تَذْكِيرُ الصَّدِيقِ بِحَقِّ الطَّرِيقِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْأَرْضَ
ذَلُولًا لِنَمْشِيَ فِي مَنَاكِبِهَا وَنَبْتَغِيَ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا
وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ
عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى
يَوْمِ الدِّينِ؛ أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى
اللَّهِ تَعَالَى؛ فَهِيَ النَّجَاةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهِيَ الْعِصْمَةُ
مِنَ الْفِتَنِ.
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّ دِينَنَا
الْإِسْلَامِيَّ الْحَنِيفَ لَمْ يَقْتَصِرْ فِي تَشْرِيعَاتِهِ عَلَى تَنْظِيمِ عَلَاقَةِ
الْعَبْدِ بِرَبِّهِ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فَحَسْبُ، بَلْ شَمِلَتْ تَشْرِيعَاتُهُ
أَدَقَّ تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ، وَنَظَّمَ عَلَاقَاتِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛
فَتَهْدِفُ شَرِيعَتُنَا الْغَرَّاءُ إِلَى الرُّقِيِّ بِالْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ
إِلَى مَعَالِي الْأُمُورِ وَسُمُوِّ الْأَخْلَاقِ، وَتَنْأَى بِأَفْرَادِهِ عَنْ كُلِّ
خُلُقٍ سَيِّئٍ أَوْ عَمَلٍ مَشِينٍ، وَتُرِيدُ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَمَعُ مُتَآلِفًا
مُتَحَابًّا، تَرْبِطُ بَيْنَ عَنَاصِرِهِ الْأُخُوَّةُ وَالْمَوَدَّةُ، وَمِنْ أَهَمِّ
هَذِهِ التَّشْرِيعَاتِ: "حَقُّ الطَّرِيقِ".
عِبَادَ اللَّهِ؛ إِنَّ الطَّرِيقَ مِرْفَقٌ
عَامٌّ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْجَمِيعُ، وَالشَّارِعُ مِرْآةٌ تَعْكِسُ أَخْلَاقَ الْأُمَّةِ
وَمَدَى رُقِيِّهَا وَتَحَضُّرِهَا؛ وَقَدْ حَثَّنَا دِينُنَا عَلَى احْتِرَامِ الطَّرِيقِ
وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ لِيَبْقَى آمِنًا نَظِيفًا.
وَلَقَدْ وَضَعَ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ دُسْتُورًا مُتَكَامِلًا لِآدَابِ الطَّرِيقِ؛
فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ
بِالطُّرُقَاتِ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا
بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ: "إِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ، فَأَعْطُوا
الطَّرِيقَ حَقَّهُ"، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
"غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ
وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ
عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: "وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ".
فِي حِوَارٍ رَائِعٍ لَهُ دَلَالَاتُهُ
بَيْنَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ ﷺ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ حَوْلَ حُقُوقِ الطَّرِيقِ
وَآدَابِهِ، يَنْهَى ﷺ وَيُحَذِّرُ بِقَوْلِهِ: "إِيَّاكُمْ
وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ"؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ بِهَا يُعَرِّضُ لِلْفِتْنَةِ
وَإِيذَاءِ الْآخَرِينَ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْأَحْوَالِ الْخَاصَّةِ لِلنَّاسِ،
وَضَيَاعِ الْأَوْقَاتِ بِمَا لَا فَائِدَةَ مِنْهُ، فَيَسْتَوْضِحُ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ
اللَّهِ عَلَيْهِمْ: "مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا"،
فَيُرْشِدُ وَيُوَجِّهُ إِلَى الْوَضْعِ السَّلِيمِ: "إِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا
الْمَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ"، فَيَتَسَاءَلُونَ: "وَمَا
حَقُّ الطَّرِيقِ؟"، فَيَأْتِي الْجَوَابُ: "غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى،
وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِرْشَادُ
السَّبِيلِ"، فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى الِامْتِثَالِ لِتَوْجِيهَاتِ النَّبِيِّ
