلًا: الرِّفْقَ الرِّفْقَ، عِبَادَ
اللَّهِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: الرِّفْقُ خُلُقٌ عَظِيمٌ مِنْ أَخْلَاقِ الدِّينِ، وَمَبْدَأٌ
كَرِيمٌ مِنْ مَبَادِئِ الإِسْلَامِ، وَشِيمَةُ الأَبْرَارِ الْمُحْسِنِينَ، وَصِفَةٌ
مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. وَهِيَ عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ، وَسَهْلَةٌ وَمَيْسُورَةٌ،
أَمَرَ بِهَا الدِّينُ، وَتَخَلَّقَ بِهَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ. تَدُلُّ عَلَى سُمُوِّ النَّفْسِ، وَعَظَمَةِ
الْقَلْبِ، وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ، وَوَعْيِ الرُّوحِ، وَنُبْلِ
الإِنْسَانِيَّةِ، وَأَصَالَةِ الْمَعْدِنِ. وَالرِّفْقُ مِنَ التَّرَفُّقِ، وَهُوَ
التَّلَطُّفُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَالتَّسْهِيلُ وَالتَّيْسِيرُ، وَالْمُدَارَاةُ
وَالْأَنَاةُ، وَالصَّبْرُ وَسَعَةُ الصَّدْرِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَلِينُ الْجَانِبِ،
وَاخْتِيَارُ أَحْسَنِ الْأَلْفَاظِ وَأَلْطَفِ الْأُسَالِيبِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ
الْآخَرِينَ.قَالَ جَلَّ وَعَلَا فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ مُخَاطِبًا نَبِيَّهُ المُصْطَفَى
ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٩] وقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَبِمَا
رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا
مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٩] وَعَنْ عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها، قَالَت: قَالَ
النَّبِيُّ ﷺ: «مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا
زَانَهُ، وَلا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» والرِّفْقُ رَأْسُ الْحِكْمَةِ، وَرَحْمَةٌ مِنَ
اللهِ عزَّ وجلَّ، قَالَ تَعَالَى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
الشعراء: [215] وامْتَدَحَ نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ
مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ
رَؤُوفٌ رَّحِيم) التوبة [128] وَالرِّفْقُ مِنْ مكارمِ الأخلاقِ، وذُرْوَةِ الآدابِ:
وَهوَ لِينُ الْجَانِبِ وسُهُولَةُ الطَّبْعِ واللُّطْفُ في الأَخْذِ والرَّدِّ، وهُوَ
الصَّفْحُ الْجَمِيلُ والتَّوَاضُعُ لِلْكَبِيرِ، والْحلْمُ على الصَّغِيرِ وهُوَ قَبُولُ
الْعُذْرِ دُونَ عِتَابٍ، والتَّجَاوُزُ دُونَ أَسْبَابٍ، والتَّغَاضِي عنِ الزَّلاتِ.