ﷺ وَتَنْفِيذِ مَا أَمَرَ بِهِ؛ فَهَيَّا
بِنَا نَقِفُ عِنْدَ هَذِهِ الْحُقُوقِ الْعَظِيمَةِ لِنَفْهَمَهَا وَنُطَبِّقَهَا:
الْحَقُّ الْأَوَّلُ: غَضُّ الْبَصَرِ
والْمُرَادُ بِغَضِّ الْبَصَرِ كَفُّهُ وَمَنْعُهُ مِنَ الِاسْتِرْسَالِ فِي التَّأَمُّلِ
وَالنَّظَرِ، وَالْأَمْرُ بِغَضِّ الْبَصَرِ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ
عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، يَقُولُ اللَّه: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}
[النُّورِ: 30] وَقَالَ تَعَالَى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}
[النُّورِ: 31]، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ
أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الْإِسْرَاءِ: 36]
وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ خُطُورَةَ إِطْلَاقِ الْبَصَرِ فَقَالَ:
"زِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ" [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ]
وَقَالَ ﷺ: "النَّظْرَةُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ
سِهَامِ إِبْلِيسَ، مَنْ تَرَكَهَا مِنْ مَخَافَتِي أَبْدَلْتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ
حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ" [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ]
وَذَلِكَ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْبَصَرِ يَجْلِبُ
عَذَابَ الْقَلْبِ وَأَلَمَهُ، يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ:
"تَعَمُّدُ النَّظَرِ يُورِثُ الْقَلْبَ عَلَاقَةً يَتَعَذَّبُ بِهَا الْإِنْسَانُ،
وَإِنْ قَوِيَتْ حَتَّى صَارَتْ غَرَامًا وَعِشْقًا زَادَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ"
وَأَصْلُ ذَلِكَ وَمَبْدَؤُهُ مِنَ النَّظَرِ، فَلَوْ أَنَّهُ غَضَّ بَصَرَهُ لَارْتَاحَتْ
نَفْسُهُ وَارْتَاحَ قَلْبُهُ.
وَالشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ لَمْ يُغْفِلْ
مَا قَدْ يَقَعُ مِنَ النَّاسِ بِدُونِ قَصْدٍ مِنْهُمْ، بَلْ أَمَرَ مَنْ نَظَرَ إِلَى
امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِدُونِ قَصْدٍ مِنْهُ أَنْ يَصْرِفَ بَصَرَهُ عَنْهَا وَلَا
يَتَمَادَى، قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَأَلْتُ رَسُولَ
اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ؟ "فَأَمَرَنِي
أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي" رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَمَعْنَى نَظَرِ الْفُجَاءَةِ كَمَا
ذَكَرَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: "أَنْ يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ
مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ ذَلِكَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ
يَصْرِفَ بَصَرَهُ فِي الْحَالِ، فَإِنْ صَرَفَ فِي الْحَالِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ،
وَإِنِ اسْتَدَامَ النَّظَرَ أَثِمَ".
وَإِنَّنَا الْيَوْمَ لَمْ نَقْتَصِرْ عَلَى
إِطْلَاقِ الْبَصَرِ فِي الطَّرِيقِ فَحَسْبُ، بَلِ امْتَدَّ الْأَمْرُ إِلَى الشَّاشَاتِ
وَالْإِعْلَانَاتِ وَالْجَوَّالَاتِ الَّتِي مَلَأَتْ طُرُقَاتِنَا وَأَسْوَاقَنَا.*
الْحَقُّ الثَّانِي: كَفُّ الْأَذَى
ومِنْ
حُقُوقِ الطَّرِيقِ كَفُّ الْأَذَى وَعَدَمُ إِيذَاءِ النَّاسِ فِي أَبْدَانِهِمْ أَوْ
أَعْرَاضِهِمْ، سَوَاءً بِاللِّسَانِ أَوِ الْيَدِ أَوِ الِاعْتِدَاءِ بِالنَّظَرِ
فِي بُيُوتِ الْآخَرِينَ دُونَ إِذْنِهِمْ، وَيَشْمَلُ النَّهْيُ السِّبَابَ وَالشَّتَائِمَ
وَأَذِيَّةَ النَّاسِ فِي أَعْرَاضِهِمْ وَالِاسْتِهْزَاءَ وَالسُّخْرِيَةَ، وَكَذَا
الْيَدُ فَإِنَّ أَذِيَّتَهَا لَا تَنْحَصِرُ فِي الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، بَلْ تَتَعَدَّاهَا
إِلَى الْوِشَايَةِ بِالنَّاسِ، وَالسَّعْيِ لِلْإِضْرَارِ بِهِمْ.