وَالرِّفْقُ خُلُقٌ عَظِيمٌ قَامَتْ عَلَيْهِ رِسَالَةُ الْإِسْلَامِ، وَبِهِ اكْتَمَلَتْ
مَحَاسِنُ الْأَخْلَاقِ، وَاسْتَقَامَتْ أَحْوَالُ الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ،
وَهُوَ مَسْلَكٌ نَبَوِيٌّ كَرِيمٌ، يَجْمَعُ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَبَيْنَ
الْحَزْمِ وَالْإِحْسَانِ. وَالرِّفْقُ خُلُقٌ عَظِيمٌ، وَمَسْلَكٌ كَرِيمٌ، وَصِفَةٌ
رَائِعَةٌ نَبِيلَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْكُمَّالِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَخَصْلَةٌ
رَاقِيَةٌ جَمِيلَةٌ، جَامِعَةٌ لِمَحَاسِنِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ. صِفَةٌ مَنْ
رُزِقَهَا رُزِقَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَمَنْ حُرِمَهَا حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ. وفِي
صَحِيحِ مُسْلِم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ». وَالرِّفْقُ صِفَةٌ مَحْبُوبَةٌ
مُمَيَّزَةٌ، وَسَامِيَةٌ جَلِيلَةٌ، يَكْفِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَبَّهَا، وَاتَّصَفَ
بِهَا عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِجَلَالِهِ وَكَمَالِهِ؛ فعَن عَلِيِّ بْنِ أَبِي
طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ
الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» [رواه أحمد]
والرِّفْقُ رَأْسُ الْحِكْمَةِ، وَرَحْمَةٌ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ، قَالَ تَعَالَى:
(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الشعراء: [215] وامْتَدَحَ
نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ
مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ
رَؤُوفٌ رَّحِيم) التوبة: [128]. والرِّفْقُ أَبْرَزُ سِمَاتِ الشَّرِيعَةِ الإِسْلامِيَّةِ
الَّتِي قَامَتْ عَلَى وَضْعِ الْحَرَجِ والْعُذْرِ بِالْجَهْلِ، والتَّقَيُّدِ بالاسْتِطَاعَةِ،
وتجَنُّبِ الْعَنَتِ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
حَرَجٍ﴾ [الحَجّ: ٧٨] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عنه، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ
الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا
بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» وإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ
خَيْرًا جَمَّلَهُ بِالرِّفْقِ، وَهَدَاهُ إِلَيْهِ، قال ﷺ: (يَا عَائِشَةَ! ارْفُقِي؛ فَإِنَّ اللهَ
إذَا أَرَادَ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفق) أخرجه أحمد ، وَالرِّفْقُ
– عِبَادَ اللَّهِ –أَسَاسُ دَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَمِنْهَجُهُمُ
الْقَوِيمُ فِي دَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ فَقَدْ دَعَوْا أَقْوَامَهُمْ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَتَحَلَّوْا بِالصَّبْرِ وَالْحِلْمِ
وَالرِّفْقِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ قَبُولِ دَعْوَتِهِمْ وَتَأْثِيرِهَا
فِي النُّفُوسِ قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ
ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ﴾ الآية [النحل: ١٢٥] وَقَدْ قَالَ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، حِينَ بَعَثَهُمَا
إِلَى طَاغِيَةِ الْأَرْضِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ
يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]. وَأَوْصَى اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ:
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ
بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء:
53].وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبَهُمْ****فَطَالَمَا
اسْتَعْبَدَ الْإِنْسَانَ إِحْسَانُ
وَالرِّفْقُ – عِبَادَ اللَّهِ – يَبْنِي
الْإِنْسَانَ، وَيُعَمِّرُ الدِّيَارَ، وَيُصْلِحُ الْأَحْوَالَ، وَيُؤَلِّفُ بَيْنَ
الْقُلُوبِ، وَيَنْشُرُ الْمَحَبَّةَ وَالْمَوَدَّةَ بَيْنَ النَّاسِ فَعَنْ عَائِشَةَ
رضي اللهُ عنها أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -قَالَ لَهَا: «إِنَّهُ مَنْ
أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ
الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ» [رواه أحمد].
وَالرِّفْقُ – عِبَادَ اللَّهِ – سَبَبٌ
مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَنَيْلِ رِضْوَانِ الرَّبِّ الْكَرِيمِ؛
ومغفرةِ الذنوبِ جَعَلَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّعِيمِ
الْمُقِيمِ، بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ فَعَنْ
عَلِيٍّ رضي اللهُ عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا يُرَى
بُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، وَظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا» فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ:
يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَنْ هِيَ؟ قَالَ ﷺ: «لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ
الطَّعَامَ، وَصَلَّى للهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
مَرْفُوعًا: إِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِرَجُلٍ وَجَدَ كَلْبًا يَلْهَثُ مِنَ الْعَطَشِ،
فَنَزَلَ فِي بِئْرٍ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً، وَأَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ،
فَسَقَى الْكَلْبَ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ».وَالْعُنْفُ وَالْقَسْوَةُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ
دُخُولِ النِّيرَانِ، وَلَوْ كَانَ مَعَ الْحَيَوَانَاتِ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ
سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا
سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالرِّفْقُ لِينٌ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ،
وَقُوَّةٌ مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، وَمَوَدَّةٌ وَتَآلُفٌ، وَحِلْمٌ وَأَنَاةٌ، وَحُسْنُ
مُعَامَلَةٍ وَجَمِيلُ مُعَاشَرَةٍ. وَفِي الْحَدِيثِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحَاسِنُهُمْ
أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّؤُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَلَا
خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ». وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيَلَزَمُهُ في شَتَّى
أُمُورِهِ، ومِنْ ذَلِكَ أَنَّ يَهُودَ أَتَوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقَالَتْ
عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمْ اللَّهُ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْكُمْ، قَالَ ﷺ: مَهْلًا يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ،
وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ:
(أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ،
وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ) أخرجه البخاري وَكَيْفَ لَا؟! وَدُعَاءُ النَّبِيِّ
ﷺ لِأُمَّتِهِ، وَبُكَاؤُهُ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ
وَرِفْقًا بِهِمْ، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي
إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآيَةَ. وَقَالَ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-:
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي، أُمَّتِي،
وَبَكَى. فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: “يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ – وَرَبُّكَ أَعْلَمُ – فَسَلْهُ: مَا
يُبْكِيكَ؟” فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ
رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ
اللهُ: “يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ،
وَلَا نَسُوؤُكَ”. فَالرِّفْقَ الرِّفْقَ – عِبَادَ اللَّهِ – اللِّينَ اللِّينَ، وَالتَّيْسِيرَ
التَّيْسِيرَ، عِبَادَ اللَّهِ، فَارْفُقُوا تُفْلِحُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَارْفُقْ فِي كُلِّ الْأُمُورِ فَلَمْ
يَنْدَمْ رَفِيقٌ وَلَمْ يَذُمْهُ إِنْسَانٌ
وَلَا يَغُرَّنَّكَ حَظٌّ جَرَّهُ خُرْقٌ
فَالْخُرْقُ هَدْمٌ وَرِفْقُ الْمَرْءِ بُنْيَانٌ
️ثَانِيًا: الرِّفْقُ مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ
المَوَاطِنِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: وَالرِّفْقُ مَطْلُوبٌ
فِي كُلِّ الْمَوَاطِنِ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَمَعَ كُلِّ النَّاسِ، فَبِهِ
تَصْلُحُ الْقُلُوبُ، وَتَسْتَقِيمُ الْمُعَامَلَاتُ، وَتَزْدَادُ الْمَوَدَّةُ وَالتَّآلُفُ
بَيْنَ الْعِبَادِ، وَتُدْفَعُ بِهِ الشَّرُورُ وَالْخِلَافَاتُ، وَتَسْتَقِرُّ بِهِ
الْحَيَاةُ وَيَعُمُّ بِهِ الْخَيْرُ وَالسَّلَامُ.
وَيَتَأَكَّدُ فِي مَوَاطِنَ مِنْهَا: الرِّفْقُ
بِالْوَالِدَيْنِ: فَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالرِّفْقِ وَاللِّينِ وَالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ،
خَاصَّةً عِنْدَ الْكِبَرِ؛ لِحَدِيثِ: «رَغِمَ أَنْفُهُ» بِالتَّكْرَارِ، قِيلَ: مَنْ
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا
أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ». قَالَ تَعَالَى:﴿وَقُلْ لَهُمَا
قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ
ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23-24].وَقَالَ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ
اللَّهُ: كُنْ لَهُمَا ذَلِيلًا رَحْمَةً مِنْكَ بِهِمَا، تُطِيعُهُمَا فِيمَا أَمَرَاكَ
بِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ، وَلَا تُخَالِفُهُمَا فِيمَا أَحَبَّا.
وَيَتَأَكَّدُ الرِّفْقُ : في الرِّفْقِ
بِالنِّسَاءِ وَالزَّوْجَاتِ؛ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ لَكُمْ، وَأَسِيرَاتٌ فِي بُيُوتِكُمْ،
يَغْلِبُ عَلَيْهِنَّ الضَّعْفُ، وَيَتَّسِمْنَ بِالْعَجْزِ، فَلِينُوا لَهُنَّ وَارْفُقُوا
بِهِنَّ. قَالَ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا
خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ لَهُ سَائِقٌ
يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ، يَحْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ»رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَمُسْلِمٌ.