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا: كُلُّ مَا
يُؤْذِي سَالِكَ الطَّرِيقِ وَيُضَايِقُهُ، مِنْ إِلْقَاءِ حَجَرٍ قَدْ يَجْرَحُهُ
أَوْ قَاذُورَاتٍ تُلَوِّثُهُ، أَوْ تَلْوِيثِ ظِلِّ شَجَرَةٍ يَسْتَفِيدُ النَّاسُ
مِنْ ظِلِّهَا أَوْ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِهَا، قَالَ ﷺ: "اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ"
قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الَّذِي يَتَخَلَّى
فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ" [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
وَقَالَ ﷺ "مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ
وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.*
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ
يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا
بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الْأَحْزَابِ: 58]
وَقَالَ : {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الْأَعْرَافِ: 56]
وَقَالَ ﷺ: "إِمَاطَتُكَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ
صَدَقَةٌ" [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
وَقَالَ ﷺ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ
مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ]
وَقَالَ ﷺ: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]
إِنَّ الطُّرُقَ - إِخْوَةَ الْإِسْلَامِ
- يَجِبُ أَنْ تُفْسَحَ لِمَا هُيِّئَتْ لَهُ، مِنَ السَّفَرِ وَالتَّنَقُّلِ وَالْمُرُورِ،
وَإِنَّ أَيَّ اسْتِعْمَالٍ لَهَا فِي غَيْرِ تِلْكَ الْأَغْرَاضِ، فَإِنَّمَا هُوَ
ظُلْمٌ لِلنَّاسِ وَاعْتِدَاءٌ عَلَى حُقُوقِهِمْ وَهَضْمٌ لَهُمْ وَإِيذَاءٌ، قَالَ
ﷺ "عَلَى كُلِّ نَفْسٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ
طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ صَدَقَةٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ: مِنْ أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ:
التَّكْبِيرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَعْزِلُ
الشَّوْكَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ وَالْعَظْمَ وَالْحَجَرَ" الْحَدِيثَ رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.*
وَقَالَ ﷺ "إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ
مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِ مِئَةِ مِفْصَلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ
وَحَمِدَ اللَّهَ وَهَلَّلَ اللَّهَ وَسَبَّحَ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وَعَزَلَ
حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ،
وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَّ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثَ
مِئَةِ السُّلَامَى، فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ"
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.*
وَقَالَ ﷺ "كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ
صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ،
وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا
مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا
إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ" رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.*
وَبَشَّرَ مَنْ أَزَالَ الْأَذَى فَقَالَ
ﷺ "لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ
فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ"
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ ﷺ
"بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فَأَخَّرَهُ،
فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.*
*وَقَالَ ﷺ "عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي
حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ
الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا النُّخَامَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ
لَا تُدْفَنُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
أَلَا فَأَيْنَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ تَدَبُّرِ
هَذِهِ الْأَقْوَالِ الصَّادِقَةِ الْعَظِيمَةِ؟! أَيْنَ هُمْ مِنْ تِلْكَ التَّوْجِيهَاتِ
النَّبَوِيَّةِ الْكَرِيمَةِ؟! وَإِذَا كَانَتِ الشَّجَرَةُ الَّتِي تَنْبُتُ بِغَيْرِ
اخْتِيَارٍ مِنْهَا، وَالشَّوْكُ الَّذِي قَدْ تَدْفَعُهُ الرِّيَاحُ إِلَى الطَّرِيقِ،
يَكُونُ فِي عَزْلِهِمَا وَتَأْخِيرِهِمَا عَنِ الطَّرِيقِ كُلُّ ذَلِكَ الْأَجْرِ
الْكَبِيرِ، فَكَيْفَ بِمَا فَوْقَهُمَا؟!