وَيَتَأَكَّدُ الرِّفْقُ فِي حَقِّ مَنْ
وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ؛ قَالَ ﷺ: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ
أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ
أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
وَيَتَأَكَّدُ الرِّفْقُ: الرِّفْقُ بِالْعُمَّالِ،
وَمَنْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ؛ لَا تُحَمِّلُوهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ،
وَلَا تَمْنَعُوهُمْ مَا يَسْتَحِقُّونَ، وَلَا تُسْمِعُوهُمْ مَا يَكْرَهُونَ. جَاءَ
رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ نَعْفُو
عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ، فَصَمَتَ، فَلَمَّا
كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: «اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً»
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ
اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا
يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا يُكَلِّفْهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ،
فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَمِنْ مَوَاطِنِ الرِّفْقِ:الرِّفْقُ بِالضُّعَفَاءِ
وَالْمَسَاكِينِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ
هَكَذَا» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهَاجِرَةُ الْبَحْرِ قَالَ: «أَلَا تُحَدِّثُونِي
بِأَعَاجِيبِ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ؟» قَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ: بَلَى
يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ
رَهْبَانِهِمْ تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ
فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا ثُمَّ دَفَعَهَا، فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا
وَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: سَوْفَ
تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ وَجَمَعَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ
وَتَكَلَّمَتِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ
كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَدَقَتْ، صَدَقَتْ؛ كَيْفَ يُقَدِّسُ
اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ؟».فَالرِّفْقُ يَكُونُ
فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، وَالرِّفْقُ مَعَ النَّاسِ وَاللِّينُ مَعَهُمْ وَالتَّيْسِيرُ
عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ، بَلْ مِنْ أَعْظَمِ
صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي يَسُودُ بِهَا الْعُظَمَاءُ مِنَ الْبَشَرِ، يُحِبُّهَا
اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَيُعْطِي عَلَيْهَا مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ
مَا لَا يُعْطِي عَلَى غَيْرِهَا. وَصَاحِبُ الرِّفْقِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ، هَيِّنٌ
سَهْلٌ رَقِيقٌ رَحِيمٌ، مُحَرَّمٌ عَلَى النَّارِ؛ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ
لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ».
وَيَتَأَكَّدُ الرِّفْقُ فِي النُّصْحِ
وَالتَّوْجِيهِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ قَالَ رَبُّنَا
جَلَّ وَعَلَا لِمُوسَى وَأَخِيهِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿اذْهَبَا
إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ
أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 43-44]، وَقَالَ ﷺ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا
وَلَا تُنَفِّرُوا» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَيَتَأَكَّدُ الرِّفْقُ: فِي رِفْقِ الْمُعَلِّمِ
بِالْمُتَعَلِّمِ؛ فَمَا أُدْرِكَ الْعِلْمُ إِلَّا مِنْ بَابِ الرِّفْقِ، وَمَا تَرَكَ
الْمُعَلِّمُ أَثَرًا فِي طُلَّابِهِ أَفْضَلَ مِنْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ وَابْتِسَامَةٍ
صَادِقَةٍ. فَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ:
يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ،
مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ،
فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ
مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ؛ فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي
وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا
شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ
الْقُرْآنِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ذَلِكُم هُوَ المُصْطَفَى ﷺ، كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا وَخَلْقًا.