وَإِذَا كَانَتِ النُّخَامَةُ تُعَدُّ مِن
مَسَاوِئِ الأَعمَالِ لأَنَّهَا تُؤذِي النُّفُوسَ وَتَجرَحُ الشُّعُورَ، فَكَيفَ بما
هُوَ أَعظَمُ مِنها مِن إِغلاقِ طُرُقَاتِ المُسلِمِينَ وَإِلقَاءِ الأَذَى فِيهَا،
أَو مُضَايَقَتِهِم بِرَفعِ صَوتِ الغِنَاءِ أَو مُلاحَقَةِ النِّسَاءِ؟! وَإِذَا كَانَتْ
إِعَانَةُ الرَّجُلِ بِحَمْلِهِ عَلَى دَابَّتِهِ أَوْ رَفْعِ مَتَاعِهِ صَدَقَةً وَفِيهَا
أَجْرٌ وَعَلَيْهَا ثَوَابٌ، فَإِنَّ إِعَاقَتَهُ عَنْ بُلُوغِ حَاجَتِهِ بِإِغْلَاقِ
الطَّرِيقِ عَلَيْهِ ذَنْبٌ وَسَيِّئَةٌ وَوِزْرٌ وَعِقَابٌ، فافْعَلُوا كُلَّ مَا
تُحْمَدُونَ عَلَيْهِ وَتُؤْجَرُونَ بِهِ، وَاحْذَرُوا كُلَّ مَا يَكُونُ سَبًا فِي
لَعْنِ النَّاسِ لَكُمْ أَوْ دُعَائِهِمْ عَلَيْكُمْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ،
وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ
مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَالْإِيمَانِ أَنْ يَكُفَّ الْمَرْءُ عَنِ
النَّاسِ شَرَّهُ وَيُمِيطَ عَنِ الطَّرِيقِ أَذَاهُ، قَالَ ﷺ "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ
شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ
الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ" مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
-: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ
مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.*
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ يَخْرُجُ بِاللَّيْلِ يَتَفَقَّدُ الطَّرِيقَ بِنَفْسِهِ، وَيُزِيلُ
الْحَجَرَ بِنَفْسِهِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ ذَلِكَ؟
الْحَقُّ الثَّالِثُ: رَدُّ السَّلَامِ
ومِنْ حُقُوقِ الطَّرِيقِ رَدُّ السَّلَامِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَاشِي
عَلَى الْقَاعِدِ، وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ، وَالصَّغِيرُ
عَلَى الْكَبِيرِ، وَرَدُّ السَّلَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِذَا كَانُوا أَكْثَرَ
مِنْ وَاحِدٍ، سَوَاءً كَانُوا فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَرَدَّ بَعْضُهُمُ
السَّلَامَ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَقَطَ الْوَاجِبُ عَنِ الْبَعْضِ الْآخَرِ،
وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ رَدُّ السَّلَامِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي،
وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ".
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ
بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النِّسَاءِ: 86]
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ
تَحَابُّوا" [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
وَقَالَ ﷺ: "لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى
تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا" [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
وَرَدُّ السَّلَامِ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ
الْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مَرْفُوعًا: "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ،
وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ
الْجَنَائِزِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَصَّرَ فِي هَذَا الْبَابِ خَلْقٌ
كَثِيرُونَ، وَاقْتَصَرَ سَلَامُهُمْ عَلَى الْمَعْرِفَةِ، فَمَنْ عَرَفُوهُ سَلَّمُوا
عَلَيْهِ أَوْ رَدُّوا عَلَيْهِ سَلَامَهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ لَمْ يُعِيرُوهُ
اهْتِمَامًا، وَهَذَا خِلَافُ مَا جَاءَ بِهِ التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ.
الْحَقُّ الرَّابِعُ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ
وهَذَا بَابٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ وَالْقَدْرِ،
بِهِ كَانَتْ أُمَّتُنَا خَيْرَ الْأُمَمِ، قَالَ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ} [آلِ عِمْرَانَ: 110]، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تِلْكَ الْأُمَّةِ فَلْيُؤَدِّ شَرْطَ اللَّهِ
فِيهَا" رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَمَنْ
لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ أَشْبَهَ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ
تَعَالَى: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} [الْمَائِدَةِ: 79]".
وَبِتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ
عَنِ الْمُنْكَرِ يَحِلُّ الْعِقَابُ، فَقَدْ قَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ خَطِيبًا فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ
وَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}
[الْمَائِدَةِ: 105]، وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَإِنِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا
الْمُنْكَرَ لَا يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ اللَّهُ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابٍ" رَوَاهُ
الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ
عَنِ الْمُنْكَرِ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَرِجَالِ الْحِسْبَةِ،
بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، كُلٌّ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي
مُرَاعَاةُ التَّدَرُّجِ فِي الْإِنْكَارِ، فَلَا يَنْتَقِلُ الْمَرْءُ إِلَى مَرْتَبَةٍ
حَتَّى يَعْجَزَ عَنِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَإِنَّ مِنَ الْمُؤْلِمِ الْيَوْمَ أَنْ
نَرَى الْمُنْكَرَ فِي طُرُقَاتِنَا فَنَقُولَ: "وَأَنَا مَالِي"، حَتَّى
لَوْ كَانَ تَحَرُّشًا أَوْ سَبًّا أَوْ أَذًى ظَاهِرًا.*
*أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ - عِبَادَ اللَّهِ
- وَتَأَدَّبُوا بِآدَابِ الْإِسْلَامِ فِي حِلِّكُمْ وَتَرْحَالِكُمْ، وَفِي بُيُوتِكُمْ
وَطُرُقَاتِكُمْ وَمَسَاجِدِكُمْ وَأَسْوَاقِكُمْ، وَفِي كُلِّ شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِكُمْ،
وَاتَّقُوا اللَّهَ يَا مَنْ وُلِّيتُمْ حِفْظَ أَمْنِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ حُمِّلْتُمْ
أَمَانَةَ تَنْظِيمِ أَسْوَاقِهِمْ وَطُرُقَاتِهِمْ، وَخُذُوا عَلَى أَيْدِي السُّفَهَاءِ،
وَلْنَأْمُرْ جَمِيعًا بِالْمَعْرُوفِ وَلْنَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلْنَبْذُلِ النَّصِيحَةَ،
فَإِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ
وَعَامَّتِهِمْ.*
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ
لِي وَلَكُمْ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى وَصَلَاةً وَسَلَامًا
عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى وَبَعْدُ؛ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ،
إِنَّ النَّاظِرَ فِي حَالِ أُمَّتِنَا الْيَوْمَ، وَمَا آلَتْ إِلَيْهِ أَحْوَالُ
الْمُسْلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، لَيَقِفُ حَائِرًا أَمَامَ
هَذَا التَّنَاقُضِ الْعَجِيبِ بَيْنَ مَا نَدَّعِيهِ مِنْ حُبٍّ لِنَبِيِّنَا ﷺ، وَبَيْنَ وَاقِعِنَا الَّذِي يَبْتَعِدُ
فِي كَثِيرٍ مِنْ تَفَاصِيلِهِ عَنْ هَدْيِهِ وَسُنَّتِهِ؛ وَلَقَدْ خَطَرَ فِي بَالِي
خَاطِرٌ أَوْجَعَ قَلْبِي، وَأَدْمَعَ عَيْنِي، وَتَفَكَّرْتُ فِيهِ طَوِيلًا؛ يَا
تُرَى، مَاذَا لَوْ بُعِثَ الشَّفِيعُ بَيْنَنَا الْيَوْمَ؟ مَاذَا لَوْ خَرَجَ نَبِيُّنَا