اُنْظُرُوا إِلَى خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ. يَقُولُ
أَبُو هُرَيْرَةَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ
مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ،
فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ
ﷺ فَقَالَ: “مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟”
فَقَالَ: “عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ
تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ، فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ
مَا شِئْتَ.” فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ:
“مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟” قَالَ: “مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى
شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ، فَسَلْ
تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ.” فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتَّى كَانَ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ:
“مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟” فَقَالَ: “عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ
تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ
الْمَالَ، فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ.” فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ.” (أَيْ: لَا نُرِيدُ
مِنْهُ مَالًا، وَلَا جَزَاءً، وَلَا شُكُورًا، وَلَا نُلْزِمُهُ بِالْإِسْلَامِ، وَلَا
نُكْرِهُهُ عَلَى الْإِيمَانِ، فُكُّوا قَيْدَهُ.) فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ
مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ (لِيَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ
النَّبِيِّ ﷺ بِعِزَّةٍ وَاسْتِعْلَاءٍ)، فَقَالَ:
“أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ،
فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللَّهِ، مَا كَانَ
مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ
إِلَيَّ، وَاللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ
بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا
أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا
قَدِمَ مَكَّةَ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوْتَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ
مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا وَاللَّهِ، لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ
الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). اُنْظُرُوا إِلَى
ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ، وَهُوَ الَّذِي يُرِيدُ قَتْلَ الْمُصْطَفَى ﷺ، كَيْفَ كَانَ يَتَعَامَلُ مَعَهُ؟ وَكَيْفَ
حَوَّلَ حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَامَةَ إِلَى التَّوْحِيدِ وَإِلَى
الْإِيمَانِ؟ أَيُّهَا الْأَفَاضِلُ، اُنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ
ﷺ يَتَعَامَلُ مَعَ الْأَسْرَى؟ يُقَدِّمُ
لَهُمُ اللَّبَنَ وَالطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، لِيَشْرَبَ ثُمَامَةُ، وَلِيَأْكُلَ ثُمَامَةُ.
بَلْ لَقَدْ حَوَّلَ الرِّفْقُ وَالْحِلْمُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ، حَوَّلَ الْبُغْضَ
فِي قَلْبِ ثُمَامَةَ إِلَى حُبٍّ فَيَّاضٍ! تَدَبَّرْ مَعِي هَذَا الْكَلَامَ، كَلِمَاتٌ
تُكْتَبُ بِمَاءِ الْعُيُونِ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ
وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ
كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ
مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ يَا
رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ
بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ. اللَّهُ أَكْبَرُ! إِنَّهُ الرِّفْقُ، إِنَّهُ الْحِلْمُ،
إِنَّهُ اللِّينُ، إِنَّهُ حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ﷺ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ
حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ –: أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَامَ فِي
طَائِفَةٍ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ – أَي: فِي جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ الْمَسْجِدِ
النَّبَوِيِّ – فِي حَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَبَالَ. فَقَالَ الصَّحَابَةُ: مَهْ مَهْ!
وَقَالَ الْحَبِيبُ صَاحِبُ الْخُلُقِ: “دَعُوهُ، لَا تُزْرِمُوهُ، اُتْرُكُوهُ يُكْمِلْ
بَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ.” وَكَمَّلَ الرَّجُلُ بَوْلَهُ، كَأَنَّهُ يَتَبَوَّلُ فِي
خَلَاءِ بَيْتِهِ، وَكَأَنَّهُ ﷺ يَعْلَمُ أَنَّ فِي انْقِطَاعِ الْبَوْلِ
دَاءً خَطِيرًا.فَبِاللَّهِ عَلَيْكَ، مَاذَا تَفْعَلُ لَوْ دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ،
وَوَجَدْتَ طِفْلًا صَغِيرًا يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ؟ أَوْ وَجَدْتَ سَفِيهًا لَا
يَعْرِفُ شَيْئًا؟ نَحْنُ لَا نَدْعُو إِلَى التَّسَيُّبِ، وَلَكِنَّنَا نُرِيدُ أَنْ
نَتَعَامَلَ مَعَ النَّاسِ بِـ حُسْنِ الْخُلُقِ. “دَعُوهُ، لَا تُزْرِمُوهُ، اُتْرُكُوهُ
يُكْمِلْ بَوْلَهُ.” يَعْنِي: دَعُوهُ يُكْمِلْ بَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ. ثُمَّ نَادَى
عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَالَ لَهُ: “إِنَّ الْمَسَاجِدَ لَا
تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ لِلصَّلَاةِ، وَلِذِكْرِ اللهِ،
وَلِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.” (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “ائْتُونِي بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ.” فَأَخَذَ
الْمَاءَ، وَصَبَّهُ عَلَى مَكَانِ الْبَوْلِ، فَطَهَّرَ الْمَكَانَ، وَأَنْهَى الْإِشْكَالَ
كُلَّهُ. فَانْتَفَعَ الْأَعْرَابِيُّ بِهَذَا الْحِلْمِ، وَبِهَذَا الْخُلُقِ، وَبِهَذِهِ
الرَّحْمَةِ، فَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ. وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ، ظَلَّ
يَقُولُ: “اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا.” فَقَالَ
لَهُ الْمُصْطَفَى ﷺ: “لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا.” قَالَ
اللهُ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فَلِمَاذَا ضَيَّقْتَ مَا وَسَّعَ اللهُ؟
اللَّهُ أَكْبَرُ! إِنَّهُ الرِّفْقُ، إِنَّهُ الْحِلْمُ، إِنَّهُ اللِّينُ، إِنَّهُ
حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ﷺوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
–: أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَعْطَاهُ،
ثُمَّ قَالَ: “أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟” فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: “وَلَا أَجْمَلْتَ!”
فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَامُوا إِلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ “كُفُّوا.” ثُمَّ قَامَ وَدَخَلَ
مَنْزِلَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ﷺ، وَزَادَهُ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: “أَحْسَنْتُ
إِلَيْكَ؟” قَالَ: “نَعَمْ، فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ أَهْلٍ وَعَشِيرَةٍ خَيْرًا.” فَقَالَ
لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: “إِنَّكَ قُلْتَ مَا قُلْتَ، وَفِي نَفْسِ
أَصْحَابِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ، فَقُلْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا
قُلْتَ بَيْنَ يَدَيَّ، حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِي صُدُورِهِمْ عَلَيْكَ.” قَالَ: “نَعَمْ.”
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَوِ الْعَشِيُّ جَاءَ، فَقَالَ ﷺ: “إِنَّ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ قَالَ مَا
قَالَ، فَزِدْنَاهُ، فَزَعَمَ أَنَّهُ رَضِيَ. أَكَذَلِكَ؟” قَالَ: “نَعَمْ، فَجَزَاكَ
اللَّهُ مِنْ أَهْلٍ وَعِشِيرَةٍ خَيْرًا.” فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “مَثَلِي وَمَثَلُ هَذَا، مَثَلُ رَجُلٍ
لَهُ نَاقَةٌ شَرَدَتْ عَلَيْهِ، فَاتَّبَعَهَا النَّاسُ، فَلَمْ يَزِيدُوهَا إِلَّا
نُفُورًا، فَنَادَاهُمْ صَاحِبُهَا: خَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ نَاقَتِي، فَإِنِّي أَرْفَقُ
بِهَا مِنْكُمْ، وَأَعْلَمُ، فَتَوَجَّهَ لَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا، فَأَخَذَ لَهَا مِنْ
قُمَامِ الْأَرْضِ، فَرَدَّهَا، حَتَّى جَاءَتْ وَاسْتَنَاخَتْ، وَشَدَّ عَلَيْهَا
رَحْلَهَا، وَاسْتَوَى عَلَيْهَا، وَإِنِّي لَوْ تَرَكْتُكُمْ حَيْثُ قَالَ الرَّجُلُ
مَا قَالَ، فَقَتَلْتُمُوهُ، دَخَلَ النَّارَ.” (رَوَاهُ الْبَزَّارُ )) وعَنْ أَبِي
أُمَامَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: "إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ- صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ
الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَا
مِنْهُ قَرِيبًا"، قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟» قَالَ: لَا
وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ»،
قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟» قَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي
اللهُ فِدَاءَكَ قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ»، قَالَ:
"أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟» قَالَ: لَا، وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ،
قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟»
قَالَ: لَا، وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ
لِعَمَّاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟» قَالَ: لَا، وَاللهِ، جَعَلَنِي
اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ»، قَالَ: فَوَضَعَ
يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ
فَرْجَهُ» قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ"
[رواه أحمد] اللهُ أكبرُ إنَّهُ الرفقُ، إنَّهُ الحلمُ، إنَّهُ اللينُ، إنَّهُ، حُسنُ
خُلقِ النبيِّ المختارِ ﷺ.
وأَحسنُ مِنكَ لم ترَ قطُّ عيني ***** وَأجْمَلُ
مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ
خلقتَ مبرأً مِنْ كلّ عيبٍ ***** كأنكَ
قدْ خلقتَ كما تشاءُ
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ
اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ
ذِي الْجُودِ وَالْإِحْسَانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ
لَا شَرِيكَ لَهُ، عَظِيمُ الشَّأْنِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: القَسْوَةُ لَيْسَتْ
وَسِيلَةً نَاجِحَةً لِلتَّرْبِيَةِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: الرِّفْقُ فِي التَّرْبِيَةِ
مَنْهَجٌ رَبَّانِيٌّ وَنَهْجٌ نَبَوِيٌّ، بِهِ تُبْنَى النُّفُوسُ عَلَى الْإِيمَانِ
وَالْأَدَبِ، وَتُغْرَسُ فِيهَا مَعَانِي الْحُبِّ وَالِاحْتِرَامِ، وَيَنْشَأُ الْأَبْنَاءُ
عَلَى الثِّقَةِ وَالْإِيجَابِيَّةِ، وَيَصِيرُ التَّوْجِيهُ أَبْلَغَ وَأَثَرُهُ أَبْقَى.
وَالْقَسْوَةُ وَالْعُنْفُ تَهْدِمَانِ مَا تَبْنِيهِ التَّرْبِيَةُ، وَتُفْسِدَانِ
مَا تُصْلِحُهُ، وَتُوَلِّدَانِ فِي النُّفُوسِ الْخَوْفَ وَالنُّفُورَ، وَتُضْعِفَانِ
رَابِطَ الثِّقَةِ بَيْنَ الْمُرَبِّي وَالْمُتَرَبِّي، فَلَا تَحْصُلُ بِهِمَا تَرْبِيَةٌ
مُسْتَقِيمَةٌ وَلَا تَنْشِئَةٌ سَلِيمَةٌ. فَالتَّرْبِيَةُ لِينٌ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ،
وَشِدَّةٌ مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، وَحِكْمَةٌ فِي التَّوْجِيهِ، وَحُسْنُ تَدْبِيرٍ فِي
التَّعَامُلِ، تَجْمَعُ بَيْنَ الرَّحْمَةِ وَالْحَزْمِ، وَتُقِيمُ الشَّخْصِيَّةَ
عَلَى الِاعْتِدَالِ وَالْإِصْلَاحِ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَامَلُ مَعَ الْأَطْفَالِ بِالرَّحْمَةِ
وَاللِّينِ، فَيُقَبِّلُهُمْ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَيَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ وَيَحْمِلُهُمْ؛
فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ
ﷺ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فَمَا
نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ
مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ».وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ يَزُورُ الْأَنْصَارَ فَيُسَلِّمُ عَلَى
صِبْيَانِهِمْ وَيَمْسَحُ بِرُؤُوسِهِمْ وَيَدْعُو لَهُمْ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِصِبْيَانِ
أَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَسَبَقَ بِي إِلَيْهِ فَحَمَلَنِي
بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَيْ فَاطِمَةَ فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ، فَأَدْخَلَنَا
الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ. وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا
رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَالتَّرْبِيَةُ مَسْؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ،
وَأَمَانَةٌ كَبِيرَةٌ سَيُسْأَلُ عَنْهَا الْأَبَوَانِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ
فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ
زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.وَعَنْ
مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:«مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ
رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ
عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَخَاصَّةً نَحْنُ فِي زَمَنٍ
انْتَشَرَتْ فِيهِ وَسَائِلُ الْفَسَادِ، وَعَمَّتْ وَطَمَّتْ، وَتَكَالَبَ فِيهِ أَعْدَاءُ