ﷺ مِنْ رَوْضَتِهِ الشَّرِيفَةِ، وَمَشَى
فِي طُرُقَاتِنَا، وَأَسْوَاقِنَا، وَدَخَلَ بُيُوتَنَا، وَتَأَمَّلَ فِي أَحْوَالِنَا؟
كَيْفَ سَيَكُونُ حَالُهُ؟ وَبِأَيِّ عَيْنٍ سَنَنْظُرُ إِلَيْهِ؟
تَخَيَّلُوا مَعِي لَوْ أَنَّ بَابَ الْمَسْجِدِ
فُتِحَ الْآنَ، وَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَشَى فِي طُرُقَاتِنَا، وَأَسْوَاقِنَا،
وَدَخَلَ بُيُوتَنَا، وَتَأَمَّلَ فِي أَحْوَالِنَا... مَاذَا سَيَقُولُ؟ وَبِمَاذَا
سَيُعَاتِبُنَا؟
هَلْ سَيَرَى غَضًّا لِلْبَصَرِ، وَحِفْظًا لِلْأَعْرَاضِ؟
هَلْ سَيَرَى كَفًّا لِلْأَذَى؛ أَمْ سَيَرَى
التَّعَدِّيَ عَلَى الْأَرْصِفَةِ، وَإِيقَافَ السَّيَّارَاتِ بِطَرِيقَةٍ تُعَطِّلُ
مَصَالِحَ النَّاسِ، وَإِلْقَاءَ الْقُمَامَةِ فِي غَيْرِ أَمَاكِنِهَا؟*
فِي أَسْوَاقِنَا، لَوْ مَرَّ ﷺ بَيْنَنَا، هَلْ سَيَرَى الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ،
وَالْبُعْدَ عَنِ الْغِشِّ وَالِاحْتِكَارِ، أَمْ سَيَرَى التَّلَاعُبَ بِالْأَسْعَارِ
وَاسْتِغْلَالَ حَاجَةِ الضُّعَفَاءِ؟
لَوْ رَأَى ﷺ طُرُقَاتِنَا، لَسَاءَهُ حَالُ الشَّبَابِ
الَّذِي يَقْضِي السَّاعَاتِ الطِّوَالَ فِي مَجَالِسِ اللَّهْوِ وَاللَّغْوِ، وَلَرَأَى
الْغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ وَتَتَبُّعَ عَوْرَاتِ النَّاسِ فِي الْمَجَالِسِ، وَقَدْ
نَسِيَ الْكَثِيرُونَ وَصِيَّةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِكَفِّ الْأَذَى وَغَضِّ الْبَصَرِ
وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ مُجَرَّدَ
تَخَيُّلِنَا لِلنَّبِيِّ ﷺ يَسِيرُ فِي شَوَارِعِنَا الْيَوْمَ، يَجِبُ
أَلَّا يَدْفَعَنَا لِلْيَأْسِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نُقْطَةَ انْطِلَاقٍ حَقِيقِيَّةٍ
لِلتَّغْيِيرِ. إِنَّ مَحَبَّتَنَا الصَّادِقَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَا تَكُونُ بِمُجَرَّدِ الْأَقْوَالِ،
بَلْ تَظْهَرُ جَلِيَّةً فِي الِاقْتِدَاءِ بِأَخْلَاقِهِ، وَتَطْبِيقِ سُنَّتِهِ فِي
مُعَامَلَاتِنَا، وَأَخْلَاقِنَا، وَبُيُوتِنَا، وَجَمِيعِ شُؤُونِ حَيَاتِنَا.
لَقَدْ عَاصَرَهُ قَوْمٌ مِنْ قَبْلُ، فَمِنْهُمْ
مَنْ أَطَاعَ فَفَازَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَصَى فَخَسِرَ؛ وَالْيَوْمَ الْفُرْصَةُ سَانِحَةٌ
أَمَامَنَا لِنَتُوبَ إِلَى اللَّهِ، وَنُرَاجِعَ حِسَابَاتِنَا لِنَجْعَلْ مِنْ شَوَارِعِنَا
وَطُرُقَاتِنَا صُورَةً تَعْكِسُ أَخْلَاقَ حَبِيبِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
نَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ أَنْ تُحْيِيَ قُلُوبَنَا بِسُنَّتِكَ، وَأَنْ تَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِنَا وَتَقْصِيرِنَا، وَأَنْ تَرْزُقَنَا شَفَاعَةَ نَبِيِّكَ وَحَوْضَهُ، وَأَنْ نُحْشَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي زُمْرَتِهِ؛ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.