الْإِسْلَامِ عَلَى أَهْلِهِ، وَكَشَّرَ الشَّرُّ عَنْ أَنْيَابِهِ، فَكَانَ لِزَامًا
عَلَيْنَا أَنْ نَهْتَمَّ بِتَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ، وَنَقُومَ بِهَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةِ
الْعُظْمَى. وَاللَّهُ تَعَالَى أَمَرَنَا بِتَأْدِيبِهِمْ وَتَرْبِيَتِهِمْ، فَقَالَ
سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التَّحْرِيمِ: 6]. وَمِنْ مَسْؤُولِيَّةِ الْوَالِدِ
تِجَاهَ وَلَدِهِ: غَرْسُ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَغَرْسُ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ،
وَأَنْ يَتَعَاهَدَ ذَلِكَ بِالسَّقْيِ وَالرِّعَايَةِ، وَيُعَلِّمَهُمُ الصَّلَاةَ،
وَيُرَغِّبَهُمْ فِيهَا، وَيُشَجِّعَهُمْ عَلَيْهَا، وَيُتَابِعَهُمْ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ
كَمَا يُتَابِعُهُمْ فِي الدِّرَاسَةِ، بَلْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَدْ أَرْشَدَنَا
النَّبِيُّ ﷺ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ
بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ
عَشْرِ سِنِينَ» حَسَنٌ – رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَأَسْلَافُنَا الصَّالِحُونَ هُمُ
الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ، وَالْقُدْوَةُ فِي تَرْبِيَتِهِمْ لِأَوْلَادِهِمْ، وَتَنْشِئَتِهِمُ
النَّشْأَةَ الصَّالِحَةَ؛ بِتَرْسِيخِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ فِي نُفُوسِهِمْ،
وَتَعْلِيمِ أُمُورِ الدِّينِ، وَتَصْحِيحِ الْعِبَادَاتِ عِنْدَهُمْ. وَخَيْرُ مِثَالٍ
لِذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ
ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي
أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ،
إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ...»
صَحِيحٌ – رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فَمَنْ مِنَ الْآبَاءِ يَرْسِخُ فِي نَفْسِ ابْنِهِ
أَمْثَالَ تِلْكَ الْمَعَانِي الْعَظِيمَةِ؟ أيُّها الآباءُ الكِرامُ.. إنَّ أولادَكُم
الصَّالحينَ هُم الثَّروةُ الباقيةُ؛ فإنَّ اللهَ تعالى يرفعُ الآباءَ والأُمَّهاتِ
- بعدَ موتِهم - في درجاتِ النَّعيمِ بدَعَواتِ أولادِهم؛ ذُكورًا كانوا أو إناثًا،
فقد قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ
إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٍ صَالِحٍ
يَدْعُو لَهُ». صحيحٌ - رواهُ الترمذيُّ. أيُّها الآباءُ الكِرامُ.. تَعَرَّفُوا على
أَصْدِقاءِ أَوْلادِهِم، فَإِنَّ الطُّيُورَ عَلَى أَشْكالِها تَقَعُ. وَخَيْرٌ مِنْهُ
قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ،
فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». حَسَنٌ - رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَمَنْ
صَاحَبَ الأَخْيَارَ كَانَ مِنْهُمْ، وَمَنْ صَاحَبَ الأَشْرَارَ صَارَ مِنْهُمْ. فَعَلَيْنَا
أَنْ نُشَجِّعَ أَوْلادَنَا عَلَى مُصَاحَبَةِ الأَخْيَارِ، وَنُحَذِّرَهُمْ مِنْ رِفْقَةِ
السُّوءِ، فَالْجَلِيسُ الصَّالِحُ خَيْرُ مُعِينٍ لَكَ عَلَى تَرْبِيَةِ ابْنِكَ؛
لأَنَّهُ لا يَأْمُرُهُ إِلَّا بِمَا فِيهِ خَيْرٌ، وَلا يَنْهَاهُ إِلَّا عَنْ شَرٍّ.
حَفِظَ اللهُ مِصْرَ قِيَادَةً وَشَعْبًا
مِنْ كَيْدِ الْكَائِدِينَ، وَشَرِّ الْفَاسِدِينَ وَحِقْدِ الْحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ
الْمَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ الْمُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ الْمُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ
الْخَائِنِينَ.